والله أعلم | د علي جمعة يتحدث عن خطورة انكار وجود الأديان وحدود الحرية الدينية | الحلقة الكاملة
- •الإنسان لا يستطيع العيش دون دين، فحتى الملحدون لديهم نظام يعتبرونه مقدساً ويتبعونه كدين.
- •تظهر خطورة إنكار الدين في الفوضى الأخلاقية والقيمية التي تنشأ، كما أن الإلحاد يؤدي بالمفكرين إلى الجنون كما حدث مع نيتشه.
- •الشعوب البدائية التي لا تتبع دينًا تعيش في مستوى متدن من الحضارة والأخلاق، ويمثل سكان مستنقعات الماكو في البرازيل مثالاً لذلك.
- •التجربة المصرية فريدة في الحفاظ على الهوية الدينية، حيث وضعت سقفاً للتشريعات هو مبادئ الشريعة الإسلامية.
- •الدستور المصري يجعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، والمحكمة الدستورية العليا تراقب دستورية القوانين.
- •على عكس البرلمانات الغربية التي لا سقف لها، البرلمان المصري مقيد بمبادئ الشريعة التي تمثل النظام العام والآداب المتفق عليها بين المسلمين وغير المسلمين.
افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وطرح موضوع خطورة إنكار الأديان
بسم الله الرحمن الرحيم، وقل رب زدني علمًا، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك.
[المذيع]: أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذه الرحلة الطيبة المباركة لنقرأ معه هذا المنهج، منهجه في إطار التجديد والإصلاح والإجابة على هذه الأسئلة الملحة.
إذا كنا قد عرفنا في الحلقة الماضية أو في الحلقات الماضية معنى الدين، فما خطورة إنكار الأديان؟ وكيف نحفظ ديننا؟ وكيف نجعله واقعًا نطبقه في هذه الحياة؟ مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم. مولانا عرفنا في الحلقة الماضية ونحن نتحدث عن هذا المنهج، وبداية تعرفنا على الدين، الدين الذي يعيد صياغة العلاقة بيني وبين ربي، بيني وبين نفسي، بيني وبين الأكوان.
استحالة أن يعيش الإنسان بلا دين وشهادة سورة الكافرون على ذلك
[المذيع]: حاجة الإنسان للدين، إلى أي مدى خطورة البعد عن الدين؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، صلى الله عليه وسلم. قضية أن الإنسان يكون لا دين له عبارة قد تكون غير دقيقة؛ حيث أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وليس له دين.
ولذلك نرى بالتأمل الدقيق:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الكافرون: 1-6]
فأهل الوثن كان لهم دين.
الدهريون والملحدون لديهم دين باطل وموسوعة الأديان والمذاهب الأخلاقية
نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، فيُسمى في اللغة العربية بالدهري أو بالدهريين بالضم، هكذا يعني، هو الدهر فيكون الدهريون، هذا هو القياس، لكن سُمع عن العرب الدهريين بالضم.
حتى الدهري الذي يقول إنه لا خالق لهذه الأكوان له دين، ولذلك يصعب أن نتصور أن الإنسان ليس له دين.
ولذلك عندما جاء جماعة المستشرقين ليجمعوا هذه الأديان، فسموا الموسوعة موسوعة الأديان والمذاهب الأخلاقية؛ لأنهم رأوا بعض الناس لا يؤمنون بهذا الإله الذي نؤمن نحن به، إله خالق محيي مميت رازق مفارق للأكوان خارج الكون، كان ولم يكن شيء معه ثم خلق الكون إلى آخره، ما يؤمن به أهل الأديان.
وجود طقوس ومذاهب أخلاقية عند من لا يؤمنون بالإله المفارق للكون
ثم إن هناك تكليفًا، ثم إن هناك وحيًا، ثم إن هناك يوم قيامة. فوجدوا أن بعض الناس ليس عندهم هذا التصور، لكن عندهم دين.
كيف يكون عندهم طقوس وشعائر وترتيبات ومذاهب أخلاقية؟ عندها شيء تتمسك به وترى قداستها، لكن كون الإنسان يعيش هكذا تمامًا، هل أنت منتبه؟ يعني هذا صعب التصور، مستبعد، يعني لم نجده.
تجربة الحوار مع رجل الدين الطاوي في الصين وإنكاره للإله
نعم، فشخص سيقول: إذن ذلك الملحد، الملحد الذي يقول لا يوجد إله، هو ملحد بالفعل، لكن عنده طقوس. أتذكر في لقاءاتنا مع الطاوية، والطاوية هذه منتشرة جدًا في الصين.
جلسنا مع أحد رجال الدين الطاوي، إذ يوجد رجال دين وهيئة وكهنوت وكل شيء. تحدثنا مع كبيرهم وقلنا له: أنت كما يبدو مؤمن بالله.
فقال: «لا، أنا لست مؤمنًا بالله.»
فسألناه: يعني أنت ملحد؟
فقال: «لا، لا يوجد إله خاص بكم، ولا يوجد إله ولا شيء من هذا القبيل، لا يوجد أحد منفصل عن هذا الكون.»
الطاوية تقول هكذا، نعم، الطاوية التقليدية الموروثة تقول ذلك.
