اكتمل ✓
شرح الأربعين النووية: لا ضرر ولا ضرار والقواعد الفقهية الكبرى وأسس القضاء - الأربعين النووية, حديث

ما معنى لا ضرر ولا ضرار وما القواعد الفقهية الكبرى المتفرعة عنه وما أسس القضاء في الإسلام؟

حديث «لا ضرر ولا ضرار» هو الحديث الثاني والثلاثون من الأربعين النووية، ومعناه أنه لا يجوز إيذاء النفس ولا إيذاء الغير. منه انبثقت قاعدة «الضرر يُزال» وهي إحدى القواعد الفقهية الكبرى الخمس، ومنها تتفرع قواعد كالضرورات تبيح المحظورات وارتكاب أخف الضررين. أما أسس القضاء في الإسلام فتقوم على قاعدة «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» التي وردت في الحديث الثالث والثلاثين.

4 دقائق قراءة
  • هل تعلم أن حديثًا واحدًا من خمس كلمات أصبح أساس قاعدة فقهية كبرى تحكم آلاف المسائل في الشريعة الإسلامية؟

  • حديث «لا ضرر ولا ضرار» حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني ومالك في الموطأ مرسلًا، وطرقه يقوي بعضها بعضًا.

  • من هذا الحديث انبثقت قاعدة «الضرر يُزال» إحدى القواعد الفقهية الكبرى الخمس، ومنها تتفرع قواعد كالضرورات تبيح المحظورات وارتكاب أخف الضررين.

  • الحديث الثالث والثلاثون يؤسس لنظام القضاء الإسلامي بقاعدة «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، وحضارة الإسلام مبنية على عدل القاضي.

  • الحديث الرابع والثلاثون يحدد مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: باليد ثم اللسان ثم القلب، وإنكار القلب أضعف الإيمان.

  • إزالة الضرر لا تكون بضرر أكبر منه، كما في مثال لوح الخشب المغصوب في السفينة وسط البحر.

مقدمة الحديث الثاني والثلاثين من الأربعين النووية وسنده

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع الحديث الثاني والثلاثين من الأربعين النووية، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»

وهو حديث حسن رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندًا، وذكروا فيه أبا سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري. ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، فأسقط الصحابي أبا سعيد الخدري، وله طرق يقوّي بعضها بعضًا ويجعله في مرتبة الحسن.

قاعدة الضرر يُزال وتفرعاتها من القواعد الفقهية الكبرى

وهذا حديث أخذ الفقهاء منه قاعدةً وجدوها منبثّةً في كلّ الشريعة الإسلامية وفقهها، وفي الكتاب والسنة جميعها، وهي عدم الإيذاء؛ فلا تضرّ نفسك ولا تضرّ غيرك.

حتى صارت قاعدةً من القواعد الخمس الكبار: الضرر يُزال، بل وتفرّع عنها قواعد أخرى، منها:

  1. الضرورات تبيح المحظورات.

  2. ارتكاب أخفّ الضررين واجب.

  3. الضرر لا يُزال بالضرر.

  4. ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها.

وغير ذلك من القواعد التي نراها مبثوثة في أمثال كتب الأشباه والنظائر، كالأشباه والنظائر للإمام السيوطي ونحو ذلك.

نظم القواعد الخمس الكبرى في المذهب الشافعي وبيان معنى الحديث

خمسٌ محررة، قواعد مذهبي [المذهب الشافعي] بها تكون بصيرة: الضرر يُزال، والعادة قد حُكّمت، وكذا المشقة تجلب التيسير، والشك لا تُرفع به متيقنًا، وخلوص النية إن أردت أجورًا، خلوص النية:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

لكن الضرر المُزال هو معنى الحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، إذ إن كلمة «لا ضرر» تنصرف إلى ضرر النفس، و**«الضرار»** ينصرف إلى الإضرار بالآخرين.

الفرق بين الضرر والضرار وحكم إزالة الضرر دون إحداث ضرر آخر

وبعضهم قال أن الضرر هو ما كان عن انثيال في الأعمال، يعني من غير تخطيط، والإضرار هو ما كان بخطة وترتيب؛ يعني الضرر يتم من غير ترتيب، والأضرار تتم بترتيب ووضع خطة وقصد.

وعلى كل حال فكل هذا حرام منهيّ عنه، ولا بدّ علينا إذا ما حدث أن نزيله. وعندما نزيله لا نزيله بضرر أكبر منه ولا نزيله بضرر آخر.

