سورة المائدة | حـ 890 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 890 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • وصف الله تعالى أحكام الوضوء في سورة المائدة بشكل واضح وصريح، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليشرحها بفعله وهديه.
  • كان النبي يبدأ وضوءه بالتسمية، وكان يقول: "كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر".
  • يغسل النبي يديه قبل وضعهما في الإناء، ثم يستاك، وكان يقول: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".
  • اختلف العلماء في وقت السواك، فالإمام مالك يرى أنه قبل الوضوء، بينما الإمام الشافعي يراه عند كل صلاة.
  • يتمضمض النبي ويستنشق ثلاثاً، ثم يغسل وجهه، ولم يكن يخلل لحيته الكثيفة.
  • يغسل يديه إلى المرفقين مبتدئاً باليمنى، ويخلل بين أصابعه.
  • يمسح رأسه ويُقبِل ويُدبِر، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين.
  • كان النبي يحب أن يثلث أفعاله في الوضوء، وقد توضأ مرة واحدة ومرتين لبيان الجواز.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في آية الوضوء من سورة المائدة وبيان أحكامه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وربنا سبحانه وتعالى يعلمنا الوضوء ويذكره محددًا صريحًا واضحًا فيقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 6]

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي فيفسر ويوضح ويشرح هذا [الوضوء] بفعله وهديه، ويدلنا على كمال الوضوء الذي يرضي الرب ويحقق رموزه وأحكامه وفوائده وما يريده ربنا منا.

بداية الوضوء بالتسمية والسواك اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم

فترى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يقوم إلى الوضوء يحضر الماء ويجهز السواك ويقول: بسم الله.

وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دائمًا يقول:

«كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع، أبتر، أجزم»

وكل هذه روايات مختلفة لهذا الحديث؛ فمرة يقول أبتر، ومرة يقول أقطع، ومرة يقول أجزم، وكلها بمعنى واحد.

ولأن الوضوء ذو بال وذو شأن في الشريعة، فإنه كان يبدأ ببسم الله، ويعلمنا أن كل شيء له بال وله شأن في الشريعة نبدأ فيه أيضًا ببسم الله طلبًا للبركة.

غسل اليدين قبل الإناء والاستياك وفضل السواك في تطهير الفم

ويغسل [النبي صلى الله عليه وسلم] يديه قبل أن يضعها في الإناء، خارج الإناء، ثم بعد ذلك يستاك.

وكان يقول عن السواك:

«إنه مطهرة للفم، مرضاة للرب»

والسواك يزيل القلح، الذي يسمونه اليوم "البلاك"، وهم يعلنون ذلك على معجون الأسنان وفرشاة الأسنان. ولابد من الاعتناء بأسنانك.

إذن الاعتناء بهذا الفم [واجب]؛ لأنه يخرج منه الذكر، ويخرج منه الصلاة، ويخرج منه الطيب من الكلام، ويخرج منه الدعاء، ويخرج منه تلاوة القرآن. فهو [الاعتناء بالفم] مأمور به، وقد أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

محل السواك عند الإمام مالك والإمام الشافعي والجمع بين القولين

والسواك محله الوضوء، خاصة عند الإمام مالك؛ فالإمام مالك كان يرى أن السواك يكون قبل الوضوء، حتى في قوله صلى الله عليه وسلم:

«السواك عند كل صلاة»

فكان يفسرها بأنه عند كل وضوء لصلاة. لماذا؟ لأنه رأى أن إزالة القلح في المسجد لا تجوز، وغير مناسبة، وفيها كراهة أن يكون المسجد محلًا لإزالة المستقذر. والقلح هذا شيء غير مرغوب فيه، لا نريده.

فكان من نزاهته ووضوح حاله، رضي الله تعالى عنه، يرى أن "السواك عند كل صلاة" معناها عند كل وضوء.

بخلاف الإمام الشافعي الذي كان يرى أنه عند كل صلاة، حتى لو كان عند كل وضوء. والجمع بينهما ليس متعذرًا، وهذا [الاستياك عند الصلاة] شيء بسيط لا يوصف بأنه إزالة قذارات في المسجد، خاصة إذا كان الإنسان قد سبق وأن توضأ واستعمل السواك؛ فإن استعماله عند الصلاة يكون تأكيدًا وتعبدًا لمرضاة الرب ولطهارة الفم.

المضمضة والاستنشاق وحب النبي للتثليث في أفعاله

بعد ذلك، يتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، وكان يحب أن يثلّث أفعاله، حتى إنه كان عندما يتكلم في الدرس يعيد الكلام ثلاث مرات؛ حتى يسمع من لم يكن سامعًا ولا مستمعًا.

والمستمع يعني: مركّز، أما السامع فهو الذي يسمع الكلام لكنه لا يعرف معناه، فيجذب [التكرار] الانتباه، والذي لم يفهم يفهم، والذي فاته بعض الشيء لأنه قد شرد بذهنه يركز معه ثلاث مرات.

