والله اعلم | الدكتور علي جمعة يوضح ثمرات الايمان ومن هو المؤمن القوي | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله اعلم | الدكتور علي جمعة يوضح ثمرات الايمان ومن هو المؤمن القوي | الحلقة الكاملة

45 دقيقة
  • الإيمان يشمل تأثيره الحياة الدنيا والآخرة، فهو طريق السعادة في الدارين.
  • المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير، والقوة تكمن في كثرة الأعمال الصالحة.
  • ثمرات الإيمان في الدنيا تتجلى في الطمأنينة والشكر والصبر والرضا والذكر وتسليم الأمر لله.
  • للإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها التوحيد وأدناها إماطة الأذى، ومنها الحياء والتواضع والقناعة.
  • أربعة أمور تضعف الإيمان: الدنيا والنفس والشيطان والهوى، وعلاجها بقلة الطعام والمنام والكلام.
  • لا يجوز لأحد أن يحكم على إيمان غيره، فالإيمان علاقة شخصية بين العبد وربه.
  • يجب التفريق بين كراهية المعصية ومحبة العاصي، فالحكم على الفعل وليس على الفاعل.
  • قوة الإيمان تتحقق بالقرب من الامتثال للأسوة الحسنة في النبي صلى الله عليه وسلم.
  • التربية الإسلامية الصحيحة منذ الصغر أساس لتقوية الإيمان وغرس قيمه.
محتويات الفيديو(41 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة والحديث عن ثمرات الإيمان

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، بإسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك. أهلًا بكم في والله أعلم لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة، مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

وما زال حديثنا عن الإيمان موصولًا، من هو المؤمن القوي ومن هو المؤمن الضعيف؟ وكيف يكون المؤمن القوي خيرًا من المؤمن الضعيف؟ أيضًا، هل للإيمان حلاوة أو طعم؟ وكيف نذوق هذا الطعم وتلك الحلاوة؟

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا مولانا. تكلمنا عن علامات الإيمان وأركان الإيمان، والآن نريد أن نتحدث، أو نعرف ثمرات الإيمان. ما ثمرات الإيمان في هذه الحياة؟

مفهوم الحياة في الإسلام يشمل الدنيا والآخرة والزمن النسبي

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. عندما نتحدث عن الحياة، فإننا لا نتحدث عن الحياة الدنيا وحدها، فالحياة في مفهوم الإسلام، تشمل الدنيا والآخرة.

الدنيا يمكث الإنسان فيها، مؤمنًا كان أو غير مؤمن، دقائق معدودة، حتى أن العادّين والسائلين سيُسألون يوم القيامة: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم. يعني كل تاريخ البشرية سيكون كأنه يوم أو بعض يوم.

ومصداق ذلك أن الزمن النسبي كما أثبت أينشتاين وغيره من الفيزيائيين الذين تأملوا هذه الظاهرة، ووجدوها في الكون صحيحة، فضلع المثلث الكبير يوجد في الأرض، أما عند الله فقد يمر اليوم الواحد كلما مر خمسون ألف سنة من أهل الأرض.

نسبية الزمن بين الأرض والملأ الأعلى وحقيقة عمر الإنسان

وسأل العادُّون: ماذا يعني؟ نحن لا نعرف كم مكثنا، يومًا أو بعض يوم. قد تكون الحياة الدنيا عندنا ليست مقتصرة على هذه الدقائق الثلاث التي يعيشها الإنسان؛ لأن الدقيقة في حساب الله كأنها ثلاثة وثلاثون سنة وثلث من حسابات الأرض.

وكلما ارتفعنا كلما ضاقت الأزمان، بمعنى أننا في قول ربنا أن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون، ففي ألف وفي خمسين ألف. وهكذا النسبية كلما صعدنا إلى الأعلى وعلى رسم المثلث الزمني، كلما ضاق الوقت في الملأ الأعلى، واتسع في حياة الأرض.

نحن لا نتحدث عن الحياة التي نحبها، ونريدها ونسعى لتحقيق سعادة الدارين فيها، ليست ثلاث دقائق فقط، بل إننا نتناول الأمر بشموليته في الدنيا والآخرة.

الإيمان أول مدخل للسعادة وحال الملاحدة بين البؤس والحيرة

فعندما نتحدث عن أثر الإيمان في الحياة، نقصد به تأثيره في الحياة الدنيا، ونقصد به تأثيره في الآخرة أيضًا. أما في الحياة الدنيا، فالإيمان هو أول مدخل للسعادة.

لقد قابلنا كثيرًا من الملاحدة، حالتهم بؤس، مساكين. بعض الناس تقول: كيف تقول عن الملاحدة أنهم مساكين؟ نعم، هم مساكين، ويصعب عليك حالهم؛ لأنهم في حيرة، في قلق، في جحيم.

ناقشنا كثيرًا من الملاحدة في مصر وخارج مصر، وقلت لأحدهم مرة: فلماذا لا تخرج من هذا الجحيم؟ أنت في جحيم فعليَّ، لِمَ لا تخرج من هذا الجحيم، وكان ردُّه صادمًا لي، لافتًا وجهة نظري إلى كتاب الله.

إدمان المعصية وعجز الملحد عن الخروج من الضلال كالحيلولة بين المرء وقلبه

[المذيع]: لِمَ صار صدمة لك يا مولانا لحضرتك؟

[الشيخ]: لأنه قال لي: أنا لا أستطيع. ماذا يعني لا يستطيع؟ لا يستطيع أي لا يقدر، يعني هو في النار، وغير قادر على الخروج منها. يعني شيء يشبه الإدمان، شيء يشبه التعود الخبيث الذي لا يستطيع الإنسان أن يقلع عنه.

