هل الديمقراطية تتوافق مع الإسلام وما الفرق بين الشورى والديمقراطية وما هو منهج التأصيل الإسلامي في التعامل مع الأنظمة السياسية؟
الديمقراطية نظام سياسي قائم على الفصل بين السلطات الثلاث وتداول السلطة والمساءلة والمشاركة، وهذه الأركان يقرها الإسلام. أما الشورى فهي مبدأ وليست نظاماً، وهي روح المشاركة التي يجسدها النظام الديمقراطي. والدولة في الإسلام دولة مدنية لا دينية، لأن ختم النبوة يجعل الدولة الدينية مستحيلة عقدياً. والمنهج الصحيح في التعامل مع الأنظمة الوافدة هو التأصيل لا الانتقاء ولا الرفض المطلق.
- •
هل الديمقراطية تتعارض مع الإسلام أم أن أركانها الثلاثة من تداول السلطة والمساءلة والمشاركة يقرها الإسلام ويؤكدها؟
- •
الشورى مبدأ إسلامي وليست نظاماً، وهي روح المشاركة التي تجسدها الديمقراطية كنظام، والعلاقة بينهما كالروح والجسد.
- •
الدولة في الإسلام دولة مدنية لا دينية، لأن ختم النبوة يجعل الدولة الدينية مستحيلة عقدياً، والعلماء مجتهدون لا معصومون ولا يملكون سلطة مطلقة.
- •
الدولة المدنية تختلف عن العلمانية بوجود سقف تشريعي من مبادئ الشريعة الإسلامية يمنع تشريع ما يخالف الثوابت الدينية والأخلاقية.
- •
أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي يقابلهم اليوم البرلمان، والحريات المكفولة في الإسلام أربع: حرية الاعتقاد والعمل والانتقال والسكن، مع ثلاثة مستويات للحرية أعلاها حرية المعلومات.
- •
منهج التأصيل هو المنهج الإسلامي الحاكم في التعامل مع الحضارات الأخرى، في مقابل الانتقاء العشوائي والمقاربات والمقارنات والرفض المطلق، وهو محكوم بالعدل والمصلحة والمقاصد الشرعية والهوية.
- 0:27
مقدمة حلقة والله أعلم التي تستضيف عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر للرد على دعاوى المتطرفين حول الديمقراطية.
- 1:01
تساؤل حول مشروعية الديمقراطية في الإسلام والفرق بينها وبين الشورى، مع تعريف الديمقراطية كنظام يفصل الحاكم عن مؤسسة الدولة.
- 2:06
الديمقراطية نظام متطور تاريخياً، وديمقراطيات العصر الروماني تختلف كلياً عن الديمقراطيات الحديثة، وهي قابلة للأخذ والتطوير.
- 3:01
الشورى مبدأ قرآني والديمقراطية نظام، ولا يصح المقارنة المباشرة بينهما إلا في نقطة رفض الديكتاتورية.
- 4:04
الديمقراطية تقوم على الفصل بين السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية، وهذا الفصل مقبول في الإسلام.
- 4:46
أركان الديمقراطية الثلاثة هي تداول السلطة والمساءلة والمشاركة، والسلطة والمسؤولية وجهان لعملة واحدة.
- 6:01
تداول السلطة والمساءلة مأمور بهما في الإسلام، مستدلاً بالآية القرآنية في سورة الحشر حول تداول الأموال.
- 6:54
نموذج عمر بن الخطاب في تداول السلطة بعزل خالد بن الوليد وتعيين غيره، دليل على تطبيق إسلامي مبكر لهذا المبدأ.
- 7:57
الإسلام يقر الأركان الثلاثة للديمقراطية، والمشاركة هي الشورى القرآنية ذاتها بنص آيتين كريمتين.
- 9:04
عمر بن الخطاب حبس الصحابة في المدينة ليكونوا برلماناً للتشاور، وهو تطبيق عملي للمشاركة الحقيقية في النص والتطبيق.
- 10:05
المبدأ روح والنظام جسد، والشورى مبدأ تتجلى في نظام الديمقراطية، والعلاقة بينهما كعلاقة الروح بالجسد.
- 10:46
الدعوة إلى ما بعد الديمقراطية تعني تطوير النظام السياسي بإضافة أبعاد جديدة تتجاوز الأركان الثلاثة التقليدية.
- 11:38
الدولة المدنية تختلف عن العلمانية بوجود سقف من مبادئ الشريعة الإسلامية، وهو ما تنص عليه كل دساتير مصر.
- 12:40
الغرب لا يعرف مصطلح الدولة المدنية لأنه يساوي بينها وبين العلمانية، لكن الفرق جوهري: المدنية لها سقف من مبادئ الشريعة.
- 13:37
سقف مبادئ الشريعة يمنع تشريع المخالفات الأخلاقية والدينية، والمحكمة الدستورية العليا هي الجهة المختصة بالفصل في ذلك.
- 14:31
المحكمة الدستورية العليا تطوير للديمقراطية بصلاحية إبطال القوانين المخالفة لمبادئ الشريعة، مما يجعل السقف التشريعي فعلياً.
- 15:06
هوية مصر حضارية تقوم على الحضارة الإسلامية واللغة العربية لا على الديانة، لأن الحضارة تجمع أصحاب الديانات المختلفة.
- 15:53
الدولة في الإسلام دولة مدنية، والشورى مبدأ روحي يتجسد في النظام الديمقراطي كجسد، وهذا تطوير حقيقي للديمقراطية.
- 16:36
الإسلام أنهى مفهوم الدولة الدينية بختم النبوة، لأن الدولة الدينية تستلزم وجود نبي يتلقى الوحي وهذا انتهى.
- 17:35
الدولة الدينية تتعارض مع عقيدة المسلمين لأنها تستلزم نبياً مقيماً، والنبوة ختمت، فيبقى العلماء ورثة الأنبياء بالاجتهاد.
- 18:27
العلماء مجتهدون لا معصومون ولا يملكون سلطة مطلقة، ونقد المخطئ منهم حق لكل عالم، وبغير علم يصبح شغباً.
- 19:18
الإسلام لا يعرف الكهانة ولا القداسة للمجتهد، والدولة فيه مدنية بالضرورة، وعلماؤها هداة لا قضاة ولا معصومون.
- 20:17
الحاكمية تتوافق مع صياغة القوانين لأنها سقف للاجتهاد والتشريع، وترك الأمر للقضاة يشترط أن يكونوا جميعاً من المجتهدين.
- 21:11
القضاة المجتهدون كشريح وأبي يوسف كانوا نموذجاً تاريخياً، لكن كثرة الناس وقلة المجتهدين اليوم تجعل هذا النموذج غير قابل للتطبيق.
- 22:04
كثرة الناس تستلزم منظومة قضائية متكاملة من وزارة العدل ومعاهد القضاء لمساعدة القاضي على الحكم بالحق والعدل.
- 23:06
عدد المجتهدين في التاريخ الإسلامي كله خمسة وثمانون شخصاً، وهذا يجعل الاستغناء عن القانون مستحيلاً مع وجود عشرين ألف قاضٍ.
- 23:57
العدالة الناجزة تستلزم قانوناً مكتوباً يساعد القاضي، وهو يُصاغ من لجان تشريعية متخصصة بعد نقاش معمق.
- 24:53
القانون يتطور وفق المصالح والمقاصد الشرعية، والمتطرفون الرافضون له يفقدون إدراك الواقع والمآلات والمصالح والمقاصد.
