اكتمل ✓
شرح الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندري وأثر الفتح الإلهي في المعرفة والعقيدة - الحكم العطائية, تصوف

ما معنى الفتح الإلهي في حكم ابن عطاء الله السكندري وكيف تفوق المعرفة الربانية كثرة الأعمال؟

الفتح الإلهي في شرح الحكم العطائية هو أن يفتح الله على قلب العبد معرفةً بحقائق الدين، كالفرق بين الرب والعبد واستحالة إدراك كنه الله. هذه المعرفة تُحصّن العقيدة وتحل إشكالات القضاء والقدر. يرى ابن عطاء الله السكندري أن قليل العمل مع صفاء المعرفة أفضل من كثرة الأعمال بلا فتح، لأن التعرف هدية من الله أعظم من هدية العبد بعمله.

4 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يفوق قليل العمل كثرة الأعمال؟ ابن عطاء الله السكندري يجيب بنعم حين يصاحبه الفتح الإلهي بالمعرفة.

  • القلب في الحكم العطائية يعلو على العقل، والعقل يضبط السلوك ويمنع الوقوع في المعصية والخطأ.

  • للقلب بابان: باب على الحق تأتي منه الأنوار والمعرفة، وباب على الخلق، والمعرفة الربانية تحصّن العقيدة من الزلل.

  • استحالة إدراك كنه الله سبحانه وتعالى هي المفتاح لحل إشكال القضاء والقدر والجمع بين الاختيار الإنساني وإرادة الله الشاملة.

  • سر القدر لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، لأن البشر لا يعرفون إلا طرفًا واحدًا من المعادلة وهو الخلق.

  • هدية الله للعبد بالتعرف والمعرفة أعظم من هدية العبد لله بعمله، وهذا لب حكمة ابن عطاء الله السكندري في هذه الحلقة.

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين وتقديم حكمة ابن عطاء الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحكم العطائية.

يقول فيها صاحب الحكم رحمه الله تعالى ورضي عنه:

«إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبالِ معها أن قلَّ عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك. ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك، والأعمال أنت مهديها إليه، وأين ما تهديه إليه مما هو مورده عليك؟»

أهمية القلب وعلوه على العقل وضبط العقل للسلوك

هنا يبين [ابن عطاء الله السكندري] أهمية القلب، وأن القضية تكمن في أن القلب ينبغي أن يكون فوق العقل، وأن العقل يجب أن يكون فوق السلوك.

ولذلك سُمِّي عقلًا؛ لأنه يعقل السلوك عن المعصية، وعن الوقوع في الخطأ، وعن الوقوع في الخطر. ولذلك سُمِّي عقلًا لأنه يمنع ويعقل، والعقال هو هذا الحبل الذي نربط به ونمنع الدابة من الهرب أو من الحركة.

فالعقل هو فوق السلوك الإنساني؛ عندما يفكر المرء أنه سيفعل شيئًا، ينبغي أن يفعله بعد تفكر وبعد استعمال عقله، حتى لا يكون هذا العمل ضارًا بالنفس ضارًا بالغير، لا ضرر ولا ضرار، وحتى لا يكون في هذا العمل نوع من المعصية، وحتى لا يكون فيه نوع من الفساد.

ولذلك فالعقل ينبغي أن يضبط السلوك أو أن يحكم السلوك، لكن أيضًا هذا العقل ينبغي أن يعلوه القلب.

بابا القلب وأثر المعرفة الربانية في تحصين العقيدة من الزلل

والقلب له بابان: باب على الحق وباب على الخلق.

من باب الحق تأتي الأنوار؛ يشعر الإنسان بأنه قد فُتح له هذا الفتح، ومعناه المعرفة، ومعناه أنني عرفت شيئًا جديدًا ومعنىً جديدًا من مراد الله سبحانه وتعالى في خلقه.

لو أنني فُتح عليَّ بمعرفة أن الرب رب وأن العبد عبد، وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق، لكانت هذه المعرفة تقيني من الزلل وتمنعني من تشبيه الإله بالإنسان، أو الادعاء أن هذا الإنسان إله.

