والله اعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن اسباب التطاول على الدين وكيفية مواجهته | الحلقة الكاملة
- •الحرية تنتهي عند حدود حرية الآخرين، وهذا مبدأ إنساني عالمي وليس مختصاً بالإسلام فقط.
- •يجب التفريق بين حرية المعتقد وبين التطاول على معتقدات الآخرين، فالإسلام نهى عن سب آلهة غير المسلمين حتى لا يسبوا الله.
- •مشكلة التطاول على الدين سببها فقدان الحكمة وعدم معرفة الحدود، مما يؤدي لاتباع الأهواء.
- •أوجب الإسلام وجود عالم في كل مسافة عدوى (35 كم) لرد الشبهات، وقاضٍ في كل مسافة قصر للصلاة (85 كم).
- •ضعف منظومة التعليم الديني سبب أساسي في ظهور التطاول على الدين.
- •التجديد الديني الحقيقي يحتاج إلى علماء متمكنين من قواعد التفسير والتطبيق، أما ما يدعيه البعض فهو تبديد لا تجديد.
- •الحوار بين الأديان يجب أن يستهدف التعايش وعمارة الأرض والتعاون على القيم المشتركة، وليس محاولة تحويل الآخرين.
- •مواجهة التطاول على الدين تتطلب تكاتف مؤسسات الدولة مع الأزهر الشريف.
مقدمة الحلقة وسؤال عن أسباب التطاول على الدين باسم حرية الفكر
بسم الله الرحمن الرحيم، وقل رب زدني علمًا، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين.
[المذيع]: بكم وأهلًا بكم، وها نحن نلتقي لنستأنس في هذه الرحلة الطيبة المباركة مع مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنناقشه حول هذه المحاولات الفردية للتطاول على الدين التي يعتبرها البعض من حرية الاعتقاد أو من حرية الفكر. ما أسباب هذا التطاول وكيف نتصدى له؟
مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا مولانا. يعتقد البعض ويتصور أنه من حرية الفكر هو التطاول على الدين، ويأخذ هذا التطاول أشكالًا كثيرة غريبة وعجيبة كما تقول سيادتكم كثيرًا، ولكن نقف اليوم عند التفاصيل عند البداية، ما أسباب هذا التطاول؟
مشكلة تحديد معنى الحرية عبر التاريخ الأوروبي والفكري
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قديمًا كانت هناك مشكلة في تحديد معنى الحرية التي يدعو إليها المفكرون المحدثون، وهم يخرجون من ظلمات العصور الوسطى في أوروبا إلى عصر النهضة كما سمّوه.
كانت هناك مناقشات كبيرة جدًا قادها جان جاك روسو، وقادها بعد ذلك هوبز ولوك، وقادها قبل ذلك مونتيسكيو، وهكذا يعني حدثت مناقشة كبيرة جدًا. وهذه المناقشة رأينا آثارها حتى في أدب شكسبير، وهم يتكلمون عن معنى الحرية، وهل الحرية، وما الفرق بينها وبين التفلت، وما الحدود الفاصلة أو الشعرة التي بين هذا وذاك.
الشعرة الدقيقة بين القيم الإيجابية والسلبية ومفهوم الحكمة
وهناك معانٍ دائمًا جرّب الإنسان في عالم القيم أن هناك شعرة بين السلبية والإيجابية فيها. فمثلًا الشجاعة والتهور، الحرص والبخل، الكرم والإسراف، هناك شعرة دقيقة؛ يعني متى يكون هذا التصرف كرمًا ومتى يكون هذا التصرف إسرافًا مذمومًا.
وكل هذا تطبيقه الحكمة؛ أن يضع الإنسان الشيء المناسب في الوقت المناسب في الشخص المناسب في المكان المناسب بالوضع المناسب. الحكمة المناسبة، نعم، المناسبة التي هي الحكمة، مطلق المناسبة هي الحكمة.
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
فقدان الحكمة سبب التطاول على الدين واتباع الأهواء
فالإجابة على سؤالك بناءً على هذه المقدمة البسيطة السريعة يقول: لِمَ يعتدي بعض الأشخاص؟ لأنهم قد افتقدوا الحكمة، وهذه هي المسألة الأولى. فترتب على فقدانهم للحكمة عدم معرفة الحدود التي يلتزمون بها أو الحدود التي يتجاوزونها.
لقد فقدوا الحدود، ولما فقدوا ملامح الأشياء فعلوا ما يحلو لهم، فاتبعوا أهواءهم، فضلوا وأضلوا واصطدموا بالخلق.
قصة شكسبير في هايد بارك وحدود الحرية الشخصية
يروي لنا شكسبير أنه كان يجلس في هايد بارك، وهايد بارك حديقة للتنزه. ماذا يعني التنزه؟ يعني أن يروّح الشخص عن نفسه في لندن، وهو جالس في رعاية الله. ثم وجد شخصًا آخر أتى وجلس بجانبه، لا مانع من ذلك لأن هذا مكان عام، وهذا مقعد عام، أجلس عليه ويجلس عليه غيري، لا مانع في ذلك.
وإذا به يضع إصبع يده في أنف شكسبير، فشكسبير مدّ يده وقال له: لماذا تفعل هكذا؟ لماذا تضع إصبعك عند أنفي؟ فقال له: أنا حر، أضع يدي في المكان الذي أريده. فردّ عليه: حريتك تنتهي عند ملامح وجهي.