إنه مثل الرجل الذي يدخن، أو إدمان الخمر مثلًا، أو إدمان الهيروين وغيره مما يسبب إدمانًا جسديًا، بحيث أن الجسم نفسه لا يطيق أن يبتعد عن الحرام، أو يبتعد عن الخطيئة أو كذا إلى آخره.

تذكرت حينئذ قوله تعالى:

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

قلبه يقول له: الذي أنت فيه هذا خطأ. قلبه والرسالة أنه في هلاك وفي ضياع، ثم إنه يأمر قلبه بأن يخرج من هذا الوباء والبلاء فلا يستطيع.

سواد القلب بالمعاصي والإيمان يحمي من الانتحار والتعاسة والكآبة

يعني تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «حتى يُنكت في قلبه نكتة سوداء»

ويزداد هذا السواد نقطة، في نقطة حتى يكون القلب كالإناء المجخية، يعني كله أسود كله متعفن. تخيل إذن، أن الرجل يريد أن يخرج مما هو فيه، ولا يستطيع، غير قادرٌ، مدمن أي للمعصية أو للبلاء.

وشهدنا هذا كثيرًا، وهو الإدمان. هذا الإدمان للحالة. الإيمان يحمي من الوقوع في هذا النوع من أنواع الانتحار، هذا النوع من أنواع التعاسة، هذا النوع من أنواع الكآبة، من أنواع سواد القلب.

ثمرة الإيمان في الدنيا الحماية والنور والشرائع التي تنهى عن الفحشاء

الإيمان ثمرته في الدنيا أنه يحمي، وأن له نورًا. ويساعد على ذلك الشرائع التي شرعها الله سبحانه وتعالى لحماية الإيمان:

قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

وقال سبحانه: ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

وامتدح عباده فقال: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

هذه فائدة الإيمان، فالرجل غير المؤمن بالله، أو امرأة غير مؤمنة بالله، أو شاب غير مؤمن بالله سيذكره كيف؟ لن يذكره، فماذا يحدث؟ ضلال في ضلال، وحماقة في حماقة، وتخبط في تخبط. إنه يسير هكذا، وقد يدمن هذه الحالة من كثرة المعاصي، ومن الطريق الذي يذهب فيه ولا يأتي.

الإيمان يدعو إلى الشكر على النعمة والصبر على البلاء

كذلك الإيمان يدعوني إلى كما دعاني إلى الشكر على النعمة، يدعونني أيضًا إلى الصبر على البلاء. والشكر والصبر وجهان لتقلب النعمة، والحرمان منها على الإنسان.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

الذي أصيب بالبلاء هذا ولم يكن عنده إيمان، كيف سيصبر؟ سيبقى هناك في نار جهنم، ويظل يقول: لماذا يا رب هكذا؟ ويغضب من ربنا مثلما قلنا عدة مرات، وعندما يغضب من ربنا، يظن أنه كفر، ويدخل في دوامة، وذلك لأنه مبتلى بالمرض منذ عشرين سنة.

ولكن لو كان الإيمان واضحًا لتلقى هذا البلاء بصدر رحب، وبصبر حاضر، وقد يصل لمرتبة الرضا.

الصبر على البلاء يرفع الدرجات يوم القيامة وثمرات الإيمان من ذكر وشكر وطمأنينة

هو سيكون في الرضا مثل سيدنا أيوب [عليه السلام]، وعندما يدعو ولا يُستجاب له، يعرف أن ذلك إنما هو لزيادة درجاته يوم القيامة، ولزيادة ثوابه يوم القيامة، وأنه يصبر هذه الدقائق المعدودة.

فلو عاش مائة سنة، يكون قد عاش ثلاث دقائق، ولو عاش ستة وستين سنة، يكون قد عاش دقيقتين. تخيل من هاتين الدقيقتين عشرين سنة في هذا البلاء، درجة كبيرة مع الصبر سيُحسب له.

ونقول: ها هو الإيمان أدى به إلى الذكر، وأدى به إلى الصبر، وأدى به إلى الشكر، وأدى به إلى الطمأنينة، وأدى به إلى ما هو أهم من كل هذا، وهو معرفة الحقيقة، وأهم من معرفة الحقيقة، أدى به إلى عبادة الله.

الرضا والتسليم والتوكل من منظومة الإيمان وأثر فقدانها على الإنسان

الرضا نعم، الرضا الذي تتحدث عنه هذه مرحلة جميلة، والتسليم لأمره وقدره، والتوكل عليه أفضل. التوكل هذه المنظومة عندما تكون غير موجودة، في النهاية على قدر فقدانها أو فقدان جزء منها، فإنه يؤثر في التبرم والاعتراض والقلق وعدم الرضا وعدم الاكتفاء.

الله كلما يفتح عليه، كلما هو عنده أن الكلام الذي فتح عليه به قليل، يستحق أكثر من ذلك. ولذلك سيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يعلمنا ملامح الإيمان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس، والحياء شعبة من شعب الإيمان»

ولذلك كل الذي علّمه لنا هذا من الرضا، والتسليم، والقبول، والطمأنينة، والقناعة، فإنه كله من شُعَب الإيمان.

مؤلفات العلماء في شعب الإيمان وأثره الشامل في الدنيا والآخرة

الحليمي ألّف في شُعَب الإيمان، والبيهقي ألّف في شُعَب الإيمان، وغيرهم ألّفوا في شُعَب الإيمان، وحاولوا أن يأتوا من السنة المشرفة بما هي عناصر الإيمان. فوجدوا منها الذكر، وجدوا منها الشكر، ووجدوا منها الرضا، ووجدوا منها القناعة، ووجدوا منها التواضع، ووجدوا منها الشُّعَب شُعَبٌ كثيرة جدًا، ثلاثة وسبعين شعبة.

نعم، وتكلم في كل شعبة منها بالأحاديث الواردة وفي كيفية التوجيه وهكذا. هذا هو الإيمان بالله. الإيمان له أثر في الحياة، بمعناها الواسع الشامل للدنيا والآخرة، الدنيا ثلاث دقائق كثيره، والآخرة أبد الآبدين، خالدين فيها أبدًا. الآخرة تعني نعيمًا مقيمًا إن شاء الله للمؤمنين.

