والله أعلم | د. علي جمعة يوضح حقيقة الدين في الإسلام واعترافه بالأديان الأخرى | الحلقة الكاملة
- •الدين يتمثل في ثلاث علاقات أساسية: علاقة الإنسان بربه قائمة على العبادة، وعلاقته بنفسه قائمة على التزكية، وعلاقته بالكون قائمة على العمارة.
- •الدين عند الله الإسلام يعني أن جميع الأنبياء جاؤوا من مشكاة واحدة بنفس الرسالة، لكن الشرائع تختلف لاختلاف الأزمنة.
- •الإسلام يعترف بجميع الأنبياء ويجعل الإيمان بهم ركناً من أركان الإيمان، مع وجود تطور وتدهور في فهم الدين عبر العصور.
- •التعايش مع أصحاب الديانات المختلفة لا يعني التنازل عن العقيدة، بل إنه منهج إسلامي يقوم على حسن الجوار والرحمة.
- •الإسلام يميز بين أهل الكتاب وغيرهم، ويفرق بين قضية الخلاص وقضية التعايش، فالخلاص يختص به كل دين، أما التعايش فمشترك بين الجميع.
- •العلمانية تحل مشكلة الصدام بين أصحاب الديانات بتنحية الدين، بينما الإسلام يحلها بالتعايش مع الحفاظ على الخلاص.
مقدمة البرنامج والترحيب بالدكتور علي جمعة وسؤال عن مفهوم الدين
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم في حلقة جديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
ومعلوم بالضرورة أن إسلامنا الجميل صالح ومُصلِح لكل زمان ومكان، وبه ما يضمن التجديد والتجدد والاستمرار، شريطة أن يكون هناك العالم الرباني صاحب العقلية الفارقة والتوفيق الإلهي، المصلح المجدد.
لذلك كان لزامًا علينا ونحن نلتقي بعالمنا المجدد المصلح الأستاذ الدكتور علي جمعة، لنسأله عن رؤيته ومنهجه في الإصلاح والتجديد. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم، أهلًا ومرحبًا بكم.
اسمح لي وأنا أسير ما بين اتساع علمكم وموسوعية معرفتكم، أن أقف عند الملامح الأساسية لهذه الرؤية، وأبدأ بـ: أود أن أسأل عن مفهوم الدين، واسمح لي أن أستعير جملة لخالد محمد خالد: من هنا نبدأ.
حديث جبريل وأركان الدين الأربعة التي يجب أن يفهمها الناس
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
عندما نزل جبريل عليه السلام ليعلم الناس أمر دينهم، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربعة أشياء: سأله أولًا عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم عن الساعة.
وهذه الأشياء الأربعة إذا أردنا عرض دين للناس فإنها هي الأشياء الأربعة التي ينبغي أن يفهمها الناس حتى يقبلوا أو يرفضوا الدين. وقد حذرنا الله من رفض الدين واعتبر هذا موجبًا للعقاب وموجبًا أيضًا للتعاسة والمتاهة في الدنيا، لكنه موجب للعقاب أيضًا في الآخرة.
مصدر الدين هو النبي وليس الأهواء والرغبات الشخصية
فإذا أردنا أن نسأل عن ماهية ديننا، ديننا عندما نتأمل في هذا الحديث وفي غيره وفي مصادر هذا الدين - الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم الذي ترك لنا سنة مشرفة وسيرة مباركة - لو أننا جئنا إلى مصدر هذا الدين، أول شيء أن جبريل يسأل النبي، فلا بد أن نأخذ ديننا من النبي وليس من أهوائنا ولا من رغباتنا.
قد يكون لكل واحد منا هوى ورغبة وإرادة، لكن ليس هذا هو الدين. فيشيع الآن في البنات أن تقول لك: أنا أريد أن أخلع الحجاب، هذا إن كانت ترتديه أصلًا. حسنًا، ولكن هذا ليس الدين، قضية أخرى أنتِ تريدينها.
جبريل يسأل النبي دون غيره ويصدقه بعد كل إجابة
ولكن عندما جاء جبريل لم يجلس ليسأل سيدنا أبا بكر ولا سيدنا عمر ولا سيدنا عليًّا، بل سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يسأل أحدًا آخر. وكان بعد كل سؤال يقول: صدقت، يصدق النبي.
قال عمر: فعجبنا كيف يسأله ويصدقه. فإذا لو تأملنا هذا الحديث وغيره وتأملنا الكتاب والسنة لوجدنا أن هذا الدين يحاول أن ينظم - أو هو ينظم فعلًا - ولكننا نحاول تطبيقه في حياتنا.
ثلاث علاقات محورها الإنسان: مع الله ومع النفس ومع الكون
العلاقة بين الإنسان وربه، والعلاقة بين الإنسان ونفسه، والعلاقة بين الإنسان وكونه. إنها ثلاث علاقات محورها الإنسان.
وهذا ما ذكره شيخنا رحمه الله الدكتور محمد غلاب عندما ألّف كتابه الماتع «أؤمن بالإنسان»، أؤمن بالإنسان، بالإنسان؛ لأنه الإنسان هو الأساس الذي ستجري عليه أحوال الدين.
[المذيع]: أليس عنوانًا صادمًا بعض الشيء إلى حد ما؟
[الشيخ]: نعم، صادم إذا صدر من غير مؤمن، أما وقد صدر من أحد علماء المسلمين الكبار - نعم - الدكتور محمد غلاب الذي كان أستاذًا في أصول الدين، كان شيخًا من المشايخ الذين تعلموا أيضًا في أوروبا، وكان يفهم كيف يخاطب هذا الإنسان بذلك الدين.
العلاقة بين الإنسان وربه أساسها العبادة وتجربة الدين المعاشة
فما هو المحور؟ المحور هو الإنسان. ماذا سنفعل به إذن؟ سنخاطبه ونقول له: أيها الإنسان، اعبد ربك. هذه هي العلاقة التي بيني وبين الله، أساسها العبادة.