- 25:48
المتطرفون ألعوبة في يد الأعداء لأنهم خالفوا هدي النبي وشوهوا صورة الإسلام بالسلاح دون إدراك للواقع أو المقاصد.
- 26:46
الإسلام يؤكد حرية الشعوب في بناء الدولة، والديمقراطيات الحديثة تحاول تطوير نظامها بإضافة الصحافة كسلطة رابعة.
- 27:33
الإسلام يكفل أربع حريات أساسية: الاعتقاد والعمل والانتقال والسكن، مع حريات تابعة وثلاثة مستويات للحرية.
- 28:56
مستويات الحرية الثلاثة هي حرية الرأي وحرية الخدمات وحرية المعلومات، وحرية المعلومات أعمق وأشد من حرية الرأي.
- 29:50
حرية الرأي تبادل كلامي بين طرفين، أما حرية المعلومات فهي نشر وقائع موثقة تُحاسب المسؤولين وتمثل الممارسة الحقيقية للصحافة.
- 31:04
فضيحة ووترجيت دليل على أن حرية المعلومات أطاحت بنيكسون، وهي الممارسة الحقيقية للحرية التي لا يستطيع أي رئيس الاعتراض عليها.
- 32:10
حرية المعلومات هي أعلى مستوى وصلت إليه البشرية في الحريات، وهي المرحلة الثالثة بعد حرية الرأي وحرية الخدمات.
- 32:41
أهل الحل والعقد هم من يملكون صلاحية نقض الأحكام وإبرامها، أي فك الأمور وربطها لمصلحة الأمة.
- 33:31
البرلمان هو التجسيد المعاصر لأهل الحل والعقد، لأنه يضع القانون للقاضي والناس وبيده حل المشكلات وعقد الأمور.
- 34:38
البرلمان يملك صلاحيات النقض والإبرام والرقابة السابقة واللاحقة، ويؤدي مهامه كلها لمصلحة البلاد والعباد.
- 35:06
فكرة تمثيل كل طوائف الشعب في البرلمان أثارت إشكالية تمثيل المجرمين، وهو سؤال طُرح فعلاً في الديمقراطيات العريقة.
- 36:10
النظام العام والآداب سقف غربي للحريات يتغير بالزمان والمكان، بينما مبادئ الشريعة الإسلامية سقف ثابت لا يتغير.
- 37:14
الحرية الشخصية مكفولة لكن نشر ما يقدح في النظام العام مرفوض، وهناك فرق جوهري بين الحرية والتفلت.
- 37:47
الموقف الإسلامي من الغرب ليس الرفض المطلق ولا القبول المطلق ولا الانتقاء العشوائي، بل التأصيل القائم على الدليل.
- 38:27
التأصيل منهج قائم على الدليل والمآلات، بخلاف المقاربات التي تدّعي المماثلة والمقارنات التي تُظهر المساوئ، وكلاهما مرفوض.
- 39:49
المقاربات والمقارنات والانتقاء مناهج مرفوضة لافتقارها للمعيار الموضوعي، والتأصيل هو المنهج الوحيد المقبول.
- 40:35
التأصيل هو المعيار الحاكم في الإسلام لأنه يحول الانتقاء إلى اختيار واعٍ قائم على معرفة الأصل وإدراك المآل.
- 41:31
التأصيل الإسلامي محكوم بالعدل والمصلحة والمآلات والهوية والمقاصد الشرعية، وهذه المحددات تميزه عن التلفيق والانتقاء.
- 42:30
التأصيل يحافظ على الثوابت وينفتح على الآخرين في آنٍ واحد، وهو العنوان الجامع للنموذج الإسلامي الحضاري.
ما هو برنامج والله أعلم وما موضوع هذه الحلقة؟
برنامج والله أعلم حلقة علمية تستضيف عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف للرد على الدعاوى المغلوطة حول مشروعية الديمقراطية في الإسلام. تفتتح الحلقة بحديث نبوي عن التبسم في وجه الناس باعتباره صدقة ومعروفاً.
هل الديمقراطية مشروعة في الإسلام وما الفرق بين الشورى والديمقراطية؟
الديمقراطية نظام التجأت إليه الدولة الحديثة لفصل شخص الحاكم عن مؤسسة الدولة التي تبقى بعده وتنفصل عن مصالحه الشخصية وتسعى لمصلحة البلاد والعباد. وهي نظام من النظم يختلف عن الشورى التي هي مبدأ إسلامي راسخ. السؤال عن مشروعية الديمقراطية في الإسلام يستدعي فهم طبيعة كل منهما أولاً.
كيف تطورت الديمقراطية عبر التاريخ وهل هي نظام ثابت؟
الديمقراطية نظام يتطور ويتعمق ويتغير عبر الزمن، فديمقراطيات أثينا وروما في العصر الروماني تختلف اختلافاً كلياً عن ديمقراطيات أمريكا وبريطانيا الحديثة. وهي نظام ينبغي التأمل فيه والأخذ منه كله أو بعضه بما يحقق مصلحة البلاد والعباد.
ما الفرق الجوهري بين الشورى والديمقراطية وهل يصح المقارنة بينهما؟
الشورى مبدأ وليست نظاماً، والديمقراطية نظام وليست مبدأً، ولذلك لا يصح المقارنة بينهما لأنهما لا تجمعهما قاعدة مشتركة إلا رفض الديكتاتورية. الشورى مبدأ قرآني بنص آيتين: وشاورهم في الأمر، وأمرهم شورى بينهم. أما الديمقراطية فهي النظام الذي يجسد هذا المبدأ.
ما هي أركان النظام الديمقراطي وهل الفصل بين السلطات الثلاث مقبول في الإسلام؟
الديمقراطية نظام يقوم على الفصل بين ثلاث سلطات: القضائية والتشريعية والتنفيذية، وهذا الفصل هو الخطوة الأولى في بناء الديمقراطية. وجود هذه السلطات الثلاث في الدولة المسلمة مقبول ولا ينهى عنه الإسلام.
ما هي الأركان الثلاثة للديمقراطية وما علاقة السلطة بالمسؤولية؟
أركان الديمقراطية الثلاثة هي: تداول السلطة، والمساءلة، والمشاركة. السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، ولذلك فإن السلطة والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، فمن يُمنح سلطة القرار والفعل والتصرف يجب أن يُساءل: هل نجح أم فشل؟
هل تداول السلطة والمساءلة مأمور بهما في الإسلام؟
نعم، تداول السلطة والمساءلة مأمور بهما في الإسلام. فالقرآن الكريم يأمر بتداول الأموال بقوله تعالى: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وكذلك تداول السلطة مأمور به. والمساءلة تعني أن من يُعطى سلطة سيُحاسب على ما أنجز.
كيف طبق عمر بن الخطاب مبدأ تداول السلطة عملياً؟
طبق عمر بن الخطاب تداول السلطة بعزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش في الشام وتحويله من قائد إلى جندي، فالتزم خالد بالآداب العسكرية لأنه لم يكن يهتم بالمنصب بل بأداء الرسالة. وعيّن عمر أبا موسى الأشعري وأبا عبيدة بن الجراح في مناصب مختلفة، وهكذا كان التداول.