أسئلة المشاهدين حول ضعف الإيمان وأسبابه والحكم على إيمان الآخرين

[المذيع]: كيف نكون سعداء في هذه الحياة في الدنيا وفي الآخرة؟ الإجابة تكمن في الإيمان.

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

في رأي حضرتك ما السبب وراء أن البعض يشكو من ضعف الإيمان؟ ضعف الإيمان نتيجة طبيعية لضعف التنشئة الدينية داخل الأسرة، لو أن الأسرة قامت بدورها الرئيسي في التنشئة الإسلامية الصحيحة لنشأ الطفل على هذه التنشئة الإسلامية. التربية تبدأ من الطفل وكيف يتربى في بيته.

حضرتك، أنت اليوم قد أنشأت ابنك في كافة الأديان، وهذا موجود أصلًا في الشعب المصري مسلمين ومسيحيين، فتجده شعبًا متدينًا بطبعه. لا بد من التربية منذ الصغر، وطبعًا للأب والأم دور كبير في تنشئة الطفل منذ الصغر.

أي الذي هو الأخلاق، طبعًا لا يوجد صبر عند الناس، عدم وجود صبر وكل شخص مستعجل على كل شيء، هذا دليل ضعف الإيمان؛ لأن الإيمان يتطلب الصبر وقوة التحمل.

ما تعليق حضرتك على الشخص الذي يحكم على شخص آخر أنه ضعيف الإيمان؟ والله نحن لا يوجد أحد يملك أن يحكم، لا ينبغي لأحد أن يحكم على غيره بأنه ضعيف الإيمان أو قوي الإيمان، فالإيمان هذا داخل الإنسان.

ماذا يعني هذا؟ لقد اعتدنا هنا في مصر أن يحكم كل شخص على الآخر بدون معرفة، بدون خبرة، بدون علم. من باب أولى أن يذهب الناس ليثقفوا أنفسهم، ويقرؤوا، ويفعلوا شيئًا مفيدًا. فليس، لا ينبغي لأحد أن يحكم على أحد فيما يتعلق بالإيمان؛ لأن الإيمان هو علاقة شخصية بين الفرد وربه سبحانه وتعالى.

فالله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي يحكم على بني آدم. كل شخص حر، كل واحد يعني هذا مثل هؤلاء الذين يحكمون على أحد بضعف الإيمان، لا أعرف ما بداخله، ربما هذا الذي يصلي لا أعرف كيف يصلي وكيف يفعل، أتفهمين ما أعني؟

هو ربما يكون يصلي لكن ليس من الضروري أن يعرف الناس أني أصلي. أنا ربما أصلي وأقرأ القرآن لكن لن أسير بالمصحف في الشارع، لا هذا ليس هو الشيخ، فليس هذا. ربنا سبحانه وتعالى إنه بشر والبشر يخطئون، وإنما من الممكن أنه وضع في موقف معين، ومع ذلك فإيمانه جيد وأخطأ مثلًا وخير الخطائين التوابون.

ما هو مفهوم الإيمان القوي من وجهة نظرك؟ وكيف يستطيع المرء أن يقوي إيمانه؟ الإيمان القوي هو أن يكون لدى المرء إيمان بدينه، وهذا يأتي طبعًا عن طريق أن أنا في وجهة نظري أنني أبدأ بامتلاك إيمان قوي عندما أبدأ بالشك في الشيء الذي أنا مؤمن به، وعندما أبدأ بالشك فيه وأبحث فيه فسأصل حينئذٍ إلى الحقيقة الكاملة التي تجعل لدي إيمان كامل بأن الإنسان مثلًا يجب ألا يتبع الشيطان وأن يصلي ويؤدي الصلوات في وقتها ودائمًا يتحدى الشيطان الخاص به.

طالما يتحدى الإنسان، الشيطان الخاص به إذا كان إيمانه قويًا. آية حسام سي بي سي.

حقيقة الإيمان كتصديق بالقلب وعلاقته بكثرة الأعمال الصالحة

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. أذكركم بسؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما رأيك فيمن يحكم على غيره بنقصان الإيمان؟ مولانا، الإيمان في سياق التقرير تعرض ضيوف التقرير لقوة الإيمان أو ضعفه، فكرة أنني يجب أن أشك أحيانًا لأصل إلى اليقين. في كل هذا الإطار، كيف يضعف الإيمان أو يقوى، ونحافظ على هذه القوة في الإيمان من خلال ما جاء في التقرير؟

[الشيخ]: الإيمان هو عبارة عن التصديق بالقلب، والتصديق بالقلب إما نعم وإما لا، يعني الشخص إما يقول ربنا موجود وقادر وله الصفات العُليا، أما إذا لم يكن هناك رب مثلًا، فالإيمان هو التصديق، والتصديق واحد.

لكنه يزيد بكثرة الأعمال. الذين آمنوا وعملوا الصالحات، علامة الإيمان، وقوة الإيمان، وحضور الإيمان، وبروز الإيمان، ونور الإيمان، يظهر في الأعمال.

الوارث المحمدي والاقتداء بالنبي ﷺ ظاهراً وباطناً كمثال أتم للمؤمن

هل هو كلما ازداد مثالًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أن يصل إلى الكمال فنسميه وارثًا محمديًّا ينتسب لسيدنا [محمد ﷺ]؟ هكذا تمامًا، كل حركاته، وسكناته، وأقواله وأفعاله، باطنًا، وظاهرًا.