الطاوية والكونفوشيوسية كثقافة أخلاقية وليست ديانة بالمعنى التقليدي
بعض الناس الآن يأتون من الكتاب خجلين فيقولون: هل نحن ملحدون أم ماذا؟ فيقولون إنه يوجد إله، لكن ستقول هكذا نص في كتبنا التي نقدسها. الله، حسنًا، كيف إذن لديكم كتب وكيف تكون مقدسة وما هي الرواية والحكاية؟ فتجد أنها مجموعة من الطقوس، مجموعة من المفاهيم، مجموعة من المبادئ الأخلاقية.
ولذلك تجد الصين يقول لك هذا كونفوشيوس، هو كونفوشيوس هو يعني يا قاضي يا كونه، لا يوجد شيء اسمه كونفوشيوسية. فكونفوشيوس ليست ديانة، بل إن كونفوشيوس هذا قدم لهم بعض القواعد لاحترام الأسرة وعدم الخروج على الترابط الأسري، فاقتنعوا بها.
والطاوية أصبحت ثقافة كونفوشيوس، هذه هي الثقافة الشائعة، والتي هي ماذا؟ قدم كتابًا اسمه الحوار ويتحدث فيه عن تنظيم هذه العلاقة أيضًا بين الإنسان ونفسه وكونه وغيره إلى آخره.
نيتشه الملحد وفلسفة القوة كدين بديل يجيب على الأسئلة الوجودية
هل هذا ميراث أنبياء قديمة؟ قد يكون. هل هذه توفيقات لهؤلاء الفلاسفة أو الأخلاقيين؟ قد يكون. إنما شخص ليس لديه ديانة مثل نيتشه قال: خرجت إلى الغابة فوجدت أن الله قد مات، لكن لديه دين اسمه السوبرمان، اسمه فلسفة القوة.
يرى فيها التعالي على المرأة، يرى فيها النسبية المطلقة، يرى في هذه الديانة تعطي الاستقلال التام للبشرية في التفكير، حيث يرى فيها فكرة الجدلية التي تخص هيجل وكذلك الله. هذه ديانة، ما معنى ديانة هنا؟ يعني أنها تجيب على الأسئلة ولكن بإجابات مختلفة.
عندما يسألني أحدهم: كيف أتينا إلى هنا؟ أقول له: ربنا خلقني. فيرد الآخر: هذا هو نيتشه، وهذا هو الأمر في النهاية.
الماديون والملحدون وتصورهم للوجود من العدم إلى العدم
ماذا يعني؟ أن صدفة حدث انفجار في الكون، فظل الكون يدور حول نفسه حتى تكونت أميبا، فصارت كتكوتًا، فسمكة، فقردًا، وبعدها القرد - والحمد لله - أصبح إنسانًا؟
حسنًا، غدًا عندما نموت، أين سنكون؟ قالوا: لا يوجد شيء سوى العدم، جئنا من العدم وسنعود إلى العدم. هؤلاء هم الماديون، هؤلاء هم الملحدون نشأة وجماعته الذين هم يعني، حيث إن هناك أناسًا كثيرين ملاحدة.
وهذا الإلحاد الأسود الذي يعني أنه لا يوجد إله، تجده كثيرًا في الشرق. عندما تسأل البوذيين، عندما تسأل الطاويين، عندما تسألهم: ماذا أنتم؟ ماذا تعبدون؟ فيحتار هكذا وكأنه يسمع للمرة الأولى، ويقول لك: أنا لست، أنا لا أعبد شيئًا.
عبادة الطبيعة والطوطم عند الشعوب الشرقية ونيتشه صاحب الدين الباطل
نحاول أن نفهمهم أنهم يعبدون إله هذا الكون أو نحو ذلك، فتجدهم أيضًا ليسوا كذلك، أي لم يتربوا على ذلك، بل تربوا على أن هذه الغابة إله، والأسد إله، والطوطم إله، إلى آخره.
فكون أن الإنسان أو مثل نيتشه هذا الملحد ليس لديه دين، لا، هو لديه دين ولكن دين باطل، دين وضعي.
ديانة تينري كيو اليابانية وامرأة ادعت النبوة وأسست دينًا وضعيًا
تينري كيو في اليابان ظهر عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، امرأة ادعت النبوة.
قالت: «أنا نبية.»
فسألناها: أنت نبية، ماذا بالضبط؟
قالت: «نبية مني فيه هكذا، أنا أرسلت نفسي وأسست دينًا اسمه تينري كيو.»
وأتباع تينري كيو هؤلاء يقولون إننا نتعامل مع النار في صفائها ودفئها ونورها وحلاوتها، يا حلاوة النار، يا حلاوة! فهم لا يعبدونها بالمعنى المتعارف عليه في مفهومنا، وإنما يحترمونها ويقدسونها.
ويقيمون حفلًا شبيهًا بحفلات السمر الكشافة، ويجلسون يلقون قطع الخشب في النار ويوقدونها، ثم لا شيء سوى بعض الأغاني مع بعض وأشياء من هذا القبيل.
توارث النبوة في تينري كيو وعرض زوج النبية إدخال الأطفال الإسلام
ماتت هذه السيدة فأصبحت ابنتها النبية مكانها، ثم ماتت هذه السيدة الثانية فأصبحت ابنتها (حفيدتها) مكانها، أي أن هناك ثلاث نبيات من النساء متتاليات. هل هذه نبية تتلقى الوحي من الله؟ قالوا: لا، ليس هناك وحي، هذه حالة خاصة.