ما دمت قد فُتح عليَّ أن الرب رب وأن العبد عبد، لا يدخل حينئذٍ عقلي ولا قلبي، ولا أستطيع أن أؤمن حينئذٍ عندما يعرض عليَّ شخص ويقول: أنا أعبد إنسانًا كان بيننا. لا أستطيع [قبول ذلك]؛ لأن هناك معرفة قد تفجرت في قلبي فسيطرت على عقلي، وهي أن الرب رب وأن العبد عبد، وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق.

استحالة إدراك كنه الله وعلاقة القديم بالحادث وأثر ذلك في حل إشكال القضاء والقدر

لو أنني جاءتني معرفة أنه لا يمكن إدراك العلاقة بين القديم والحادث، بناءً على أن الرب رب والعبد عبد، الله قديم.

لو جاءت لي معرفة أنه يستحيل على البشر أن يدركوا كنه ذات الله سبحانه وتعالى، ربنا سبحانه وتعالى هو كما قال:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

كيف قامت صفات الله في الله؟ لا أعرف. كيف قامت صفات المخلوق في المخلوق؟ نعم أعرف؛ وأنا أُنشئ كوبًا من البلاستيك وأنا أصنعها، كيف ألوّنها وأجعل واحدة زرقاء وواحدة صفراء، واحدة كبيرة واحدة صغيرة، واحدة واسعة واحدة ضيقة، هذه الصفات أنا أعرفها وهي قائمة في المخلوقين. لكن كيف هي قائمة بالله سبحانه وتعالى لا أعرفها.

فتبقى العلاقة بين طرف أعرفه وبين طرف لا أعرفه، لكنها تبقى لا يمكن السيطرة عليها. فُتح على عقلي هذا، وهذا يحل لي كل المشكلات المُدَّعاة التي تجري بين الناس في قضية القضاء والقدر والمسيَّر والمخيَّر.

الجمع بين الاختيار الإنساني وإرادة الله الشاملة وسر القدر الذي لا يعلمه أحد

أنا عندما أفهم التكاليف أفهمها بأنني هنا في الحياة الدنيا أنا مخيَّر، ولذلك أقوم وأصلي أو لا أقوم وأصلي؛ باعتقادي لستُ أشعر أن هناك من يفرض عليَّ أن يُسيّرني في هذا. ولذلك سننال ثوابًا على الطاعات وسننال عقابًا على المعاصي.

الله سبحانه وتعالى، أنا أعتقد اعتقادًا واضحًا وجليًا وسهلًا أنه لا يكون في كونه إلا ما أراد؛ هذا الكلام لأنه على كل شيء قدير، لأنه حكيم، لأنه عليم، لأنه مريد، لأنه صفات الله سبحانه وتعالى التي أظهرها لنا في كتابه وآمنا بها، لا إشكال فيها.

الإشكال يأتي عندما نريد أن نجمع بين الأمرين: كيف أنا مختار وهذه المعصية صدرت مني اختيارًا، ثم بعد ذلك تقول إن الله على كل شيء قدير وبكل شيء محيط وبكل شيء عليم وأنه هو الذي خَلَق هذه المعصية؟

آه، سؤالٌ يريد أن يجمع بين طرفين: أعرفُ أحدهما ولا أعرف الآخر، وحينئذٍ فالسؤال لا محل له من الوجود؛ لا نستطيع كبشرٍ أن نجيب على هذا السؤال.

ويقول سيدي عبد القادر الجيلاني: ولا نبي مرسل يعرف سر القدر، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب. لماذا؟ لأنه نعرف طرفًا واحدًا من المعادلة وهو الخلق، ثم إن الله سبحانه وتعالى لم يره حتى سيدنا موسى لما طلب رؤيته لم يره، وأنه لا تدركه الأبصار.

وما دمنا لا نعرف كنه الله فلا نعرف كيف تقوم فيه الصفات، ولا نعرف ما هو الحال بين هذا القديم سبحانه وتعالى وبين الحادث.

الفتح الإلهي بالمعرفة يورث قوة العقيدة وفضله على كثرة الأعمال

وحينئذٍ مع هذا الفتح الذي فتح الله لنا بمراده، يكون قوة في العقيدة.