وصارت هذه العبارة مثلًا: حريتي، حريتك موجودة، لكن متى تنتهي؟ تنتهي عند حريتي أنا. فحريتك موجودة ضمن إطار معين بحيث أنك لا تعتدي ولا تضيق ولا تتدخل في شؤون الآخرين غيرك.
قضية الحرية قضية إنسانية عامة وليست مختصة بالإسلام فقط
ولذلك فالقضية قديمة وليست حديثة، ونحن نذكر شكسبير ولا نذكر أحدًا آخر لأننا نريد القول بأن هذه القضية ليست مختصة بالإسلام والمسلمين فقط، بل هي قضية إنسانية يدركها من يتحلى بالحكمة.
في كثيرٍ من الناس يفتقدون الحكمة، فيسبّون مقدسات الآخرين مهما كان هؤلاء الآخرون. وربنا سبحانه وتعالى، أما نحن كمسلمين، فعندما نرجع إلى ديننا نجد أنه نهانا عن أن نسبّ آلهة الآخرين حتى وإن كانت أوثانًا، ولكن هذه هي عقائدهم، لذلك لا أريد أن أسبّ هذا الإله:
﴿وَلَا تَسُبُّوا ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا ٱللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]
فإننا الآن جلبنا لأنفسنا الجدل العقيم.
موقف الإسلام من سب الأصنام واحترام مقدسات الآخرين
وأنا لا أسبّ الصنم، فأنا لا أعتقد فيه ولا أتوسل إليه ولا أعبده تزلفًا إلى الله، وإلا سأكون وثنيًا، ولست آتيًا بالتوحيد الخالص الذي جاء به سيدنا النبي ﷺ.
وبالرغم من ذلك، فإننا عندما نأتي عند عالم الأشخاص وهو يعتقد في قداسة هذا الشيء المقيت ويعتقد في قدسيته واحترامه، أنني لن أسبّه. هذا الكلام قلناه للنابتة عندما جاءوا ليهدموا صنمًا من أصنام بوذا.
صحيحٌ، فثار العالم، العالم المتألم، وتحركت الدنيا، وتحركت الدنيا. هل أنت منتبه؟ فبدأوا يستدلون بكيفية هدم النبي ﷺ للأصنام.
معجزة النبي في هدم الأصنام يوم فتح مكة وسياقها التاريخي
نعم، النبي عليه الصلاة والسلام لم يهدم الأصنام في هذه الحالة التي أنتم فيها. النبي ﷺ هدم الأصنام عندما دخل الناس في دين الله أفواجًا، وهدم الأصنام بعدما أصبح هدم الأصنام رأيًا عامًا.
ولذلك عندما جاء في فتح مكة، حدثت معجزة لا يأخذ كثير من الناس بالهم منها، والتركيز فيها أنه دخل بمحجنه -أي بعصا مثل هذه- وأخذ يشير إلى الصنم. على فكرة، هذا الصنم مصنوع من أسياخ حديد ومثبت في الأرض، فأصبح يشير إلى الصنم هكذا فيسقط.
أهل مكة يعرفون كيف بُنيت هذه الأصنام، ثلاثمائة وستون صنمًا حول الكعبة، والنبي عليه الصلاة والسلام أخذ يضربهم فتسقط، وهذه معجزة. فدخل الناس في دين الله أفواجًا.
مشاهدة ثلاثمائة وستين معجزة ودخول الناس في دين الله أفواجًا
تخيل أنهم شاهدوا ثلاثمائة وستين معجزة أمامهم، أن سيدنا النبي ﷺ - هل تتذكر عندما جاءوا لإنزال تمثال صدام فلم يستطيعوا، فجاء الشاب الأمريكي وطبّق نظرية الرافعة التي درسناها في المرحلة الإعدادية، فقام بإنزال الشيء، فتبين أنه أيضًا كان صدئًا من تحت، ولذلك كان صعبًا عليهم أن يدفعوه ويسقطوه.
تخيل ذلك الصنم يدفعه هكذا بالعصا فيسقط، ثلاثمائة وستين مرةً، رأوا النبي ﷺ بأعينهم، ولذلك دخلوا في دين الله أفواجًا إلا أفرادًا قليلة منهم دخلوا لأسباب أخرى.
الفرق بين حرية المعتقد وسب معتقد الآخرين في المواثيق الدولية
انتبه، فالناس الذين يعتدون على الأديان، وأنا هنا أعمم وأقول شيئًا مطلقًا إنسانيًا، هؤلاء يستحقون العقاب.
هناك فرق بين حرية المعتقد وبين سب معتقد الآخرين، وهذا كان واضحًا جدًا في ميثاق الأمم المتحدة وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ أنه أقر الحرية في المعتقد، وأنه لا فرق بين البشر بسبب المعتقد أو اللون أو الجنس أو غير ذلك.
ثم جاء ونصّ بعد ذلك أنه لا يجوز إهانة الآخرين في عقائدهم. فهذا هو معنى أين هي الحرية وكيف هي الحكمة، ما هو المناسب حتى نفهم بعمق هذه القضية.
قضية الرسوم المسيئة في الدنمارك والمادة مائة وأربعين من القانون الدنماركي
عندما أتينا إلى الدنمارك، من الذي اعتدى؟ ولد رسام لا يساوي شيئًا في ذمة التاريخ، لا يساوي شيئًا، اعتدى على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ورسم بعض الرسومات أغلبها غير مفهوم، يعني هذا هذيان يسمونه عندنا في العربية تخيلات السكارى، غير مفهوم ما الذي أمامك هذا.