وأريد أن أقول لحضرتك إنه لا أحد من البشر، وهؤلاء شيء غريب جدًا. عندما تذهب إلى احتفالاتهم، وقد ذهبت مرة إلى هذه الاحتفالات لأرى ما هو الأمر المتعلق بمعتقداتهم الخاصة.
نعم، التي هي كما أقولها هكذا سمرٌ خاص به وبعض الأغاني. فالرجل زوج هذه السيدة، زوج النبية، قال لي: ألا تأخذون هؤلاء الأطفال الذين أدخلوها الإسلام؟ قلت له: هؤلاء؟ قال لي: نعم.
اعتراف أتباع تينري كيو بأنه لا يوجد شيء اسمه ليس لهم دين
هم ليسوا لهم ديانة ونحن نعلم أنهم ليسوا لهم ديانة، لكننا نفعل هذه الأشياء لأنه لا يوجد شيء اسمه ليس لهم دين. يعني نحن نأمرهم بالأخلاق الحميدة وبالكرم وبالرحمة وهكذا إلى آخره.
فكان موجودًا هناك أناس من المسيحيين وأناس من كل الأديان، أي أنه في هذا المؤتمر أو في هذا المهرجان أو هذا الكرنفال.
قال لي: لماذا لا تأخذون هؤلاء الأطفال وتُدخلونهم الإسلام؟ قلت له: وهل ترضى؟
فقال لي: «بل أرضى.»
وأخبرنا عن أشياء غريبة جدًا، كأن يرسل لنا مائة شخص ليتعلموا اللغة العربية، ونحن نرسل له مائة ليتعلموا اليابانية، وهذا الرجل غني جدًا ويملك جبالًا وسفوحًا وما إلى ذلك. حسنًا يا أخي، ربما نحن لا نملك هذه الأموال التي قال إننا ندفعها.
علماء الأنثروبولوجيا ومقياس البدائية بين الدين والسحر في المجتمعات
ولكن حين لا يكون للإنسان دين، يأتي علماء الأنثروبولوجيا ودراسة الإنسان والثقافات ويقولون: حسنًا، نريد أن نرى كيف تبدو أكثر المجتمعات بدائية، أي ما هو شكل البدائيات.
فيقولون: وجدنا في أعماق أفريقيا أناسًا بدائيين جدًا. لماذا هم بدائيون؟ قالوا: لأنهم إلى جانب الدين يعتقدون في السحر.
حسنًا، أليس هناك أسوأ من ذلك؟ قال: بلى، هناك أسوأ من ذلك. قلنا لهم: من الذين هم أسوأ من ذلك؟ قال: سكان أستراليا الأصليين.
لماذا؟ قالوا: لأنهم ليس لديهم دين. أهل أفريقيا لديهم دين ولكن مضاف إليه السحر، أما أهل سكان تسمانيا وأستراليا ليس لديهم لا دين ولا غيره، فهم إذن بدائيون جدًا. قالوا: نعم، هم منحطون تمامًا لأنه ليس لديهم دين.
سكان مستنقعات الماكو وانهيار البنية الاجتماعية بسبب غياب الدين
حسنًا، وكيف يعيشون؟ قالوا: يعيشون بالسحر لكن بدون طقوس، أي ليس هناك ممارسات وما شابه. فانظر، انظر إلى مقياسه للبدائية.
قلنا لهم: حسنًا، هؤلاء هم أحقر شيء، أن يكون شخص ليس لديه لديه تقوس وهكذا؛ لأن الديانة هنا أصبحت سحرًا وشعوذة. قالوا له: لا، يوجد أسوأ منه. قلنا له: من؟ من الذي أسوأ منه؟ قال: سكان مستنقعات الماكو.
ما بهم هؤلاء؟ أليس لديهم مسكن؟ حسنًا، أليس لديهم مسكن؟ ما هي أحوالهم؟ قالوا: ليس لديهم مسكن، فلا توجد أماكن تسترهم، فليس هناك أسرة.
وماذا يفعل بذلك؟ قال إنه سيجعل شيوعية في الاتصال الجنسي وشيوع على المشاع. حسنًا، وماذا يفعل بذلك؟ قال إنه سيصنع نظامًا يُسمى النظام الأموي.
النظام الأموي وانهيار النسب والأسرة والدولة بسبب فقدان الدين
أي أن المرأة حامل ولا تعرف ممن حملت، فعندما يأتي الطفل، يكونون متأكدين من الأم لكنهم لا يعرفون من هو الأب. ولذلك فهنا بفقد السكن، فلا توجد أسرة ولا يوجد ماذا أيضًا؟
قالوا: لا يوجد أيضًا عمود النسب. فنحن بهذا الشكل لا نعرف من هو عم من، ولا من هو خال من، ولا من هو من.
ومن هنا، ما دام لا توجد أسرة فلا توجد دولة، وما دام لا توجد دولة فيكون لا يوجد جيش، وما دام لا يوجد جيش فلا يوجد اقتصاد، وما دام ليس له اقتصاد فلا يوجد تراكم، ومن ضمن التراكمات أنه لا توجد بنية تحتية ولا يوجد تعليم، لا يوجد شيء ولا يوجد دين.
النظام الأموي ونسب الولد لأمه وصورة بشعة لمعنى فقدان الدين
لا يوجد دين، هذه كلمة قوية جدًا. إذن كيف يعيش هؤلاء؟ كيف يعني، ما هو نظامهم؟ هذا النظام الأموي، هذا النظام الأموي هو عبارة عن أن الولد ينسب إلى أمه ويبقى معها حتى يستقل بالحركة في سن سبع سنين، سن ثمان سنين، ثم بعد ذلك ينتهي.
