سورة المائدة | حـ913 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ913 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • مراتب القصد البشري خمسة كما نظمها الناظم: "مراتب القصد خمس: هاجس ذكر فخاطر فحديث النفس فاستمع يليه هم فعزم كلها رفعت سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقع".
  • الهاجس هو الصورة العابرة في الذهن التي تمر سريعاً دون ثبات، كتخيل الكعبة أو زجاجة خمر تظهر وتختفي.
  • الخاطر هو ثبات الصورة في الذهن بشكل أقوى، كأن يخطر بالبال فكرة ما.
  • حديث النفس هو مناقشة الفكرة داخلياً والتردد فيها، كالتفكير في الحج وتكاليفه ومنافعه.
  • الهم هو ترجيح الفعل أو تركه دون عزم مؤكد.
  • النية أو العزم المؤكد هو القرار النهائي كالشروع في إجراءات السفر للحج.
  • في شريعة الإسلام لا يؤاخذ المسلم على الهاجس أو الخاطر أو حديث النفس أو الهم، بل يؤاخذ على النية والعزم فقط.
  • هذا من تخفيف الله على الأمة الإسلامية، بينما كانت الأمم السابقة تؤاخذ على الهم.
  • الخواطر والهواجس من طبيعة البشر، حتى الأنبياء قد تعرض لهم لأنهم بشر.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية من سورة المائدة عن نعمة الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 11]

وكما ذكرنا من قبل، إن مراتب القصد البشري للفعل الإنساني خمسة، كما نظمها الناظم فقال:

مراتب القصد خمسٌ: هاجسٌ ذكروا، فخاطرٌ فحديث النفس فاستمع، يليه همٌّ فعزمٌ، كلها رُفعت سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقع

تعريف مراتب القصد الخمس وبيان المرتبة الأولى وهي الهاجس

فمراتب القصد خمسة: هاجس، خاطر، حديث نفس، همّ، نية أو عزم مؤكد.

وذلك أن الإنسان إذا لاحظ علاقته وإرادته واختياره الذي يسبق سلوكه، لوجد أن صورة ما تحدث في الذهن. فإذا جاءت صورة ما في ذهنك ومرّت مرور الكرام، وجاء في ذهنك شيء من الطاعات أو شيء من المعاصي، كما لو جاءت في ذهنك صورة الكعبة، فجاءت هكذا ومرّت ومضت، فهذا يسمونه هاجسًا؛ أي هجس لك صورة الكعبة المشرفة.

يمكن أن تهجس لك زجاجة خمر، هو هاجس أيضًا؛ بأن زجاجة الخمر تأتي هكذا وتمرّ أمامك وتمضي دون أن يحدث شيء، كأنك تصوّرتها، كأنك تخيّلتها فقط. حتى أن هذا التصوّر والتخيّل يُسمّى إدراكًا، ولكنه إدراك على مستوى الهاجس؛ لأن الصورة لم تثبت.

المرتبة الثانية من مراتب القصد وهي الخاطر وثبوت الصورة في الذهن

فإذا ثبتت [الصورة في الذهن] فنكون قد وصلنا إلى المرتبة الثانية: الخاطر. ففي [مثال] الكعبة وقفت أمامك هكذا غير راضية أن تتزحزح، ولا أعرف ما هذه الحكاية.

ماذا يعني هذا الأمر؟ لا أعرف! الكعبة أو زجاجة الخمر أيضًا ثبتت أمامك هكذا. إذن وصلنا إلى المرتبة الثانية وهي الخاطر، يُقال لك: خطر ببالي؛ أي جاء هكذا فجأة وخطر، خطر ببالي.

المرتبة الثالثة من مراتب القصد وهي حديث النفس والتردد بين الفعل والترك

فإذا تحدّثت مع نفسك، سألت نفسك عن هذه الصورة فقلت: ما هذه العبارة؟ لماذا تأتي الكعبة إليّ؟ نحن نريد أن نسافر إلى الكعبة لنعتمر أو نحجّ. أو قال هذا الآخر - بعيدًا عن السامعين -: ما هذه الخمرة؟ لماذا أتت؟ ربما أريد أن أشربها أو أكسرها.

يعني من الوارد في الذهن أن يأخذ ويعطي بعضه في الكلام، فقال: والله كيف سأذهب أنا؟ الحجّ الآن أو العمرة، هذه تحتاج إلى تأشيرة وتحتاج إلى تكاليف، وأنا لديّ مواعيد وأنا مشغول هذه الأيام. لا، ولكن العمرة أيضًا ستغسل الإنسان وتطهّره، وأنا مشتاق.