هل يقر الإسلام أركان الديمقراطية الثلاثة وما علاقة المشاركة بالشورى؟
نعم، الإسلام يقر أركان الديمقراطية الثلاثة وهي التداول والمساءلة والمشاركة، والأمثلة كثيرة والتطبيق واضح. أما المشاركة وهي الركن الثالث فهي الشورى ذاتها بنص القرآن الكريم: وأمرهم شورى بينهم، وشاورهم في الأمر، فالمشاركة ليس فيها شيء يتعارض مع الإسلام.
كيف طبق عمر بن الخطاب مبدأ المشاركة والشورى عملياً مع الصحابة؟
طبق عمر بن الخطاب المشاركة بحبس الصحابة في المدينة ومنعهم من المغادرة ليكونوا برلماناً يعرض عليهم الأمور، حتى لا يفكر وحده بل يفكر مع من تشبعوا بفهم الشريعة والتقوى. كانوا يجلسون ليفكروا في الحوادث التي ليس لها مثال سابق، ولكل عقل نظرة، وهذا هو معنى وأمرهم شورى بينهم.
ما الفرق الدقيق بين المبدأ والنظام وكيف تتجلى هذه العلاقة في الشورى والديمقراطية؟
المبدأ نظري لكن تطبيقه له تجليات في النظام، فالمبدأ هو الروح والنظام هو الجسد، والروح تحل في الجسد فيتحرك المعنى والمبنى معاً. الشورى هي المبدأ والروح، والديمقراطية هي النظام والجسد الذي يجسد هذا المبدأ.
ما المقصود بما بعد الديمقراطية وكيف يمكن تطوير النظام الديمقراطي؟
ما بعد الديمقراطية دعوة إلى تجاوز حصر التفكير في السلطات الثلاث والشروط الثلاثة والمبادئ الثلاثة، والانتقال إلى نظام أكثر تطوراً. الغرب مهتم بدراسة هذا المفهوم الآن، والمصريون سبقوا غيرهم بوضع سقف تشريعي من مبادئ الشريعة الإسلامية.
ما هي الدولة المدنية وكيف تختلف عن الدولة العلمانية وما دور مبادئ الشريعة فيها؟
الدولة المدنية دولة لها سقف تشريعي تلتزم به وهو مبادئ الشريعة الإسلامية، بخلاف الدولة العلمانية التي لا سقف لها. وضع هذا السقف فكرة عبقرية تجلت في كل دساتير مصر التي تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهذه العبقرية بدأت منذ أيام مجلس شورى النواب في عهد الخديوي إسماعيل.
لماذا لا يعرف الغرب مصطلح الدولة المدنية وما الفرق بينها وبين العلمانية؟
الغرب لا يعرف مصطلح الدولة المدنية لأن قاموسه يشير مباشرة إلى الدولة العلمانية، لكن المدنية غير العلمانية. الدولة المدنية تعني أن البرلمان حر يشرع ما شاء لكن في إطار محدد وهو سقف مبادئ الشريعة الإسلامية الذي لا يُضرب ولا يُرفع.
ما الذي يمنعه سقف مبادئ الشريعة الإسلامية في التشريع وكيف يُطبَّق؟
سقف مبادئ الشريعة الإسلامية يمنع تشريع ما يخالف الثوابت الدينية والأخلاقية كالانتحار والقتل الرحيم والإجهاض والعلاقات الشاذة. وآلية التطبيق هي المحكمة الدستورية العليا التي يدرس فيها مجتهدون المسألة، فإن وجدوا القانون مخالفاً أبطلوه، وإن وجدوه صالحاً أقروه.
كيف تمثل المحكمة الدستورية العليا تطويراً للنظام الديمقراطي؟
المحكمة الدستورية العليا تملك سلطة إبطال القانون المخالف لمبادئ الشريعة، فيرجع البرلمان ليلتزم بالسقف التشريعي. وجود هذا السقف وهذه المحكمة هو تطوير حقيقي للديمقراطية يضاف إلى الفصل بين السلطات، مع الحفاظ على هوية البلاد والعباد.
ما هي هوية مصر الحضارية ولماذا هي حضارة لا ديانة؟
هوية مصر حضارية تتمثل في أمرين: الحضارة الإسلامية واللغة العربية. وهي حضارة لا ديانة لأن مصر فيها ديانات متعددة كالمسيحية واليهودية، فالحضارة الإسلامية موافق عليها من الجميع وهي التي تحقق الهوية المشتركة، واللغة العربية كذلك تحقق هذه الهوية.
هل الدولة في الإسلام دولة مدنية وما علاقة الشورى بالديمقراطية في هذا الإطار؟
نعم، الدولة في الإسلام والحضارة الإسلامية دولة مدنية بهذا الفهم. الشورى مبدأ وهو المعنى والروح، والنظام الديمقراطي هو المبنى والجسد. وما نحن أمامه هو تطوير للديمقراطية في إطار ما بعد الديمقراطية.
هل الإسلام يدعو إلى دولة دينية وما علاقة ختم النبوة بهذه المسألة؟
لا، الإسلام لا يدعو إلى دولة دينية بل أنهى مفهومها منذ عهد الرسول. الدولة الدينية تحتاج لوجود نبي أو كاهن يخبر الناس بما يريده الله، لكن ختم النبوة بنص القرآن الكريم يعني أنه لا يوجد نبي الآن، فلا يمكن أن تكون الدولة دينية.
لماذا تتعارض الدولة الدينية مع عقيدة المسلمين أنفسهم؟
الدولة الدينية تتعارض مع عقيدة المسلمين لأن وجودها يستلزم وجود نبي مقيم كأنبياء بني إسرائيل، لكن النبوة ختمت وانتهت. فلا توجد دولة دينية في مفهوم الإسلام أصلاً، وما يبقى بعد انتهاء الوحي هو العلماء الذين هم ورثة الأنبياء باجتهادهم لا بوحي.
هل العلماء معصومون ويملكون سلطة دينية في الإسلام؟
لا، العلماء ليسوا معصومين ولا يملكون سلطة دينية، بل هم مجتهدون يخطئون فيأخذون أجراً واحداً ويصيبون فيأخذون أجرين. ولا توجد قداسة تمنع الناس من نقد المخطئ منهم، وأي شخص على علم يستطيع أن يبين الخطأ، أما من يفعل ذلك بغير علم فهو شغب.
هل يوجد في الإسلام ما يشبه الكهانة أو القداسة للمجتهد؟
لا يوجد في الإسلام كهانة ولا قداسة للمجتهد، فالمجتهد يخطئ ويصيب وكلاهما مأجور. ولذلك لا توجد في الإسلام دولة دينية بأصل الإسلام، لأن المسلمين يعتقدون اعتقاداً جازماً بختم النبوة. والدولة في الإسلام مدنية وعلماؤها هداة لا قضاة.
ما مفهوم الحاكمية في الإسلام وكيف يتوافق مع صياغة القوانين البشرية؟
الحاكمية تتوافق مع النظام المدني لأنها جُعلت سقفاً للاجتهاد وسقفاً لصياغة القوانين الجارية بين البشر. من يقول لماذا تصاغ قوانين ولا يُترك الأمر للقضاة يُجاب بأن هذا النظام غير موجود الآن، ولو وُجد لاشترط أن يكون كل القضاة من طبقة المجتهدين.