هذه هي الرؤية التي تسأل عنها، تقول لي: كيف ترى الدين؟ أنا أراه هكذا: تعلمناه وفهمناه وعشناه.
[المذيع]: ضع دائرة حول كلمة «عشناه» هذه. لماذا عشناه؟
[الشيخ]: ليس لماذا، بل نحن عشناه فأحببناه. يعني ليس لماذا عشناه، بل عشناه، هذا هو الواقع الذي حدث.
[المذيع]: ضع عليه دائرة فقط للأهمية.
[الشيخ]: نعم، هذه هي المفتوحة لغاية الأهمية. نعم؛ لأننا ليس فقط تلقيناه كعادة، بل فهمناه، وليس فقط فهمناه وصدقناه هكذا على اعتبار أنه لا يوجد مانع، بل عشناها حياةً.
العلاقة بين الإنسان ونفسه أساسها التزكية بالتخلية والتحلية
ولذلك العلاقة بيني وبين ربي أساسها العبادة.
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
حسنًا، والعلاقة بيني وبين نفسي التزكية.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
فدخلنا في هذه التزكية وظللنا نتتبعها، وبدأنا نخترع ألفاظًا تعبر عن مراد الشرع الشريف. والدين الشريف يقول لك: نقِّ قلبك من القبيح، وحلِّ قلبك بالصحيح.
فـالتخلية والتحلية تُحدث التجلية، فالتخلي والتحلي يُحدث التجلي. وبعد ذلك نرى ما هو التجلي، ومما نخليها فرأينا الصفات المذمومة لكي نطردها من قلوبنا.
منظومة العلم والتربية والتدريب وخشية العلماء لله تعالى
كيف نفعل ذلك [طرد الصفات المذمومة]؟ بالتربية والتعليم والتدريب. إذن هي منظومة العلم التي تدخل هنا.
وهنا يأتي كل ما نسير هكذا أستاذ حسن، كلما انبهرنا بالقرآن آتي، وبعد أن أفهم بمفردي هكذا، ثم يوقظني ربي بقوله:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
ما هذا! الله! إن العلماء هم أصحاب الفكر المستنير. ماذا يعني مستنير؟ يعني أنهم يعرفون أن هناك إلهًا لهذا الكون؛ لأن هناك فكرًا سطحيًّا الذي أرى به ملامح الكون، وهناك فكر عميق بالمجهر أو التلسكوب أو الميكروسكوب، فأرى الخلية وأرى الكائنات العليا.
لكن هناك فكر مستنير وهو الذي يقول: سبحان الله! الله! هذه مثل هذه مثل هذه، سبحان الله! هذه مثل هذه مثل هذه، إلى أن يقول: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.
العلاقة بين الإنسان والكون أساسها العمارة والاستخلاف في الأرض
حسنًا، وبيني وبين نفسي مبناها التزكية. إذن أصبح لدينا كلمتان: العبادة والتزكية.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
وبعد ذلك نذهب، حسنًا، وبيني وبين هذه الأكوان وجدت ربنا في سورة هود:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
فقلت: إذن هي العمارة.
[المذيع]: نعم، العمارة.
[الشيخ]: العمارة التي فيها هذه المحادثة الرائقة، حتى الملائكة يسألون:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]
تعليم آدم العلم وتدريبه على الاسترجاع كأساس لمنظومة التربية
وعلَّم الله آدم العلم. كيف جاء؟ رآه هو العلم الذي هو منظومة التربية والمعلومات والتدريب، أظهره.
أترى كيف؟ قال:
﴿يَـٰٓـَٔادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 33]
انظر إلى التدريب الآن. أترى؟ يعني يدربه على أن يسترجع.
إذن، فالقضية هي أن هناك علاقة بيني وبين الكون، هذه العلاقة هي علاقة العمران. يوجد عندي علاقة العبادة والتزكية والعمران: العبادة بيني وبين ربي، والتزكية بيني وبين نفسي، والعمران بيني وبين الأكوان. هكذا أنا، أنا أفهم الدين هكذا.
تفصيل العلاقات الثلاث: العبادة والإحسان والعمارة بأنواعها
نعم، عندما يكون بينك وبين ربك يقول لك: أقم الصلاة، وآتِ الزكاة، وصم رمضان، وحج البيت. الله الله الله الله! هذا بينك وبين ربك.
عندما يكون بينك وبين نفسك، يقول لك أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
عندما يكون هناك بينك وبين الكون الخاص بك - انتبه - العِمارة. وهذه العِمارة ستشمل ثلاث أو أربع أشياء؛ لأنني عندما أذهب إلى الكون أجد عالم الأشياء، في أشياء أمامي، فربنا يقول:
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]
يعني لا تدمرها، ولا تستغل البيئة أسوأ استغلال.
الاقتصاد في الماء والنهي عن الإسراف كقاعدة عامة للعمارة
فالنبي أمرنا بالاقتصاد في الماء حتى لو كان على باب بيتك نهر جارٍ، نهر يجري. كذلك أيضًا كن حسنًا في الوضوء، توضأ بقدر حاجتك، لا تسرف، لا تسرف.
عندما أصطدم بالقرآن وأنا هكذا غير منتبه، ثم أجد آية:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا﴾ [الأعراف: 31]
وبعد ذلك أجد قاعدة عامة:
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
ما هذا! الله الله الله الله! هذه قاعدة نستطيع أن نجعلها مبدأً عامًّا للتعامل في العمارة، عمارة الأرض.