كان يحب ذلك صلى الله عليه وسلم، فكان يتوضأ ثلاثًا، إلا أنه مرة توضأ ثلاثًا، وتوضأ اثنتين، وتوضأ مرةً واحدة؛ لبيان الجواز، وأخرج الترمذي أنه كان يفعل ذلك.

غسل الوجه واليدين وصفة لحية النبي صلى الله عليه وسلم الكثيفة

وبعد المضمضة والاستنشاق، يغسل [النبي صلى الله عليه وسلم] وجهه، وبعد ذلك يغسل يديه إلى المرفقين، ويبدأ باليمنى.

وكانت لحيته كثيفة، ولحيته الكثيفة كانت عظيمة، حتى أن من خلفه في الصلاة كان يراها وهي تتحرك عند تلاوته الشريفة في الصلاة.

كان عظيم اللحية، وكانت سوداء، وكان يجعلها متساوية مهذبة جميلة، وكان فخمًا مفخمًا صلى الله عليه وسلم.

مهابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن وصفه من الصحابة والتابعين

وكان من يراه يهابه، حتى أن الصحابة لما استوصفه التابعون قائلين: صِفْ لنا النبي، كيف كان شكله؟ تنبهوا إلى أنهم لم يديموا النظر إليه، غير قادرين على رفع أعينهم إليه هكذا ليصفوه. نحن نعرفه وكل شيء، من بعيد يعرفونه أنه سيدنا محمد، لكن الوصف الدقيق لم يكن سهلًا، إذ لم يجلسوا يتفحصون فيه هكذا.

لماذا لا يُستطاع النظر إليه؟ من مهابته صلى الله عليه وسلم ومن جماله.

وصفه اثنان فقط: هند بن أبي هالة بن خديجة؛ لأنه ربيبه وكان معه في البيت، والنبي تزوج أمه [السيدة خديجة] عليها السلام. والثاني: أم معبد، كانت مشركة، ومرّ عليها فتفاجأت من هو، فجلست تتفحصه، فوصفته هذين الوصفين الواردين في كتب السيرة النبوية.

وسيدنا أنس خادمه، وكان صغيرًا في السن، فكان يذكر كلمة. أما سيدنا الحسن وسيدنا الحسين لم يصفه أحد منهما؛ لأنه هابوه صلى الله عليه وسلم.

حكم تخليل اللحية الكثيفة والفرق بينها وبين الخفيفة في الوضوء

بعد ذلك، اللحية الكثيفة هذه كان [النبي صلى الله عليه وسلم] يمسحها، ولا تُخلَّل؛ فاللحية الكثيفة لا تُخلَّل.

وقد ذكرنا سابقًا الفرق بين اللحية الكثيفة والخفيفة (اللطيفة)؛ أن ترى البشرة، فإن رأيت البشرة فهي خفيفة، وإن لم ترَ البشرة فهي كثيفة.

تخليل الأصابع ومسح الرأس بالإقبال والإدبار في الوضوء

ثم بعد ذلك يبدأ [النبي صلى الله عليه وسلم] باليمنى تيامنًا، فيغسل يديه ويخلل أصابعه على هذه الهيئة؛ يشبك أصابعه هكذا ويخلل بينها.

وبعد ذلك، يمسح رأسه فيُقبِل ويُدبِر، يُقبِل ويُدبِر. ولكنّ "يُقبِل ويُدبِر" هذه مقلوبة [في المعنى الحرفي]؛ كان يجب أن نقول يُدبِر ويُقبِل؛ لأنه عندما يُمسك هكذا يرجع إلى الخلف فيُدبِر، ثم يرجع إلى الأمام فيُقبِل.

المركبات اللغوية عند العرب وتفسير عبارة يُقبِل ويُدبِر

لكنك تقول "يُقبِل ويُدبِر"، ولكن العرب تقول هكذا. هناك شيء يُسمّى المُركّب عند العرب، مثل قولهم: ليل نهار؛ العرب لا تقول "نهار ليل".

وكذلك تقول يُقبِل ويُدبِر، لا تقل "يُدبِر ويُقبِل". وهذا من المركبات عند العرب. وكذلك صيف شتاء، ولا يقولون "شتاء صيف". العرب هكذا تحفظها هكذا، فهذه المركبات ثابتة.

فلا أحد يأتي ويقول لي "يُقبِل ويُدبِر" هذا يكون [معناه أنه] كان يضع يده من الخلف، لا، بل كان يضع يده من الأمام إلى الخلف.

مسح الأذنين وغسل الرجلين وخاتمة صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

ثم يمسح أذنيه، وبعد ذلك يغسل رجليه إلى الكعبين صلى الله عليه وسلم، على هذا الترتيب، ولم يُخالفه أبدًا.

فهذه هي هيئة وسنن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.