والله أعلم | الدكتور علي جمعة يتحدث عن حرية الاعتقاد ومخاطر الدعوة لتوحيد الأديان | حلقة كاملة - والله أعلم

والله أعلم | الدكتور علي جمعة يتحدث عن حرية الاعتقاد ومخاطر الدعوة لتوحيد الأديان | حلقة كاملة

48 دقيقة
  • حرية الاعتقاد في الإسلام ليست انفلاتًا ولا فوضى، بل حرية مسؤولة مرتبطة بفكر منضبط.
  • الإسلام أقر مبدأ ﴿لا إكراه في الدين﴾ فلكل إنسان اختيار عقيدته وتحمل مسؤولية اختياره أمام الله.
  • هناك فرق بين الحرية والتفلت، فالحرية تعني البحث والتعلم والالتزام، أما التفلت فهو الخروج من القيود لاتباع الرغبات والشهوات.
  • كل دين له خلاصه الخاص، والإسلام يحترم الأديان الأخرى مع اختلافه معها، ويدعو للتعايش والحوار.
  • محاولات توحيد الأديان فشلت لأن كل صاحب دين متمسك بعقيدته ولا يتنازل عنها.
  • قضية الردة في الإسلام لا تعني قتل من ترك الإسلام لمجرد تركه، بل تتعلق بمن يسعى لتقويض المجتمع ونشر الفساد والإرجاف.
  • لم يُقَم حد الردة في التاريخ الإسلامي منذ ألف ومائتي سنة للشروط والضمانات الصارمة.
  • الحل الأمثل لحماية المجتمع هو إصلاح منظومة التعليم بأركانها الخمسة: الأستاذ والطالب والمنهج والكتاب والجو العلمي.
محتويات الفيديو(44 أقسام)

مقدمة الحلقة وطرح سؤال حرية الاعتقاد في الإسلام

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، وما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا بركاتها يا رب العالمين. وها نحن نلتقي في "والله أعلم" لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنبحث معه عن تلك الأجوبة لأسئلة صعبة في هذه الرؤية الإصلاحية لمنهج فضيلته.

السؤال الملحّ اليوم: ما حرية الاعتقاد في الإسلام، وكيف أفهمها في الآية الكريمة:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

مولانا، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم مرحبًا. عند حرية الاعتقاد في الإسلام تثور الكثير من التساؤلات يا مولانا، وهذا الذي يجعلنا نرجع لكي نعرف المعنى الأساسي لهذا المفهوم: الحرية في الإسلام، الحرية المسؤولة والفوضى، كيف أفهم حرية الاعتقاد؟

الأسئلة الكلية الكبرى التي شغلت البشرية منذ بدء الخلق

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. البشر منذ أن خلقهم الله سبحانه وتعالى، وبعد فترة النبوة الأولى - نبوة سيدنا آدم - ونسيان أبنائه بطبيعة الخلقة، فعاهد آدم ربه فنَسِيَ، نَسِيَ آدم فنسيت ذريته.

كان عندهم أسئلة عندما يتأملون في السماء وفي الأرض وفي الحياة وفي الموت، يريدون أن يصلوا بترتيب منطقي عقلي إلى الإجابة على هذه الأسئلة. وهذه الأسئلة تقول: من أين نحن؟ ولماذا نحن هنا في الأرض؟ وماذا سيكون غدًا بعد الموت؟ فهي كأنها تسأل عن الماضي والحاضر والمستقبل.

إجابة الأنبياء على الأسئلة الكلية وتسمية الغرب لها بالأسئلة النهائية

وعندما أُرسلت الرسل ونزل الأنبياء وأُنزلت الكتب، وكانت هناك صلة بين الإله الخالق وبين هذا الرتل المبارك من المرسلين، أجابوا عن هذه الأسئلة حتى سُميت بالأسئلة الكلية.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: لأنها تملك إجابات. الغرب عندما نحّى منظومة فكرة الإيمان بالإله سماها الأسئلة النهائية وليست الكلية، أي أنه يريد أن يَصِلَ بعلم الجيولوجيا إلى الإجابة على هذا السؤال، أن يَصِلَ بعلم الفلك إلى الإجابة على هذا السؤال، أن يَصِلَ في علم الطب إلى الإجابة على هذا السؤال، وهكذا وهم إلى الآن لم يَصِلوا.

[المذيع]: مع تنوع فلسفاتهم يا مولانا.

[الشيخ]: نعم، مع تنوع فلسفاتهم وتَقَلُّبِ آرائهم وكذا إلى آخره.

عمارة الكون كهدف إلهي وإجابة الأنبياء عن أسئلة الماضي والحاضر والمستقبل

وعمارتهم أيضًا للدنيا، يعني هم بنوا مصانع وأوصلوا الإنسان إلى حالة من الرفاهة الشديدة في مجال الصحة وفي مجال التعليم وفي مجال عمارة الكون، وهي أحد الأهداف الرئيسية التي خلق الله سبحانه وتعالى الكون من أجلها:

﴿إِنِّي جَاعِلُكَ فِي النَّاسِ إِمَامًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 124]

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

يعني طلب منكم عمارتها. فهذه الأسئلة الثلاثة جاء كل نبي وأخبر قومه عن: من أين نحن؟ من خلق الله. وماذا نفعل الآن؟ نفعل أمر الله.

التكليف الإلهي بين طلب الفعل وطلب الترك وإجابة الحاضر والمستقبل

يعني الله يأمر، وماذا يعني أن يأمر؟ يعني افعل ولا تفعل. افعل نسميه أمرًا مباشرًا، لا تفعل نسميه نهيًا مباشرًا. وافعل ولا تفعل أي أنه يطلب، والطلب ينقسم إلى قسمين: طلب فعل وطلب ترك.

مثل: لا تسرق - التي يضيفها المصريون "الإيه هذه" - لا تسرق، لا تزنِ، لا تقتل، لا تكذب، لا تشهد زورًا، إلى آخره. هذا طلب الترك.