حديث الرحمة كأول حديث في التعامل مع عالم الأشخاص
عندما آتي أرى موقف الإسلام من البيئة أو موقف الإسلام من الحيوان أو موقف الإسلام من عالم الأشخاص. عالم الأشخاص هنا الآن، الله! هؤلاء الأشخاص قد أمرني الله سبحانه وتعالى أن أرحمهم، ويقول ماذا؟
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
هكذا يقول سيدنا صلى الله عليه وسلم. وليس هكذا فحسب، فيجعلها الناس الذين فهموا الدين أول حديث، فيُسمى بـحديث الأولية.
[المذيع]: نعم، حديث الأولية.
[الشيخ]: يعني أول شيء سيقوله الشيخ هو هذا، هو هذا الحديث.
إجازة حديث الأولية وروايتاه في الرحمة بين الخلق
وعندما نأتي لنعلمه للطلاب، يقوم طالب فيسأل: أعطنا إجازة بالأولية يا مولانا؟ فنقول له: نعم، اجلس.
قال رسول الله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
بسكون الميم: يرحمْكم من في السماء، بضم الميم: يرحمُكم من في السماء. روايتان: «يرحمْكم من في السماء» يعني يدعو لكم، «يرحمُكم من في السماء» يقول لك: ستُرحَم وإلا فربنا لن يرحمك، الذي هو «من لا يَرحم لا يُرحم».
والثاني: يا ربِّ ارحمهم يا شيخ لكي يوفقك الله وترحم الذين في الأرض، تخلَّقوا بأخلاق الله.
الأخوة العامة في الإنسانية وعهد سيدنا علي لوالي مصر
ومن ثم آتي، هذا حديث الأولية وهذا هو الأساس الذي بيني وبين الخلق. خلق من؟ المسلمين.
ثم آتي لأبحث في الدين:
﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]
الله!
[المذيع]: نعم، هذا كل الخلق يعني.
[الشيخ]: وانتبه، حتى قال الشبرخيطي وهو يشرح حديث «أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك» قال: والأخوة هنا عامة في سائر البشر، أخي في الإنسانية.
نرى سيدنا عليًّا وهو يرسل أحد تلاميذه إلى مصر - هو لم يصل إلى مصر، المسكين مات قبل أن يصل - ولكن خطابه وصل. وبعد ذلك يقول فيه: إنك عندما تأتي إلى مصر فستجد فيها أحد صنفين:
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: إما أخ لك في الخلق - يا سلام، الإنسانية! - وإما أخ لك في الدين.
ملخص العلاقات الثلاث: العبادة والتزكية والعمارة ودعوة الوعي قبل السعي
هذه هي الصورة العامة. فلنحفظ إذن ونعرف أن هذا الحديث [حديث جبريل] يمنحني ثلاث علاقات: العبادة بيني وبين الله، والتزكية بيني وبين نفسي، والعمارة بيني وبين الأكوان، سواءً من عالم الأشياء أو من عالم الأشخاص.
لذلك ستكون دعوتنا دائمًا: الوعي قبل السعي، معًا دائمًا.
معنى إن الدين عند الله الإسلام وأنه دين واحد من لدن آدم إلى محمد
أهلًا بحضراتكم.
[المذيع]: مولانا الإمام، ما معنى الآية الكريمة:
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ [آل عمران: 19]
وهل معنى ذلك أن الإسلام جاء لينفي ما قبله من الأديان؟
[الشيخ]: لا، إن الدين عند الله الإسلام يعني كل دين أرسله الله سبحانه وتعالى من لدن آدم إلى خاتم النبيين محمد كان من مشكاة واحدة، كان من عند الله، كان اسمه الإسلام.
كان أساسه هذه الثلاثة [العبادة والتزكية والعمارة]، هي مقصد ربنا سبحانه وتعالى من خلق هذا الكون: أن يُعبد وأن نعمر الأرض في ابتلاء واختبار وامتحان يمتحننا فيه، وأن نزكي النفس.
الكلمات التي تلقاها آدم وسورة الإخلاص تعادل ثلث القرآن
هذه الثلاثة [العبادة والتزكية والعمارة] الموجودة عند آدم، أول ما كان آدم:
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]
ما هي هذه الكلمات؟ هذه الكلمات هي الثلاثة المذكورة [العبادة والتزكية والعمارة].
سورة الإخلاص تعادل ثلث القرآن، وما هو ثلث القرآن؟ هي هذه الثلاثة. القرآن يتحدث على كيفية عبادة الله بالإجمال والتفصيل: مرة بالإجمال مثل «أقم الصلاة»، ومرة بالتفصيل مثل أحكام الصيام وأحكام الحج تجدها.
وكيفية تزكية النفس - ثلاثة أرباع القرآن - وأكثره في الأخلاق. وكيفية تعمير هذا الكون بمبادئ عامة.
مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى ومبدأ عفا الله عما سلف في بناء الحضارة
منها:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
انظر كيف يعمل هذا المبدأ.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: مبادئ عامة تُطبَّق في كل العلوم والمعارف وفي كل أحوالنا التي نواجهها.
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
انظر إلى المبدأ، أي ما معنى أن يبدأ صفحة جديدة؟ لأنه لو استمررت في المحاسبة فلن ننتهي أبدًا. هذا ما فعله النبي عندما دخل مكة، حيث قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، صفحة جديدة.
وماذا عن المظالم التي حدثت والمصائب التي وقعت والدماء التي سُفكت؟ كل هذه الأمور، الكل، ربا الجاهلية تحت قدمي، هذا دعسنا عليه، خلاص.
مبدأ عفا الله عما سلف وعدم الأثر الرجعي للقانون كسنة إلهية
[المذيع]: ونعم، حسنًا، أين الانتقام والقصاص وما إلى ذلك؟
[الشيخ]: أتريد أن تبني أم تريد أن تنتقم؟ أريد أن أبني. إذن انظر واعمل، فالنبي عليه الصلاة والسلام علّمنا كل هذه الأمور.