ما معنى أنه يتكلم بصوت منخفض؟ إذن وصلنا إلى المرحلة الثالثة: حديث النفس. ما هو [حديث النفس]؟ في محادثة ذاهبة وآتية: نعم، لا، ولكن، نعم، ولكن، ربما، لا، يعني التردد ما بين نعم ولا، يكون هذا حديث نفسي.

المرتبة الرابعة الهمّ والمرتبة الخامسة النية أو العزم المؤكد

فإذا زاد على هذا [التردد] وهممت وترجّح لي الفعل، يكون هذا ماذا؟ هممت. أو ترجّح عندي عدم الفعل، يكون قد هممت بأن أذهب.

أما إذا قرّرت وعزمت عزمًا مؤكدًا أني ذاهب، واتصلت بالهاتف، بدأت العزم المؤكد الذي هو النية. وأحضرت جواز السفر إلى السفارة لكي أتحصّل التأشيرة، واتصلت بالشركة لكي نقطع التذكرة، وبشركة السياحة لتحجز لنا في الفنادق. الله! لقد أصبحنا هنا، والشخص الذي يقابلني في الطريق أقول له: أنا ذاهب لأعتمر إن شاء الله.

ولكن حتى الآن ذهبنا ولا شيء، إنها كلها نية فقط، نية من قبيل العزم المؤكد.

تطبيق مراتب القصد على المعصية وبيان أن المؤاخذة تكون على النية فقط

كذلك في المعصية: أشتري هذه الزجاجة - والعياذ بالله -، لا، دعني لا أفعل، هذه حرام. لا بأس، دعنا نتوب أولًا. لا، أستغفر الله! وبعد ذلك تأكّد عندي الشراء والمعصية.

فما هذا إذن؟ إنها هذه هي النية.

يقول الناظم أن كل هذه الخمس رُفعت في شريعة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، شريعة الإسلام. فلا يؤاخذني الله سبحانه وتعالى بالهاجس ولا بالخاطر ولا بحديث النفس ولا بالهمّ، إنما يؤاخذني بالنية.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

يبقى إذن لو نويت ابتدأ عمل القلب.

النية عمل قلبي يُؤاخذ عليه والهمّ وما قبله لا مؤاخذة فيه تخفيفًا من الله

ما هي النية؟ عمل، والعمل هنا هو عمل القلب، يكون هو المؤاخَذ عليه. أما الهمّ وما قبله فلا مؤاخذة عليه في شريعة المسلمين تخفيفًا من ربنا ورحمةً.

وكان في الأمم السابقة يُؤاخذون على الهمّ؛ فعندما كان أحدهم يهمّ بشيء كان يُؤاخذ عليه. فجاء الإسلام بالشريعة السمحة وترك الناس فيما ابتُلوا به.

الهاجس والخاطر من طبيعة البشر ولا ينقص حتى الأنبياء

حتى قالوا إن الخاطر يكون هو [و] الهاجس لم يتنزّه عنه حتى كبار الأولياء أيضًا. فماذا يحدث؟ الهاجس والخاطر يحدث لهم ببساطة هكذا.

وبعضهم قال: ولا حتى النبي. وبعضهم قال: لا، الأنبياء ربما لا تحدث لهم هذه الخواطر. وبعضهم قالوا: حتى النبي؛ لأن هذا الهاجس والخاطر يحدث بمقتضى الطبيعة البشرية، والمسلمون يعتقدون أن الأنبياء بشر، فإذن يحدث الهاجس والخاطر بموجب البشرية.

ليس فيها نقص، ليس فيها نقص أن يحدث؛ طبيعة البشر هكذا.

أمثلة على الطبيعة البشرية للأنبياء كالنسيان والمرض والنوم

طبيعة البشر النسيان، فهل ينسى نبي؟ نعم ينسى. طبيعة البشر المرض، فهل يمرض نبي؟ نعم يمرض. طبيعة البشر النوم، فهل ينام نبي؟ نعم ينام.

حتى أن النبي المصطفى لبشريته كانت تنام عيناه ولا قلبه صلى الله عليه وسلم، إنما كانت تنام عيناه. وقال [صلى الله عليه وسلم]:

«إلا أني أقوم وأنام»

إذن فهذا [كله] من البشرية.

خاتمة الدرس وملخص مراتب القصد الخمس والإشارة إلى همّ الكفار

جماعة الكفار أصبح همّوا [بإيذاء المسلمين]، فسنرى همّهم كيف في حلقة قادمة إن شاء الله.

بعد أن تحرّرت لنا مراتب القصد خمس ذكروا: هاجس ذكر، فخاطر، فحديث النفس فاستمع، يليه همّ، فعزم، كلها رُفعت سوى الأخير الذي هو النية، ففيه الأخذ قد وقع.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.