وأما طلب الفعل فهو: صلِّ، وصُم، واذكر، وافعل الخير، وساعد الناس، واصدق، وتوكل، وأحبب، إلى آخره. افعل ولا تفعل، هذه هي إجابة الحاضر وهي أننا مكلفون بذلك.

مفهوم الخلاص يوم القيامة بين رضا الله وغضبه

لماذا؟ لغدٍ، في أي شيء سيكون؟ سيكون فيه طلب الخلاص يوم القيامة. سنكون في رضا الله أم في غضب الله؟ بالإجمال هكذا. رضا الله، بعض الناس يقول لك عن يمين الله، والآخرون يكونون ماذا؟ خارج اليمين، هذا يكون في عذاب يا عيني.

رضا الله سبحانه وتعالى يكون في الجنة، رضا الله تعالى أي في العفو والسماحة. قومٌ يسمون ذلك الخلاص. كل دين من الأديان ممن تؤمن بيوم القيامة، فهناك أديان لا تؤمن بيوم القيامة وتقول:

﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]

إن نهاية الأمر إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر. بطون تدفع وأرض تبلع مثلًا وانتهى الأمر.

اختلاف مفهوم الخلاص بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة

أو يقول أنه لا يوجد إله، أو يقول أنه لا يعرف إن كان موجودًا، لكنه معنى وليس موجودًا بذاته سبحانه وتعالى، إلى آخر ما خيّل عقل البشر للبشر من ضلالات. لكن في النهاية، الأديان - على الأقل الإبراهيمية - لديها ما يسمى بالخلاص.

ما هو هذا الخلاص؟ هذا هو الذي سيجعلك في رضا الله. فاليهودية قالت إن الذي سيجعلنا في رضا الله هو أن نتمسك بموسى. حسنًا، وماذا عن عيسى؟ قالوا: لا، نحن لا نعرفه ولا شأن لنا به. حسنًا، وماذا عن محمد؟ قالوا: لا، نحن لا نعرفه ولا شأن لنا به، وعاشوا حياتهم.

أما المسيحيون فقالوا: لا، هذا واضح، ما هو عيسى يسوع المسيح، وهذا هو الخلاص أن تؤمن به، وهذا هو الخلاص. حسنًا، وماذا عن محمد؟ قالوا: لا نعرفه ولا علاقة لنا به.

موقف الإسلام من الخلاص والإيمان بجميع الأنبياء وظهور حرية العقيدة

ثم جاء المسلمون وديانتهم التي قالت لهم: الإيمان بموسى شرط، والإيمان بعيسى شرط، والإيمان بمحمد شرط، ومحمد خاتم النبيين. فعندما يرى المسلم أن خلاصه يكون بالإيمان بمحمد، لأنه بالفعل مؤمن بعيسى وموسى، فالخلاص يختلف.

فجاءت هنا ما يُسمى بحرية العقيدة. لدينا ملاحدة، ولدينا أهل ديانات تلتزم طقوسًا مثل الهندوسية والبوذية والشنتو وغيرها والطاوية، ولدينا ديانات إبراهيمية، ولدينا الإسلام. كل هذه مكونات البشر، هذا صحيح.

فجاء [الإسلام] وقال لهم:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

أنا أقول لكم الخلاص هو هذا، وأنتم لا تصدقون.

الفارق البسيط بين المسلم وأهل الكتاب في مسألة الإيمان بمحمد

ما بيننا وبين المسيحي واليهودي شيء بسيط، ألا وهو الإيمان بمحمد عند المسلم. إنها ليست قضية بسيطة، لكنها بند واحد فقط. فهم مؤمنون بالله، مؤمنون بالتكليف، مؤمنون بالشريعة، مؤمنون باليوم الآخر، مؤمنون بالعقاب والثواب والحساب، مؤمنون بكل هذا.

الذي بيني وبينه خط رفيع، بمجرد أن يتجاوز هذا الخط يدخل معنا. ما هو؟ هو الإيمان بمحمد. إن لم يدخل في الإيمان فأنا أرى أنه في حالة خارج نطاق خلاصي. وإذا دخل، الكنيسة تقول له: لا، أنت لم تعد في خلاصي. أتنتبه؟

واليهودي إذا تنصّر أو أسلم، الحاخام سيقول له هكذا أيضًا، سيقول له: أنا لا أتدخل بك، أنت ارتضيت باختيارك لنفسك أنك تنتقل إلى هذه الدائرة، فأنت لست في خلاصي.

فشل محاولات توحيد الأديان عبر التاريخ ومثل أراد أن يكحلها فأعماها

يعني هم يروننا أيضًا ونحن لسنا في إطار خلاصهم. طبعًا كل ديانة، ماذا تعني الديانة؟ معناها هكذا. ولذلك ظهرت أمور مضحكة عبر التاريخ، عبر التاريخ، وفشلت كلها، كل المحاولات فشلت.

تلك التي فشلت: محاولة توحيد الأديان. فهيا بنا يا أبناء نوحدها! عندما ظهرت فكرة توحيد الأديان، اعترض عليها الجميع؛ لأن كل شخص يرفض التنازل عن عقيدته وخلاصه.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فنتج عن ذلك فتنة أشد مما كانت عليه حال بقاء الوضع على ما هو عليه. نحن نتقبل بعضنا هكذا، وصديقي مسيحي والصديق الآخر يهودي وصديقي الثالث وهكذا إلى آخره، ويعيشون مع بعضهم البعض بنوع من أنواع الحوار، وبنوع من أنواع الجوار، وبنوع من أنواع التعايش، وبنوع من أنواع الحب والوطنية. يعني كل هذه المفاهيم موجودة، كلها مفاهيم موجودة وتعمل بشكل جيد جدًا، بشكل جيد جدًا.