من هم القضاة المجتهدون في التاريخ الإسلامي ولماذا لا يمكن تطبيق هذا النموذج اليوم؟
من القضاة المجتهدين في التاريخ الإسلامي: شريح بن الحارث الكندي وعلي بن أبي طالب وأبو يوسف القاضي ووكيع. لكن لا يمكن تطبيق هذا النموذج اليوم لأن الاجتهاد قلّ في وقت كثرت فيه الناس، فمصر وحدها لديها مائة مليون نسمة مقابل مائة وأربعة عشر ألفاً في حجة الوداع.
لماذا أصبح القانون المكتوب ضرورة في ظل كثرة الناس وتعقيد القضايا؟
كثرة الناس تستلزم أعداداً كبيرة من القضاة المدربين، ولذلك توجد وزارة العدل ومعهد القضاء والمؤسسات المساعدة. القاضي في منصته يجب أن يكون رجلاً محترماً يحكم بالحق والعدل، وحكمه ينفذ ظاهراً عند الناس وباطناً عند الله.
كم بلغ عدد المجتهدين في التاريخ الإسلامي ولماذا يستحيل الاستغناء عن القانون اليوم؟
عدد المجتهدين في التاريخ الإسلامي بطوله وعرضه خمسة وثمانون شخصاً عند حساب التابعين وتابعي التابعين. واليوم في مصر وحدها عشرون ألف قاضٍ، فمن المستحيل أن يكونوا جميعاً مجتهدين، ولذلك لا بد من القانون الذي يرشد القاضي ويوجهه.
ما دور القانون المكتوب في تحقيق العدالة الناجزة وكيف يُصاغ؟
العدالة الناجزة جزء من العدالة، ولا يمكن أن يجلس القاضي سنوات في كل قضية. القانون مساعد للقاضي يرشده ويوجهه، وهو يُصاغ من قِبل لجنة تشريعية وخبراء في الحقوق ومختصين بالصياغة يناقشون حتى يصلوا إلى الصياغة المناسبة.
كيف تتطور النصوص القانونية وما صفات المتطرفين الذين يرفضون هذا التطور؟
النصوص القانونية تتطور عبر الزمان طبقاً للعادات والتقاليد والمصالح وتحقيق المقاصد وأحوال البلاد والعباد. أما المتطرفون الذين يدعون إلى السذاجة في الاستغناء عن القوانين فيتسمون بأربع صفات: فقد إدراك الواقع، وفقد إدراك المآلات، وفقد إدراك المصالح، وفقد إدراك المقاصد الشرعية.
لماذا أصبح المتطرفون ألعوبة في يد أعداء الإسلام وكيف شوهوا صورته؟
المتطرفون أصبحوا ألعوبة في يد الأعداء لأنهم لم يطيعوا النبي الذي أمر بالانسحاب عند الفتنة، فذهبوا وتصدروا بالسلاح وشوهوا صورة الإسلام والمسلمين دون أن يصلوا إلى شيء. يتسمون بعدم إدراك الواقع والنص والغاية والمصالح والمآلات والمقاصد، فيفسدون ولا يصلحون.
هل يؤكد الإسلام على حرية الشعوب في بناء الدولة كما تؤكد الديمقراطيات الحديثة؟
نعم، الإسلام يؤكد على حرية الشعوب في بناء الدولة. والديمقراطيات الحديثة في محاولتها تطوير الديمقراطية جعلت الصحافة سلطة رابعة، وهذا يندرج ضمن مفهوم ما بعد الديمقراطية الذي دعا إليه الإسلام قبلهم.
ما هي الحريات الأربع المكفولة في الإسلام وما مستوياتها؟
الحريات الأربع المكفولة في الإسلام هي: حرية الاعتقاد، وحرية العمل بحيث لا يُمنع أحد من ممارسة مهنته، وحرية الانتقال من مكان إلى آخر، وحرية السكن. وهناك حريات تابعة لها كحرية التعليم وحرية الاختيار، فضلاً عن ثلاثة مستويات للحريات.
ما هي مستويات الحرية الثلاثة وما الفرق بين حرية الرأي وحرية المعلومات؟
مستويات الحرية الثلاثة هي: حرية الرأي، وحرية الخدمات، وحرية المعلومات. حرية الرأي تعني إبداء الرأي والرد عليه، أما حرية المعلومات فهي أعمق وأشد لأنها تتعلق بنشر وقائع موثقة لا مجرد آراء، وهي التي تُحاسب المسؤولين على أفعالهم الفعلية.
ما الفرق العملي بين حرية الرأي وحرية المعلومات وما دور الصحافة في ذلك؟
حرية الرأي هي تبادل الآراء والرد عليها وهي عملية كلامية بين طرفين. أما حرية المعلومات فهي نشر وقائع موثقة كأن يكشف صحفي عن مسؤول أدخل بضاعة بدون جمارك مع توثيق مصور، وهذه ليست رأياً بل معلومة موثقة تمارس الصحافة من خلالها حريتها الحقيقية.
كيف أثبتت فضيحة ووترجيت أن حرية المعلومات هي أعلى مستويات الحرية؟
فضيحة ووترجيت أطاحت بالرئيس الأمريكي نيكسون حين حصل صحفيون على معلومات موثقة أحرجته أمام الهيئة التشريعية. هذه الحرية الثالثة وهي حرية المعلومات هي الممارسة الحقيقية للحرية، ولا يستطيع حتى رئيس الجمهورية الاعتراض عليها.
ما أعلى مستوى وصلت إليه البشرية في قضية الحريات؟
أعلى مستوى وصلت إليه البشرية في قضية الحريات هو حرية المعلومات، وهي المرحلة الثالثة بعد حرية الرأي وحرية الخدمات. هذه المستويات الثلاثة تمثل التطور التدريجي لمفهوم الحرية في المجتمعات الإنسانية.
من هم أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي وما معنى هذا المصطلح؟
أهل الحل والعقد هم من يملكون صلاحية فك الأمور وربطها، أي نقض الحكم السابق وإلغائه أو إبرامه وتأكيده. الحل يعني الفك والعقد يعني الربط، وهو مثل النقض والإبرام: إما إلغاء الحكم السابق وإما تأكيده وإمضاؤه.
ما الذي يقابل أهل الحل والعقد في عصرنا الحاضر؟
أهل الحل والعقد في عصرنا الحاضر هم مؤسسة البرلمان وما يشبهها كمجلس الشعب ومجلس الشورى. البرلمان هو أهل الحل والعقد لأنه يضع القانون للقاضي وللناس، وهو مجلس في منتهى القوة والخطورة لأن القاضي سيطبق ما يضعه على الناس.
ما صلاحيات البرلمان كأهل حل وعقد وكيف يخدم مصلحة البلاد؟
البرلمان بيده حل المشكلات وعقد وربط الأمور حتى تتقدم إلى الأمام، وله حق الرقابة السابقة واللاحقة. يملك صلاحية النقض والإبرام، فينقض ويبرم ويحل ويعقد ويؤدي هذه المهام كلها لمصلحة البلاد والعباد.
ما إشكالية تمثيل كل طوائف الشعب في البرلمان وكيف تعاملت الديمقراطيات معها؟
فكرة المشاركة في البرلمان تقتضي تمثيل كل طوائف الشعب، وهذا أثار في الديمقراطيات العريقة سؤالاً غريباً: هل يكون للمجرمين مندوب في البرلمان؟ وقد طُرح هذا السؤال فعلاً وتوجد في الكتب تصورات لعلاجه، مما يدل على عمق التفكير في إشكاليات الديمقراطية.