هذه صورة بشعة لكلمة أن ليس لديه دين. يعني حتى المصريون عندما يقولون إن الواحد يحبون يعني يقولون إن أقسى وصف هو القول: يا أخي هذا ليس لديه دين!
فالذي ليس لديه دين هو مثل تسمانيا أو ما كانوا يسمونه مجاهل إفريقيا سابقًا، والتي لم تعد الآن مجاهل، أو مثل مستنقعات الماكو في البرازيل.
الصورة الأولى لمعنى فقدان الدين والانتقال إلى فاصل إعلاني
وهذه هي الصورة الأولى لمعنى هذا ليس لديه دين. وهناك تفاصيل كثيرة أخرى.
حسنًا، ماذا سنفعل؟ ماذا لو لم يكن لديه دين، أو كيف يبدو الشخص الذي ليس لديه دين؟
[المذيع]: سنذهب إلى فاصل ثم نعود للإجابة على كل هذه التساؤلات التي لدينا، ابقوا معنا.
سؤال الفيسبوك عن خطورة إنكار الدين وأبيات الشيخ الصاوي في ترجمة إقبال
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، أذكركم بسؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما خطورة إنكار الدين في حياة البشر؟
مولانا الإمام: إذا الإيمان ضاع فلا أمان، ولا دنيا لمن لم يحيِ دينه، ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينًا.
[الشيخ]: إقبال هو الذي قال هذه الكلمة. طيب، ما هي خطورة إنكار الأديان؟ ليس إقبال الذي قال هكذا، بل هو الشيخ الصاوي الذي ترجم إقبال، رحمه الله على الجميع؛ لأن الصياغة العربية هذه على هذا الوزن صعبة، أي أنها ليست متاحة لكل أحد.
نيتشه فيلسوف كبير غيّر الفكر الغربي وأثره على النظم العلمانية والليبرالية
فعندما نتناول شخصًا مثل نيتشه، فهو فيلسوف كبير، وكانت مؤلفاته هي التي غيرت الغرب، ويُعد أحد العلامات الثلاثة أو الأربعة الذين غيّروا الفكر الغربي، والذي كانت الجراد بوكس بعده مليئة بهذه الدعوة إلى نسبية مطلقة وما بُني عليها كثير جدًا من النظم العلمانية والنظم الليبرالية إلى الآن.
العلامات الأربع التي غيرت الفكر الغربي داروين ونيتشه وفرويد وأينشتاين
هناك علامات في الفكر الغربي، منها داروين، وداروين يقول بالتطور. العلامة الثانية هي نيتشه، ونيتشه يقول بالنسبية. العلامة الثالثة فرويد، وفرويد اختزل كل التصرف البشري والنشاط البشري في الجنس.
العلامة الرابعة أينشتاين الذي أيضًا يقول بنسبية الزمان ودخل الزمان كبُعد رابع مع الأبعاد المكانية الثلاثة.
هذه هي تقريبًا التي قام عليها الغرب في فترة معينة من الفترات.
داروين كان مؤمنًا ولاحظ وحدة الخلق من الذرة إلى المجرة
عندما نتحدث عن شخص مثل نيتشه، فإن داروين كان قسيسًا وكان مؤمنًا ولم يترك إيمانه، يعني بمعنى آخر، وهو في كتابه أصل الأنواع لم يترك إيمانه.
فقد لاحظ ما لاحظه كثير من العباد والمتأملين في وحدة الخلق أو وحدة الفعل الإلهي أو وحدة الوحدة يسمونها وحدة الشهود، بمعنى أنه في كل شيء له آية تدل على أنه واحد، من الذرة إلى المجرة، من الذرة إلى المجرة، من الداخل إلى الخارج.
قل ما تشاء، لكن القضية أن كل شيء مترابط، يبدو أنه وراء هذا كله واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
ملاحظة داروين للتشابه بين المخلوقات ووحدة الشهود في الخلق
فداروين لاحظ شيئًا ما بين الأميبا وحيدة الخلية وبين السمكة وبين العصفورة والجنزورة وبعد ذلك الثدييات، ثم القرد، ثم الإنسان. كلها تشعرك بأن الذي خلقها واحد.
فرأى هذا التطور كله على أنه أصبح، فكّر في الأصل، في الفرق بين الرصد وبين التفسير. هناك فرق كبير جدًا بين الرصد والتفسير.
الرصد هو وصف نتفق معه؛ لأننا فعلًا لو أحضرنا سمكة لها زعنفتان ولها عينان ولها شيء ما، وبعد ذلك أحضرنا عصفورة لها جناحان ولها عينان ولها ذيل، وبعد ذلك لو أحضرنا أرنبًا وهو يمشي أو شيئًا من هذا القبيل له عينان وله يدان تشبهان الزعانف وله رِجلان تشبهان الذيل.
وحدة الشهود والترابط بين المخلوقات كدليل على وحدانية الخالق
وبعد ذلك لو بحثنا سنجد أن كل شيء مرتبط بما هو وحدة الشهود التي شاهدتُ فيها الله، أي شاهدتُ خلفها شيئًا خلقه الله. فالذي خلق هذا هو هذا هو هذا هو هذا، حتى نصل إلى الإنسان.