وانظر كيف يلخصها ربنا في كلمة واحدة، يقول لك:
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
انتهى الأمر، ما مضى قد انتهى، فابدأ من جديد. وهذا ما يتخذه أباطرة القانون في العالم بعد اكتشافهم له كسنة كونية إلهية، فيقولون بـعدم الأثر الرجعي للقانون. فإذا صدر القانون اليوم، فماذا عن الأمس؟ انتهى الأمر.
عفا الله عما سلف، انظر كيف أنه دائمًا عفا الله عما سلف، إلا ما قد سلف، عصره له الأوامر الخاصة به، له أحوال.
إن الدين عند الله الإسلام يعني وحدة الدين عبر الأنبياء جميعًا
فأريد أن أقول لحضرتك أن هذه الثلاثة [العبادة والتزكية والعمارة] موجودة في الحديث وموجودة هكذا:
﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ [آل عمران: 19]
ماذا يعني ذلك؟ يعني هو هذا الدين الذي هو العلاقة بينك وبين الله ومبناها العبادة، والعلاقة بينك وبين نفسك ومبناها التزكية، والعلاقة بينك وبين الكون ومبناها العمارة.
هذا الكلام تجده عند آدم وتجده عند إبراهيم ونوح وعيسى وموسى وأيوب، تلقاه كل نبي من عند الله سبحانه وتعالى.
شهادة النجاشي وورقة بن نوفل بأن الإسلام والمسيحية من مشكاة واحدة
هذا النجاشي عندما جاء وسمع سيدنا جعفر الطيار قال له: قل لي هكذا، يعني ماذا عندكم؟ فتكلم جعفر وعرض عليه ما لديه، فقال: والله ما بين هذا وما جاء به المسيح إلا هذا الخط، يعني والله إنه هو يخرج من مشكاة واحدة.
هذا كلام النجاشي. لا، كلام النجاشي بينه خط، خطط خطًّا هكذا، والله إنه لا يوجد فرق، يعني يريد أن يقول بلغة العصر الحديث هذه - حتى يُفهم كلامه - وجهان لعملة واحدة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني لا يوجد أي خلاف. لكن ورقة بن نوفل عندما نزل الوحي وذهبت خديجة لتستفتي ورقة بن نوفل عن الحالة التي عند محمد وما جاء إليه، قال له: أخبرني ما الذي جاءك، فأخبره، فقال ورقة: والله إن هذا والناموس الذي نزل على موسى قد خرجا من مشكاة واحدة.
وحدة المصدر بين الأديان الإبراهيمية من مكة إلى الحبشة
إذن هذا الكلام هو لـورقة بن نوفل، أي أن ورقة قال نفس الكلام الذي قاله النجاشي: هذا في مكة وهذا في الحبشة، هذا في أول البعثة وهذا بعد خمس أو ست أو سبع سنين.
فإذا كانت هذه حقيقة، فهذه حقيقة. كان في الماضي شخصٌ جلب تسع سور من القرآن على قد تواضعوا أي وقال: حسنًا، أين هذه الأمور في التوراة؟ فأصبح يعمل مقارنات إيذائية: هذا هكذا في القرآن، انظروا كيف هو في التوراة أو في الإنجيل.
إذن، القضية أنها ليست كتابًا واحدًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: نحن نقول إنه ليس كتابًا واحدًا، فإن الدين عند الله الإسلام معناه هكذا.
الإسلام اعترف بجميع الأنبياء وجعل الإيمان بهم ركنًا من أركان الإيمان
أن الإسلام عندما جاء اعترف بكل الأديان وجميع الأنبياء، وجعل الإيمان بهم جزءًا من الإيمان. أتلاحظ:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 285]
فالرسل هنا ركن من أركان الإيمان.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
إذن عندما يُذكر إمام عيسى المسيح أي يحدث لي خشوع وخضوع، يا سيدنا المسيح، مؤمن به أم غير مؤمن به؟ [بل مؤمن به].
الإمام الغزالي ونقله لأخلاق المسيح في إحياء علوم الدين
لكن الناس تعجبوا من الإمام الغزالي أنه شحن كتاب [إحياء علوم الدين] ما ورد عن سيدنا المسيح في أخلاقه وفي تعاملاته وفي فهمه للكون وفهمه للناس وطريقة ومواقف سيدنا المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
إذن، فنحن مؤمنون بكل الأنبياء، وهذا يدل على أن الدين عند الله الإسلام. الدين الذي نزل على آدم تتطور، فـ:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]
تطور الشرائع من عهد آدم وقصة ابني آدم في الزواج
في عهد آدم، كانت حواء تحمل كل سنة في اثنين، ويولد ذكر وأنثى، لكي يعمر ربنا الأرض. فالبطن الأولى ذكر وأنثى، والبطن الثانية ذكر وأنثى. من قوم يحرم على الولد أن يتزوج توأمه الأنثى، ويحرم على البنت أن تتزوج توأمها.
لكن لا يحرم على الولد هذا أن يتزوج أخته من بطن أخرى. هذا مثل الذي حدث بين ابني آدم، وكان من نتيجته أن واحدًا منهما قتل الآخر. يقولون إن الذي قُتل هو هابيل والذي قتل قليلًا وشيئًا كيف هكذا.
هذا طبعًا مأخوذ من كتب السابقين، لكن في النهاية أنه توجد شريعة لكنها شريعة غير شريعة موسى، وشريعة غير شريعة عيسى.
تطور الشرائع وزواج أم موسى من عمها قبل الشريعة اليهودية
وشريعة أم موسى يوكاندا (يوكانده)، هذه عمة عمران أبوه، فيصبح جائزًا للرجل أن يتزوج عمته.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: قبل الشريعة اليهودية التي لم تكن قد ظهرت بعد. الشريعة اليهودية جاءت على يد ابنهم موسى.