ورسم بعض الرسومات القليلة لأنهم كانوا أحد عشر رسمًا رسمها، ولكن اثنين منهم لهما معنى الاستخفاف والاستهانة وما إلى آخره، والبقية لا يخطر ببال.
فلما ذهب المسلمون هناك رفعوا قضية مستدلين بالمادة مائة وأربعين (ب) من القانون الدنماركي التي تحرم الاستهزاء بالأديان والمقدسات والأشخاص المحترمة عند أصحابها.
حيلة القاضي الدنماركي في تفسير المادة القانونية والمواءمات القضائية
فالقاضي، لأنها صارت قضية رأي عام، يعني هذا القاضي لو لم تحدث الضجة التي عليه لكان حكم لصالح المسلمين لأن نص المادة واضح، لكنه لم يحكم لصالح المسلمين ووجد لها مخرجًا؛ لأن هذه نسميها في القضاء المواءمات.
القاضي يوائم ويرى أن التيار قوي هكذا، فلكي لا يهين القضاء ولا يهين الأحكام القضائية وهو يرى الجميع يقف مع الحرية، حرية الرأي، بطريقة تمثيلية كبيرة ضخمة. وربما لو كان هناك وقت لنقول ما هي هذه التمثيلية.
فكانت أنه هو وقع واحتال وقال: يا جماعة، السخرية على نوعين، هذا تفسيره هو للمادة، تفسير حضرة القاضي الدنماركي للمادة، للمادة أيضًا يجب أن نفهمه.
تفسير القاضي الدنماركي للسخرية الملزمة وغير الملزمة وتبرئة الرسام
نعم، قال إن السخرية على نوعين يا جماعة: سخرية ملزمة مثل أن أسألك في الامتحان أو أطلب منك في الامتحان أن تشتم محمدًا، هذا لا يجوز لأنني فرضت عليك فرضًا ما لا يجوز. أما أن ألف، لا يقره القانون، ها، ما لا يقره القانون في هذه الحالة لا يقرها القانون ويكون فيها حبس تمامًا.
ولكن الحالة الثانية هي أنني ألفت كتابًا وشتمت فيه محمدًا أو رسمت رسمة وشتمت وفعلت فيها هكذا، لا تقرأه ولا تشتريه يا سيدي، أنا قلت لك أنت الذي اشتريته ووجدته وفعلته وما إلى آخره.
هذه الحيلة معروفة، معروفة عند من ابتُلي بالقضاء، إنها للمواءمات.
مفهوم المواءمة القضائية وتطبيقها في قضية الرسوم المسيئة
حيث أجد الآن شخصًا رفع قضية على رئيس مصلحة، ولا يصح ذلك قبل موسم الجرد، ولا نستطيع أن نقول له أنه بهذا الشكل ستضطرب المؤسسة، فيقول لك إن الملاءمة والمواءمة موجودة في القضاء، يعرفها القضاء.
فالمواءمة والملاءمة تعني أنك أنت أيها القاضي يجب عليك أن توائم وتلائم هذه المسألة؛ ففي فرق بين القضية وهي معروضة وليس أحد يسأل عنها، وبين القضية التي هي من الرأي العام.
فهذا تفسير رأيناه بأعيننا في قضية الرسوم المسيئة، الرسوم المسيئة، لكن هذا في نص مائة وأربعين (ب).
تفصيل حكم القاضي الدنماركي وهروب الرسام من العقوبة
وهذا ما احتججتم به، آه يا جماعة، إن ما تفعلونه هذا هو خطأ وهاك مائة وأربعون من القانون تقول هكذا، وهذا الذي أذاني قال لي ما هو لا يلزمك على سبيل الإلزام، وإنما لو كان كتب مقررًا مدرسيًا، أو لو كان امتحنك في مقابلة فألزمك بهذا، كان لا شيء عليه.
يبقى هنا قلة الأدب والسخرية يُؤاخذ عليها، لكنه فعل هذا بعيدًا عن ذلك. رُدَّ عليه، قل له أنت سيئ، قل له أنت لست محترمًا، قل له ما تريد أن تقوله له، ومع ذلك لا مؤاخذة عليك ولا شيء عليك، لأنك تدافع عن معتقدك أو دينك وما إلى ذلك.
وهرب هذا الشاب، هذا الرجل، هذا الرسام من العقوبة بناءً على التخريجات التي قدمها حضرة القاضي الذي ما كان ليجهد نفسه لهذه الحيلة لو لم تكن القضية رأيًا عامًا.
كيف أقر الإسلام حرية المعتقد والفرق بين إقامة البرهان وقلة الأدب
[المذيع]: مولانا الإمام، حسنًا، لكي أفهم هذه الحريات من خلال الثقافة العامة، فالدين هو أحد أهم مكونات هذه الثقافة في مناخنا. لكي نعرف حدود حريتي وحرية تفكيري وحرية معتقدي ومعتقد الآخرين فأحترمهم، معتقد الآخرين، كيف أقر الإسلام هذه الحرية وهذه المساحة؟
[الشيخ]: يعني تفضل حضرتك، فكّر كما تشاء، وبعدها ربنا يقول للخلق أجمعين:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 111]
هناك فرق بين إقامة البرهان وبين قلة الأدب وطول اللسان. عندما يقوم شخص بسب سيدنا محمد ﷺ، فهذه قلة أدب عند جميع الخلق.