هل توجد علاقة؟ هذا سؤال مشروع. داروين يا عيني أطلق العنان لتفكيره فيه: هل توجد علاقة بين هذا وهذا وهذا وهذا؟
ثم لماذا نرى ديناصورًا موجودًا في الحفريات وهكذا، وبعد ذلك نجده اختفى، انقرض، انقرض، والماموث وكثير من الحيوانات الضخمة.
نظرية داروين في النشوء والارتقاء بين وحدة الشهود والتطور
فبدأ يضع نظريته هذه التي تقول فيها بـوحدة الشهود، هذا رقم واحد، والذي يقول فيها بأنَّه لعلَّ أنَّ هناك تطوُّرًا حدث، أي أنَّ الله تعالى خلق السمكة، ثم - يا للعَجَب - جعل هذه السمكة تتطوَّر إلى أن أصبحت عصفورة وطائرًا.
ثم تطوَّر هذا الطائر هكذا حتى أصبح - يا للعَجَب - أرنبًا أو شيئًا مشابهًا. فهذه نظرية النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح، وقد كتب كتابه أصل الأنواع يقول فيه هاتان الكلمتان أجاب عليهما الناس، ولذلك توجد شيء يُسمى الداروينية الحديثة.
نقد نظرية التطور والحلقة المفقودة بين القرد والإنسان
هذا الكلام لا يدخل العقل لسببين كبيرين:
السبب الأول هو: أين الحلقات المفقودة؟ نحن الآن كانت سمكة، ودعنا نقول كان قرد، ثم أصبح إنسانًا. أين الحلقة المفقودة التي بينهم؟ يعني توجد حلقة غير موجودة هكذا في الإلهي، لم نجدها في الحفريات ولا وجدناها.
ظلت هذه الحلقة التي يبيعها المحتالون العلميون للجامعات، يقولون لهم إننا وجدنا الحلقة، وجدنا قردًا إنسانًا له صفات القرود كلها، وكان يمشي حتى على أربع، ثم هو إنسان. وبعد ذلك يكتشفون أنهم قد ركبوا الهياكل العظمية بدقة بين القرد وبين الإنسان.
واتخذ فيها ملايين مدّعين، وتم النصب على الجامعات كثيرًا مرة واثنتين وثلاثًا وعشرًا إلى أن اكتشفوا هذه الحكاية فتوقفوا عن البحث عن الحلقة المفقودة التي أكثر من ذلك أصبح أكثر مرارة لا يحدث الآن. لماذا؟
لماذا لا يتحول القرد إلى إنسان الآن لو كان التطور حقيقيًا
يعني الآن لا نجد واحدًا يدخل علينا هكذا كان قردًا وبعد ذلك ماذا أصبح؟ نصف قرد هكذا ونصف إنسان، وبعد ذلك نعلمه اللغة فيتعلم. يعني لماذا لا تحدث هذه العملية؟ لو كانت قد حدثت في التاريخ لكانت دائمة الحدوث، وفي كل فترة نجد القرود تحولت إلى إنسان في الجيل الذي يليه أو الذي يليه العاشر أو العشرين كيف ما تريد وتأخذ وقتها.
افترض أن هذه العملية استغرقت ملايين السنين، حسنًا، إنها ملايين السنين مستمرة. فاليوم هو ألفان وسبعة عشر الذي هو تمام مليون سنة، مليون سنة التي مضت هذه لم يحدث، لماذا نتاجها؟
فإذن هاتان القضيتان جعلتا أمثال لمارك وغيرهم يعملوا على إنشاء على تشكيل داروينية ثانية جديدة، وهذا ما لا مكان له.
داروين كان مؤمنًا بينما نيتشه ملحد وهيجل جعل الله داخل الكون
المهم أن داروين كان لديه دين، لكن نيتشه لم يكن لديه دين. نيتشه كان رجلًا ملحدًا.
هيجل قال إن الله داخل الكون وليس مفارقًا له، فجاء نيتشه ولم يقابل هيجل، أتى بعده وقال: حسنًا، وجدناها. أليس الله داخل الكون؟ هيجل يقول نعم، أي ليس خارج الكون.
قالوا: لا، ليس خارجًا، لا يوجد خارج الكون شيء. قال: لا يوجد إله، أي لا يوجد إله منفصل عنا، ويصبح أنا وأنت الآلهة. فالحمد لله وصلنا إلى هذا الحد!
وأخذ [نيتشه كتابه] ألف عن زرادشت وأخذ يهذي بكلامه هذا.
جنون نيتشه كنتيجة حتمية لمحاولة استيعاب تبعات الإلحاد
ما الذي حدث له؟ لقد فقد صوابه، ولم يستطع أن يستوعب الاختلافات المتنوعة التي ستترتب على قضية الإلحاد. لم يستطع عقله استيعابها، لم يستوعبها، فانفجرت دوائر عقله الكهربائية واصطدمت ببعضها.
أي هذه هي النتائج الخطيرة المترتبة على عدم خضوعه وعدم إيمانه بالله واعتقاده بأنه لا توجد أديان على مستوى الشخص المفكر.
نعم، لكن من الممكن أن يكون شخصًا غير مفكر وعنيفًا هكذا، يعيش حياته ويسهر ويشرب ويتعاطى المخدرات ويفعل، أعرف ما الأمر وكفى.