أي أن هناك تطورًا في العقلية الإنسانية، وتطورًا في مرحلة المسيرة الإنسانية.
[المذيع]: الأديان توجد صحيحة إذا جاز لي السؤال هكذا؟
[الشيخ]: لا بأس، ولكننا لا نستعمل هذه الألفاظ لأنها ألفاظ غير دقيقة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنه ليس دائمًا حدث تطور، بل هناك تدهور أيضًا.
التطور والتدهور في المسيرة الإنسانية وعبادة الأوثان نتيجة التدهور
الأنثروبولوجيون قالوا بالتطور، لكن لا توجد مدارس دقيقة أدق من ذلك أنه حصل تطور وتدهور، تطور وتدهور وتدهور أيضًا.
فكم حصل من تدهور، ومن جراء هذا التدهور عبد الناس الأوثان. هذا من التدهور، ولكن ما هو في الأصل كان كلام نبي، ثم تدهورت الحال إلى أن جعلوا الملائكة آلهة في الخرافات اليونانية.
فإذن نحن، أي أنه لم يكن دائمًا تطورًا، فقد كان أيضًا تطورًا، كان هناك تطور صحيح وكان هناك أيضًا تطور [وتدهور]. ويجب علينا أن نفهم هذه النقطة، فمصطلحاتنا أدق قليلًا في توصيف الحالة طبقًا لما تراكم عندنا من معلومات.
الإسلام استوعب كل الأديان وميّز أهل الكتاب عن غيرهم
أن الدين عند الله الإسلام، نستطيع أن نقول عنه أن الإسلام قد استوعب كل الأديان وكل الأنبياء وكل الكتب، وجعل حتى أهل الكتاب متميزين عن غيرهم ممن اشتد انحرافهم إلى أن وصلوا إلى الإلحاد أو إلى الوثنية أو ما إلى ذلك.
لماذا؟ لأن أهل الكتاب هؤلاء مؤمنون باليوم الآخر ومؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فيكون النزاع فقط في محمد [صلى الله عليه وسلم].
قال: حسنًا، إذن ما ليس هناك فرق كبير.
الفرق بين فكرة الخلاص وفكرة التعايش في الإسلام ولا إكراه في الدين
يجب أن نفرق بينهما؛ وهي فكرة الخلاص وفكرة التعايش. أتاح لنا الإسلام أن نتعايش، انتبه، حتى لو كان خلاصنا يختلف عن خلاص المسيحي أو اليهودي أو الهندوسي أو البوذي أو المجوسي.
فهو يرى وجهة نظر أخرى ليخلص مع الله سبحانه وتعالى أو عند الله، ولكن لديّ خلاصي في محمد صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام.
لا آتي وأقول إننا جميعًا يجب أن نكون واحدًا ونلغي هذه المسألة، لا، فإنه:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
فلا يوجد إكراه في الدين، بمعنى لا إكراه في قضية الخلاص، كل شخص يعتقد ما يعتقده.
اختلاف مفاهيم الإيمان بمحمد عند غير المسلمين وموقف الإسلام منها
يأتيني أحدهم ويقول لي: أنا لست مؤمنًا بمحمد، أنا مؤمن بالله، نعم، وباليوم الآخر، نعم، وبالجنة والنار، نعم، وبأمور أخرى، لكن يا أخي لست مؤمنًا بمحمد. يا أخي هل تنتبه؟
أو مؤمن بمحمد ولكن مؤمن بأشياء أخرى ليست التي أنت مؤمن بها، أو مؤمن بمحمد للعرب فقط، هو نبي وكل شيء في أمانة الله لكن للعرب فقط.
أقول له: هذا ليس خلاصي. نعم، أنت هكذا لست مسلمًا.
البهائية ليست من الإسلام والفرق بين الإدارة والديانة
ولذلك عندما جاءت وظهرت البهائية، فسألوا: ما هذه البهائية؟ قلنا لهم: ليسوا مسلمين.
فالبهائية استغلت هذه الكلمة، ليسوا مسلمين، وذهبوا لرفع قضية: يا جماعة، طيب طالما نحن لسنا مسلمين، أعطونا أننا بهائيون في البطاقة. قال لهم: لكنكم غير معترف بكم إداريًا.
انظر، انظر، انظر، هذا الكلام ليس له علاقة بالديانة. البهائي ليس مسلمًا وهو لا يريد أن يكون مسلمًا، البهائي هو لا يريد أن يكون مسلمًا. هذا هكذا يكون، سأكرهه يعني؟
أولًا هو الآية قال له: أنت مؤمن بمحمد أم لا؟ قال له: نعم أنا مؤمن بمحمد. قال له: تكون اسمك إداريًّا مسلم. يوجد هنا فرق بين الإدارة وبين الديانة. الديانة التي تخلص بها يوم القيامة، كلام البهائية هذا مرفوض.
التصنيف الإداري للأديان والفرق بينه وبين الخلاص الديني
نرفضه نحن كمسلمين، لا يوجد فيه الخلاص عندنا. لكن إداريًّا، عليك أن تذهب إلى المحكمة الإدارية العليا، تذهب إلى المحكمة فيقولون لك: لا يا عزيزي، ليس لدي إلا ثلاثة خيارات: إما يهودي أو مسيحي أو مسلم.
والمسيحي يريد أن يثبت أنه مسيحي بروتستانتي وليس كاثوليكي ولا أرثوذكسي، فيقولون له: لن أثبت لك ذلك. وكذلك المسلم يريد أن يقول عن نفسه أنه سني أو شيعي أو مالكي أو خلوتي أو شاذلي، لا ترضى الإدارة أن ترفض [هذا التفصيل].
لماذا؟ لأنه ليس دعويًّا. أنت مؤمن بموسى، اسمك يهودي. لست أدري إن كان انكشاريًّا أو شنخاه أو ما شابه، ليس لي تدخل في هذه الشؤون. والآخرون، سواء كانوا بروتستانتيين أو كاثوليكيين، ليس لي تدخل فيهم.