محاولة سان مون لتوحيد الأديان وفشلها الذريع

هذا الشخص [الذي حاول توحيد الأديان] جاء وذهب، لا تؤاخذني، جاء أراد تكحيلها فأعماها. هل لاحظت؟ العامة هؤلاء لديهم تجاربهم ويرون سنة الله في كونه، عندهم حِكَم صحيح. فمن ضمن هذه الحِكَم جاء المثل: أراد أن يكحلها فأعماها. هذا الكحل نحضره بمرود وهو عمود مصنوع من الفضة أو الذهب أو البنور، ونزين به العين، لكنه أصاب عينه فأتلفها. يعني بدلًا من أن يزينها ذهب فأضاعها، ففعلنا ذلك.

ذلك أننا فعلنا هكذا. كان هناك أناس مضحكون كثيرًا في الحقيقة، لا يظن أحد أننا نسخر منه، لكنه فعلًا هكذا. الذي حصل أنهم ظهروا - يا عيني - وكل الخلق أصبحوا ضدهم.

كان هناك شخص في كوريا الشمالية عنده بعض المال هكذا، وبعد ذلك كوريا الشمالية هذه، كان اسمه سان مون. سان مون هذا جاء وقال: يا إخواننا، ضائعة ووجدناها! بعض الإسلام مع بعض المسيحية مع بعض اليهودية ونصنع كوكتيلًا مختلطًا ونخلطه في هذا الشيء، في الخلاط، ويخرج شيئًا جميلًا هكذا في أمان الله. يعني يكاد الناس لا تكون سمعتُ به؛ لأنه لم يجد أحدًا يتبعه ولا أحدًا يسير خلفه. كان رجلًا غنيًا وقام بأعمال مختلفة وما إلى ذلك، لكن بوفاته انتهت الدعوة تمامًا.

محاولة طبع الكتب المقدسة معاً وظهور البهائية كدين جديد فاشل

اقترح شخص أن نطبع القرآن مع الكتاب المقدس ليصبح توراة وإنجيل وقرآن، العهد القديم والجديد مع القرآن باعتباره العهد الأخير، فتكون جميع العهود مجتمعة مع بعضها. فشلت المحاولة ولم يحدث.

واحد آخر - يا للأسف - كان من الشيعة التابعين لإيران. هذا الرجل خرج وقال أيضًا: تائهة ووجدناها! أنا ربنا حلّ فيّ. كيف حلّ فيك؟ قال: الله. لماذا عيسى تحديدًا؟ ألستم تقولون أن عيسى حلّ فيه الله؟ كيف؟ أنا إذن مثل عيسى، ماذا تريد؟ أنا أريد توحيدكم لأنكم لستم منتبهين لأنفسكم.

ماذا تريد أن تقول؟ فظهر دين اسمه دين البهائية، ميرزا حسين. انتبه، وكان يغطي وجهه، قال: أفضل. الناس يسقطون يمينًا وشمالًا هكذا من حوله، ومات في عكا ودُفن هناك.

انتشار البهائية في مصر وفشلها في تحقيق وحدة الأديان

[المذيع]: التي يعتبرونها قبلتهم يا مولانا.

[الشيخ]: نعم، هذا ما حدث. المكان المقدس الخاص بهم هو الذي جعل بعض المصريين يقتنعون بهذا الفكر أيضًا، تشوفًا إلى مسألة الوحدة هذه، دعوها كلنا هكذا معًا سويًا.

فالبهائيون في الحقيقة كتبوا في كتبهم ورسائلهم أننا نتغيّى الدين الواحد، فجاؤوا ليجعلوا الدين واحدًا، فخرج دين آخر ليس واحدًا ولا شيء. وأصبح بدلًا من أن ندرس خمسة آلاف دين موجودين على وجه الأرض، صرنا ندرس خمسة آلاف واحدًا.

ونرى ماذا يريد هذا الأستاذ البهائي؛ لأنه يقول لك إن السنة تسعة عشر شهرًا، والشهر تسعة عشر يومًا، وأنت تُخرج تسعة عشر في المائة من مالك كزكاة، وأنت تصلي - لا أعرف - مرةً تقول صباح الخير يا ربنا، ومرةً تقول له مساء الخير يا ربنا، ومرةً قبل أشياء مثل هذه.

اعتماد البهائيين على خوارق العادات وفشلهم في إقناع الناس

في النهاية ماذا حدث؟ لا شيء حدث، حدث فشل ذريع. وكان هؤلاء الناس يعتمدون على ما نسميه نحن بخوارق العادات. يقول لك: حسنًا، أنا أقول لك شيئًا، زوجتك لا تحمل. ماذا؟ لا أتحمل! حسنًا، قل هكذا: بهاء الله، وهي تحمل. فالبنت تحمل، يعتنق البهائية، يعتبروا أنها معجزة أو أنها استجابة للدعاء يعني أو هكذا.

حسنًا، قل يا بهاء الله هكذا، أحضر لي الحافلة الآن، ستجد الحافلة قد جاءتك. قل يا بهاء الله سأفعل هكذا. هذا ليس مقياس الحق ولا مقياس الدنيا. في الدنيا هناك أشياء كثيرة مثل هذه التوافقات والضلالات؛ لأنها مخالفة للعقل ومخالفة للنقل.

عندما ظهرت البهائية، وقفت المسيحية ضدها واليهودية ضدها والهندوكية ضدها، والجميع ضدها، ولم تستطع توحيد العالم.

محاولة لودفينج لتوحيد اللغات بالإسبرانتو وعلاقة ابنته بالبهائية

كان هناك شخص ألماني في الماضي، ربما في عام ألف وثمانمائة وسبعة وثمانين، اسمه لودفينج. قال لودفينج هذا: يا جماعة، أنا عقلي يتجه نحو توحيد الأمر، ما رأيك أن نصنع لغة واحدة؟ هناك حوالي ثلاثة آلاف لغة في العالم.

تقول الأمم المتحدة إنه كل واحد وعشرين يومًا تموت لغة بموت آخر شخص ناطق بها. ثلاثة آلاف لغة! فاقترح: ما رأيك أن نصنع شيئًا اسمه إسبرانتو؟ وهذا الإسبرانتو نتحدث به جميعًا تدريجيًا. فشل الإسبرانتو.