ما الفرق بين سقف مبادئ الشريعة الإسلامية وسقف النظام العام والآداب في الديمقراطيات الغربية؟
الديمقراطيات الغربية وضعت النظام العام والآداب سقفاً للحريات للرد على إشكاليات التمثيل المطلق. الفرق الجوهري أن النظام العام والآداب يتغير بتغير الزمان والمكان، بينما مبادئ الشريعة الإسلامية لا تتغير بتغير الزمان والمكان، مما يجعل السقف الإسلامي أكثر ثباتاً.
ما الفرق بين الحرية والتفلت وكيف يضبط النظام العام حدود الحرية؟
الحرية الشخصية مكفولة في الإسلام بنص القرآن: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، لكن نشر ما يقدح في النظام العام والآداب العامة لا يُقبل. فهناك فرق جوهري بين الحرية والتفلت، وكل شيء ليس مطلقاً، والضبط بالنظام العام والآداب جزء من منظومة الحريات.
ما الموقف الإسلامي الصحيح من الحضارة الغربية بين الرفض المطلق والقبول المطلق؟
الموقف الصحيح ليس الرفض المطلق ولا القبول المطلق ولا الانتقاء العشوائي، بل التأصيل. فالانتقاء إما رفض كل شيء أو قبول كله أو قبول بعضه بمجرد الهوى دون معيار، أما التأصيل فهو المنهج الذي يسير على هدى وبينة.
ما هو منهج التأصيل وكيف يختلف عن المقاربات والمقارنات والانتقاء؟
التأصيل هو أن يكون كل شيء بدليله مع مراعاة مآلاته ومستقبله وما سيترتب عليه من فوائد، فيكون الاختيار على هدى وبينة لا بالهوى. أما المقاربات فهي القول كلما أعجبنا شيء غربي: عندنا مثله، وأما المقارنات فهي إظهار مساوئ الغرب لإثبات أننا أحسن، وكلاهما منهج مرفوض.
لماذا تُرفض مناهج المقاربات والمقارنات والانتقاء في التعامل مع الحضارات الأخرى؟
المقاربات والمقارنات والانتقاء مناهج مرفوضة لأنها تفتقر إلى المعيار الموضوعي وتسير بالهوى. المقاربات تدّعي المماثلة مع كل ما يُعجب، والمقارنات تُظهر مساوئ الآخرين لإثبات التفوق، والانتقاء يختار بلا ضابط. والمقبول الوحيد هو التأصيل.
لماذا يُعدّ التأصيل هو المعيار الحاكم في المنهج الإسلامي؟
التأصيل هو المعيار الحاكم لأنه يجعل التفكير أفضل ويحول الانتقاء العشوائي إلى اختيار واعٍ، ويجعل الإنسان يعرف أصل الشيء ويدرك المآل الذي سيصل إليه. المنهج الذي يسير عليه الإسلام هو التأصيل في مقابل كل المناهج المرفوضة من مقاربات ومقارنات وانتقاء ورفض مطلق وقبول مطلق.
ما المحددات التي يكون فيها التأصيل الإسلامي محكوماً بها؟
التأصيل الإسلامي محكوم بمحددات عدة: العدل بنص القرآن الكريم، والمصلحة والمنفعة، والمآلات أي ما سيؤول إليه الأمر، والهوية الحضارية، والمقاصد الشرعية العليا التي تقابل النظام العام والآداب. وهذه المحددات تجعل التأصيل منهجاً شاملاً لا تلفيقاً.
كيف يحافظ منهج التأصيل على الثوابت مع الانفتاح على الآخرين؟
منهج التأصيل يحافظ على الثوابت لأنه يسير على هدى وبينة بدليله، ويرفض كل المناهج المرفوضة من مقاربات ومقارنات وانتقاء ورفض مطلق وقبول مطلق وتلفيق. وهو في الوقت ذاته منفتح على الآخرين لأنه لا يرفض مطلقاً بل يأخذ بالدليل والمآلات والمصلحة. التأصيل هو العنوان الجامع للنموذج الإسلامي الحضاري.
الديمقراطية نظام تقره الإسلام في أركانه، والدولة الإسلامية مدنية لا دينية، ومنهج التأصيل هو الحاكم في التعامل مع الأنظمة الحديثة.
الديمقراطية والشورى في الإسلام علاقتهما كالروح والجسد: الشورى مبدأ إسلامي راسخ بنص القرآن الكريم، والديمقراطية نظام يجسد هذا المبدأ. أركان الديمقراطية الثلاثة من تداول السلطة والمساءلة والمشاركة يقرها الإسلام ويؤكدها، وقد طبقها الخلفاء الراشدون عملياً كما في نموذج عمر بن الخطاب في حبس الصحابة للتشاور وعزل خالد بن الوليد تطبيقاً لتداول السلطة.
الدولة في الإسلام دولة مدنية لا دينية، لأن ختم النبوة يجعل الدولة الدينية مستحيلة عقدياً، والعلماء مجتهدون يخطئون ويصيبون ولا يملكون سلطة مقدسة. والدولة المدنية تختلف عن العلمانية بوجود سقف من مبادئ الشريعة الإسلامية يضبط التشريع دون إلغائه، فيما يقابل أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي البرلمانَ في عصرنا. أما منهج التأصيل فهو الحاكم في التعامل مع الحضارات الأخرى، محكوماً بالعدل والمصلحة والمقاصد الشرعية والهوية الحضارية.
أبرز ما تستفيد منه
- الشورى مبدأ إسلامي والديمقراطية نظام، وعلاقتهما كالروح بالجسد.
- الدولة الدينية مستحيلة في الإسلام لأن النبوة ختمت وانتهت.
- الدولة المدنية تختلف عن العلمانية بسقف مبادئ الشريعة الإسلامية.
- منهج التأصيل هو المنهج الإسلامي الحاكم في مقابل الانتقاء والمقاربات والرفض المطلق.
- أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي يقابلهم البرلمان في العصر الحديث.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء
[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يقول:
«لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»[صحيح مسلم]
صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما أجمل أن تكون باسمًا في وجه الناس! هكذا يريدنا سيدنا صلى الله عليه وسلم لنكون عناوين مهمة جدًا، وعناوين رائعة لإسلامنا الجميل.
أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من والله أعلم، نسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
سؤال حول مشروعية الديمقراطية في الإسلام والفرق بينها وبين الشورى
[المذيع]: مولانا، نقف عند هذه الدعاوى المغلوطة التي يطلقها المتشددون كثيرًا، ويستند عليها أطراف أخرى للتذرع بالعداء أو بمناصبة الإسلام العداء، حول مشروعية الديمقراطية. وهل هناك فرق بين الشورى والديمقراطية؟ وكيف نفهم هذه الأمور وهذه القضايا التي أثارت كثيرًا من الجدل؟ فهل الديمقراطية من الإسلام؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الديمقراطية نظام التجأت إليه الدولة الحديثة عندما أرادت أن تفصل بين شخص الحاكم وبين مؤسسة الدولة التي تبقى بعد بقائه، والتي تنفصل انفصالًا تامًا عنه، عن مصالحه، عن شهواته وعن رغباته، بل إنها تريد مصلحة البلاد والعباد.
الديمقراطية نظام متطور يختلف عبر العصور والحضارات
فالديمقراطية نظام من النظم يتطور ويتعمق ويتغير، وديمقراطيات الغرب في نشأتها تطورت أيضًا. كان قديمًا عندما بدأت هذه اللفظة في الشيوع في العصر الروماني، وديمقراطيات أثينا وروما تختلف اختلافًا كليًا عن ديمقراطيات أمريكا وبريطانيا.