ابن عطاء الله يقول: اعلم أنه لو فتح الله عليك في شيء فأفهمك إياه وطمأن قلبك فيه، فاعلم أن هذا أفضل من كل الأعمال. واعلم أن قليل العمل حينئذٍ مع وضوح العقيدة هو الذي يجعل لك درجة عالية عند الله.

مثل الأعرابي الذي أتى وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا عليَّ يا رسول الله؟ فأرشده بأنه [يلتزم بـ] الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج وكذا، وهو يقول: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص. فقال [النبي ﷺ]: «أفلح وأبيه إن صدق».

هذا الرجل لو صدق فيما قال، بقليل العمل، وقليل العمل هي مجموعة الفروض والابتعاد عن مجموعة المعاصي وهي محصورة معدودة، فإنه يكون قد أفلح عند الله سبحانه وتعالى.

ما رأيك أن الفتح إذا ما أتى في المعرفة هو أفضل مع قليل العمل من كثرة الأعمال، ولكنه لا يكون ثابتًا حيث أنه لم يُفتح عليه بفهم يبين للناس مراد الله سبحانه وتعالى من خلقه.

ختام شرح الحكمة وهدية الله في التعرف أعظم من هدية العبد في العمل

إذا فتح لك وجهة من التعرف على الحقائق - التعرف على حقائق مثل التي ذكرناها - فلا تبالِ معها إن قلَّ عملك؛ فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك.

فكلما ازداد الإنسان معرفة وفتحًا، فإن الله سبحانه وتعالى يكون راضيًا عنه. ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك؟ فهذه هدية من عند الله.

ولأن الأعمال التي تقوم بها أنت مهديها إليه، وأين ما يرده عليك مما تهديه إليه؟ فهدية الله أعظم من هديتك.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الترتيب الصحيح للمستويات الثلاثة في فكر ابن عطاء الله السكندري؟

القلب فوق العقل فوق السلوك

لماذا سُمّي العقل عقلًا في اللغة العربية؟

لأنه يعقل السلوك ويمنعه من الوقوع في الخطأ والمعصية

كم بابًا للقلب وفق ما شرحه ابن عطاء الله السكندري؟

بابان: باب على الحق وباب على الخلق

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لإثبات استحالة إدراك كنه الله؟

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾

من قال إن سر القدر لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب؟

عبد القادر الجيلاني

ما الذي قاله النبي ﷺ عن الأعرابي الذي التزم بالفرائض فقط دون زيادة أو نقصان؟

قال: أفلح وأبيه إن صدق

ما الفرق بين التعرف والأعمال في حكمة ابن عطاء الله السكندري؟

التعرف هدية الله للعبد والأعمال هدية العبد لله

ما الذي يحدث للعقيدة حين يُفتح على القلب بمعرفة أن الرب رب والعبد عبد؟

تتحصن العقيدة وتمنع قبول أي دعوى تشبيه أو ألوهية بشر

لماذا لا يستطيع البشر الإجابة على سؤال الجمع بين الاختيار الإنساني وإرادة الله؟

لأن البشر يعرفون طرفًا واحدًا من المعادلة وهو الخلق ولا يعرفون كنه الله

ما الذي يُورثه الفتح الإلهي بالمعرفة في العقيدة وفق شرح الحكم العطائية؟

يُورث قوة في العقيدة وطمأنينة في القلب

ما نص حكمة ابن عطاء الله السكندري التي تُشرح في هذه الحلقة؟

إذا فتح لك وجهة من التعرف فلا تبالِ معها أن قلَّ عملك، فإنه ما فتحها لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك، والتعرف هو مورده عليك والأعمال أنت مهديها إليه.

ما معنى الفتح الإلهي في الحكم العطائية؟

الفتح الإلهي هو أن يفتح الله على قلب العبد معرفةً بحقيقة من حقائق الدين، كمعرفة الفرق بين الرب والعبد أو استحالة إدراك كنه الله، مما يُقوّي العقيدة ويُطمئن القلب.