بنت لودفيج هذا هو، ابنته تبهّأت [اعتنقت البهائية]، ذهبت إلى البهائية؛ لأن أصلها تدعو إلى وحدة الأديان وهكذا.

توحيد الأديان يخالف مفهوم الخلاص ويؤدي إلى الإكراه

فوحدة الأديان هذه أو توحيد الأديان أمر يخالف ماذا؟ الخلاص؛ إذ أن كل دين له خلاصه. وأيضًا في نفسه أصبح من الداخل ينشأ دين جديد لا يجمع.

وأيضًا هناك أمر خطير جدًا أنه فيه إكراه. الذي نحن نقول نحن نريد حرية العقيدة، لا، هذا يكون فيه إكراه؛ لأنني أخرجت المسلم من إسلامه والمسيحي من مسيحيته والفلان من فلان، وأدخلته الذي أنا أريده، وأدخلته الذي أنا أريده، الذي أنا أتخيله.

[المذيع]: إذن، فاصل ونرجع مرة أخرى لكي نقف عند المعنى الواسع والحقيقي لمفهوم حرية الاعتقاد في الإسلام، ابقوا معنا.

آراء المشاهدين حول مفهوم حرية الاعتقاد في الإسلام

[المذيع]: ما مفهوم حرية الاعتقاد من وجهة نظرك؟

[السائل]: والله، مفهومي أو من وجهة نظري عن حرية الاعتقاد: لا توجد شيء اسمه حرية الاعتقاد. حرية الاعتقاد هذه شيء يكون يعني مطاطي. هناك شيء اسمه لا بد أن أؤمن بديني وبما أنزل الله وبسنة رسوله. حرية الاعتقاد فيما يناسب الإسلام والدين والدستور السماوي الذي هو القرآن الكريم، لا بد أن نلتزم بشرع ربنا والدستور السماوي.

[السائل]: حرية الاعتقاد في نظري هي حرية مطلقة، بمعنى أن كل إنسان حر في اختيار ديانته واختيار عقيدته. يعني ربنا يقول لك:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]

يعني أن ربنا سيحاسبنا بعد ذلك.

حرية الاعتقاد بشرط عدم الإضرار بالغير واحترام الآخر

[السائل]: حرية الاعتقاد تعني أن أعتقد كما أحب بشرط ألا أضر غيري ولا أستحقر رأي غيري، وأن أحترمه ولا أفعل شيئًا [سيئًا]. هذا من حق كل شخص أن يختار الدين الذي يريده، والله سبحانه وتعالى يقول للنبي في القرآن الكريم:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

[السائل]: حرية الاعتقاد هي أن كل إنسان حر في عقيدته، بمعنى أن كل الأديان حثت على هذا النسق. يعني أنا كمسلم أعلم تمامًا وأؤمن تمامًا بحرية العقيدة بنص القرآن.

[السائل]: حضرتك ترى، لماذا الآن لم يعد الناس يعتبرون أن الدين أمر مهم في حياتنا؟ طبعًا الأسباب كثيرة جدًا. أرى أن هناك قدرًا من غياب العقل عند الشباب، وهذا يلعب دورًا في أن هناك أجهزة، يعني دولًا خارجية، تحاول تدمير عقول الشباب. كل واحد ابتعد عن دينه وعن تعاليم دينه، فبالتالي الدين فقد قيمته عند الناس.

سؤال المذيع عن المفهوم الحقيقي لحرية الاعتقاد وإجابة الشيخ بالآية الكريمة

[المذيع]: أيه حسام سي بي سي، أهلًا بحضراتكم. اذكركم على سؤالنا على صفحة الفيسبوك: لماذا يُسيء البعض فهم حرية الاعتقاد؟

مولانا الإمام، إجابات السادة الذين شاهدناهم في التقرير تمحورت حول فكرة الحرية المطلقة للاعتقاد، أن كل شخص يعتقد كما يشاء وكما يحلو له. البعض قال بشرط ألا يتعارض مع النظام العام. هل هو هذا المفهوم الحقيقي لحرية الاعتقاد؟

[الشيخ]: يعني أن الله سبحانه وتعالى يُبين لنا الحقيقة، والقرآن يجيب على هذا السؤال من تلقاء نفسه:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29-30]

يعني هناك فرق بين الحرية وبين الاستهتار.

الفرق بين الحرية والانفلات وموقف العقاد من الشيوعية

[المذيع]: أين الفرق؟ أريد أن أعرف أين الفرق وكيف؟

[الشيخ]: الاستهتار هو القول بالانفلات. هناك شيء اسمه حرية وهناك شيء اسمه انفلات. حرية وفوضى، لا، انفلات. هناك واحد يريد أن يكون منفلتًا، فيرى في الدين قيودًا، فيريد أن يخرج من الدين من أجل أن يخرج من القيود ويفعل ما يشاء. ماذا يعني ما يشاء؟ ما يأتي من رغبات وشهوات.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فهذا الذي يريد أن يكون هكذا، هو متفلت. كان دائمًا العقاد عندما يقولون له: ألن ترد على الشيوعية؟ فيقول لهم: من هو الشيوعي هذا؟ هل يوجد شخص شيوعي؟ يقول له: فلان الفلاني. فيقول لهم: هذا يفعل وكذا وكذا، ويسرد ما يفعله. فيقولون له: حسنًا، نحن نريد الرد على الفكر. فيقول: لا، هؤلاء ليس لديهم فكر، بل سلوكهم منحرف وهو الذي دفعهم إلى أن يتفلتوا بهذه الطريقة.

التفلت نتيجة انحراف السلوك وتجربة طارق حجي مع الماركسية

وهذا ما رأيناه في هؤلاء الناس، تجد الرجل أو المرأة منهم يرتكب ما هو نتيجة التفلت.

[المذيع]: هل تنتبه؟

[الشيخ]: ربما يكون أفضل من كتب في هذا التفلت - وإن كانوا كتبوا بالرموز الأولى من أسمائهم - الأستاذ طارق حجي. أتدرك كيف؟ في تجربتي مع الماركسية.