إصابة نيتشه بالجنون قبل وفاته باثني عشر عامًا وتجوله في الشوارع
لكن لأنه شخص مفكر وحاول أن يحل المشكلات التي ستترتب على هذه المسألة، أصيب بالجنون. متى؟ قبل وفاته باثني عشر عامًا، في عام ألف وثمانمائة وثمانية وثمانين.
كان يكتب حينها كتبًا، ثم توقف فجأة. لماذا لم يكمل؟ لأنه أصيب بالجنون، فدخل في حالة وأصبح يتجول في الشارع، يجد شخصًا يضرب حصانًا فيضرب من يضرب الحصان، ثم يجد أمرًا لا يفهمه، وهكذا حتى مات في سنة ألف وتسعمائة.
ولكنه مسكين كان فاقدًا لعقله.
أثر الإلحاد على المفكر الجنون وعلى الضائع الفساد في الأرض
وهذا هو أثر الإلحاد على المفكر، وليس على الضائع التائه. فالضائع التائه نهايته معروفة، إنه فساد في الأرض فقط.
أما تأثير الإلحاد على المفكر فسيصيبه بالجنون، سيصاب بالجنون.
الموسيقى الغربية مبنية على نصف النغمة، والعربية على ربع النغمة، وهذه على واحد ونصف. هل يمكن أن نُدخل الواحد والنصف في الربع، أو الربع في الواحد والنصف؟
يقول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]
أي أن هذا مستحيل تمامًا.
محاولة إدخال المستحيل في بعضه تصيب العباقرة بالجنون كما حدث مع نيتشه
كثير من عباقرة أُصيبوا بالجنون من القصة هذه، أنه يريد أن يدخل الاثنين. نعم، يمكنني أن أحضر جملًا هكذا وإبرة هكذا وأجعلهما يواجهان بعضهما، لكن أن أدخلهما في بعضهما فهذا مستحيل، لا هذا في ذاك ولا ذاك في هذا، لن ينجح.
فمحاولتهم للإدخال هذه أصابتهم بالجنون. هذا ما حدث مع نيتشه، فقد جُنّ. لماذا جُنّ؟ لأنه يريد أن يفعل شيئًا مستحيلًا الذي هو إنكار الألوهية.
الانتقال من إنكار الدين إلى إنكار الألوهية وآثاره على مستويات متعددة
فهنا سننتقل من إنكار الدين الذي هو غير موجود إلى إنكار الألوهية التي هي موجودة في سورة الإلحاد، والتي آثارها، أول أثر لها على مستوى العباقرة الجنون.
لكن لها مستويات ثانية: على مستوى الفرد، على مستوى الجماعة، على مستوى المستقبل والتاريخ، على مستوى الكون.
ولذلك يقول ألبير كامو أيضًا إن إنكار الأديان ومن ثم إنكار وجود الله سبحانه وتعالى يؤدي في النهاية إلى عنف شديد وإرهاب أكثر خطورة.
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
هل بالضرورة من ينكر الدين يصل إلى إنكار وجود الله ومستويات الإيمان
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، هل بالضرورة من ينكر الدين سوف يصل إلى إنكار وجود الله سبحانه وتعالى؟
[الشيخ]: لا، الذي ينكر الدين على مستويات. نعم، فالإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
ورأينا الناس على هذا على درجات:
- •فمنهم من يؤمن بوجود الإله ولكن لا يؤمن بصفاته.
نعم، هناك سبب لوجود هذا الكون لكنه ليس حكيمًا، ليس عليمًا، ليس سميعًا، ليس بصيرًا.
- •وهناك من يقر بالصفات لكنه لا يقر بالوحي.
فيقول: لا، هو خلق الدنيا وجعل لها سننها وقوانينها وتركها تسير كيفما شاءت، فليس هناك ثمة إلا العقل.
من يؤمن بالوحي لكنه ينكر الشريعة ويجعل المجتمع مصدر التشريع
وهناك من يؤمن بالوحي ولكنه يقول أن الوحي يرسم لنا إطارًا عامًا فقط، ولكنه ينكر من الوحي الشريعة.
يقول إنه يرسم لنا ويقول لنا:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
ولكن انتهى الأمر، فلا شأن له بي بعد الآن. أما أنا فأنا الذي أضع أحكام الأفعال، أي هل هذا الفعل سيء أم قبيح أم كذا.
فيصبح المجتمع هو الذي يضعه عن طريق ماذا؟ قال: عن طريق الديمقراطية الكاملة التي كانت موجودة في روما. كيف نجتمع في ساحة ونقول لنأخذ الرأي، كل الشعب يجتمع لكل الشعب.
قال له: طيب، من الصعب أن يجتمع كل الشعب، نحن اليوم أصبحنا ثلاثة وتسعين مليونًا، فكيف يجتمع كل الشعب؟ قال: يكون ذلك بالانتخاب الذي هو فكرة البرلمان.
البرلمان كمصدر لأحكام الأفعال وسؤال حفظ الأدوات الديمقراطية للدين
والبرلمان هو الذي يعطينا أحكام الأفعال ويقول لي إن الزنا حلال أم حرام، إذا كانت السرقة حسنة أم سيئة، وهكذا.
فهل الأدوات الديمقراطية هذه يمكن أن تحافظ على الدين؟
التجربة المصرية هي التي علَّمت العالم كيف تحافظ الأدوات الديمقراطية على الدين.
[المذيع]: كيف ذلك يا مولانا؟
[الشيخ]: حتى نعرف أن التجربة المصرية بتفاصيلها الحقيقية، ولكي يعرف الذين يشوشون ويغالطون ويلبِّسون على الناس، أنني التجربة المصرية تجربة حقيقية وصحيحة.