الفرق بين المناقشة العلمية والسب ومفهوم الإتاحة في الإعلام
لكن لو أن شخصًا قال هذه الأحاديث لا أعرف متى كُتبت، إن النبي يقول كذا، أو محمد يقول كذا، وهذا مناقض لكذا فسيترتب عليه كذا، هذه مناقشات، قل ما تريد قوله.
[المذيع]: لكن أين مكان هذه المناقشات يا مولانا؟ لأن وسائل الإعلام اليوم بدأت تناقش على شاشاتها هذه المسائل والقضايا.
[الشيخ]: هناك شيء نسميه الإتاحة. هذه الإتاحة إن كانت من نوع البرهان أو شبهة البرهان فلن تستطيع منعها في أي مكان، ولن تستطيع التعامل معها بهذا الشكل.
ما هي هذه الإتاحة؟ إنها أن تمنحني حرية الرأي. القانون يقول إنك إذا شتمتني وانتقدتني بالضاد وبالدال، انتقدتني أو نقضتني في الجريدة، فعليك أن تمنحني نفس المساحة في نفس المكان لكي أرد عليك، فأبت الجريدة فيكون ذلك نوعًا من أنواع إنكار العدالة.
مفهوم عدم الإتاحة وإنكار العدالة والعجز عن الحوار
لا توجد إتاحة، لا توجد إتاحة، نعم، ونسميها عدم الإتاحة، هذه إنكار العدالة. أنت هكذا لست عادلًا، أنت هكذا لست منصفًا. أعطني، فقال لي: حسنًا، تفضل، فلم أستطع الرد. ماذا سنفعل؟
حسنًا، هذا هو الإنصاف. نحن فعلناها، نعم، وقلنا لسيادتك ردًا، فذهبت ورددت على شيء آخر، فصاحبنا رد عليك على شيء ثالث، فأنت ذهبت ورددت على شيء رابع. بهذا الشكل إذن، وبعد ذلك أنتم لا تعرفون كيف تتحدثون مع بعضكم البعض.
فهنا ليست القضية قضية إتاحة الفرصة، وإنما القضية هي قضية العجز عن الكلام.
وجوب وجود عالم قادر على رد الشبهات في كل مسافة عدوى
ولذلك تحدث العلماء قديمًا أن من الفروض اللازمة والواجبة على المسلمين أن يكون هناك من يتصدى للرد، وأن يكون هناك القادر على دفع الشبهات في مسافة العدوى، مسافة العدوى.
[المذيع]: اسمحوا لنا، سنخرج إلى فاصل ثم نعود لنعرف ما هي مسافة العدوى هذه ومن يحق له أن يتصدى لمثل هذه الأمور. فاصل ونعود، ابقوا معنا.
مفهوم مسافة العدوى عند الفقهاء وتقسيم الخدمات الدينية جغرافيًا
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، كنا قد توقفنا قبل الفاصل عند كلمة نريد أن نفهم معناها: العدوى، وهي نعود بها بالسؤال الذي هو فكرة من يتصدى، ولكن نفهم معنى العدوى في البداية. هل الفقهاء والمفكرون الإسلاميون عبر التاريخ تصوروا ما يمكن أن نسميه الآن في لهجتنا الحديثة هذه تقسيمًا جغرافيًا للفقه وللعلم ولرد الشبهات ولخدمة الناس؟
[الشيخ]: حسنًا، الناس لديهم شبهة يريدون حلها، وسؤال يريدون إجابته، وأحد غير المسلمين طرح عليهم سؤالًا أو أسئلة فنريد حلها. فيجب إذن أن يكون هناك شخص قادر على هذا الحل في مسافة معينة وفي دائرة محددة.
تحديد مسافة العدوى بنصف قطر خمسة وثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا
وفيه أن أنا محتاج أن أسجل هذا البيت، أو أن أبيع بيتًا، أو أن لدي مشكلة بيني وبين جاري في مسألة معينة، فنحتاج حضرة القاضي. فذهبوا وصنعوا دوائر وقالوا: انظر أين أنت؟ أنا في حي السيدة، ضع السيدة هكذا، واصنع دائرة.
لا بد أن يكون في هذه الدائرة على مسافة نصف القطر الخاص بها تكون مسافة العدوى بالألف المقصورة مثل مصطفى. قلنا لهم: كم تبلغ مسافة هذه العدوى؟ فقالوا: بقدر ما تذهب وتعود في نفس اليوم.
إذن المسافة نحو خمسة وثلاثين كيلومترًا، فتكون مسافة العدوى خمسة وثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا.
فرض الكفاية في توفير عالم وقاضٍ في كل دائرة من دوائر البلاد
فيجب عليك أن تكون في هذه الدائرة، فهذا فرض على كل المسلمين أنهم يربّوا ويعلّموا وينفقوا على شخص في كل دائرة من دوائر البلاد نصف قطرها خمسة وثلاثون كيلومترًا، وهم يسمونها مسافة العدوى.
فيجب أن يكون في كل مسافة عدوى التي أستطيع بها أن أركب الحصان وأجري لأذهب وأسأله وأعود في نفس اليوم، حتى لا يبيت أهلي وحدهم، الفجر وآتي بعد العشاء بساعة أو ساعتين، هذه هي مسافة العدوى ذهابًا وإيابًا.
ما هي مسافة العدوى؟ اذهب إليها وانظر، لو ركبت جملًا وذهبت مسافة معينة، ثم عدت هذه المسافة بعدما جلست عند حضرة العالِم وسألته وأخذت إجاباتك وسعدت ورجعت وتعلمت على يديه وتعلمت هذا الجزء.