مثال فقهي على قاعدة الضرر يُزال: لوح الخشب المغصوب في السفينة

ومن هنا بنى الفقهاء كثيرًا جدًا من الفروع الفقهية. فعندما يغتصب أحدهم لوح خشب من أجل أن يبني سفينته، ثم أصبحت هذه السفينة باللوح المغصوب فيها في وسط البحر، ونحن نطالبه بالإسراع في ردّ هذا المغصوب إلى صاحبه،

فهل يجوز لنا أن ننزع اللوح الخشبي من السفينة وهي في وسط البحر؟

فأجابوا: لا، حتى تصل إلى الشاطئ؛ لأننا لو نزعناها حينئذ لغرقت السفينة بما فيها من بضائع وبمن فيها من البشر، وهذا أمر لا يرضي الله سبحانه وتعالى.

إذن، فهذا حديث سنراه يدخل في كثير جدًا من الفروع الفقهية.

الحديث الثالث والثلاثون: البينة على المدعي واليمين على من أنكر

في الحديث الثالث والثلاثين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر»

حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.

إذن «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» من أسس القضاء ومن أسس الشهادات. أمرٌ منظّم؛ لو ادّعى الناس دعاوى مرسلة لا دليل عليها ولا برهان ولا شهادة ولا وثائق، لادّعى أقوام أموال الناس ودماءهم بغير حق.

أهمية القضاء في حضارة الإسلام وحديث القضاة ثلاثة

ولذلك فلا بدّ من التوثّق، ولا بدّ من تدخّل القضاء. ولذلك فحضارة الإسلام مبنية على عدل القاضي، حتى قالوا إن العدل أساس الملك.

القاضي في الإسلام له مكانته، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يحذّر ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة، أما الذي في الجنة فإنه عَلِمَ فعدل فهو في الجنة، وأما اللذان في النار فأحدهما حكم من غير علم فهو في النار، والآخر علم فحكم بغير عدل فهو في النار»

أمة القضاء ونموذج شريح القاضي وأمر النبي بالعدل في الحكم

النبي صلى الله عليه وسلم جعل أمته أمة قضاء، ولذلك رأينا الخلفاء الأربعة في منصب القضاء، ورأينا من التابعين أمثال شريح القاضي؛ كان ذكيًا حاضر البديهة، كل صفات القاضي المحترم الجيد الذي هو مصدر لسلطة القضاء كانت في شريح.

والنبي صلى الله عليه وسلم أمر القضاة أن يستمعوا للطرفين وأن يحكموا بالعدل، حتى حمل ابن عباس قوله تعالى:

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

قال [ابن عباس]: كفر دون كفر؛ إذا حكم القاضي بغير العدل فسمّى الحكم بغير العدل كفرًا.

ولذلك البينة وهي الشهادة على المدعي، أو أن يصل الأمر إلى الإقرار، واليمين على من أنكر.

الحديث الرابع والثلاثون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومراتبه

الحديث الرابع والثلاثون: فيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسس الإسلام، ولذلك فهذا حديث من أسس الإسلام. المنكر قد يكون في دائرة سلطاني [أي: نطاق ولايتي]، وحينئذ أغيّره بيدي مباشرة، لا أتماهل ولا أتأخر.

تفصيل مراتب تغيير المنكر باليد واللسان والقلب وضوابطها

ولكن إذا كان [المنكر] في خارج سلطاني فقد أستطيع أن أغيّره وقد لا أستطيع أن أغيّره. فإن لم أستطع فعليّ بالنصيحة والدين النصيحة، وعليّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعليّ باستعمال اللسان في الموعظة أو بالتوجيه أو بالأمر والحثّ.

فإن لم أستطع حتى هذه، وكانت هناك من العوائق والعلائق والمواءمات ما لا أستطيع أن أذكر ذلك بلساني، فعليّ أن أذكر ذلك بقلبي، وهذا أضعف الإيمان، يعني أقلّه ثمرة، ولذلك فهو في المرتبة الدنيا.

فالإنسان يغيّر المنكر في بيته [بيده]، ويغيّر بلسانه في محلّ عمله مثلًا وفي مسجده، ولكنه إذا لم يستطع ذلك لأمر عارض، ورأى أن الأمر بالمعروف فيه سيسبب ضررًا أبلغ، فإنه لا بدّ عليه أن ينكر بقلبه.

