اكتمل ✓
الحكم العطائية وتزكية النفس بالعزلة والفكر والسلوك - الحكم العطائية, تصوف

ما معنى العزلة في الحكم العطائية وكيف تُسهم في تزكية النفس وتأسيس الوعي والسعي؟

العزلة في الحكم العطائية لها محلان: القلب والبدن. عزلة القلب تعني انفصاله عن شواغل الدنيا مع مخالطة الناس في الظاهر، مما يتيح للعقل التفكر والتدبر وتلقي الواردات الربانية. وتزكية النفس تقوم على أربعة أسس: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة مخالطة الأنام، وكلها تُفضي إلى الوعي الذي يُؤسِّس السعي الدائم.

3 دقائق قراءة
  • كيف تنفع العزلة القلبَ وتفتح أبواب الحكمة والوعي حتى وسط الناس؟

  • العزلة في الحكم العطائية لها محلان: القلب الذي ينعزل عن شواغل الدنيا، والبدن الذي يكفّ عن الناس إلا لغرض صحيح.

  • عزلة القلب تُتيح للعقل التفكر والتدبر وتلقي الواردات الربانية، وهو ما يُؤسِّس الوعي الذي يسبق السعي.

  • السعي المبني على الوعي يكون دائمًا مستمرًا، كما كان عمل النبي ﷺ ديمةً لا ينقطع.

  • طريق تزكية النفس يقوم على أربعة أسس تنتهي بالميم: قلة الكلام والطعام والمنام ومخالطة الأنام.

  • قلة الكلام تحمي من آفات اللسان وتفتح ينابيع الحكمة، وقلة الطعام والمنام تُؤخذ بالتدرج والرفق لا بالمشقة المفاجئة.

مقدمة الحلقة وبيان الحكمة العطائية في نفع العزلة للقلب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات الحِكَم العطائية.

فيها يقول الإمام [ابن عطاء الله السكندري] رحمه الله تعالى:

«ما نفع القلبَ مثلُ عزلةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة»

أي أن أفضل شيء ينفع القلب هو نوع من أنواع الاعتزال. والعزلة لها درجات ولها أنواع ولها محل.

عزلة القلب عن الدنيا مع مخالطة الناس في الظاهر

أما محلها [أي محل العزلة] فقد يكون القلب وقد يكون القالب [أي البدن]؛ أي يمكن للمرء أن يخالط الناس ولكن قلبه منعزل. وفي هذا ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله سُبْحَةُ الحديث»

قالوا: وما سُبْحَةُ الحديث يا رسول الله؟ قال: «القوم يتكلمون والرجل يسبّح». رجلٌ في وسط أقوام، فإذا به وهم يتكلمون هو يسبّح، قلبه معلّق بالله، هو دائم الذكر والطمأنينة وإن كان يخالط الناس في الظاهر.

فهذا نوع من أنواع عزلة القلب؛ القلب ينعزل وينفصل عن التفاعل مع الأحداث والجزئيات، وفي هذا [الانعزال] طاقته ونوره وسرّه وحضوره ويقظته تكون حاضرة وقوية.

انعزال القلب يتيح للعقل التفكر ويفتح أبواب الوعي والحكمة

ما نفع القلبَ مثلُ عزلةٍ يدخل بها ميدانَ فكرة؛ عندما ينعزل القلب عن التفاعل مع ما حوله من أحداث وجزئيات وهموم الدنيا وكدرها وشواغلها، فإنه يُتاح للعقل أن يفكّر، أن يتدبّر، أن يتأمّل، أن تتداعى الأفكار في ذهنه.

وحينئذ تأتيه واردات من عند الله سبحانه وتعالى، ويُفتح عليه بفهم جديد وبوعي جديد. وتأسيس الوعي لازم لتأسيس السعي؛ فكما قالوا: الوعي قبل السعي. الوعي والسعي: فكرة ثم تطبيق، رأي ونظر وفتح ووارد ثم سلوك.

الوعي أساس السعي الدائم واقتداء النبي بديمومة العمل

فالوعي والسعي: إذا ما تأسّس السعي على الوعي كان سعيًا دائمًا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم عمله دائم، وكان يحب من العمل الدائم.

وتقول عنه السيدة عائشة رضي الله عنها:

«كان عمله ديمة» أي مستديمًا.