العلاقة بين مسافة العدوى ومسافة قصر الصلاة ووجود القاضي والعالم
نعم، هذا هو رد الشبهة، هذا الرد المتعلق بالمسألة المذكورة. قالوا: في كل مسافة تستوجب قصر الصلاة يجب أن يوجد من يرد الشبهات؛ لأن الشبهات كثيرة ولأن الناس تسأل، وفي كل مسافة قصر يوجد قاضٍ.
[المذيع]: هذه مسافة قصر الصلاة يا مولانا، أليس كذلك؟
[الشيخ]: نعم، قصر الصلاة، قصر الصلاة التي هي خمسة وثمانون كيلومترًا، يعني من هنا إلى طنطا لا بد أن يكون فيها قاضٍ؛ لأن القضاء نحتاجه أقل مما نحتاج إلى رد الشبهات والإجابة على الأسئلة.
وهكذا ففي كل مسافة عدوى عالِم، نعم، وفي كل مسافة لقصر الصلاة قاضٍ. القاضي الذي سيكون في هذه الدائرة نصف قطرها خمسة وثلاثون، وهذه نصف قطرها خمسة وثمانون. فهمنا الآن مسافة العدوى، وفهمنا قصر الصلاة. أرأيت كيف تكون الدوائر؟ نعم نعم.
فرض الكفاية في رد الشبهات وإثم المسلمين جميعًا عند التقصير
[المذيع]: في كل هذا حسنًا، لنفترض أن المسلمين قصّروا ولم يعد في كل هذه الدائرة قاضٍ أو عالم قادر على الرد على الشبهات، ماذا نفعل؟ هل يصبح كل المسلمين آثمين؟ كل المسلمين آثمين؟ هذا فرض العين؟
[الشيخ]: هذا فرض العين يا مولانا؟ هذا فرض الكفاية، فرض الكفاية هذه عفوًا، هذا فرض كفاية؛ لأنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الجميع.
[المذيع]: حسنًا، إذا لم يقم به بعضهم؟
[الشيخ]: أثِم الجميع، أثِم الجميع. ياه! انظر إلى أهميته.
همة الأغنياء في وقف الأوقاف للتعليم ومحاسبة القادرين على التقصير
وهذا كان لديهم همة فيه، فكانوا يوقفون الأوقاف من أجل التعليم، ومن أجل الكتب، ومن أجل بناء العقلية، ومن أجل التعلم اللغة حتى تصير ملكة فيستطيع بها أن يرد، ومن أجل ذلك.
لم يكن ينام الغني وهو ليس في كل مسافة عدوى عالم وليس في كل مسافة قصر قاضٍ، لا ينام لأنه يعرف أنه سيأثم هو وبقية الأغنياء القادرين.
لأنه عندما سيأتي [يوم القيامة] يقول لهم: أنتم ما لم تفعلوه، سيجلب مَن؟ الفقير المدين أم سيجلب الغني الذي معه؟ سيجلب الغني الذي معه، الذي كان قادرًا. هم هؤلاء معشر الأغنياء الذين سيُحاسبون في هذه القضية.
فهم المجتمع لواجبه والرد على من يسخر من الأولين
كان الشعب يفهم ذلك، وكان الغني يفهم ذلك، وكان العلماء يفهمون ذلك، وكان القضاة يفهمون ذلك، وكان كل واحد يرى عمله الذي نحن اليوم يأتي شخص يسخر منهم ويقول: يا أخي، لقد قاموا بواجب وقتهم، فتوقف عن قلة الحياء وقُمْ أنت بواجب وقتك.
ما فائدة أن تشغل حيزًا من ذهنك في سب الأولين الذين قاموا بواجبهم على أبدع ما يكون القيام، لأنك لم تفهم عنهم، ولأنه لم يكن لك شيخ مربٍّ يأخذ بيدك للفهم الصحيح.
ولأنك قد وقفت كما وقفت النابتة عند النصوص فلم تستطع التفسير الصحيح ولم تستطع التطبيق الصحيح لفقدك القواعد.
مصيبة من يدعي إصلاح الموروث وهو يفتقد قواعد التفسير والتطبيق
أهو كل هذا؟ وما الأمر كله؟ لقد انتهت القضية برمتها بخروج شخص يدعي أنه سوف يصلح من شأن الموروث وهو لا يعرف الموروث ولا يعرف ما تفسيره ولا يعرف القواعد التي بها التفسير ولا القواعد التي بها التطبيق.
إنها مصيبة مثل النابتة الذين يقفون عند النصوص لأنهم افتقدوا قواعد التفسير وقواعد التطبيق، وإنها مصيبة مثل أولئك المتعصبين الذين يذهبون ليقتلوا المسيحيين ويقتلون وغير ذلك إلى آخره، وهم أبناء وطنهم، لأنهم فقدوا هذا المعنى وفقدوا مفهوم الدين.
ضرورة إعادة منظومة التعليم والنهضة الحقيقية للأمة
يكون إذا نحن في ورطة. ما هي الورطة؟ إن نظام التعليم الخاص بنا قد تضرر عبر السنين، تضرر بفعل فاعل، تضرر بسبب الظروف التي مرت بها البلاد، الجميع متأثر.
لكن المهم أنني الآن أريد إعادة منظومة التعليم مرة أخرى، وأن يستيقظ الجميع، ويفهم الجميع، ويسعى الجميع، ويشارك الجميع، ويعطي الجميع، وستصبح نهضة حقيقية وليست نهضة الكذابين أبناء الكذابين.