فأنا أريد أن أقول لسيادتك أن هناك فارقًا بين الفكر الذي له هدف، الذي له أدوات، الذي هدفه هو العمارة والإصلاح، وبين التفلت الذي لا ضابط له ولا رابط. هو الشخص هذا الذي هو الظلم. عندما يتفلت الشخص هذا التفلت، أي أنه يريد أن يتكبر في الأرض، سمِّه تفلتًا، أو سمِّ ما يفعله فوضى، أو سمِّه أي شيء تريد.

الحرية الحقيقية هي البحث والالتزام والتعلم لا التفلت

لكنه في النهاية مسكين. لماذا هو مسكين؟ لأنه يريد شيئًا ضد سنة الله في كونه. هذا التفلت في النهاية يصيبهم بالاكتئاب ويصيبهم بالأمراض الجسدية، وتصيب المجتمع بأمراض كثيرة وهكذا.

لكن الحرية ليست كذلك. الحرية هي أن يبحث المرء، الحرية هي أن يلتزم المرء، الحرية هي أن يتعلم المرء. الحرية ليست نوعًا من أنواع التفلت، بل هي فكر رتبه صاحبه فوصل به إلى شيء ما.

يخالفني أنا، قمت بنفس العملية التي قام بها ووصلت إلى حقيقة أخرى، وأتى ووصل إلى هذه الحقيقة. إذن هل الحقيقة تتعدد؟ في كلام أرسطو القديم أنَّ الحقيقة نسبيةٌ وأنَّ الحقَّ مطلقٌ. الحقُّ هو الذي لا يتعدد، لكن الحقيقة وجوهٌ، وهذه الوجوه قد تختلف من شخصٍ لآخر.

نسبية الحقيقة وحرية الاختلاف والحساب يوم القيامة

وكلٌّ يدَّعي وصلًا بليلى، وليلى لا تُقِرُّ لهم بذلك. فنعم، القضية أنَّ الواحد يقول: الذي أنا عنده هذا هو الحقيقة، لكنني لا أملكها كاملة. لكن الحقيقة موجودة وأنا أظن أن هذه هي الحقيقة، والآخر يقول: لا، أنا أظن أن الذي معي أنا هو الحقيقة، وهكذا.

هذا يعني أن هناك حرية، سندع الناس تفكر وندع الناس تخطئ وندع الناس تصيب. ما تراه أنه حقيقة ويتضح يوم القيامة أنه ليست الحقيقة هكذا، هذه قضية الله سيحاسبنا عليها.

فسنرجع إليه فينبئنا بما كنا فيه نختلف، وينبئنا بما كنا نعمل فيه، وينبئنا بما كنا نفعل. وهكذا سيقول لنا الله يوم القيامة: أين الخلاف؟ وهل هذا الخلاف معتبر، يعني نتركه؟

الاختلاف سنة إلهية وموقف الإسلام من أهل الكتاب والمرتد

قال: نعم:

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

فتركنا نختلف. والله تعالى قال:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

[المذيع]: لكن يجب أن تكمل الآيات.

[الشيخ]: نعم، لأننا نقول إن كل هذا في نطاق الفكر المستقيم والحجة القائمة والأدوات السليمة. فإذا لم يهدك الله تعالى، ماذا ستفعل؟ حسنًا، ابقَ فيما تعتقد أنه خلاصك.

ومن هنا جاء موقف الإسلام من أهل الكتاب، وأننا نتعامل معهم، وأننا نأكل طعامهم، وأننا نتزوج منهم إلى آخره. ومن هنا جاء أيضًا موقف الإسلام من قضية ذات المرتد.

النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل مرتداً قط وقصة الأعرابي

ففي المرتد يقول لك ماذا؟ يقول لك ابن القطاع في أحكامه: لم يقع في شيء من المصنفات المشهورة أنه صلى الله عليه وسلم قتل مرتدًا أو زنديقًا. فعند البحث في كل الكتب، لا يوجد ما يثبت أن النبي قتل مرتدًا أبدًا.

لقد قتل امرأة ورجلًا بحكم قضائي لأنهما سبَّا نساء الصحابة وأساءوا كثيرًا، وكان الحكم في هذا الإعدام تعزيرًا يصل إلى الإعدام.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: فهو ليس كذلك لأنه ارتدّ، وليس لأنه ارتدّ. جاء أعرابي وقال: يا رسول الله، بايعني على الإسلام، فبايعه على الإسلام. فَوُعِكَ الأعرابي (مرض)، كانت المدينة شديدة الحرارة والوهج، فوُعِكَ. فلما وُعِكَ جلس هكذا، وبعد ذلك قال له: يا محمد، أقِلْني بيعتك، أريد أن أرتد.

النبي رفض إقالة بيعة الأعرابي لكنه تركه يرحل دون عقوبة

فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: لا، لا يصح أن أقيلك بيعتك، أنت دخلت الإسلام ولا ينبغي أن تخرج منه. ففكّر الرجل وجاءه في اليوم التالي قائلًا: يا محمد، أقلني بيعتي، يا محمد، أقلني بيعتك.

فالنبي صلى الله عليه وسلم تركه يرحل ولم يقتله ولم يفعل أي شيء، وتركه يمضي من المدينة.

[المذيع]: إذن، هناك سؤال مهم جدًا: ما حقيقة حد الردة وحد الحرابة في الإسلام؟ هذا ما سنعرفه بعد الفاصل، ابقوا معنا.

حقيقة حد الردة في الإسلام وأنه يتعلق بتقويض المجتمع لا بتغيير الدين

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، بعض المشككين يقولون: إذا كان الإسلام يقر حرية الاعتقاد فلماذا يعترض على من يرتد، على من يلحد، وما حقيقة حد الردة أو الحرابة في الإسلام؟

[الشيخ]: لا، هي القضية ليست هكذا. القضية هي أننا أمام أمرين، ما هما؟ القضية الأولى: ما هو حد الردة؟ حسنًا، الذي موجود واتفق عليه الفقهاء: حد الردة هذا هو عبارة عن السعي لتقويض المجتمع، وليس الارتداد عن دين الإسلام إلى شيء آخر.