فهذه نُظم تتطور، ولكن في النهاية هو نظام علينا أن نتأمله ونأخذ منه كله أو بعضه بحيث ننفع البلاد والعباد.
الفرق الجوهري بين الشورى كمبدأ والديمقراطية كنظام
هذا أمر يُعد من النُظم، أما الشورى فليست نظامًا، [بل هي] مبدأ وليس نظامًا. ولذلك ليس من اللطيف أن نقارن بين أمرين لا تجمعهما قاعدة مشتركة إلا قضية أن الحاكم ليس ديكتاتورًا.
هل الشورى نظام؟ [لا]، هذا مبدأ. الشورى مبدأ يقول فيه الله سبحانه وتعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]
فهذا مبدأ. ما هو النظام الديمقراطي إذن؟
الديمقراطية كنظام قائم على الفصل بين السلطات الثلاث
تقول إن الديمقراطية نظام وليست مبدأ. الديمقراطية نظام نقول فيه: يجب علينا أن نفصل بين سلطات ثلاث: السلطة القضائية، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية.
فالفصل بين هذه [السلطات] هو الخطوة الأولى في بناء الديمقراطية. والسؤال: هل وجود هذه السلطات الثلاثة في الدولة المسلمة مقبول أو منهي عنه؟ الإجابة أنه مقبول.
أركان الديمقراطية الثلاثة: تداول السلطة والمساءلة والمشاركة
[الشيخ]: الخطوة الثانية تتمثل في أركان ثلاثة أيضًا بخلاف السلطات الثلاث. هذه الأركان الثلاثة تقول أنه لا بد من تداول السلطة.
فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. ومن أجل هذا، وحتى نفهم حقيقة أخرى وهي أن السلطة والمسئولية وجهان لعملة واحدة. ولذلك إذا أردت تُسائل أحدهم فلا بد أن تمنحه سلطة القرار وسلطة الفعل وسلطة التصرف وسلطة القيادة، ثم تُسائله قائلًا: هل نجحت أم فشلت؟
[المذيع]: لأنك كنت مسئولًا.
[الشيخ]: تعال لنسألك: ما هي المسئولية؟ ومن هو المسئول؟ وكذلك هذا الشخص مسئول، ماذا يعني مسئول؟ المسئول يعني سيُحاسب ويُسأل: ماذا فعلت؟ ماذا أنجزت؟
المساءلة وتداول السلطة كركيزتين أساسيتين في النظام الإسلامي
هل فشلتَ أو نجحتَ؟ هل حققتَ الهدف أم لم تحققه؟ فلا بد من وجود مُساءلة. ومعنى المساءلة أن هناك سلطة ستُعطى. إذن البداية هي المُساءلة [هي الركن الأول].
القضية الثانية وهي تداول السلطة، حتى نُسائل، فلا بد من وجود مراحل، فما الذي سنسائل عليه؟ إننا سنسائل بتداول، الدُّولة هذه:
﴿كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]
يبقى تداول الأموال نحن مأمورون به، وتداول السلطة نحن مأمورون به.
نموذج سيدنا عمر في تداول السلطة وعزل خالد بن الوليد
ولذلك يعلمنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، وهو ممن يرشدنا رسول الله أن نأخذ ديننا منه، فيقول:
قال النبي ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»[سنن الترمذي، وأبي داود]
فيعزل خالد بن الوليد من الجيش في الشام، فيصير خالد بعد ما كان قائدًا يصير جنديًا، فيلتزم بهذه الآداب العسكرية العليا للفارس النبيل؛ لأنه لا يهتم بأن يكون قائدًا أو مَقودًا، هو يهتم بأن يؤدي رسالة لهذا العسكري النبيل أو لهذا الفارس النبيل.
ويُعيَّن فلان ويَترك فلان ويُزيح فلان ويُغيِّر فلان، ويضع أبا موسى [الأشعري] على مكان ما في العراق، ويضع فلان أبا عبيدة بن الجراح بدلًا [من] سيدنا خالد. وهكذا إذن يكون التداول.
إقرار الإسلام لأركان الديمقراطية والمشاركة كركن ثالث
والسؤال هو: هل هذا التداول يقره الإسلام أم أنه منهي عنه في الإسلام؟
[المذيع]: هل هذه الأركان تتوافق مع السلطات الثلاث؟ هل يقرهم الإسلام أم لا؟
[الشيخ]: نعم، يقرهم الإسلام، والأمثلة كثيرة، والتطبيق واضح وجلي.
القضية الثالثة في هذا المجال، نحن قلنا: التداول والمسئولية، ويصبح رقم ثلاثة: المشاركة. هذه المشاركة يأتي ويقول لي: نريد أن نفكر معًا، نريد أن نفكر معًا. هل عندكم جائز أم غير جائز؟ هل يصلح أم لا يصلح؟ هل تصطدم مع الحقائق الشرعية؟
قلت له: هذه هي الشورى، الشورى، هي أن نفكر مع بعضنا:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]
فهذا هو الذي نفعله، يعني المشاركة ليس فيها شيء [يتعارض مع الإسلام].
نموذج سيدنا عمر في المشاركة وحبس الصحابة للتشاور
قلت له: لا، فسيدنا عمر [بن الخطاب] حبس الصحابة في المدينة وقال لهم: احذروا أن يغادر أحد منكم.
[المذيع]: لماذا؟
[الشيخ]: لأنه كان يكون منهم برلمان ليعرض عليهم الأمر، حتى لا يفكر وحده، بل يفكر مع الناس الذين تشبعوا بفهم الشريعة وتشبعوا بالتقوى والالتزام بها.
ليقدموا رأيهم في الحوادث التي ليس لدينا مثال سابق لها، فيجلسون ليفكروا، ولكل عقل ولكل عين نظرة. وهذا:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]
فإذن أنا أمام مشاركة حقيقية في النص كمبدأ وفي التطبيق كنظام.
العلاقة بين المبدأ والنظام كعلاقة الروح بالجسد
أنت تقول لي: ما الفرق الدقيق بين النظام والمبدأ؟ المبدأ هذا نظري، لكن تطبيقه أصبح له تجليات في النظام. المبدأ هو الروح، لكن النظام هو الجسد، فالروح تحل في الجسد، يتحرك المعنى والمبنى.
فيصبح أنا عندي الديمقراطية هذا نظام. فلماذا تنطقها هكذا؟ بضغط يسمونه عندنا في التجويد النبر، كأنها يعني شيء تافه. لماذا؟ قال لأنه يتغير.
الدعوة إلى ما بعد الديمقراطية وتطوير النظام السياسي
نحن ندعو الآن الغرب إلى ما بعد الديمقراطية، وهم مهتمون جدًا بدراستها الآن. لماذا لا تتغير الديمقراطية ويصبح هناك شيء ما، نظام أيضًا ومتطور عن حصر تفكيرك في السلطات الثلاث والشروط الثلاثة والقضايا الثلاث والمبادئ الثلاثة؟ لماذا لا نزيدهم ونجعلهم أربعة؟ كيف؟ فلتفكروا.
فها هو السادات، إننا نحن المصريين سابقون غيرنا. بالطبع دعك من كل هذه الضوضاء المحيطة بنا والاستغراب الذي أضاع الناس وشتتهم.