التجربة المصرية في جعل الشريعة الإسلامية سقفًا للبرلمان والدستور
وضع [المصريون] نظامًا وجعل له سقفًا. وضع نظام، نعم، هذا النظام فيه انتخاب وفيه برلمان، والبرلمان له مدة وله طريقة.
ولكن في المبادئ: الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، فلا يستطيع البرلمان أن يتعداها. هذا في الدستور، هذا في الدستور.
فالبرلمان لو اجتمع لأنه عُرض عليه أنه يريدون يا جماعة أن نبيح الشذوذ الجنسي، فيقول: لا، لا نستطيع. هناك شيء اسمه برلمان، ولا يستطيع أن يقول نعم. نحن برلمان بالفعل، لكننا مقيدون بسقف.
دور المحكمة الدستورية العليا في مراجعة القوانين وفق مبادئ الشريعة
لنفترض أن البرلمان لم يدرك ووقع في شيء ما، هذا الأمر الواضح المتعلق بالشذوذ الجنسي، لكن لنفترض أنه بناءً على تلبيسات معينة وتدخلات معينة أصدر قانونًا مخالفًا لمبادئ الشريعة الإسلامية.
وضعوا نظامًا اسمه المحكمة الدستورية العليا، نعم، التي تراجع دستورية القوانين بما فيها أنها موافقة وتحت ظل مبادئ الشريعة الإسلامية.
مبادئ الشريعة الإسلامية متفق عليها لأنها تمثل النظام العام والآداب بين المسلمين وغير المسلمين.
اتفاق المسلمين والمسيحيين واليهود على المقاصد الخمسة للشريعة
المسيحيون موافقون على أننا نحفظ النفس ولا نعتدي على الإنسان. المسيحيون موافقون واليهود موافقون على أننا نحفظ العرض، وأننا نحفظ المال، وأننا نحفظ العقل، وأننا نحفظ الديانة، وأننا نحفظ ما يسمونه المقاصد الخمسة: حفظ النفس والعقل والدين والعرض وكرامة الإنسان والمال.
كل هذا الخلق يمثل ما يسمى النظام العام والآداب. فالنظام العام والآداب متفق عليه، التي هي مبادئ الشريعة الإسلامية.
فالمسيحي مطمئن في قلبه من الداخل أن هذا ليس مخالفًا لدينه، فدينه يقول ذلك. واليهودي المصري يقول نعم، موسى يقول هكذا، بل إن كل الأنظمة تقول هكذا.
الفرق بين البرلمان المصري والإنجليزي في وجود سقف شرعي للتشريع
ما الفرق بين البرلمان المصري والبرلمان الإنجليزي؟ أن البرلمان الإنجليزي لا سقف له.
ولذلك أجازوا الشذوذ وأجازوا زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، وأجازوا في بعض البلدان المخدرات مثل السويد، وأجازوا الانتحار إذا كان متفقًا عليه في ألمانيا، وأجازوا الإجهاض وهكذا.
لكننا لا يمكننا أن نجيز هذا. لماذا؟ لأن لنا سقفًا ولنا أيضًا تراتيب. ما هي هذه التراتيب؟ ما شكلها؟ هناك محكمة دستورية عليا وتبحث هكذا.
الرد على القرضاوي والفرق بين تنظيمات الدولة وتخيلات الجماعة
القرضاوي بعد ما أصابه الزهايمر فعمل كتابًا ضدي وضد شيخ الأزهر، وكتب فيه ما هو - طبعًا هم يكتبون له، لكن أيضًا وهو مصاب بالزهايمر يؤثر على العقول التي حوله -.
فكتب: يا الله، أنت تقول إن التجربة المصرية حافظت على هوية المصري التي هي العروبة والإسلام، كيف هذا والقانون الفلاني مخالف للشريعة؟
فقلت له: يا قرضاوي، هناك فرق بين الدولة والجماعة. أنت منتمٍ لجماعة خائبة إرهابية، كل الناس قالوا عليها أنها إرهابية، حتى الآن يطالبون بتسليمك.
لكن الدولة ليست كذلك، الدولة هي أنظمة؛ لأن فكرة الجماعة هذه، ما هو النزاع الذي بين الإخوان وبين الدولة المصرية في عهد الملكية وفي عهد عبد الناصر وفي عهد السادات وما شابه ذلك؟ أنهم يريدون أن يقدموا تخيلات الجماعة على تنظيمات الدولة.
جماعة الإخوان لن تُمكَّن لأنها تخالف سنة الله في كونه
لكنهم يريدون أن يكونوا قبل الدولة، وهذا لن يحدث أبدًا. ولذلك لن يُمكَّنوا في الأرض، فلا الله سبحانه وتعالى راضٍ أن ينصرهم ولن ينصرهم أبدًا.
أما البكاء والشكوى وما إلى آخره فلن ينفعهم. لماذا؟ لأنهم يخالفون سنة الله في كونه. هذه هي الحكاية ببساطة.
ولذلك يا قرضاوي، لو كان عندنا قانون أو اثنان أو أي شيء مخالف، فهذه مسألة بسيطة جدًا، نذهب إلى المحكمة الدستورية العليا.