يعني انظر إلى الباطن، فسيدنا النبي الرحيم، سيدنا النبي العفو، سيدنا النبي المتسامح، سيدنا النبي الذي كان لا يغضب ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «لا تغضب ولك الجنة»

سيدنا النبي الذي يقول:

قال رسول الله ﷺ: «الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه»

يعني الأخلاق ظاهرة وباطن، والشريعة ظاهرة وباطن. ستجده مثل سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام هو المثال الأتم، والأكمل، للمؤمن.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

أربعة أعداء تعطل العمل الصالح: الدنيا والشيطان والنفس والهوى

إذا قل العمل، ففي أربعة أشياء هي التي تجعلني لا أعرف كيف أكمل عملي، ولست سعيدًا من إتمام عملي، ولست قادرًا على إتمام عملي.

[المذيع]: ما هي يا مولانا؟

[الشيخ]: الدنيا، والشيطان، والنفس، والهوى. هؤلاء الأربعة. الدنيا تُلاهي، مليئة بالملاهي، تركوها كما هي. إذن لن تنتهي، وكان يعني أحيانًا: الدنيا تلاهي، مليئة بالملاهي، تركوها كما هي.

نعم، تركوها كما هي، ماذا فعلوا بها؟ كان لدينا شخص ظريف كان يقول: والله أنا، لو جاءني ملك الموت وقال لي: سآخذ روحك الآن، أقول له: لست متفرغًا، ويُعَدد جدول أعماله. وهو صادق بمفهوم الانشغال.

حسنًا، لو مت الآن، فمن الذي سيفعل هذا غدًا؟ ومن ليس لديه ذلك، فإنها موصولة، فالكون ملك ربنا، ستمضي بك، ستمضي بغيرك، ستمضي والحياة أكبر بكثير من ذلك.

الدنيا تلهي عن الصلاة والشيطان يوسوس بتأخير الطاعات عن أوقاتها

ولذلك الناس بعد فقدهم للعزيز الذي كانوا يحبونه كثيرًا، لا بد أن تمضي الحياة، فالحياة أكبر من الأشخاص. فالدنيا تلهي المرء، وتجعلني أؤخر الصلاة قليلًا ريثما أنتهي.

لكن هذا الشيء الذي في يدي أصلًا من الدنيا، هل أنت منتبه؟ زائلة زائلة، لا بارك الله في أمر يلهي عن الصلاة وإلى آخره، يعني الأمر هكذا.

والشيطان طبعًا يوسوس، لكن الفرق بين الشيطان وبين النفس، أن الشيطان يلقي في روعي فعل المنكرات، والمعاصي، والنقص. يعني ليس بالضرورة تكون معصية، هذا يريدني أن يعطلني من المهم، من الأهم للمهم، يفرح أيضًا.

يعني مثلًا الأذان يُؤذّن، فما هي السنّة الخاصة بنا؟ أن أردد الأذان، لا أنا ذهبت مشغولًا بالذكر: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله. حسنًا، هل هذا وقته؟ هو يأتي ليقول لي سبّح كي تُنهي وردك بشكل صحيح. قم أنا أسبح، وقم هو يعطلني عن حق هذا الوقت.

حق هذا الوقت، نعم. فأصبح قد خسرت؛ لأن هذا الوقت عند حقه، كان ربنا سيعطيني مائة، وعلى هذا التسبيح سيعطيني عشرة.

الشيطان يدخل من باب الطاعة وموقف ابن الجوزي من ترك العمل خشية الرياء

[المذيع]: ويدخل من باب الطاعة هكذا يا مولانا؟

[الشيخ]: نعم، فماذا إذن؟ والجميع يأتي ليقول لك مثلًا: أتريد أن تصلي السُّنة، امتنع عن صلاة السنة خشية الرياء وأنت في المسجد. فابن الجوزي يقول: عندما يأتي إليك ويقول لك هكذا، قل له: ليس لك شأن بي، ليس لك شأن بي، سأقوم لأصلي. فتقوم وتصلي الركعتين اللتين تريد أن تصليهما.

وترك العمل من أجل الناس، مثل العمل من أجل الناس، يعني لا تترك عملًا من أجل الناس، ولا تفعل عملًا من أجل الناس.

فالأربعة هؤلاء يعطلون قليلًا وينزلون قليلًا وهي الدنيا، والنفس، والشيطان.

الهوى كعدو رابع والعلاج بقلة الطعام والكلام والمنام

وهناك جزء آخر غير النفس الأمارة بالسوء، وهي الاحتياجات التي نسميها الهوى. أريد أن أنام، ما علاقة النوم الآن بالنفس الأمارة بالسوء؟ لا ليس لها علاقة، ولذلك أحضروا رابعة وسموها الهوى.

أريد أن أتحدث، أريد أن آكل كثيرًا. هذه ليست النفس التي أُمرت، بل هذا الهوى هو الذي يجعلها هكذا. هذه هي الرابعة. فذهبوا وقالوا له: إن الرابعة هي:

  1. قلة الأنام [أي قلة مخالطة الناس والاعتكاف]
  2. قلة الكلام
  3. قلة المنام

هي التي ستجعلك شفافًا وهي التي ستعينك على أن تكون خفيفًا قادرًا على الفعل، لا متثاقلًا في الطريق وكسولًا. هذه أدواتنا في الطريق، نحن هكذا أدواتنا.

قلة الطعام والكلام والمنام أدوات محاصرة الهوى مع الأدلة الشرعية

نعم، يقول لك: قلة الطعام التي هي الصيام، ضرب لنا مثلًا بماذا؟ برمضان. قلة الأنام التي هي الاعتكاف والخلوة وما إلى ذلك. قلة الكلام؛ لأنه نهانا عن ذلك وأمرنا بالصمت:

قال رسول الله ﷺ: «فليقل خيرًا أو ليصمت»

مثلًا، وهل يؤاخذ الناس بألسنتهم؟ قال:

قال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»

هي التي أودت بهم في الداهية. وقلة المنام الذي هو قيام الليل:

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

محاصرة الهوى بالرياضات الأربع وعلاقة كثرة الأعمال بسطوع الإيمان

هذه الأربعة عندما يعوّد المرء جسمه عليها، يصبح محاصرًا للهوى. فيكون هناك أربعة ضدي: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى. هؤلاء هم الذين يتسببون في قلة الأعمال لدي، وما دامت هناك قلة في الأعمال، فهناك نقص في الإيمان.