فشل البهائيين إداريًّا والفرق بين الضغط الإداري وحرية الاعتقاد
الأمر الثالث: أي سؤال آخر؟ هل لي تدخل إداريًّا؟ نعم إداريًّا. ولذلك فشل البهائيون في الحصول على هذا الاستقلال لأنه إداري.
الناس يجب أن تفهم أنه ليس نوعًا من أنواع الضغط عليهم أو أننا نتدخل في خلاصهم، هم أحرار.
افترض أن شخصًا ملحدًا لكنه من أبناء المسلمين، سيُكتب في بطاقته مسلم وهو ملحد. ماذا أفعل به؟ أقول له أنت لست مسلمًا، وهو اسمه محمد أو محمود أو أحمد، يعني من أسماء أبناء المسلمين، لكنه ليس مسلمًا بهذا الشكل؛ لأنه يقول: أنا يا إخواني لست مؤمنًا بخلاصكم هذا، أنتم مؤمنون بالله وبمحمد وبالقرآن وبكذا، أنا لست مؤمنًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لكنك ستُعدّ إداريًّا [مسلمًا]، هذه مسألة أخرى. الإدارة شيء والخلاص شيء آخر.
العلاقات الثلاث هي أساس بناء كل ما سيأتي من أحكام الدين
ثانيًا، وهذا هو أحد [معاني] أن الدين عند الله الإسلام، هذه الثلاثة [العبادة والتزكية والعمارة] هي التي سيُبنى عليها كل ما ذكرنا.
[فاصل] ونعود إليكم، ابقوا معنا.
نظرة الإسلام إلى الأديان غير الإبراهيمية وموسوعة الأديان العالمية
أهلًا بحضراتكم.
[المذيع]: مولانا الإمام، الإسلام كيف ينظر إلى الأديان غير الإبراهيمية؟
[الشيخ]: طبعًا نحن لدينا على فكرة موسوعة للأديان والمذاهب الأخلاقية ألّفها الغربيون بعد المرحلة الاستعمارية، يعني شارفت على الانتهاء، وصدرت هذه الموسوعة في سنة ألف وتسعمائة واثني عشر باللغة الإنجليزية.
الموسوعة قدمت لنا - اسمها موسوعة الأديان والمذاهب الأخلاقية - هذه الموسوعة قدمت لنا خمسة آلاف دين على وجه الأرض.
أعداد أتباع الديانات الإبراهيمية وغير الإبراهيمية في العالم
فالأديان الإبراهيمية تتمتع بعدد ضخم، يعني الكاثوليك اليوم ربما وصل عددهم إلى اثنين مليار، والمسلمون فيها داخلون على مليار وسبع من عشرة. اليهود، يعني ربما يوجد الآن سبعون أو ثمانون مليونًا، أو ربما مائة مليون، الله أعلم.
المهم أنك عندما ترى الأرض وهي الآن قريبة من السبعة مليارات، منهم أربعة مليارات يتبعون ديانات إبراهيمية، تعلم أن هناك ثلاثة مليارات يتبعون ديانات غير إبراهيمية.
ثلاثة مليارات من سبعة، أي ما يقارب من نصف، نصف البشر: هندوك وطاويون وشنتويون وبوذيون ومجوس.
ملل ونحل غريبة في العالم من عبادة الفأر والديك إلى تقديس القرد
وماذا تعني ملل ونحل؟ ملل ونحل، هناك طائفة في الهند اسمها الجاينج. هؤلاء الجاينجيون، لقد رأيتهم، فماذا يعبدون؟ هؤلاء الجاينجيون يعبدون الفأر! هل تنتبه؟
كيف! يوجد أناس في أفريقيا يعبدون الديك، ويوجد أناس في الصين يعبدون الديك والقرد وهكذا.
وإلى الآن، يعني التركيبة في ماليزيا أنها ستون في المائة تقريبًا أو أقل بقليل مسلمون، وأربعون أو ثلاثون في المائة أيضًا صينيون، فتجد لديهم معابد هناك ما زالوا يقدسون القرد حتى الآن.
هذا إلى وقتنا الحاضر، أنا رأيتها بعيني وذهبنا وزرنا وفعلنا وشاهدنا وكذلك إلى آخره.
التماثيل المعبودة لا تزال موجودة والتحذير من الوثنية والحلول
لأجل الناس الذين ونحن نقول إن التماثيل المعبودة - يقول لك: وما زال هناك من يعبد تماثيل. نعم، ما زال هناك من يعبد تماثيل إلى أيامنا هذه.
فلا يوجد شيء اسمه هكذا، نحن نضع القاعدة ونحذر الناس من الوثنية أو من الحلول، من الاتحاد، من هذه العقائد؛ لأنها في الحقيقة أن الذين يعبدون الديك أو الطوطم في أفريقيا هم في غاية التخلف، حتى التخلف العمراني.
وكانوا أحط الناس، لكنهم لم يعودوا موجودين الآن لأنهم ماتوا وانتهوا. انتهى سكان أستراليا الأصليون لأنه حتى لم يكن لديهم دين، حتى الدين ليس عندهم.
البدائية وانقراض شعوب بلا دين مثل تسمانيا وإبادة الشعوب الأصلية
ولذلك علماء الأنثروبولوجيا يقسمون البدائية إلى: ماذا هي البدائية؟ أن لا تكون لديك أدوات أو ألا يكون لديك كذا إلى آخره. فأحد المدارس قال: ألا يكون لديك دين.