دور المحكمة الدستورية في دراسة القوانين المخالفة وإلغائها
والموجود في قوانين تجاوزت، تقوم المحكمة بدراستها، لعلها أن تكون هذه القوانين لها معانٍ، لعلها أن تكون وجهًا من الوجوه الفقه الإسلامي، لعل أن يكون لها أدلة ونحن لا نعلم، لعل مآلاتها تكون مآلات طيبة وإلغاؤها يؤثر.
لم تجد كل هذا ووجدت أنها مخالفة فعلًا، تأتي وتصدر قرارًا بإلغاء القانون.
[المذيع]: وهل من سلطاتها ذلك؟
[الشيخ]: نعم، من سلطاتها ذلك، ولا يجوز لمجلس البرلمان أن يعيدها مرة ثانية. لماذا؟ التزامًا وتأدبًا وسقفًا للمحكمة الدستورية العليا.
قضاة المحكمة الدستورية مجتهدون حقيقيون وليسوا جماعة فاشلة
تلك المحكمة الدستورية العليا، عندما رأينا فيها عدلي منصور، وعندما رأينا فيها نجيب رحمه الله، وعندما رأينا فيها عوض المر، مجتهدين يا أستاذ، يعرفون ما يقولونه، لديهم فكر مستقيم.
ليسوا جماعة فاشلة بثلاثة صاغ، ربنا يعطيها على رأسها، أعطاها ثمانين سنة.
حسنًا يا أخي، النبي عليه الصلاة والسلام انتصر في بدر وانتصر في الخندق، ويبدو أنه انتصر في ثمانين معركة جميعها، وحدث أنه انتصر في أحد أيضًا، لكن حدثت مخالفة من الرماة فحصل ما حصل.
أما أنتم فخائبون خيبة بالويبة، والويبة هي مكيال يعادل نصف كيلة، أي أنها مكيال نقيس به، نعبئ بالويبة على رؤوسهم. لماذا؟ لأنهم لا يدركون الواقع.
التجربة المصرية تجعل الأدوات الديمقراطية تحت سقف إسلامي حضاري
ما هو الواقع؟ الواقع هو أننا تجربة مصرية تجعل الأدوات الديمقراطية من الفصل بين السلطات، من المسؤولية والمحاسبة والمراقبة والمشاركة، من الاختيار والانتخاب.
الاختيار في مجال التخصصات: عميد في كلية الطب، هذا نختاره وليس ننتخبه، نختاره من بين أساتذة الطب، لا يصلح أن نأتي لهم بشخص من خارج مجال الطب لا يفهم ماهية مستلزمات الأمر.
ونُعيِّن الاختيار الذي يُسمى بالإنجليزية سيليكشن وإيليكشن، أي الاختيار والانتخاب. عندما تكون هناك نقابات، وعندما تكون هناك مجالس، وعندما يكون الأمر كذلك.
كل هذه الأدوات موجودة لدينا؛ لدينا دستور، ولدينا قانون، ولدينا اختيار وانتخاب، لدينا كل ذلك. فهذه أدوات ديمقراطية.
السقف الإسلامي الحضاري للتجربة المصرية يشمل غير المسلمين بإرادتهم
لكن كيف أصبحت التجربة المصرية جعلت لها سقفًا إسلاميًا لا يمكن أن تتجاوزه، ثم إنها جاءت بالسقف الذي يمثل الحضارة الإسلامية وليس فقط الدين الإسلامي، لكي يكون المواطنون الآخرون غير المسلمين مندرجين بإرادتهم وباختيارهم تحت هذا.
ولذلك لم يقل أحد أبدًا من المسيحيين إنني معترض على هذا الأمر، المادة الثانية هذه، المادة الثانية، المادة الثانية.
آه، بعض العلمانيين الذين لا يفهمون يقولون هكذا: نحن نريد أن يكون برلماننا مثل برلمان إنجلترا. نقول لهم: لا، الثقافة لا تسمح، ولا التاريخ يسمح، ولا وضع بلدك بأدواتها الناعمة وقواها الناعمة يسمح، ولا إرادة الشعب الخاص بك تسمح، ولا هكذا ما في ما لا تسمح بذلك.
وكن واعيًا، فإن التجربة المصرية خاصة في مجال التشريع تجربة فريدة وتجربة ممتازة.
أصحاب الأيديولوجيات يصفون القوانين بالوضعية والإجابة في الحلقة القادمة
[المذيع]: مولانا، أصحاب الأيديولوجيات والجماعات وجماعة الإخوان الإرهابية دائمًا، لأنهم غير قادرين على الوصول إلى ما يريدونه، يذهبون ليقولوا: لا، هذه القوانين وضعية.
وربما سأعود لهذا السؤال في الحلقة القادمة إن شاء الله، ولكن للإجابة على هذا السؤال، سؤال مهم جدًا.
أسئلة من المشاهدين على صفحة الفيسبوك حول خطورة إنكار الدين
[المذيع]: اسمح لي أن أرجع إلى تدخلات أو مداخلات السيدة المشاهدين على سؤالنا على صفحة الفيسبوك.
الأستاذة آمال تقول: الدين ينظم المعاملات والملتزم يعلم أن الله هو الرقيب، وإنكار الدين يعني الفوضى.
الأستاذة سحر أحمد هاشم تقول: حياة بلا معنى ويعود على المنكر والمجتمع كله بالهم.
ختام الحلقة والشكر للشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء
[المذيع]: مولانا الإمام السيد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم مولانا، شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وآمنين، إلى اللقاء.