وأضدادهم هم الذين يجعلونني متنبهًا وواعيًا ولدي خفة في جسمي للعبادة، أريد أن أعبد وعندي شوق. ولذلك يكون هناك كثرة في الأعمال، فيُستدل بهذه الكثرة على سطوع الإيمان.

انظر كلمة سطوع هذه، إنها مثل الشمس الساطعة، يعني سطوع هذه معناها الوضوح، والضياء والنور الذي يكون في قلب الإنسان. هكذا.

معنى المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير

[المذيع]: أفهم يا مولانا الحديث الشريف: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير»، وأنا أريد أن أقف عند «وفي كل خير» هذه لكي نفهم أيضًا أكثر.

[الشيخ]: ما هو المؤمن الضعيف؟ هذا مؤمن، ولكن بعض الأعمال هي التي قصّرنا فيها لأجل هذه الأربعة، هؤلاء الأربعة الأساسيين [الدنيا والشيطان والنفس والهوى]. الله! والمؤمن القوي استطاع أن يتغلب عليهم.

أيهما أحب إلى الله؟ الإيمان وحده أو الإيمان والعمل الصالح؟ لا، الإيمان والعمل الصالح أحب عند الله. وأحب هذه صيغة أفعل تفضيل، يعني هذا حبيب إلى الله من جهة أن فيه إيمانًا، لكن هذا أحب عند الله لأنه أضاف فوق هذا الإيمان ما يدل عليه من عمل صالح ونفع للناس.

فهذا أحب من هذا، لكن في كل خير؛ لأن هذا مؤمن وهذا مؤمن أيضًا.

التفاوت بين المؤمن القوي والضعيف وآية الأعراب بين الإسلام والإيمان

فإذن هذا هو أساس مسألة التفاوت بين المؤمن الضعيف والمؤمن القوي أيضًا. المؤمن الضعيف محض إيمان، والمؤمن القوي أضاف إليه الأعمال الصالحة.

﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوٓا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]

[المذيع]: مولانا أنت فهمتنا، أو فضيلتك فهمتنا أن في بعض الكلمات أو المعاني إذا اجتمعت افترقتا وإذا افترقتا اجتمعتا، هذا يعني في إطار الإسلام والإيمان، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا يا مولانا؟

قاعدة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا مع مثال المسكين والفقير

[الشيخ]: دعنا نقول أنهم يقولون ماذا؟ الأصل أنهم يقولون شيئًا آخر غير هذه القاعدة. هذه القاعدة لطيفة وموجودة في اللغة العربية، وكنا لو كنت سيادتك متذكر معي فقد ضربنا المثل بها: المسكين والفقير.

[المذيع]: نعم المسكين.

[الشيخ]: فلو أطلقنا المسكين فإنه يشمل الفقير، ولو أطلقنا الفقير فإنه يشمل المسكين. لكن لو جمعناهما معًا:

﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ [التوبة: 60]

فيكون لهذا معنى ولذلك معنى. فهذا إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.

قاعدة اتحاد الإسلام والإيمان بالذات واختلافهما في الاعتبار

لكن هذا يقال عنه أن الإسلام والإيمان اتحدا بالذات، واختلفا في الاعتبار، هذه قاعدة ثانية، قاعدة ثانية نتعلمها الآن. نعم، هذه مسألة جميلة نضيفها، اتحدا بالذات واختلفا في الاعتبار.

بمعنى أنني وأنا أشرب كوب القهوة أو الشاي - هل انتبهت؟ - وأفكر: يا رب، ما معنى الإسلام؟ فيأتيني الجواب ويقول لي: الإسلام يعني أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا. هذا حديث جبريل [عليه السلام].

أقول له إذن ما هو الإيمان؟ حسنًا، لقد عرفنا أن هذا هو الإسلام، فالمسلم الذي يفعل هذا هذه أركانه. ولكن ما هو الإيمان؟ الذي تعلمناه في الأزهر قديمًا أن الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والذي يفعل ذلك، ويصدق بذلك يكون مؤمنًا.

المسلم هو المؤمن في الخارج واختلافهما في المعنى الداخلي

لقد فهمت هكذا في عقلي من الداخل. المسلم والمؤمن إذن اختلفا بالاعتبار، اختلفا في المعنى. نعم، أما في الخارج فالمسلم هو المؤمن، والمؤمن هو المسلم. هذه الذات، نعم هذه الذات، أجل.

المؤمن يعني مسلم، حسنًا، والمسلم يعني المؤمن. هل انتبهت كيف أصبحت المسألة؟

ولكن هناك ثالثة، ماذا تكون؟ هي التي ذكرتها لنا الآن وأوقفتنا عندها، وهي قوله تعالى:

﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوٓا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14]

هذه قضية ثالثة وهي أنهم أظهروا الإسلام، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم. أنا هكذا أصحح، هل تنتبه كيف؟ يعني أظهروا الإيمان، أظهروا الإسلام.

النفاق حقيقته إظهار الإسلام وإخفاء الكفر والمنافقون في الدرك الأسفل

فجعلوني هنا من الخارج أن المؤمن والمسلم متحدان بالذات. فيصبح هذا الرجل ما دام مسلمًا، فهو مؤمن، وما دام مؤمنًا، فهو مسلم وانتهى الأمر. ضحك عليّ فقط، لكنه لن يضحك على ربنا.