لأن عبيد الله بن جحش انتقل من الإسلام إلى النصرانية، وترك الصحابة له أن يفعل هذا ولم يفعلوه هم ولا أي شيء. لأن الرجل الأعرابي الذي تحدثنا عنه قبل الفاصل أخذ أغراضه ومضى، وتركه سيدنا النبي، تركه ولم يرسل أحدًا وراءه ولم يغضب منه ولم يُحِلّ دمه ولا أي شيء.

الإرجاف والانقلاب على المجتمع هو الذي يستوجب حد الردة لا مجرد تغيير العقيدة

إنما قضية الإرجاف التي هي القضية التي هي الآن الانقلاب. نتحدث عن شخص يريد أن ينقلب، سواء انقلب على الدولة أو انقلب على النظام الاجتماعي، حينئذ يُحال أمره إلى القاضي تمامًا.

ولذلك الشاب سيد قطب هذا، هو لم يأخذوه من الدار للنار وقتلوه فحسب، لا، بل صدر ضده حكم قضائي. لماذا؟ لأنه كان سيغرق البلد، كان سيقتل المواشي والناس والحياة بغباء وسطحية. ما رأينا أفظع من ذلك، المجتمع كله جاهل أمامه، هل تدرك؟

فأنا أريد أن أقول لحضرتك أن الذي يقام عليه حد الردة هذا موجود في سورة الأحزاب:

﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: 60]

دليل حد الردة من سورة الأحزاب والمرجفون هم من يفسدون المجتمع

والمرجفون الذين نسميهم الآن الإرهاب، والذين في قلوبهم مرض الذين هم المرتدون هؤلاء. والمنافق لا يزال أيضًا يقول أنا مسلم لكنه مرتد داخليًا، أي الذين في قلوبهم مرض والمنافقون. لأنه لم ينتهِ المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة:

﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]

هذا هو دليل الردة وحد الردة. الذي هو ماذا؟ الذي يفسد المجتمع، يرجف في المدينة ويقلب علينا المواجع ويصنع الفتن، يصنع الفتن، يريد أن يُسقط هذا المجتمع من خلال انقلاب، من خلال سعي لتقويض أسس المجتمع، من خلال شيء من هذا القبيل.

حد الردة لم يُقم في مصر منذ ألف ومائتي سنة بسبب الضمانات القضائية

من الذي يحكم عليه؟ إنه حضرة القاضي. ولذلك عندما كان الأمر كذلك، عندنا هنا في مصر مثلًا لدينا ألف ومائتي سنة حتى الآن لم نُقِم حد الردة.

ولذلك الناس الذين هم في الغرب الذين يقولون لك هذا هو الإسلام وليس الإسلام وما إلى ذلك، هؤلاء الناس لا ينتبهون إلى أن حد الردة لم يُقَم منذ ألف ومائتي سنة.

لماذا لم يُقَم حد الردة منذ ألف ومائتي سنة؟ لأن الإسلام أحاطه بإجراءات قضائية كبيرة، ولا يجوز إطلاقًا أن يقيم حد الردة على شخص لم يثبت أنه يقوض المجتمع.

تاريخ الإلحاد في الإسلام وقصة ابن الراوندي الملحد الذي لم يُقتل

في التاريخ الإسلامي كان المرحوم عبد الرحمن بدوي - رحمه الله - قد ألَّف كتابًا اسمه "تاريخ الإلحاد في الإسلام"، وذكر فيه الأشخاص الذين ألحدوا، وأورد أسماء كثيرة عبر فترات تاريخية مختلفة وأزمنة صحيحة والأماكن. لم يُقتل منهم أحد.

من ضمنهم شخص ملحد كان اسمه ابن الراوندي. هذا الرجل كان ملحدًا، وكان يقول: ما هذا القرآن؟ هذا القرآن مجرد كلام، وصياغتي أيضًا صياغة كلام، وما دامت صياغتي كلامًا والقرآن كلامًا وكلامي غير معجز، فالقرآن إذن غير معجز! إنها مسألة بسيطة عنده، منطق!

فردوا عليه وقالوا له: إن ابن الراوندي يتنفس والحمار يتنفس، وهذا قاسم مشترك بينهما، فابن الراوندي حمار وانتهى الأمر. ولم يقتل أحد أحدًا، ولم يفعل أحد شيئًا. وابن الراوندي عاش ومات، وحاول أن يقلد القرآن ففشل، ولم يسمعه أحد؛ لأن كل هذا نوع من أنواع الدجل ونوع من أنواع الخروج عن المعقول والخروج عن العلم.

نوعا المرتد: مرتد اعتقاداً لا شأن لنا به ومرتد إفساداً يحاكم قضائياً

فإذا هذا المرتد هو نوعان: مرتد اعتقادًا وهذا ليس لنا شأن به مثل ابن الراوندي وغيره.

[المذيع]: ومرتد ليس اعتقادًا أم ماذا؟

[الشيخ]: إفسادًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: يريد أن يفسد المجتمع، يدعو إلى التقويض، يقول: يا جماعة، وينشر مقالات وفيديوهات، ويأتي في التجمعات يدعو الناس إلى أن يخلصوا أنفسهم من الخرافات التي يعيشون فيها والتي تسمى الدين، وأن يخلصوا أنفسهم من كل هذا الخلاص وما إلى ذلك، وأن يتبعوه هو باعتباره شيئًا آخر، كأنه عظيم جدًا، مع تكذيبه بعقائد الإسلام وقد كان مسلمًا.

أمثلة تاريخية على ملحدين لم يُمسّوا لأنهم لم يسعوا لتقويض المجتمع

إذ يوجد أناس غير مسلمين وكانوا هكذا، مثل شبلي شميل مثلًا، لم يمسسه أحد ولم يؤذه، وألَّف كتبًا كبيرة وكثيرة. وكذلك سلامة موسى، لم يفعل له أحد شيئًا ولم يشتكه أحد. لماذا؟ لأنه في الأصل لم يهاجم الإسلام بالباطل ثم يحاول تقويض المجتمع.