الفرق بين التجديد المبني على العلم والتبديد المبني على الجهل والهوى
[المذيع]: مولانا الإمام، هناك موضوعات وقضايا حضرتك تضعها في بنود محددة جدًا، يتستر من خلالها ومن حولها ومن ورائها للتطاول على الدين، ويظهرون على السطح بأنهم يدافعون عن الدين وهم يريدون أن يقولوا إن هذا تجديد للدين بهذا الشكل.
[الشيخ]: هذا ليس تجديدًا، هذا تبديد، نعم. وهناك فرق كبير بين التجديد لأنه مبني على العلم، وبين التبديد إذا بُني على الهوى والرغبات والأماني والجهل.
فإذا عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء، فإنك لن تصل إلى شيء، وهذا يصبح تبديدًا لا تجديدًا.
محمد عبده ومنهجه في بناء ملكة اللغة من خلال نهج البلاغة
هذا التجديد يحتاج إلى عالِم مثل محمد عبده، هل تنتبه؟ حتى عندما يختلف مع العلماء فيكون مختلفًا عن قواعد. أتعلم ماذا فعل محمد عبده أولًا؟
في شيء يُسمى [نهج البلاغة] منسوب لسيدنا علي [بن أبي طالب]، كان سيدنا علي فصيحًا، لكن بعض الناس قالوا: لا، نسبته إلى سيدنا علي لا تصح. إذن من الذي ألّفه؟ قالوا: الشريف الرضي والشريف المرتضى.
حسنًا يا عربًا، سواء كان سيدنا علي الذي كتبه أو الشريف الرضي أو الشريف المرتضى، لا يحدث شيء، هم جميعًا بلغاء وفقهاء وعلماء.
أول شيء يجب دراسته هو كتاب نهج البلاغة. عندما تقرأ في نهج البلاغة، تجده صعبًا. ماذا يريد أن يفعل معك؟ يريد أن يبني فيك ملكة اللغة.
تقريرا محمد عبده عن القضاء الشرعي والتعليم الديني ومشروع إنشاء المجتهد
لماذا؟ لأنه هناك تقريرين لمحمد عبده يجب أن نلتفت إليهما: تقرير عن حال القضاء الشرعي وتقرير عن حال التعليم الديني، وكلاهما في منتهى القوة وفي منتهى الفهم والعمق.
يجب أن نصلح القضاء الشرعي ويجب أن نصلح [التعليم الديني]، وبناءً على هذه الدعوة أراد أن ينشئ المجتهد. وهذا كان الهدف الأساسي لعبد الرزاق باشا السنهوري.
قال يا جماعة: لن نتمكن من الخروج من الورطة التي نحن فيها هذه إلا إذا أنشأنا المجتهد. نعم، أنا أريد أن يكون لدي مجتهدون ثلاثة أو أربعة جيدون.
معهد الدراسات العربية ومحكمة النقض ودلالة اللغة على استقامة الفكر
وقد بدأت مع عبد الرحمن باشا عزام عن طريق معهد الدراسات العربية أن يضع ويجعل الأكابر يدرسون فيه، ومن أجل ذلك عملوا مكتبة رائعة باقية إلى اليوم. نعم، حتى يصل إلى قضية المجتهد.
خرج منهم أشخاص، يعني عندما تقرأ مذكرات كبار المحكمة الدستورية العليا تجد أنهم علماء متميزون. نعم، عندما تقرأ لعوض المر - رحمه الله تعالى - تجد أنه شيء آخر، إنه شيء رائع حتى في الصياغات والألفاظ المنتقاة.
حتى أن هذه العبارات تؤدي إلى المعاني الدقيقة، وكذلك محكمة النقض المصرية، وكذلك محكمة الاستئناف العليا. الأحكام تحتاج إلى دراسة من الناحية اللغوية وليس القضائية والقانونية، أو لغتها؛ لأن هذه اللغة دلت على فكر مستقيم، ولأن هذه اللغة سعت إلى تطبيق العدالة بين الناس، ولأن هذه اللغة كانت بقلب مفتوح.
التعليم هو الأساس في مشروع النهضة عند محمد عبده
ودول [المتطاولون على الدين] بقلب مغلق وعقل مغلق ولغة فاسدة وهكذا. لذلك كان أحد أهم أجوبة محمد عبده على سؤال النهضة الذي لم يكن قد عُرِف أو لم يكن معروفًا بالنسبة للأمة في تلك الأوقات أن التعليم هو الأساس.
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
دعوات التقارب بين الأديان وخصوصية كل دين في العبادة
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، هناك دعوات للتقارب بين الأديان وليست توحيد الأديان، هل هذه الدعوة مقبولة وتلقى قبولًا؟
[الشيخ]: نحن عندنا ربنا خلقنا في الدنيا لأجل أمورٍ منها عبادة الله، وهذا أنّ كل دين له خصوصيته وخلاصه. أنا أعتقد في سيدنا محمد ﷺ أنه هو الذي سيخلصني من غضب الله سبحانه وتعالى إذا اتبعته، وغيري يقول لا، هو حر بقى.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
ما لي تدخل في عبادة الله، كل دين سيتمسك بما هو عليه وليس هذا مجالًا للحوار إلا الأكاديمي. الواحد يقول لي: لا، أنا أريد أن أفهم ما لديكم وكذا، لا مانع في الغرف المغلقة، تعال ونفتح الكتب ونراها بالسياسة من غير إعلانات ومن غير بروباجندا، مناظرات وكلام مثل ذلك.