الذين سماهم الله بأنهم من المنافقين، ظاهرهم شيء وباطنهم شيء آخر، من الخارج يبدون مسلمون، ومن الداخل يعلم الله حقيقتهم. يقولون كما يقول أهل الخليج: من الخارج رخام ومن الداخل سخام [أي الباطن غير الظاهر]. أتفهم ما أقصد؟ يعني من الخارج يبدو جيدًا أو هكذا.

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]

لماذا؟ الكافر واضح؟ قال: على فكرة أنا لست مؤمنًا بكلامك هذا. حسنًا، فلنتعايش لعمارة الدنيا وكفى.

التعايش مع غير المسلمين والاتفاق على عمارة الأرض مع اختلاف المعتقد

ما دمت لست مؤمنًا بكلامي هذا، أنا أعتقد أن كلامي هذا هو الذي سينجيني في الحياة الأبدية الأخيرة. أنت لا تعتقد ذلك؟ قال لي: لا، أنا لا أعتقد. قلت له: حسنًا:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]

دعنا نرى الآن أرجوك، لنُنشئ مستشفى لنخفف الآلام عن الناس، لنصنع شيئًا، لنفعل كذا وكذا أرجوك، هل لديك مانع؟ قال لي: لا، فأنا أيضًا أحب الخير، وأحب عمارة الأرض، وأحب ربنا على فكرة.

فقط، أن الله الذي في ذهني ليس هو نفس الله الذي في ذهنك، فأنت تتصور صفات وذات، وقد قلت لي ذات وصفات وكلمة وخلق، وأنا ليس لدي هذا الترتيب. قلت له: حسنًا، إذن لنرَ ما هو المشترك بيني وبينك.

المشترك بين المؤمنين وغيرهم في حب الله والخير والمواطنة مع حرية المعتقد

قال لي: إننا أولًا نحب الله، وثانيًا إننا سنصنع الخير للناس، وثالثًا إننا من بلد واحدة، مواطنون، فلماذا لا نعمل على ذلك؟ وأما الخلاص، فليكن لكل شخص خلاصه الخاص، يرى خلاصه حيثما يراه. لا أنت تُكرهني على شيء، ولا أنا أُكرهك.

[المذيع]: في مجال العقيدة يا مولانا؟

[الشيخ]: في مجال المعتقد الذي نحن نعتقد - وأنت تدرك - أنني لا أرغمك على شيء، ولا أوذيك ولا تؤذيني إياه. فعندما أحتفل أنا بمولد النبي عليه الصلاة والسلام، فلا تسخر من نبيي، لماذا؟ احترامًا للجوار واحترامًا للعشرة.

وعندما يحتفل هو بأعياده، لا أسخر منه؛ لأنه يعتقد فيها الخير، ويعتقد فيها التربية، ويعتقد فيها أشياء جميلة أيضًا كثير. لكنني لا أعتقد هذه العقيدة، فلا أحد منا يكره الآخر، ولا أحد منا يفتري على الآخر، ولا أحد منا سيسب الآخر.

النبي ﷺ حفظ ودائع المشركين والفرق بين الاشتراك الوطني والإيمان بالخلاص

حتى لو كان وثنيًّا، أو مشركًا، أو ما شابه ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ من الوثنيين، والمشركين ودائعهم ليحفظها لهم، ولأنه الصادق الأمين، ردّ هذه الودائع وهو في الهجرة، وجعل عليًّا -أي: علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه- أمينًا عليها يوزعها.

يوجد فرق بين الاشتراك الوطني، وبين الخلاص، والإيمان بالخلاص الذي هو هذا. دعها واضحة هكذا وجميلة هكذا، ولن يغضب أحد.

يعني عندما أقول هاتين الكلمتين، أخي القسيس لن يغضب، وأخي الحاخام كذلك الذي يتبع اليهودية لن يغضب، وأخي الذي يتبع الزرادشتية لن يغضب. اجتمعنا مرة ثلاثين دينًا في بلجيكا، لم يغضب أحد ولا شيء. وخرجتم في نهاية المؤتمر بكيفية تحقيق السلام، السلام ختام وهو شعار جميل.

الإشفاق على المنتمين للتنظيمات الإرهابية وبيان ضلالهم عن المحجة البيضاء

فإذن، أنا لا أعرف، والله إنني أشفق على الأولاد الذين أصبحوا في التنظيمات الإرهابية، والذين انضموا إلى داعش، والذين يقتلون جيشنا، وشرطتنا، ويقتلون أنفسهم، والله في كل مكان يا مولانا.

والله إنهم يثيرون شفقتي بسبب الضلال الذي هم فيه، ومن سوء الفهم الذي اكتسبوه. والله إن سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أجلى من البينات، أحلى من الحلاوة، والله كلامه كله حجة بيضاء تركنا عليها.

وهم قد استهانوا بالدين، وتعجلوا الأمر قبل أوانه، ومن تعجل الأمر قبل أوانه، عوقب بحرمانه. تعجلوا الموت، والموت هذا يا بني بيد ربنا وليس بيدك. قال: أنا أريد أن أموت، فوقعوا في الانتحار الذي يوجب العقاب يوم القيامة.

تعجل الملك والسلطة بغير شرطها وخزي من خالف المحجة البيضاء

تعجلوا! يريدون الملك:

﴿تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: 26]

قال: لا، نحن نريد أن نأخذ الملك نحن، يعني ليس عندك الشرط الخاص به؟ حسنًا، الله يضربك على قفاك [يستدرجك]. ليس عندك الشرط؟ الله!

ولذلك، يعني، الحمد لله رب العالمين، أخزاهم الله، أخزاهم الله، أخزاهم الله، لا توجد نصرة أبدًا؛ لأنهم ليسوا على المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو شرط الشروط.

[المذيع]: الله! ما أجمل أن نفهم ديننا الجميل من علمائنا الربانيين. ابقوا معنا دائمًا لنسير بخطوات واثقة على طريق السعادة.