ويقول صلى الله عليه وسلم:

«لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه»

وكان يحب من الأعمال أدومها، ويقول صلى الله عليه وسلم:

«أحبُّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلّ»

أربع جهات لاعتزال القلب والقالب في طريق الله تعالى

القلب عندما يعتزل، والقالب [أي البدن] عندما يعتزل، فإنه محدّد له أربع جهات للاعتزال. وقالوا: طريق الله سبحانه وتعالى يبدأ بـ:

  1. قلة الكلام
  2. قلة الطعام
  3. قلة المنام
  4. قلة الحديث مع الأنام [أي مع الناس]

أربعة أمور [يلتزم بها السالك في طريق الله].

قلة الكلام وفضل الصمت عند الإمام الشافعي والنبي الكريم

الأول: يقلّل من كلامه؛ قلة الكلام. وكما يقول الإمام الشافعي رحمه الله، وقد فهم هذه الحقيقة، يقول: «الكلمة تملكها، فإذا نطقت بها فهي تملكك».

والنبي صلى الله عليه وسلم يورد كثيرًا من فضائل الصمت، حتى أن [ابن أبي الدنيا] يؤلّف كتابًا ضخمًا فيما ورد عن رسول الله وأصحابه ومن بعده من الأئمة عن الصمت.

ويقول صلى الله عليه وسلم في كلام طويل وهو يمتدح الصمت وقلة الكلام:

«إذا رأيتم الرجل قد أُوتيَ صمتًا فإنما يُلقَّن الحكمة»

يعني الصمت يجعل هناك تهيئة للإنسان للهدوء، لعدم التسرّع والعجلة، والتأنّي والتأمّل، مما يجعل الحكمة تنزل عليه.

قلة الكلام مفتاح الحكمة وحماية من آفات اللسان

وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

قلة الكلام مفتاح يأمر به أهل الله المبتدئين في الطريق مع الله سبحانه وتعالى، يأمرونهم بقلة الكلام.

قلة الكلام تجعلك تمتنع عن الغيبة وعن النميمة وعن الكذب وعن كثير جدًّا من آفات اللسان؛ كالسبّ والشتم والقذف وغيرها من المصائب وشهادة الزور.

قلة الكلام تفتح في نفسك الحكمة وينابيع الحكمة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قلة الطعام وبرنامج النبي الكامل للصحة والعبادة

بعد ذلك قلة الطعام، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:

«بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صُلبه»

وهو يقول صلى الله عليه وسلم:

«وإن كنت لا بدّ فاعلًا، فثُلُثٌ لطعامك وثُلُثٌ لشرابك وثُلُثٌ لنَفَسك»

والنبي صلى الله عليه وسلم في شأن قلة الطعام أمرنا في الحقيقة بما هو برنامج كامل للحمية، وبرنامج كامل للصحة، وبرنامج كامل أيضًا للعبادة.

قلة المنام وارتباطها بكثرة الطعام والتدرج في التدريب عليها

الطعام مرتبط في كثرته بكثرة المنام. وربنا سبحانه وتعالى أمرنا بقيام الليل وأمرنا بالجهاد في النهار؛ ولذلك فقلة المنام والتدرّب عليها — وهي لا تأتي إلا بالتدريب وتأتي شيئًا فشيئًا — لا تستطيع إلا أن تعطي كل جسد عادته.

فإذا كنت متعوّدًا على كثرة المنام فليس فجأة تمتنع عن النوم؛ فهذا يُتعب الصحة ويُتعب الجسد.

قال رسول الله ﷺ: «إن المُنبَتَّ لا ظهرًا قطع ولا أرضًا أبقى»

فالإنسان [عليه أن يعلم] أن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق.

الأمور الأربعة المنتهية بالميم والعزلة البدنية عن الناس

وأشدّ من قلة الكلام وقلة الطعام هي قلة المنام. الأمر الرابع الذي يكون [من] هذه المنهيات الأربعة أو هذه الطرق الأربعة إن صحّ التعبير: تركنا المنام وتركنا الكلام وتركنا الطعام، قلّلنا منهم ولم نأخذ منهم إلا قدر الحاجة.

«بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمْنَ صُلبه»

فهذا هو النوم. هم دائمًا كانوا يزنونها هكذا على حرف الميم، ها هي: الكلام، المنام، الطعام، الأنام؛ كلها تنتهي بالميم أو الألف والميم.