فهذا هو الذي يستوجب أن يكون المرء مرجفًا، وبعد ذلك نلجأ إلى القضاء في هذا الموضع. لا يمكن الحكم عليه وهو في هذا الموقف إلا بالقضاء. لا يصح أن أذهب لأقتله هكذا، لا يصح؛ لأنه قد يكون متأولًا، قد يكون جاهلًا، قد يكون غير قاصد، قد يكون مُكرهًا، قد يكون من المؤلفة قلوبهم.

القضاء وحده هو المخول بالحكم في قضايا التقويض والإرجاف

[المذيع]: وكل هذا في الاعتبارات يا مولانا، فماذا إذن؟

[الشيخ]: والقاضي سيحقق زيادة تحقيق. يعني أنه ليس هناك قتل ولا شيء من هذا القبيل إطلاقًا. القتل الموجود في القانون حتى الآن هو الذي يريد تقويض نظام المجتمع الأساسي معلنًا أنه قد خرج عن دين الله.

أما الذي يخرج فليخرج، فإن خروجه يشبه الخيانة العظمى هكذا.

[المذيع]: يا مولانا، تؤول إلى الخيانة العظمى.

[الشيخ]: تؤول إليها، نعم؛ لأنه يريد أن يقوض المجتمع، يريد أن يجعل هذا البلد يخرب وتفشل. أليس يقول لك إن الدولة الفاشلة يريدها أن تفشل، سواء ارتد أم لم يرتد. إن الجماعة الإرهابية يريدون فشلنا، يراهنون على الفشل، يراهنون على الفشل ونحن ننجح.

القضاء يحكم بالإعدام على من يقوض المجتمع بناء على مستندات وتحقيقات

لا، القضاء يحكم عليهم بالإعدام لأنهم اشتركوا في جرائم تستوجب هذه العقوبة بنص القانون. لماذا يحيلهم القضاء معهم؟ وأنت تعلم في قضية تتعلق بالتقويض، المستندات تملأ غرفة بأكملها.

فالقاضي يفكر ويدبر وينظر ما هي القضية، وبعد ذلك يحيلهم إلى الإعدام؛ لأنه استقر في يقينه أنهم يريدون تقويض المجتمع. فهذه هي الجريمة التي يرتكبونها.

وهم يقولون إنك لا، أنا نصلي ونصوم وكل شيء. فالقضية التقويض، ليس صلى أو صام، وليست القضية الردة هذه - والعياذ بالله تعالى - فعل خبيث سيكون له عقابه الشديد يوم القيامة.

النبي ترك المرتد يرحل ولا نص يوجب القتل لمحض الارتداد

عندما عُرض على النبي [أمر الأعرابي المرتد] على اعتبار أنه سيأخذ ويعطي معه، رفضه وقال له: لا أستطيع أن أسمح لك بالردة. فعندما غادر الرجل تركه.

ولذلك ليس هناك أي نص موجود يقول إن محض الارتداد هذا فيه كذا. وبعد ذلك انظر إلى المفاجأة الرهيبة العجيبة أنه طوال ألف ومائتي سنة لم يُقم أحد هذه الحدود بسبب الشروط والضمانات التي وضعها الشارع الشريف.

فماذا يريدون؟

لماذا يثيرون زوابع حد الردة وعلاقة ذلك بالغزو الثقافي

[المذيع]: هذا هو مولانا الإمام، ما دام الأمر واضحًا ومنذ ألف ومائتي سنة لم نُقِم هذا الحد، وكل الأمور مُخَوَّلة في النهاية إلى القضاء، لماذا يثيرون هذه الزوابع كثيرًا ويتحدثون عن حد الردة والارتداد في الإسلام؟

[الشيخ]: لأن هذا عائق كبير جدًا لقضايا الغزو الثقافي.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: إنه عائق. لأن الذي يحدث ماذا؟ يعني ماذا حد الردة؟ يعني ماذا يفعل؟ يقول: أنت لو ارتددت عن هذا المفهوم البسيط - غير الذي قمنا بتوضيحه - من أن الذي يرتد عن الإسلام يستحق القتل.

فالأمر يشبه القول بأن رجلًا متزوجًا يزني، فهذا الرجل يستحق العقاب، أو رجل يسرق فيستحق قطع يده. فهذه المسألة تعظم هذه الأشياء تربويًا في نفس المسلم.

الأثر التربوي الرادع لحد الردة ومحاولات التشنيع على الإسلام

أنا لا أستطيع أن أُسرق. أخافُ، ماذا هذه؟ هذه جريمةٌ كبيرةٌ جدًا.

[المذيع]: رادعة.

[الشيخ]: نعم، فهذا الكلامُ تربويًا يُردع وتربويًا يُربي الإنسان على هذا. فهو يأتي ويقول لك: اترك دينك. لماذا أتركه؟ لأنه متخلف، دينك هذا. حسنًا، ديني ليس متخلفًا، ونحن نعلم أن ديني ليس متخلفًا.

أنت خائف أن يقتلوك أم ماذا؟ لا، أنا لست خائفًا أن يقتلوني؛ لأنهم لم يقتلوا أحدًا. صحيح، هذه ألف ومائتا سنة حتى الآن ولم يقتلوا أحدًا لأنه يقول: أنا ارتددت وأنا فعلت وأنا كذا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: حسنًا، إذا شنّعنا على الإسلام أنه يقتل المرتدين حتى يرجع المسلمون ويقولوا: لا والنبي، لا يقتل المرتدين أو أي شيء، فالذي يرتد وانتهى الأمر، ويقع المسلمون في هذا فتسهل على الناس جريمة الردة.