عبقرية الدولة المدنية في مصر ووضع سقف تشريعي من مبادئ الشريعة
لكننا سبقنا غيرنا في وضع سقف للمجلس التشريعي. هذا السقف للمجلس التشريعي، الحقيقة أنها فكرة عبقرية، فأنشأت ما يُسمى بالدولة المدنية وليست الدولة العلمانية.
أي أن المدنية هنا في مقابل العلمانية، العلمانية: لا سقف لها فهي متفلتة، لكن المدنية لها سقف تلتزم به. من العبقرية أن في كل دساتير مصر تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.
هذه عبقرية، هذه العبقرية بدأت منذ أيام ما قبل وجود الدستور، منذ أيام [الخديوي] إسماعيل. هذه العبقرية صنعها مجلس شورى النواب في الماضي، هؤلاء المصريون كانوا عباقرة.
الفرق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية في المفهوم الغربي
ولذلك عندما تأتي وتتحدث معهم [مع الغربيين] ويترجمون لك مثلًا الدولة المدنية، يبتسم الأمريكي هكذا؛ لأنه لم يسمع أبدًا بمصطلح دولة مدنية، لكن قاموسه يشير إلى أين؟ إلى الدولة العلمانية.
نقول له: لا، المدنية غير العلمانية. فيرد: لكن لا يوجد شيء اسمه مدنية لدينا، ما لم نسمعها من قبل. أنت لا تقرأ، فاقرأ واعرف أن المدنية غير العلمانية. ما ذنبي أنك لا تقرأ؟
فالدولة المدنية هذه دولة مهمة جدًا. نحن دولة مدنية. ماذا تعني مدنية؟ تعني أن برلماننا له سقف، هو حر ويشرع ما شاء في إطار محدد: سقف مبادئ الشريعة الإسلامية، لا يُضرب هذا السقف أبدًا ولا يُرفع.
سقف الشريعة يمنع تشريع ما يخالف الثوابت الدينية والأخلاقية
لن يأتي يوم ويقول لي أن الانتحار حلال ويجوز، أو أن القتل الرحيم يجوز، أو أن الإجهاض يجوز، أو أن العلاقة الشاذة بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة تجوز. لماذا؟ لأن هذا مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية ولكل الديانات.[فإن حدثت مثلا مخالفة]
إلى أين ستذهب؟ سأذهب لأشكوه إلى حضرة المحكمة الدستورية العليا، والدستورية العليا فيها مجتهدون يدرسون المسألة وينظرون فيها إن كانت هذه مخالفة حقًا أم أنها تصلح. فإن وجدوها تصلح يقولون: هذه تصلح، وإن كانت لا تصلح، يُبطل القانون.
دور المحكمة الدستورية العليا كتطوير للنظام الديمقراطي
في يده سلطة أن يبطل القانون. ألم نقل هناك فصل بين السلطات؟ قلنا: نعم، وهذا تطوير للنظام. المحكمة الدستورية العليا هي تطوير للنظام أنه يُبطل القانون فيرجع مرة أخرى فيلتزم به البرلمان.
إذن وجود سقف هو تطوير للديمقراطية، ووجود محكمة دستورية عليا هو تطبيق وتطوير للديمقراطية، ووجود الصفة للبلاد وللعباد في الهوية.
هوية مصر الحضارية قائمة على الحضارة الإسلامية واللغة العربية
ما هي هذه الهوية؟ إنها هوية حضارية، هذا تطوير للديمقراطية. ما هي هوية مصر؟ هوية مصر تتمثل في أمرين: الحضارة وليست الديانة.
[المذيع]: نعم، كان هذا سؤالي القادم.
[الشيخ]: الحضارة الإسلامية مضافًا إليها اللغة العربية. لماذا ليست الديانة؟ لأن فيها ديانات متعددة منها: المسيحية ومنها اليهودية. فإذن هي الحضارة الإسلامية موافق عليها من الجميع، فهي إذن التي تحقق الهوية. واللغة العربية؟ هي أيضًا تحقق الهوية. فنحن إذن أمام هوية يجب الحفاظ عليها.
تطوير الديمقراطية وعلاقة المبدأ بالنظام في الشورى والديمقراطية
إذن، أنا أمام تطوير للديمقراطية فيما بعد الديمقراطية، فبالطبع هناك أمور كثيرة لا تصلح في هذا الوقت الضيق الذي نحن فيه في البرنامج، فأنا الآن أمام نظام، والشورى عبارة عن مبدأ، والمبدأ هو المعنى وهو الروح، والنظام هو المبنى وهو الجسد.
[المذيع]: مولانا الإمام، إذن نفهم من أن الدولة في الإسلام في الحضارة الإسلامية دولة مدنية بهذا الشكل وبهذا الفهم؟
الإسلام أنهى مفهوم الدولة الدينية بختم النبوة
[المذيع]: يأتي البعض ليكون صوتُا زاعقًا ويقول: أنتم تتحدثون الآن عن دولة دينية.
[الشيخ]: لا، الدولة الدينية عندنا نحن أنهيناها من أيام الرسول. أنهيناها بقوله تعالى:
﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ [الفتح: 29]
بقوله تعالى:
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]
الدولة الدينية تحتاج لوجود نبيٌّ أو كاهنٌ يخبرنا ما يفكر فيه ربنا، لكننا لدينا:
﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]
خاتم النبيين يعني أنه لا يوجد نبي معنا هنا الآن، فلا يمكن أن تكون دينية.
انتهاء الوحي يعني استحالة وجود دولة دينية في الإسلام
الدينية ماذا تعني؟ تعني أنها تسير بأمر الله. وما هو أمر الله؟ اسأله إذن. من الذي يسأل ومن الذي يتكلم مع الله؟ الرسول، النبي. فإذا انتهى الوحي، فلا توجد دولة دينية أصلًا في مفهوم الإسلام.
لا توجد دولة دينية أصلًا؛ لأنها تتعارض مع عقيدة المسلمين؛ لأن وجود دولة دينية يستلزم وجود نبي مقيم مثل أنبياء بني إسرائيل. هكذا، لكن النبوة ختمت وانتهت.
إذن ماذا يبقى؟
«علماء أمتي ورثة الأنبياء».
العلماء ليسوا معصومين ولا يملكون سلطة دينية مطلقة
هؤلاء العلماء يجتهدون. فهل هم معصومون؟ لا، ليسوا معصومين.
[المذيع]: هل يمارسون السلطة يا مولانا، العلماء؟
[الشيخ]: ليس لديهم سلطة، بل هذا اجتهاد. وهذا الاجتهاد قد يخطئ فيأخذ أجرًا، وقد يصيب فيأخذ أجرين.
فيكون إذن هذا اجتهاد. فأين تلك القداسة التي تمنع الناس من أن تقول للمخطئ: نحن نرى أن هذا خطأ؛ لأنه يترتب عليه أذى، ولأنه يضيع مصالح، ولأنه يكر على المقاصد بالبطلان، ولأنه يتعارض مع المآلات، ولأنه خارج عن الإجماع.
أي شخص في الشريعة الإسلامية يستطيع أن يفعل هذا عندما يكون على علم، يكون عالمًا. عندما يكون عن غير علم فيصبح شغبًا.
الإسلام لا يعرف الكهانة ولا القداسة للمجتهد والدولة فيه مدنية
نحن ليس لدينا كهانة، وليس لدينا قداسة للمجتهد. المجتهد يخطئ فيأخذ أجرًا. لماذا؟ لأنه كان حسن النية، ويصيب فيأخذ أجرين. لماذا؟ من فضل الله تعالى.