الأهداف الثلاثة المشتركة بين الأديان: العبادة وعمارة الدنيا وتزكية النفس
الهدف الثاني هو عمارة الدنيا، وأنا أمد يدي لكل الناس لكي نعمر الدنيا. الهدف الثالث هو تزكية النفس، وأنا أمد يدي لكل الناس لكي نزكي أنفسنا.
هذا قدر مشترك الذي هو العمارة والتزكية. فإذن أنا قادر على أن أجلس مع سائر البشر من أجل تزكية النفس وعمارة الدنيا.
تزكية النفس الناس ليست مهتمة بها كثيرًا لأنها أيضًا مسألة شخصية داخلية، فلم نجد أحدًا يقول: يا جماعة، كان المسلمون يفعلونها في الأندلس، كانوا يجلسون مع اليهود للتوصل إلى اسم الله العظيم، ويجرون تجارب ويفعلون كذا في الدعاء وفي أشياء من هذا القبيل.
لكن لم تعد هذه الأمور موجودة، فأصبح الأمر يتعلق بعمارة الدنيا، وهذا ما نجتمع عليه.
تعديل بوصلة الحوار مع الفاتيكان من التبشير إلى التعايش وعمارة الأرض
عندما كان هناك مفهوم قديم لدى الفاتيكان يقول إن الحوار بين الأديان مهمته هداية الناس إلى المسيحية، أثار ذلك بلبلة في العالم لأن إخواننا قالوا: هل أنتم ذاهبون للتبشير أم ماذا ستفعلون؟
وجلسنا مع قابلنا مسؤولي الفاتيكان وقلنا لهم: على فكرة، أنتم تريدون الناس أن ترتد. فعادوا وراجعوا في الأمر. كانت هناك إدارة تسمى إدارة الحوار، وكان مسؤولًا عنها الكاردينال أرينزي، وهو رجل من أفريقيا.
فتراجعوا، يعني البابا قال منذ خمس سنوات إننا نريد تنصير العالم، وأرينزي يقول: لا، لقد تراجعنا عن هذه المسألة، نحن نريد فقط أن نجلس من أجل عمارة العالم.
توحيد بوصلة الحوار بين الأديان نحو القيم العليا وعمارة الأرض
نعم، أنتم هكذا فهمتم. اجتماعنا في بروكسل في بلجيكا يا جماعة، يجب أن تحددوا ما هو هدف هذا الحوار. هل هدف هذا الحوار أن أدعوكم إلى الإسلام فتدعونني إلى المسيحية، وبعد ذلك اليهودية تقول لنا: لا، أنتما الاثنان تعالا إلينا في اليهودية، فالهندوكي يقول لا لدينا أفضل، ولا ما هي القصة.
حتى توصلنا إلى توحيد البوصلة وأن التعاون إنما يكون من أجل القيم العليا؛ أنه لا يوجد فساد في الأرض وأن نعمر الدنيا، وأننا إذا أردنا أن نهتم بالعلم ونهتم بالصحة وأن نهتم بالإنسان وبحقوق الإنسان التي تتمثل في الحقوق المتفق عليها.
لأنه بعد ذلك سنجدون أن الناس قد أباحوا الشذوذ والعياذ بالله، نحن رافضون لهذا، فهو أمر مختلف عليه، مختلف عليه، وكل العالم يرفضه إلا هؤلاء الدعاة.
إنجازات مشاريع الحوار بين الأديان على مدار ربع قرن
المهم أننا انتهينا من هذا في أوائل الثمانينيات وأواخر الثمانينيات، وفي تلك السنوات العشر استطعنا أن نعدل البوصلة، وتأكد هذا في التسعينيات عندما أتى من عام تسعين إلى ألفين ومن ألفين إلى ألفين وعشرة ومن ألفين وعشرة، يعني هذه مدة ربع قرن والبوصلة معتدلة.
ولم نعد نسمع إطلاقًا هذا الكلام الذي كان فيه نوع من أنواع التحيز لجانب دون جانب أو التعالي من جانب دون آخر إلى آخره.
وبناء عليه أنجزنا مشاريع كثيرة ونجحنا؛ فقد أنجزنا مشروع كلمة سواء ونجح، وأنجزنا مشروع المائة في دافوس ونجح، وأنجزنا مشروع سي وان في لندن ونجح.
مشروع عرض الأديان الإبراهيمية الثلاثة واعتماده من وزارة التعليم البريطانية
وأنجزنا مشروع عرض الأديان الإبراهيمية الثلاثة حيث قلنا كل شخص يعرض دينه. فالحمد لله أكمل المسلمون وأنجزوا هذا الأمر في حوالي اثنتي عشرة ساعة، عشر ساعات فيديو.
لدرجة أن وزارة التربية والتعليم البريطانية، أو وزارة التعليم البريطانية التي كنا نسميها وزارة المعارف، طلبوها لأنها انتهت، وانتهت بشكل جيد. عرض الإسلام: ما هو الإسلام؟ ما هي الصلاة؟ ما هو الحجاب الذي ترتديه المرأة؟ ما هو الحج؟ ما هو كذا؟
لم ينتهِ المسيحيون ولا اليهود، وما زالت هذه قائمة إلى الآن في لندن، ونسعى إلى إكمال المنظور. قل لي أيها المسيحي، ماذا تريد أن تقول للناس؟ قل أيها اليهودي، ماذا تريد أن تقول للناس؟ لأن المعرفة عندما نعرف ماذا يحدث، يحدث أننا نجد أرواحنا مشتركة فيما بيننا أكثر مما نتخيل، فنتفق، فنتفق وننطلق من المشترك.
