سورة المائدة | حـ927 | 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ927 | 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

9 دقائق
  • توضح الآية القرآنية "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير" معنى كلمة "يعفو" التي تعد من الأضداد في اللغة العربية.
  • الأضداد هي كلمات لها معنيان متضادان، مثل كلمة "سليم" التي تعني صحيح ومريض، وكلمة "عافية" التي تعني القوة والمرض.
  • كلمة "عفا" تحمل معنيين: المحو والاستئصال التام، أو الترك التام.
  • قوله تعالى "ويعفو عن كثير" قد تعني ترك بعض الأحكام على حالها (تأييد) أو تغييرها (نسخ).
  • الرسول محمد ﷺ جاء مكملاً للأنبياء السابقين كما في حديثه: "مثلي ومثل النبيين من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً وترك مكان لبنة".
  • معجزات النبي ﷺ وسلوكه تلخيص لمعجزات وسلوكيات الأنبياء السابقين.
  • بعثة النبي ﷺ لم تكن لنقض ما سبق بل لإتمام مكارم الأخلاق وإكمال البناء الذي بدأه الأنبياء السابقون.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية من سورة المائدة في بيان ما أخفاه أهل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 15]

وكلمة «يعفو» من الأضداد في لغة العرب.

شرح مفهوم الأضداد والمشترك اللفظي في لغة العرب

والأضداد في لغة العرب كلمة تُطلق ويُراد منها معنى، ويُراد منها أيضًا وفي نفس الوقت ضد هذا المعنى؛ كلمة واحدة لكن لها معنيان.

إذا كانت كلمة واحدة لها معنيان وسكتنا [أي دون تضاد]، فيُسمى ذلك المشترك اللفظي. كلمة «عين» معناها هذه الباصرة التي نبصر بها، ومعناها أيضًا الحرف (حرف العين) أو البئر نسميه عينًا، فهذا مشترك لفظي.

لكن الغريب أنها تكون كلمة واحدة ويكون لها معنى وفي نفس الوقت ضد هذا المعنى.

مثال كلمة سليم من الأضداد تعني الصحيح والمريض معاً

مثل ماذا؟ قال لك: كلمة في العربية اسمها «سليم».

ما معنى سليم؟ سليم أي صحيح. قال: لا، يمكن أن تكون «سليم» بمعنى مريض، ويمكن أن تكون بمعنى صحيح. إذن كلمة «سليم» تُطلق ويُراد منها معنيين متضادين.

مررنا على رجل سليم في الحديث، ما معنى سليم؟ الذي هو يعني رجل صحيح هكذا؟ قال: لا، إنه رجل مريض، فطلب منا أهله أن نعالجه. نعم، هو مريض إذن، خلاص انكشفنا [أي اتضح لنا] أن نعالجه يعني أنه مريض.

فـ**«سليم»** معناها صحيح، و**«سليم»** معناها مريض.

سبب إطلاق كلمة سليم على المريض استبشاراً وتفاؤلاً

لماذا هكذا؟ قال: كانوا يطلقون «السليم» على المريض استبشارًا [أي تفاؤلًا بالشفاء].

يقول لك: الله أنت بعافية، وكلمة «العافية» تعني القوة. «بعافية» معناها أنت مريض، في حين أن كلمة «عافية» معناها القوة. فكيف ذلك؟

نعم، هذا ما أقوله لك استبشارًا، أي إن شاء الله ربنا يعطيك العافية. وهم يقولون وهم سائرون: تقعدوا بعافية، تقعدوا بعافية، أي تقعدوا بقوة، أو يعني تصبحون على خير، معناها هكذا.

معنى كلمة عفا بين الاستئصال التام والترك التام في لغة العرب

إذا هناك كلمات في لغة العرب تُطلق ويُراد منها المعنى وضده. من ضمن هذه الكلمات «عفا».

فالعفو ماذا يعني؟ يعني استئصال، استئصال حتى لم يترك أثرًا، يعني محاه محوًا تامًا، أو تركه تركًا تامًا.

فعندما نقول «عفا الله عنك» يعني مسح ومحا كل شائبة في صحيفتك. عفا الله عنك وهو سبحانه العفو، أتعني أن صفحتي بيضاء؟ عفا الله عنك، ماذا يعني ذلك؟ «عفا» هنا تعني محا ولم يترك شيئًا، محوًا تامًا، مثلما تُمسح الكتابة وتعود الورقة بيضاء.

معنى عفت الديار وأعفوا اللحى في ضوء الأضداد اللغوية

«عفت الديار» من آثارها تعني: كان هنا مسجد، أين ذهب؟ قال: لا، ما تهدم منذ زمنٍ. حسنًا، كان هناك بيت بجانب المسجد، قال: لا، خلاص، أُزيل من الطريق. عفت الديار، ماذا تعني؟ تغيرت الديار ولم يعد فيها أي علامة من التي كنا ننتبه إليها معًا قديمًا.

حسنًا، عندما يقول النبي [صلى الله عليه وسلم]:

قال رسول الله ﷺ: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى»

ما معنى أعفوا؟ يعني اتركوها، الله، ولا العفو يعني أزيلوها؟ لا، كانت لحيته عظيمة تملأ صدره صلى الله عليه وسلم. إذا «عفا» هنا ما معناه؟ ترك تركًا تامًا.

إذن كلمة [عفا] يا إما تعني الترك التام أو تعني الاستئصال التام والمحو التام.

معنى ويعفو عن كثير بين النسخ والتأييد لشرائع الأنبياء السابقين

حسنًا، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: 15]، هل سيترك كثيرًا تركًا تامًا أم سيغير كثيرًا تغييرًا تامًا؟

لو كان سيُغير فهذا يُسمى النسخ:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]

ولو كان سيترك الحال على ما هو عليه فهذا يكون التأييد [أي إقرار ما كان في الشرائع السابقة].

وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعًا من الرسل، بل إنه جاء وأكمل البناء.

حديث النبي في تشبيه رسالته باللبنة التي أكملت البناء

قال [صلى الله عليه وسلم]:

قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل النبيين من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا وترك مكان لبنة - يعني في طوبة ناقصة - فكان الذي يدخله يتعجب ويقول: ما أحسن هذا البناء لولا أن تم بهذه اللبنة - يعني ليته يأتي ويضع هذه الطوبة هنا فيصبح كاملًا مكتملًا - فأنا هذه اللبنة»

صلى الله عليه وسلم.

قال رسول الله ﷺ: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

ما جاء [صلى الله عليه وسلم] لينقض الناموس [الشريعة] الذي كوّنه ربه على لسان أنبياء الله، بل جاء مؤيدًا لها.

معنى يعفو بين النسخ والتأييد وأن الرسل جميعاً من مشكاة واحدة

يبقى «يعفو» قد يكون [بمعنى النسخ أو التأييد]:

﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50]

كما قال عيسى [عليه السلام] لبني إسرائيل.

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]

كما قال ربنا لنبيه [صلى الله عليه وسلم]. وإما أن يكون من قبيل التأييد؛ حتى نعلم أن كل ذلك خرج من مشكاة واحدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو مرسل من ربه، كما كان عيسى قد أُرسل من ربه، وكما كان داود أُرسل من ربه، وكما كان موسى قد أُرسل من ربه.

معجزات النبي وسلوكه تلخيص لمعجزات وسلوكيات كل الأنبياء

ولذلك نرى معجزاته [صلى الله عليه وسلم] تلخيص وإكمال لمعجزات كل الأنبياء، ونرى سلوكه وتصرفاته تلخيص لسلوكيات كل الأنبياء صلى الله عليه وسلم.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.