الأنام معناها هنا العزلة البدنية؛ فيكون عندنا عزلة للقلب وعزلة للبدن. وعزلة البدن تتمثّل في الانكفاف عن الناس إلا لغرض صحيح وإلا في وضع صحيح.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الحكمة العطائية التي تتحدث عن نفع العزلة للقلب؟

ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة

ما المقصود بـ«سبحة الحديث» في الحديث النبوي الوارد في الحلقة؟

أن يكون القوم يتكلمون والرجل يسبّح في وسطهم

ما الأسس الأربعة لطريق الله في تزكية النفس كما وردت في الحلقة؟

قلة الكلام وقلة الطعام وقلة المنام وقلة مخالطة الأنام

ما قول الإمام الشافعي في شأن الكلام؟

الكلمة تملكها، فإذا نطقت بها فهي تملكك

ما الحديث النبوي الذي يربط الصمت بالحكمة؟

إذا رأيتم الرجل قد أُوتي صمتًا فإنما يُلقَّن الحكمة

ما التوزيع النبوي للطعام والشراب والنفس في الحديث الوارد؟

ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه

ما معنى قول النبي ﷺ: «إن المنبتّ لا ظهرًا قطع ولا أرضًا أبقى»؟

من يُجهد نفسه فجأة لا يُتم سفره ولا يحفظ صحته

كيف وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها عمل النبي ﷺ؟

كان عمله ديمة أي مستديمًا

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها في سياق الحكمة؟

يُؤتي الحكمة من يشاء ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا

لماذا تُرتبط قلة المنام بقلة الطعام في الحلقة؟

لأن كثرة الطعام تُسبب كثرة النوم

ما الحرف الذي تنتهي به الأسس الأربعة لطريق الله كما ذكر في الحلقة؟

الميم

ما الفرق بين عزلة القلب وعزلة البدن؟

عزلة القلب انفصاله عن شواغل الدنيا مع مخالطة الناس، وعزلة البدن الانكفاف عن الناس ظاهرًا

من هو مؤلف الحكم العطائية؟

الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى.

ما نص الحكمة العطائية الواردة في هذه الحلقة؟

«ما نفع القلب مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة».

ما محلا العزلة كما وردا في شرح الحكم العطائية؟

محل العزلة إما القلب وإما القالب أي البدن؛ فقد ينعزل القلب مع مخالطة الناس ظاهرًا، وقد ينعزل البدن بالانكفاف عن الناس.

ما معنى «سبحة الحديث» في الحديث النبوي؟

هي أن يكون القوم يتكلمون والرجل يسبّح في وسطهم، فقلبه معلّق بالله وهو دائم الذكر.

ما العلاقة بين الوعي والسعي في الحكم العطائية؟

الوعي أساس السعي؛ فالعزلة تُتيح التفكر والتدبر وتلقي الواردات الربانية، وهذا الوعي يُؤسِّس سعيًا دائمًا مستمرًا.

ما الحديث النبوي الذي يدل على محبة الأعمال الدائمة؟

«أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل».

ما الأسس الأربعة لطريق الله في تزكية النفس؟

قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة مخالطة الأنام، وكلها تنتهي بحرف الميم.

ما قول الإمام الشافعي في الكلام والصمت؟

«الكلمة تملكها، فإذا نطقت بها فهي تملكك»، مما يدل على أهمية التحكم في الكلام.

من ألّف كتابًا في فضائل الصمت من العلماء؟

ابن أبي الدنيا ألّف كتابًا ضخمًا فيما ورد عن رسول الله وأصحابه والأئمة في الصمت.

ما آفات اللسان التي تحمي منها قلة الكلام؟

تحمي من الغيبة والنميمة والكذب والسب والشتم والقذف وشهادة الزور وغيرها من آفات اللسان.

ما الحديث النبوي الذي يُبيّن الحد الكافي من الطعام؟

«بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه»، وإن أراد الزيادة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.

لماذا يجب التدرج في قلة المنام ولا يصح الانقطاع المفاجئ؟

لأن الانقطاع المفاجئ عن النوم يُتعب الصحة والجسد، وقد قال ﷺ: «إن المنبتّ لا ظهرًا قطع ولا أرضًا أبقى»، فهذا الدين متين فأوغل فيه برفق.

ما معنى «الأنام» في الأسس الأربعة لتزكية النفس؟

الأنام يعني الناس، والمقصود به العزلة البدنية وهي الانكفاف عن مخالطة الناس إلا لغرض صحيح.

ما الآية القرآنية التي تُبيّن عظمة الحكمة؟

﴿يُؤتي الحكمة من يشاء ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا﴾ [البقرة: 269].

ما الذي تُتيحه عزلة القلب للعقل وفق شرح الحكم العطائية؟

تُتيح للعقل أن يفكر ويتدبر ويتأمل وتتداعى الأفكار في ذهنه، فتأتيه واردات من عند الله ويُفتح عليه بفهم جديد ووعي جديد.

ما نهي النبي ﷺ الوارد في شأن ترك العمل بعد الأخذ به؟

قال ﷺ: «لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه»، مما يدل على أن الاستمرار في العمل أحب إلى الله من كثرته مع الانقطاع.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!