الموقف الصحيح من الردة بين حرية الفكر وضوابط القضاء

نقول لهم: لا، الإسلام آتاه حرية الفكر صحيح، ولكن الردة تكون عند القاضي، وهذه الردة لا يمكن أن يكون عقابها الحد إلا إذا توافقت وكانت مع تقويض المجتمع والإرجاف في المدينة.

[المذيع]: مولانا الإمام، هل ساهم في ذلك الذين تصدروا أحيانًا للحديث عن الإسلام من المتشددين وبعض الأدعياء وبعض الذين لم ينتموا يومًا ما للأزهر ولعلم الأزهر وللعلم الحقيقي والأصيل والمنهجي؟

[الشيخ]: طبعًا. أبناؤنا الذين هم من تحت عباءتنا نحن كأهل السنة، يعني انحرفوا إلى الإرهابية أو انحرفوا إلى أن يكونوا من التكفيريين (الدواعش). يعني نحن مسؤولون عنهم مسؤولية علينا أننا لم نبذل الجهد المناسب لها حتى يفهم هؤلاء.

مسؤولية العلماء تجاه المنحرفين والتبرؤ من أفعال المتطرفين

لكنهم مخطئون أيضًا؛ لأنهم كانوا يهربون منا، وما رأى أحد منهم وجوهنا، ولم يرضَ أحد منهم حضور دروس العلم التي نقدمها، وماذا سنفعل إذن؟ أتفهم؟

لكن من ناحية المساءلة الأدبية فلا، نحن مسؤولون أدبيًا. أما من ناحية المساءلة فالذي يعلمها العليم سبحانه وتعالى، ويعلم مدى ما أدّيناه ومدى ما فعلناه. نرجو من الله العفو والعافية.

لكنهم شوهوا الإسلام والمسلمين، ولكي نكون واضحين، نحن نقول إننا نتأسف للعالم من فعل هؤلاء، ونبرأ أمام العالمين من فعل هؤلاء. ها نحن نقول بصراحة: نحن نبرأ إلى الله سبحانه وتعالى ونعتذر للعالمين من فعل هؤلاء، وفي نفس الوقت نقدم الإسلام وحقيقة الإسلام من خلال هذا التقديم لهذه الرؤية الإصلاحية المنهجية.

التعليم هو المدخل الحقيقي لحماية الشباب وإصلاح المجتمع

[المذيع]: مولانا الإمام، إذا - يعني - قبل أن أنهي هذه الحلقة، لا بد أن نقف عند بعض النقاط المهمة أو الأمور الحاكمة للحرية وحدود الاعتقاد في الإسلام، وكيف نحمي أنفسنا ونحمي الشباب من تسلل أو تسرب هذه الأفكار الغريبة التي تهدد علاقتهم بالدين؟

[الشيخ]: نهتم بمنظومة التعليم. منظومة التعليم يعني أننا سنظل ولا نيأس من الدعوة. إنها المدخل الحقيقي للتغيير والمدخل الحقيقي للإسلام وللعروبة ولمصر لكي تدخل العصر الحديث، والمدخل الحقيقي للتنمية والمدخل الحقيقي للرفاهة والمدخل الحقيقي للقضاء على الإرهاب هو التعليم.

أركان التعليم الخمسة وضرورة إعادة بنائها وترميمها

له خمسة أركان:

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]:

  1. الأستاذ
  2. الطالب
  3. المنهج
  4. الكتاب
  5. الجو العلمي المبني على النشاط والامتحانات

التي يجب أن تتوفر هذه العناصر الخمسة، ويجب أن نعيد بناء ونرمم ما يحتاج إلى ترميم من الأستاذ، ونرمم ما يحتاج إلى [ترميم من الطالب]، ونرمم ما يحتاج إلى ترميم من المنهج ومن الكتاب ومن الجو العلمي.

بهذه العناصر الخمسة نستطيع أن نغير وجه الأرض، وستكون مصر هي النموذج الذي يُحتذى به في سائر بلاد العالم، خاصة البلاد الإسلامية. وتقدم مصر هذا النموذج مفتخرة بأنها تنفع مصر وتنفع العصر.

المنهج الأزهري العريق ونظام شيخ العمود في التربية والتعليم والتدريب

[المذيع]: إذن، هذه النماذج أو العناصر الخمسة الأساسية في العملية التعليمية التي بُنِيَ عليها الأزهر في مراحله المختلفة استوعبت مواريث النبوة، وأقصد ما نسميه بالنموذج المعرفي الإسلامي يا مولانا.

[الشيخ]: هذا هو ما حدث. وكما يقال وبمنتهى البساطة: كيف أن الله يسّر الأمر بحيث لا توجد معاناة في أن يذهب الإنسان إلى الأزهر، وأن يلتزم بالمنهج، وأن يأخذ الكتاب، أن يدرس على الأستاذ.

فقط عندما كان موجودًا أستاذ شيخ العمود هذا الذي تحلقوا حوله في الأروقة الأزهرية، هذا كان إمامًا كبيرًا وفاهمًا كل شيء ودقيقًا، ويستطيع أن يعطيك المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، أن يعطيك منظومة التربية مع منظومة التعليم مع منظومة التدريب. إن هذا لشيء مذهل.

خاتمة الحلقة والدعاء لمصر بإعادة ترميم منظومة التعليم

يعني المنهج الأزهري وهو الذي يعمل إلى الآن مذهل مبدع. ولذلك استحق الأزهر أن يكون فعلًا أقدم جامعة تعمل حتى اليوم، مضى عليها أكثر من ألف سنة.

[المذيع]: مولانا الإمام، وهذه كانت خطوة واضحة من خطواتك العملاقة في إرساء هذا المنهج حينما فتحت الأروقة الأزهرية وجعلتها تمتلئ بطلاب العلم.

[الشيخ]: اللهُ سبحانه وتعالى يتقبل ويُمكِّن مصر من أن تُعيد ترميم هذه الخمسة [العناصر التعليمية]، وننطلق إلى ما فيه خير البلاد والعباد.

[المذيع]: مولانا الإمام الشيخ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء، شكر الله لكم.