الفرق بين الحكم على إيمان الغير وبين النصح بتقوية الإيمان

ابقوا معنا، أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، ربما فكرة أن البعض يمكن أن يأخذ، يعطي نفسه توكيلًا هكذا عن ربنا، ويقول لمن أمامه: يا أخي، إنّ إيمانك ناقص، أنت ليس لديك إيمان. وربما شخص آخر بطريقة لطيفة يجد شخصًا حزينًا فيقول له: لا، كن قويًا، اجعل إيمانك قويًا لكي تتحمل هذه المشكلة. الفرق بين الاثنين وهل بالإمكان أو هل يصح أن يحكم أحدنا على إيمان غيره؟

[الشيخ]: لو أنه استطاع أن ينظر إلى ما في قلبه، يعني عندما أنظر إلى قلبك هكذا فأراه. لكن افترض أنني لم أستطع، ولا يستطيع أحد من البشر إلا النبي الموحى إليه عليه الصلاة والسلام.

إذن كيف أنظر إليك الآن ثم أقول لك إن قلبك على فكرة في ثلاث أرباع إيمان، وفي ربع قدْر هذا ضارب شيئًا، يعني مهزلة! هل أنت تعرف ما في قلبه؟

نصيحة المشايخ بعدم احتقار العاصي والفرق بين كراهية الفعل وكراهية الفاعل

وبعد ذلك، كان مشايخنا يضربون لنا الأمثال وهم يقولون لنا: يا أبناء، احذروا، إياكم أن تحتقروا، أو أن تُعظّموا الطائع أو العاصي. افرح بالطاعة، ولا تفرح بالطائع، واحزن على المعصية، ولا تحتقر العاصي.

أي أنني إذا رأيت شخصًا سارقًا، وآخر زانيًا، والثالث كذابًا، والرابع مرتشيًا، والخامس كذا، نعم، فالرشوة، والزنا، والسرقة، والكذب، وشهادة الزور، من القذارات التي سأظل أصفها هكذا، وبعض هذه الذنوب عليها حدود أيضًا، أي أنها من الكبائر.

حسنًا، وهذا الرجل اعتبره ابنك، أخطأ، فماذا ستفعل به؟ ما أول شيء؟ الستر.

قال رسول الله ﷺ: «من ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله في الآخرة»

وهذا الستر يفرج كربة:

قال رسول الله ﷺ: «فمن فرّج عن مؤمن كربة في الدنيا فرّج الله عنه في الآخرة»

علم ما في القلوب مختص بالله وحده ولا يجوز الحكم على إيمان أحد

وأنا لا أستطيع أن أفعل هذا [أي الستر والتفريج] إلا إذا كانت عندي خاصية معرفة ما في القلوب، وحيث أن هذا من المحجوب، ومن الغيب، ومما اختص به الله، إلا إذا أوحى به ربنا سبحانه وتعالى الذي يعلم السر وأخفى للنبي عليه الصلاة والسلام فقط.

الذي يعرف بإذن الله، وبوحي الله، وليس بوحي أحد، ولا بنصائح ولا بفطنة أحد، ولا بفطنة ولا ذكاء.

ولذلك أنا أقول له ماذا؟ أنا أريدك أن يكون إيمانك قويًا. حسنًا، افترض أن إيمانه قوي، يكون الأمر باستمرارك في ذلك:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا ءَامِنُوا﴾ [النساء: 136]

وإن كنّا مؤمنين بالفعل، فالمقصود استمر في الإيمان. فكلمة آمنوا هنا معناها استمروا في الإيمان.

الفرق بين الحكم بضعف الإيمان والدعوة إلى تقويته والاقتداء بالنبي ﷺ

لذلك عندما أقول لشخص: أريد إيمانك قويًا، فهذا ليس حكمًا عليه بالضعف، وإنما أريده أن يستمر في قوة إيمانه إن كان قويًا، أو أريده أن يقوي إيمانه إن كان ضعيفًا. فأنا لم أحكم.

انظر الفرق بين العبارتين: أنت تسألني عن الفرق بين «أنت إيمانك ضعيف» وبين «أنا أريدك أن تقوي إيمانك». هذه التقوية لا نهاية لها؛ لأننا قلنا إن هذه التقوية عبارة عن ماذا؟ عن القرب من الامتثال للأسوة الحسنة، والإنسان الكامل، والمثال الأتم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المثال الأكمل.

هذا جعلني أسعى أحاول أن أشرب كما كان يشرب، وأحاول أن أصفي قلبي كما كان قلبه صافيًا، وأحاول أن أعبد ربنا مثله، لكنني لا أستطيع أن أصل إلى مستواه كله. انتظر، لكنني أحاول.

التدرج في تقوية الإيمان والوارث المحمدي ومرتبة الصديقين

فأنت جئت وقلت لي: يا رجل، ادفع قليلًا هكذا. هو حاضر، تقدمنا قليلًا، بدل خمسين أصبحنا ستين، وبعد الستين أصبحنا سبعين، لكننا لم نصل بعد إلى مائة في المائة. فدائمًا كلما كان هناك رقم، يوجد من هو أعلم منه.

الوارث المحمدي، الذي هو مثال لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، هذا شيء أريد أن أقوله لك بتوفيق الله وباختياره، أي لأنه يكون على درجة الصديقين.

الرجل الذي هو الوارث المحمدي يكون من الصديقين، فمن الصديقين هذا خلاص، قد ملك عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام حياته. هو لا يعرف، ولا يستطيع أن يخرج من هذا النموذج الأتم، لا يستطيع جسده ذلك، ونفسه لا تسمح له بذلك.

[المذيع]: الحجاب الكبير بينه وبين أن يكون وارثًا كاملًا لسيدنا صلى الله عليه وسلم؟

[الشيخ]: أن يتبع:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

تخيل إذن أن ربنا أحبني، فهذا كافٍ، انتهى الأمر.