مثل ماذا؟ مثل تسمانيا في أستراليا أو مثل السكان الأصليين للأستراليين. آخر امرأة ماتت من تسمانيا عام ألف وثمانمائة وثلاثين؛ لأن الرجل الأبيض أباد كما أبادوا الهنود الحمر في أمريكا، وأبقوا على مجموعة بسيطة هكذا لكي يستخدموهم في هوليوود.
كذلك هناك إبادة، حضارتنا بريئة من إبادة الشعوب.
ليس بالضرورة ارتباط التخلف العمراني بالديانات الوثنية مثال أنديرا غاندي
[المذيع]: مولانا الإمام، يعني عدم وجود عقلية تُستوعب، أي أن هذه من الديانات لدرجة أن هذه الفصيلة تعبد الفأر وتلك تعبد الديك، يصاحبها تخلف أيضًا في مفاهيم العمارة وطريقة السير في الحياة؟
[الشيخ]: ليس دائمًا، ليس دائمًا. يعني القضايا لا تكون هكذا. كانت أنديرا غاندي هندوسية وكانت تقف تناجي البقر المقدس لساعات في الجيتا وما شابه ذلك، وهي جالسة تقرأ أدعيتها ست أو سبع ساعات وهي رئيسة وزراء أكبر دولة متقدمة.
وغير ذلك إلى آخره، فليس بالضرورة أن هذا مع ذاك وهكذا إلى آخره. هي عقائد موروثة والهادي هو الله سبحانه وتعالى.
الأديان الآسيوية الخمسة آلاف وانقراض كثير منها بموت اللغات
ولكن أنت تسأل عن قضية أخرى، ليست قضية البحث في مقارنة الأديان وما إلى ذلك. إنما الأديان الآسيوية هذه التي نقول إنها خمسة آلاف دين، ستجد منها مثلًا ألف دين لم يعد موجودًا الآن.
والأعداد الضخمة هذه ناتجة من انتهاء الناطقين باللغات. وكانت تحذر اليونسكو من موت اللغات، فكل واحد وعشرين يومًا تموت لغة.
كيف تموت اللغة؟ وماذا يعني ذلك؟ يعني أن آخر شخص كان يتحدث بها قد مات. عندما بدأ القرن العشرون، كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف وست مائة لغة، لكنها أخذت تقل تدريجيًّا بموت أصحابها.
موت الأديان بموت أصحابها وتقسيم الأديان إلى إبراهيمية وغير إبراهيمية
وهذا ما حدث بالفعل. ما هي عقيدته؟ ماتت، بمعنى أن الدين الخاص به قد يكون انتهى لأنه كان آخر شخص يتدين بهذا الدين.
الأديان كثيرة، لكن الأديان التي تشغل مساحة ضخمة جدًّا نرى أنها تنقسم إلى قسمين: الأديان الإبراهيمية، وهذه لا توجد فيها مشكلة، وهم أهل كتاب ومنصوص عليهم وما إلى ذلك.
سنوا بهم سنة أهل الكتاب وكتب الهندوس والبوذيين والطاويين
وعندما أراد النبي أن يعلمنا كيفية التصرف مع الخلق، عندما جاء وقال: سألوه عن المجوس، ما هؤلاء إذن؟ قال:
قال رسول الله ﷺ: «سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب»
لماذا؟ لأن لهم كتابًا. الصابئة في العراق لهم كتاب.
هل هناك كتاب للهندوس؟ نعم، يوجد كتاب للهندوس اسمه الفيدا. هل هناك كتاب للبوذيين؟ نعم، يوجد كتاب للبوذيين اسمه إنجيل بوذا، ولكن كثير جدًّا من مدارس البوذية - لأن البوذية نفسها انقسمت إلى كمبودية وإلى كثير جدًّا [من الفرق] - كثير من المنكرين لهذا الكتاب يقولون: لا، ليس لدينا كتاب.
تنقسم قلة من الباحثين يقولون أن الطاوية مؤمنة بالله، [بينما] زعيم الطاوية يقول: لا، نحن لسنا مؤمنين بالله ولا بأي شيء.
حرية الاعتقاد والتعايش هو الحل مع أصحاب الديانات المختلفة
هل أنت منتبه؟ كيف ومن الذي قال إننا مؤمنون بالله؟ بالطبع، عندما يأتي شخص ويقول هكذا، لن أقول له إلا أنه يجب عليه، والله، أنت مؤمن بالله لكنك لا تنتبه، فهو حر.
حسنًا، ماذا نفعل؟ ليس هناك خلاص غير التعايش. يعني هذه هي الإجابة على كيفية التعامل معهم: التعايش.
[المذيع]: هذا شيء آخر تمامًا، هل تنتبه؟
[الشيخ]: كيف أن الشيخ إنعام الحسن رضي الله تعالى عنه ورحمه الله، الذي كان زعيم ما يُسمى بـجماعة التبليغ الذين يذهبون إلى القرى وما شابه للتبليغ والدعوة.
قصة الشيخ إنعام الحسن وجاره الهندوسي كنموذج للتعايش وحسن الجوار
الشيخ إنعام الحسن جاره من الهنود، وعندما يكون شخص زعيمًا لناس يتجاوز عددهم عشرين مليونًا من أتباع التبليغ هؤلاء في العالم، فهذا زعيمهم رجلٌ ذو وجاهة، يعني شيخ، يعني شيخ قبيلة، يعني القبيلة ربما لا تتعدى الآلاف.
من حسن جواره مع الهندوسي، الهندوسي هو الذي نقله إلى المستشفى، يحبه. هذا هو التعايش، هذا هو التعايش.
هل هذا معناه أن إنعام الحسن كان يرى أن الخلاص في الهندوسية؟ أبدًا. هل الهندوسي يرى أن الخلاص في الإسلام؟ حسن، ألم يكن أسلم؟
وهؤلاء أصحاب دعوة، أي أنهم يعرفون كيف يبلّغون، وكيف يُقدّمون أنفسهم، وكيف يعرضون دينهم، وأيضًا أخلاقهم تساعدهم. إنهم أناس طيبون، طيبون لدرجة أن الناس أحبوهم، هم أناس محبوبون حتى لو اختلفت معهم في العقيدة.