ما العلاقة بين العقال والعقل في اللغة العربية؟

العقال هو الحبل الذي يُربط به ويُمنع الدابة من الهرب، وسُمّي العقل عقلًا لأنه يعقل السلوك الإنساني ويمنعه من الوقوع في المعصية والخطأ والضرر.

ما الباب الذي تأتي منه الأنوار والمعرفة إلى القلب؟

باب الحق هو الباب الذي تأتي منه الأنوار والمعرفة الربانية إلى القلب، وهو أحد بابَي القلب، والثاني هو باب الخلق.

كيف تمنع معرفة الفرق بين الرب والعبد قبول دعاوى الألوهية في البشر؟

حين تتفجر في القلب معرفة أن الرب رب وأن العبد عبد وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق، تسيطر هذه المعرفة على العقل فلا يستطيع قبول أي دعوى تشبيه أو ادعاء ألوهية إنسان.

لماذا تبقى العلاقة بين القديم والحادث خارج نطاق الإدراك البشري؟

لأن البشر يعرفون طرفًا واحدًا من المعادلة وهو الخلق، أما الله فلا يُدرَك كنهه ولا تُعلم كيفية قيام صفاته فيه، فتبقى العلاقة بين طرف معروف وطرف مجهول خارج نطاق الإدراك.

ما الفرق بين معرفة صفات المخلوق وصفات الخالق؟

صفات المخلوق يعرفها الإنسان لأنه يصنعها ويشاهدها، كألوان الأشياء وأحجامها. أما صفات الله فلا يعرف الإنسان كيف تقوم فيه سبحانه وتعالى، لأنه لا تدركه الأبصار.

ما موقف الإنسان من التكاليف الشرعية في الحياة الدنيا؟

الإنسان في الحياة الدنيا يشعر بأنه مخيَّر في أفعاله، ولذلك يُثاب على الطاعات ويُعاقب على المعاصي، وهذا الشعور بالاختيار هو أساس المسؤولية الشرعية.

ما الذي يجعل سؤال الجمع بين الاختيار وإرادة الله سؤالًا لا محل له من الوجود؟

لأن السؤال يريد الجمع بين طرفين: أحدهما معروف وهو الخلق والاختيار الإنساني، والآخر مجهول وهو كنه الله وكيفية إرادته، ولا يمكن الإجابة عن سؤال يجمع بين معلوم ومجهول.

ما الفرق بين هدية الله للعبد وهدية العبد لله في الحكم العطائية؟

هدية الله للعبد هي التعرف والمعرفة الربانية التي يفتحها على قلبه، وهدية العبد لله هي أعماله. وهدية الله أعظم بما لا يُقاس من هدية العبد.

ما الذي يحدث كلما ازداد الإنسان معرفةً وفتحًا إلهيًا؟

كلما ازداد الإنسان معرفةً وفتحًا إلهيًا كان الله راضيًا عنه، لأن التعرف هو مورد الله على العبد وهو أعظم ما يمكن أن يناله.

ما الفرائض التي أشار إليها النبي ﷺ للأعرابي الذي سأله عما عليه؟

أرشده النبي ﷺ إلى الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج، فقال الأعرابي: والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فقال النبي ﷺ: أفلح وأبيه إن صدق.

ما شرط الفلاح بقليل العمل وفق ما ورد في شرح الحكم العطائية؟

شرط الفلاح بقليل العمل هو الصدق في الالتزام به، فالأعرابي قال لا أزيد ولا أنقص، فقال النبي ﷺ أفلح إن صدق، أي أن الصدق والثبات هو المفتاح.

ما الإشكال الذي يحله الفتح الإلهي باستحالة إدراك كنه الله؟

يحل إشكال القضاء والقدر والمسيَّر والمخيَّر، إذ يُدرك العقل أن السؤال عن الجمع بين الاختيار الإنساني وإرادة الله الشاملة لا يمكن الإجابة عنه لأن أحد طرفيه مجهول.

لماذا لا يعلم سيدنا موسى عليه السلام كنه الله رغم مكانته العظيمة؟

لأن موسى عليه السلام طلب رؤية الله فلم يره، وهذا يدل على أن كنه الله لا يُدرك حتى من قِبَل أعظم الأنبياء، وأن الله لا تدركه الأبصار.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!