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

من راوي الحديث الثاني والثلاثين من الأربعين النووية «لا ضرر ولا ضرار»؟

أبو سعيد الخدري

ما درجة حديث «لا ضرر ولا ضرار» عند المحدثين؟

حسن

كم عدد القواعد الفقهية الكبرى التي تُعدّ «الضرر يُزال» إحداها؟

خمس

ما القاعدة الفقهية المتفرعة عن «الضرر يُزال» التي تتعلق بالاختيار بين مفسدتين؟

ارتكاب أخف الضررين واجب

في مثال لوح الخشب المغصوب في السفينة، متى يجوز نزع اللوح؟

عند وصول السفينة إلى الشاطئ

من راوي الحديث الثالث والثلاثين «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»؟

ابن عباس

وفق حديث القضاة الثلاثة، أي القضاة يكون في الجنة؟

من علم فعدل

ما تفسير ابن عباس لقوله تعالى ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ في حق القاضي الجائر؟

كفر دون كفر

ما أضعف مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

التغيير بالقلب

في أي كتب الفقه تُذكر القواعد المتفرعة عن «الضرر يُزال» بشكل مفصّل؟

كتب الأشباه والنظائر

ما الفرق بين الضرر والضرار وفق الشرح؟

الضرر يقع بغير قصد والضرار يقع بقصد وترتيب

من التابعين الذي اشتُهر بالذكاء وحضور البديهة في منصب القضاء؟

شريح القاضي

ما نص الحديث الثاني والثلاثين من الأربعين النووية؟

«لا ضرر ولا ضرار»، رواه أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ.

أين رواه مالك في الموطأ وما خصوصية روايته؟

رواه مالك في الموطأ مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ، فأسقط الصحابي أبا سعيد الخدري.

ما القواعد الفقهية الكبرى الخمس في المذهب الشافعي؟

الضرر يُزال، والعادة محكّمة، والمشقة تجلب التيسير، والشك لا يُرفع به متيقن، وخلوص النية.

ما معنى قاعدة «الضرر لا يُزال بالضرر»؟

لا يجوز إزالة ضرر قائم بإحداث ضرر آخر مساوٍ له أو أكبر منه.

ما قاعدة «ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها»؟

ما أُجيز فعله بسبب الضرورة يُقتصر فيه على القدر الذي تندفع به الضرورة فقط دون تجاوز.

لماذا لا يُنزع لوح الخشب المغصوب من السفينة وهي في وسط البحر؟

لأن نزعه حينئذ سيؤدي إلى غرق السفينة بما فيها من بضائع وبشر، وهذا ضرر أكبر لا يرضاه الله.

ما نص الحديث الثالث والثلاثين من الأربعين النووية؟

«لو يُعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر».

من خرّج الحديث الثالث والثلاثين وأين بعضه؟

رواه البيهقي وغيره، وبعضه موجود في الصحيحين.

لماذا اشترط الإسلام البينة على المدعي؟

لأنه لو قُبلت الدعاوى بلا دليل لادّعى الناس أموال غيرهم ودماءهم بغير حق، فالبينة تصون الحقوق.

ما مصير القاضي الذي يحكم بغير علم؟

وفق حديث القضاة الثلاثة، القاضي الذي يحكم بغير علم مصيره النار.

ما مصير القاضي الذي يعلم الحق ويحكم بغير عدل؟

مصيره النار أيضًا، لأنه علم الحق وأعرض عنه متعمدًا.

متى يجب تغيير المنكر باليد؟

يجب تغيير المنكر باليد حين يكون في نطاق سلطة الشخص وولايته، ولا يجوز التأخر أو التماهل.

ما الحالة التي يُنتقل فيها من إنكار المنكر باللسان إلى إنكاره بالقلب؟

إذا كانت هناك عوائق تمنع الكلام، أو إذا كان الأمر بالمعروف سيسبب ضررًا أبلغ، انتقل إلى الإنكار بالقلب.

ما وصف النبي ﷺ لإنكار المنكر بالقلب؟

وصفه بأنه «أضعف الإيمان»، أي أقله ثمرة وأدناه مرتبة.

ما المقصود بقول «العدل أساس الملك» في سياق القضاء الإسلامي؟

أن استمرار الدول وازدهار الحضارات مبني على تحقيق العدل، وحضارة الإسلام قامت على عدل القاضي.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!