الجيرة الصالحة ورهن النبي درعه عند يهودي كنموذج للتعايش
فعندما جاءت الأزمة للشيخ [إنعام الحسن] الذي نقله هندوكي. لماذا؟ لأنه ضرب له الجيرة الصالحة، الجيرة الصالحة التي جعلت سيدنا صلى الله عليه وآله وسلم يرهن درعه عند يهودي مقابل بعض الشعير.
الذين خرجوا هم أصحاب سياسة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وهذا الكلام. هؤلاء كانوا يمارسون السياسة، والذين خرجوا هم ساسة نقضوا العهد.
لكن اليهود ما زالوا إلى أن انتقل النبي ودرعه مرهونة عند يهودي، فهذا يعني أنهم كانوا موجودين هناك، وكان بينهم حسن جوار.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهذا الجوار الحسن هو الذي ندعو إليه، وهو ما نطلق عليه التعايش، دون أن نتخلى قطعًا - لا من قريب ولا من بعيد - عما نؤمن به خلاصًا لنا أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
كتب الأديان غير الإبراهيمية والشنتو في اليابان وعبادة ثلاثة آلاف إله
هذا الكلام مطبق. الهندوس عندهم يقول لك كتاب الفيدا وهو عشرة أبواب وما إلى ذلك، لا أعرف ماذا. والآخرون الذين لديهم الإنجيل.
لكن عندما تذهب مثلًا إلى أتباع الشنتو، حتى هؤلاء الشنتو الذين هم اليابانيون، أغلب اليابانيين عندما تأتي وتسألهم وتقول له: هل أنت مؤمن بالله؟ فيقول لك: يعني سؤال غريب لا أجيب عليه.
فتفضل تشرح له معنى الله وأنه خلق الأكوان وهكذا، فيقول لك: أنا أعبد ثلاثة آلاف إله؛ لأن هذا الكتكوت إله، وهذا الأسد إله، وهذا النمر إله، والثعبان إله، فأنا أعبد كل هذه الكائنات، أنا أحبها وأعبدها.
التعايش يعني حسن الجوار وتقديم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة
ماذا ستفعل له إذن إن شاء الله؟ ماذا يعني التعايش؟ التعايش يعني حُسن الجوار؛ لأن هذا زبونك على فكرة.
[المذيع]: نعم، زبوني.
[الشيخ]: نعم، هذا زبوني. فأنت يُقال لك:
«أحبب لأخيك ما تحبه لنفسك»
وأنت تحب لنفسك الهداية أم الضلالة؟ الهداية. حسنًا يا أخي، أحببتُ له الهداية، وأجلس أشرح له عندما يطلب الشرح بالطريقة المناسبة الوقت المناسب لخلاصك.
وإن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالطهارة، وأمرنا بالصلة، وأمرنا بالعبادة، وأمرنا بالتخلية والتحلية، وأمرنا بالرحمة وقال:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
موافقة للحديث الأول:
«الراحمون يرحمهم الرحمن»
الهداية بيد الله والمثال العملي خير وسيلة للدعوة
فيصبح إذن عندما نقدم هذا المثال العملي، فهو ربنا الهادي:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
يهدي من يشاء إلى ذلك الخلاص الذي تراه هكذا.
العلمانية حلت مشكلة الصدام بتنحية الدين والإسلام حلها بالتعايش مع الخلاص
العلمانية عندما دخلت قالت: حسنًا، وهذه الدقة قد تُنشئ مشاكل، فلماذا لا نلغيها ويصبح هناك مواطنة فقط؟ إذن أنا لن أذكره ولن أضرب له مثلًا ولن أفعل أي شيء، هو رجل وأنا رجل، وكل شخص يصلي [كما يشاء].
على النبي، إن العلمانية التي حلت المشكلة، تلك المشكلة التي هي الصدام الذي هو ضد التعايش عندنا. حسنًا، نحن قد حللناها بالتعايش.
يعني ما تخوفت منه العلمانية قد حللته، والحل موجود لديك، ها هو الحل موجود. وأنا أعرضه أيضًا على العالمين وأقول لهم: يا إخواننا، العلمانية التي أتيتم بها كحل، حسنًا، لكن لدي أيضًا حلًا آخر اسمه التعايش.
الفرق الجوهري بين الإسلام والعلمانية في مسألة الخلاص والتعايش
وهذا التعايش مع البقاء على الخلاص. ما الفرق إذن بيني وبين العلمانية؟ أن العلمانية ترى تنحية الخلاص وإبعاده، وأنا أرى الحفاظ على الخلاص.
وكلانا نشترك في التعايش، فأنا أتعايش مع البقاء على الخلاص، كل طرف يبقى على خلاصه وهو يتعايش أيضًا. لكن [العلمانية تتعايش] مع تنحية هذا الخلاص، أي كأنه أصبح مثل عفريت يريد أن يبتعد عنه ولا يذكره.
لدرجة أنه يقول لك: ثلاثة أشياء ممنوع أن تسأل عنها: ما دينك؟ هل هذه الفتاة التي تسير معها زوجتك أم ليست زوجتك؟ ما حزبك السياسي؟ ثلاثة هؤلاء من الإجرام في الثقافة الغربية.
لماذا نُشِر من العلمانية أنّ هذه الأمور لا يُتدخل فيها لأنها أمور شخصية؟
خاتمة الحلقة والوعد باستكمال الحديث عن منهج الإصلاح والتجديد
[المذيع]: مولانا، اسمح لنا في الحلقات القادمة إن شاء الله، وسيستمر الحديث حول هذا المنهج لنصحح به هذه الدنيا.
مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