التفريق بين الفعل والفاعل وعدم جواز تكفير أحد أو احتقاره

فإذن فأنا لا أستطيع أن أكفّر أحدًا، ولا أن أحكم على أحد. فهم يعلموننا الفرق بين الفعل والفاعل، وإن نحن نكره الفعل ونحب الفاعل.

ضربوا لنا أمثلة كثيرة في الحياة. كان صاحبها يعصي، بين المعصية: الراقصات، نحن عندنا نقول هذا بين المعصية، هذا الكلام لا يرضي ربنا. سيجلس يقول لي فن وفن رفيع وفن تخين -استنكارًا للتشدق برقي الرقص كفَنٍّ-.

أنا ليس لي تدخل بهذا الكلام أنا، أنت تسألني الذي توصلتم إليه عندكم في الدين له ماذا؟ أن هذا فن يعني مقبول أو غير مقبول؟ لا، هذا فن غير مقبول.

ولكن كان من كبريات الراقصات من تُخرج زكاتها لله أربعين ألف جنيه ذهب في السنة. الله، ربما بينها وبين الله شيء لا أعرفه. ما شأني أنا؟ فدائمًا أرى جميع الناس من حولي أفضل منْي.

ولي الله المخفي وتحريم تحقير الناس ووجوب كراهية المعصية لا العاصي

[المذيع]: بهذه الدرجة يا مولانا؟ فما هذا؟

[الشيخ]: الله! لا يبلغ أحدكم مبلغ الإيمان حتى يعني لعل وليَّ الله في هؤلاء الناس. الله، وما شأني أنا بهذا الولي المخفي؟ المخفي الذي أخفاه الله في خلقه مثلًا. فما شأني أنا بهذه القصة؟

عندما تعلم أنك في النهاية هكذا، فليكن عندك همة أنك تتقدم، يعني عندك همة أنك تستغفر. أما تحقير الناس فهو ممنوع عند جميع علماء المسلمين، فلا يجوز أن تحقر أحدًا من خلقه.

اكره المعصية نفسها، فالمعصية أنا كارهها، أما العاصي فنقول: ربنا يتوب عليه، فقد يكون الله تاب عليه فعلًا ونحن نتكلم. وهكذا علمونا هذا تطبيقًا لكلام سيدنا صلى الله عليه وسلم.

الفرق بيننا وبين النابتة الذين يكفرون خلق الله وجهلهم بحقيقة الدين

وهذا هو الفرق بيننا وبين النابتة [أي الجماعات المتشددة]، لا تفرق بين الفعل والفاعل، ودائمًا يشوشون على الناس بهذا. يعني عندما نتكلم عن معصية الولي، يقول لك: كيف يكون وليًا ويعصي الله؟ أأنت تظن أن الولي هذا معصوم أبدًا؟

وهو يقول إن الولي ليس معصومًا، وأنت كل المسلمين أولياء، يعني كل المسلمين ليس لديهم معصية! المهم والحاصل أن هؤلاء الناس خلطوا على أنفسهم الأمر.

من هم؟ هؤلاء الذين يكفرون خلق الله ويفسقوهم، هؤلاء الناس جهلاء بحقيقة الدين التي أقرها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال فيهم رسول الله:

قال رسول الله ﷺ: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»

أسئلة المشاهدين حول الحكم على إيمان الغيره بالنقصان أو الزيادة

[المذيع]: مولانا الإمام، إذن في منهج فضيلتكم الإيمان هو الضمان الحقيقي للسعادة في هذه الحياة الدنيا والآخرة بدون شك. هل يسمح لي مولانا ببعض المداخلات للسادة المشاهدين عبر الفيسبوك عن سؤالنا: هل يمكن لأحد، أو هل يستحق لأحد أن يحكم على إيمان غيره بالنقصان أو بالزيادة؟

تقول الأستاذة هالة: إنَّ الذي يحكم على غيره من باب النصح، فلا شيء فيه، كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لسيدنا عمر -أي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه-: الآن يا عمر. أما من يحكم عليه لمجرد النقد، أو الافتراء فهذا لا يرضي الله ولا يصح.

وتقول الأستاذة أسماء: يمكن أن يكون ناقصًا في دينه لفعله منكرًا أو معصية، ولكن لا يكون بالإجمال ناقص في الإيمان؛ لأن هذا ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، والله أعلم.

الأستاذة إلهام تقول: كلامًا غير مسؤول، والمفترض أن كل شخص يحتفظ برأيه لنفسه، ولا يتدخل في إيمان أحد؛ فالإيمان أمر بين العبد وربه.

الأستاذ أحمد يقول: إن أركان الإيمان الستة هي أمور باطنية بين العبد وربه، ومحلها القلب، والله هو المطلع والناظر إلى قلوب عباده، فمن حكم بعدم إيمان أحد، أو بنقصان إيمانه، فقد تعدى حدوده.

إرشاد النبي ﷺ بالاهتمام بالنفس وعدم التفتيش في عيوب الآخرين

[الشيخ]: النبي عليه الصلاة والسلام أرشدنا في كل واحد من هؤلاء الإخوة، أرشدنا بحديث يؤكد هذا المعنى الذي ذهب إليه هؤلاء الإخوة. يعني اهتم بنفسك وتأمل:

قال رسول الله ﷺ: «أترى القذاة في عين أخيك وتدع جذع النخلة في عينك»

وقال ﷺ: «خيركم من شغله عيبه عن عيوب الناس»

إلى آخر ما هنالك، الحكاية أوضح من الوضوح أن الإنسان يبدأ بنفسه ثم بمن يليه.

[المذيع]: مع فضيلتكم مولانا نفهم ونصحح فنفهم أكثر. بارك الله لنا فيكم ونلقاكم دائمًا على هذا الخير مولانا، شكرًا لكم. إلى اللقاء، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.