قصة القسيس في إسبانيا وتطابق كلام الإمام الأكبر مع موعظة الكنيسة
حضرنا في إسبانيا في إحدى المدن الإسبانية، وأنا ألقيت كلمة - الله يرحمه - سيدنا الشيخ جاد الحق علي جاد الحق الإمام الراحل. بعد أن ألقيت الكلمة، تكلم قسيس ورفع يده وقال: ما هذا؟ هل نحن في كنيسة أم في مسجد أم أين نحن؟
ما هذا الكلام؟ هذا الذي أنا قلته الأسبوع الماضي في الكنيسة. إن كلام الإمام الأكبر الذي أرسلته لك، هذا الكلام الخاص بالإمام الأكبر وأرسلته لكم، هو موعظتك التي ألقيتها في الكنيسة.
حسنًا، فلنتفق بما أن المسألة وصلت إلى هذا الحد، تعال لنتفق. فكانت هذه الروح هي الروح التي عُدلت التوجهات، وهي الروح التي ضبطت القبلة أو الاتجاه.
التعايش وعمارة الأرض وحفظ البيئة كغرض أساسي للحوار بين الأديان
وأصبح الآن الغرض الأساسي للحوار هو التعايش، والتعايش معناه عمارة الأرض، وعمارة الأرض معناها حفظ الإنسان وحفظ البيئة.
عملنا حفظ البيئة المثمن، أي ماذا يا مولانا؟ في خلال ثمان سنوات نعمل في حل مشكلات البيئة في العالم، وجمعنا كل هذا وجعلناها تحت الأمم المتحدة ونجحت، ووصلنا لهذا في لندن.
[المذيع]: هل تلاحظ سيادتك كيف إذا أردنا أن نأتي بما يسمونه التنمية المستدامة يا مولانا؟
[الشيخ]: لا، التنمية المستدامة هذه حالة، هذه حالة نريد أن نخدم بها الناس، لكن من خلال البيئة.
مشروع الشجرة والتعاون على البر والتقوى في خدمة الإنسان
يعني مشروع الشجرة، مشروع الشجرة هذا طبقناه في سوريا ونجح، مشروع الشجرة هذا طبقناه في الهند، ومشروع الشجرة هذا طبقناه، وهكذا كل شيء.
nحن هنا في مصر، وكنا مهتمين جدًا بموضوع الصرف الصحي الذي نعمل به الآن بأيدينا ويُنتظر منا فيه. والمهم أننا عملنا أشياء كثيرة، لكنها كلها كانت تعاونًا على البر والتقوى، كلها كانت تعاونًا على عمارة الدنيا، على خدمة الإنسان.
وهي ما خدمنا الناس وتلذذت الناس واتفقت بهذا.
خطورة المتطرفين من داعش والإخوان ومن يحرمون الآثار على الحوار بين الأديان
في المقابل يأتي المتطرفون مثل داعش وجماعة الإخوان الإرهابية وغيرهم إلى آخره، ويأتي مفجرو الدنيا ليفجروا العالم. كانوا سيختارون واحدًا من دولة فجرت الآثار لأن الآثار حرام في رأيهم.
ذلك القطري يقول إن الآثار حرام، كيف إذن كانوا سيتعاملون مع منظمة اليونسكو؟ واحد منهم، كيف يعني؟ ماذا سيقول لأميره؟ أو ماذا سيقول لأتباعه؟ أو ما هذه القصة؟ إنه أمر في غاية العجب، والحمد لله على كل حال.
أسئلة من المشاهدين حول من له حق التصدي لمن يسيء للدين باسم الحرية
[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا أن أستعرض بعض تفاعلات السادة المشاهدين حول سؤالنا على صفحة الفيسبوك: برأيك من له حق التصدي لمن يسيء للدين باسم الحرية؟
تقول الأستاذة مروة: إن الأزهر الشريف ومن الضوابط التي يضعها تستمد الحكومة منها قوانين المحاسبة، ولكن قبل هذا يجب محاسبة من يسيء للدين من داخل المؤسسة أو من الجماعات التي اتخذت الدين شعارًا لها؛ لأن هؤلاء هم من جعلوا غيرهم يتجرأ على الإساءة.
ويقول الأستاذ محمد: إن الدفاع عن الدين واجب وليس حقًا، واجبًا على كل مسلم بحسب القدرة ومراعاة المصالح والمفاسد.
الأستاذة آمال تقول: إن كل فرد في المجتمع لا بد أن يعي كيفية التصدي لمثل هؤلاء ولمثل هذه الأفكار، لذا يلزم تكاتف جميع مؤسسات الدولة مع الأزهر الشريف، فما فائدة العقل دون أن يُعمل وينجز؟
تعليق فضيلتكم على هذه المداخلات؟
خاتمة الحلقة والدعاء بنشوء وعي جديد في المجتمع المصري
[الشيخ]: كلها مداخلات طيبة وتدل على أن وعيًا ما ينشأ الآن في المجتمع المصري من أجل هذه الانطلاقة الكبيرة التي نرجو الله لهذه البلاد ولهؤلاء العباد أن يستوعبوها وأن يقوموا بها على أكتافهم حتى يرضى الله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم، شكرًا لكم، نلتقي دائمًا على خير، إلى اللقاء.
