سورة المائدة | حـ 892 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •بيّن الله في سورة المائدة الطهارة الأصلية بالماء من خلال الوضوء والاغتسال، ثم الطهارة البديلة بالتيمم عند فقد الماء.
- •اختلف الفقهاء في تفسير "الصعيد الطيب" المذكور في الآية الكريمة، فالشافعية فسروه بالتراب فقط.
- •المالكية فسروا الصعيد بأنه كل ما كان على وجه الأرض من أصل الخلقة، فأجازوا التيمم بالرخام وغيره مما هو من الأرض.
- •هذا الاختلاف الفقهي لم يؤثر على الأخوة بين المسلمين، إذ كانوا يصلون معاً خلف إمام واحد رغم اختلاف مذاهبهم.
- •علّم الأزهر الشريف طلابه سعة الصدر واستيعاب خلاف الأئمة، فلم يدرسوا مذهباً واحداً بل درسوا الفقه الإسلامي بشموليته.
- •تعلم العلماء من هذا المنهج كيفية الاستماع للآخر والمناقشة بسماحة ورحمة وانفتاح، فناقشوا الفلاسفة وأصحاب الأديان المختلفة.
- •الحدث أمر اعتباري قائم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة، وله أسباب متعددة تستوجب الطهارة.
مقدمة الدرس وبيان آية الطهارة الأصلية من سورة المائدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة المائدة، وبعد أن علّمنا الله سبحانه وتعالى الوضوء وعلّمنا الاغتسال والطهارة من الجنابة، قال تعالى:
﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]
إذ بعد أن بيّن لنا [الله سبحانه وتعالى] الطهارة الأصلية من وضوء واغتسال لإزالة الحدث الأصغر أو الأوسط أو الأكبر، بيّن لنا الطهارة البديلة.
الطهارة أمر تعبدي والتيمم بالصعيد الطيب وتفسيره عند الشافعية والمالكية
وبعد هذا البيان من الطهارة الأصلية بالماء والطهارة البديلة بما سنراه، اتضح لنا أن الطهارة أمر تعبدي؛ لأنه أمرنا بعد ذلك فقال:
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6]
من هذا الصعيد الطيب. والصعيد الطيب فسّره الإمام الشافعي بأنه التراب الذي له غبار كما قال إخواننا الشافعية، وفسّره الإمام مالك بأنه كل ما كان بأصل الخلقة على سطح الأرض أو من الأرض.
إذن هذا العمود في هذا المسجد الشريف وهو من الرخام، والرخام من الأرض، يجوز التيمم به عند المالكية.
كيفية تيمم المالكية على الرخام واشتراط الشافعية للتراب
وكان مشايخ المالكية الذين يريدون التيمم يتيممون على هذا العمود [عمود الرخام في المسجد]. المالكية سهلة عندهم؛ يدخل [أحدهم] هكذا ويهجم على الصلاة، ويأتي عند هذا العمود فيضرب مرة لوجهه ومرة ليده، فيكون تيممًا.
أما الشافعية فلا يصح عندهم هذا الكلام؛ الشافعية يشترطون أن يكون ترابًا. اختلافهم في معنى الصعيد الطيب.
ما معنى الصعيد؟ قال الشافعية: قالوا تراب، كلمة صعيدًا طيبًا أنا يُهيَّأ لي هكذا في اللغة أنها تسمى ماذا؟ تراب. والثاني [أي قول المالكية]: كل ما كان على وجه الأرض من خلقته.
قصة شيخ المالكية في الأزهر وتيممه على الرخام عند الشافعي ومالك
فكان شيخ مشايخ المالكية هنا في الأزهر الشريف هو ليس متوضئًا وعنده عذر يبيح له هذا العذرُ التيمم، الله أعلم ما هو هذا العذر، لكنه خلاص قرّر أنه داخل في من يتيمّمون.
فيشرع في الضرب على الرخام؛ لأن الرخام من الصعيد الطيب عند الإمام مالك. وأخيه [الإمام] الشافعي أيضًا الذي يريد أن يتيمم لفقد الماء حِسًّا أو شرعًا - وسنتحدث الآن عمّا معنى حِسًّا وما معنى شرعًا - يجب أن يذهب ليتيمم بماذا؟ بالتراب.
إذن فهذه سعة، وهذا الاختلاف لم يؤثر [في العلاقة بين أتباع المذاهب].
سعة الخلاف بين المذاهب وعدم تأثيره في الأخوة بين المسلمين
في مالكي وبجانب أخي الشافعي نصلي خلف إمام واحد، أنا تيممت بالتراب فتيممي صحيح عند المالكي، لكنه هو تيمم بغير التراب فيكون غير صحيح عند الشافعي. لم يمسك بعضهم برقاب بعض ولم يتشاجروا أبدًا؛ لأن هذا يتبع إمامًا مجتهدًا وذاك يتبع إمامًا مجتهدًا.
يعني الأزهر علّم الناس كيف يكونون واسعي الصدر، تستوعب خلاف الأئمة. لم يدرسوا مذهبًا واحدًا بل درسوا الفقه الإسلامي الواسع، إنه شيء شامل هكذا، ابتداءً من الوضوء والتيمم وهذه الأشياء.
الوضوء تام لأنه ماذا؟ بداية الصلاة، والصلاة هي ركن الدين. اختلفوا لكن خلافهم لم يؤثر في أخوّتهم.
حوار المشايخ حول التيمم بالرخام بين المذهبين المالكي والشافعي بسماحة
وكان المشايخ وهم يسيرون هكذا يقولون: الله، هل عندكم في المالكية أليست بالضرورة تراب؟ ويقول له: لا، نحن عندنا في المذهب المالكي يصح الرخام. ويقول الآخر: نحن عندنا في المذهب الشافعي لا يصح.
هكذا هو بسماحة، برحمة، بذهن مفتوح، بقلب مفتوح. ولذلك تعلموا كيف يستمعون للآخر وكيف يناقشون؛ فناقشوا الفلاسفة، وناقشوا أصحاب الأديان على اختلافها، وناقشوا أهل الإيمان وأهل الإلحاد.
صدرٌ [واسع]، تعالَ أنت ماذا تريد؟ ها، قُلْ:
الدعوة إلى الحوار والمناقشة بالحجة والبرهان في القرآن الكريم
﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]
إذن، يا أهل الكتاب:
﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]
ماذا تعني المناقشة؟
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
ليس لديّ خوف من المناقشة ومن السماع ومن إقامة الحجة والبرهان.
أسباب الحدث الموجبة للتيمم وتعريف الحدث الشرعي
﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]
هذه يسمونها أسباب الحدث. [والحدث هو] أمرٌ اعتباري قائم بالأعضاء يمنع من صحة الصلاة حيث لا مُرخِّص، وشرحنا هذا في حلقات سابقة.
طيب، هذا الحدث ما سببه؟ لماذا يحدث الحدث في جسم الإنسان؟ فهذه مصادر الحدث في جسم الإنسان التي تمنعه من الصلاة إلا بعد أن يتوضأ.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