فلذلك نحن ليس لدينا أصلًا دولة دينية بأصل الإسلام؛ لأننا ندّعي ونقول ونعتقد اعتقادًا جازمًا أنه خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
[المذيع]: إذن الدولة في الإسلام هي دولة مدنية، وعلماؤنا ليسوا قضاة ولكن هداة. فاصل ونعود إليكم. أهلًا بحضراتكم.
مفهوم الحاكمية وعلاقته بسقف الشريعة في التشريع والقوانين
[المذيع]: أهلا بحضراتكم، تأتي أطراف أخرى متشددة ويقولون: إن الحكم إلا لله كما قال الخوارج مع سيدنا علي. هل كل ما نقوله أو ما تفضلتم به مولانا يتفق مع مفهوم الحاكمية؟
[الشيخ]: هو طبعًا كل هذا يتماشى مع الحاكمية؛ لأننا جعلنا هذه الحاكمية سقفًا للاجتهاد، ولأننا جعلنا هذه الحاكمية سقفًا لصياغة القوانين الجارية بين البشر.
بعض الناس يقول: ولماذا تصوغون قوانين ولا تجعلون الأمر بيد القضاة؟ نقول لهم: لا يوجد مانع، ولكن هذا النظام ليس موجودًا الآن، ولو وُجد لكان من الأفضل أن يكون كل القضاة من طبقة المجتهدين.
القضاة المجتهدون في التاريخ الإسلامي وضرورة التعامل مع الواقع
كان شريح [ابن الحارث الكندي] من طبقة المجتهدين، وكان علي [بن أبي طالب] من طبقة المجتهدين، وكان أبو يوسف القاضي من طبقة المجتهدين. كلهم كانوا قضاة وكذلك وكيع كان كذلك. وهكذا.
حضرتك تأتي الآن وتقول لي: نُكلف الناس بما لا يطيقون؟ لا، نحن نتعامل مع الواقع، والواقع أن الاجتهاد قلّ في وقت كثُرت فيه الناس. نحن لدينا في مصر فقط مائة مليون. والذين شهدوا النبي كانوا مائة وأربعة عشر ألفًا في حجة الوداع.
الحاجة إلى القانون المكتوب في ظل كثرة الناس وقلة المجتهدين
اليوم ثلاثة إلى أربعة ملايين يحضرون الحج، أي أربعين مرة مما كان مع النبي. تخيل أن الناس زادت هذه الزيادة المفجعة، كم يحتاجون من القضاة؟ وكم يحتاجون من الترتيبات؟ فيجب تعليم القاضي وتدريبه وتعميق معرفته.
وكل هذا موجود، فيوجد لدينا وزارة العدل، ولدينا معهد للقضاء، ولدينا ترتيب ومؤسسات، ولدينا كذا وكذا لمساعدة هذا الحاكم كي يقضي بين الناس بالحق وبالعدل.
فهو في جلسته على منصته أحاول أن يكون له طرف من نور السماء نازل على القاضي؛ لأن القاضي منحه الله قوة أن حكمه سينفذ ظاهرًا عند الناس وباطنًا عند الله. فيجب أن يكون رجلًا محترمًا.
استحالة أن يكون كل القضاة مجتهدين وضرورة القانون المساعد
ومن أين أجلب العدد المناسب لكل هؤلاء الناس؟ ثم أُكلِّفه أيضًا أن يكون مجتهدًا. فعدد المجتهدين في التاريخ الإسلامي بطوله وعرضه خمسة وثمانون شخصًا عندما تحسب التابعين وتابعي التابعين.
وأنت تريد هنا الآن ونحن لدينا عشرون ألف قاضٍ أن يكونوا جميعهم مجتهدين! إذن أنا فقدتُ القاضي المجتهد فلا بد من القانون.
[المذيع]: لابد من القانون الحاكم يا مولانا دائمًا.
[الشيخ]: لأنه يرشد القاضي ويوجهه. الناس كثرت شكواها وكثرت دعاواها إلى آخره. اليوم أمامي آلاف مؤلفة من القضايا أمام القاضي، الله يكون في عونه.
العدالة الناجزة والقانون كأداة مساعدة للقاضي في تحقيق العدل
فهل أقول له:كم تأخذ من الوقت في القضية؟ فيقول لي: أجلس في القضية ربما ستة أو سبعة أشهر أدرسها وهكذا. فأطلب منه: أن يجلس ستة أو سبعة سنين. فهل هذا كلام يرضي ربنا؟ [أي: صواب].
إن العدالة المنجزة العدالة الناجزة جزء من العدالة. لكن أطالبه بالدراسة جيدًا والانتظار حتى يبلغ درجة الاجتهاد وهكذا!
ولذلك كل هذه الأشياء هي التي جعلت القانون مساعدًا له. هذا هو النص وأحكم بهذا النص. هذا النص من الذي صنعه؟ لجنة تشريعية وصنعه خبراء في الحقوق وصنعه أناس مختصون بالصياغة، لجنة الصياغة، وظلوا يناقشون فيه حتى وصلوا إلى هذه الصياغة التي يُحكم بها القاضي.
تطور النصوص القانونية عبر الزمان وفقاً للمصالح والمقاصد الشرعية
وأيضًا هذا النص يتطور عبر الزمان طبقًا للعادات والتقاليد والمصالح ولتحقيق المقاصد ولأحوال البلاد والعباد. كل هذه الأشياء ساعدت القاضي على الحكم الصحيح حتى يكون قاضيًا يُرضي الله ويرضى عنه الناس.
فهؤلاء الذين يدعون إلى هذه السذاجة [الاستغناء عن صياغة القوانين وترك الأمر للقضاة]، هم لا يدركون الواقع. وهذا أحد صفات المتطرفين:
-
فقد إدراك الواقع.
-
فقد إدراك المآلات.
-
فقد إدراك المصالح.
-
فقد إدراك المقاصد الشرعية.
صفات المتطرفين وكيف أصبحوا ألعوبة في يد الأعداء
وهكذا، عدم إدراك: عدم إدراك للواقع، وعدم إدراك للنص، وعدم إدراك للغاية، وعدم إدراك للمصالح، وعدم إدراك للمآلات، وعدم إدراك للمقاصد، وعدم إدراك لأشياء كثيرة، فيفسدون ولا يصلحون.
ولذلك كانوا ألعوبة في يد الأعداء. ولماذا هم ألعوبة في يد الأعداء؟ لأنهم لم يطيعوا سيدنا النبي. قال لك: عندما ترى هذه العلامات انسحب،
«كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلاسِ بَيْتِكَ» [العزلة لابن أبي الدنيا].
فذهب وتصدر بالسلاح وشوّه صورة الإسلام والمسلمين، ولم يصل إلى شيء، في حالة هزيمة دائمة ومستمرة، وتمسُك دائم ومستمر بنطاق الغباء.
[المذيع]: ومصر أنه يُحسن صنعًا وأن هذا هو الإسلام الذي يجب أن يقدمه.
سؤال حول تأكيد الإسلام على حرية الشعوب في بناء الدولة
[الشيخ]: نعم هو كذلك وهو مخطئ.
[المذيع]: مولانا الإمام إذا ما ذهبنا إلى فكرة الحريات، حرية الشعوب، هل يؤكد هذا المبنى والمعنى في بناء الدولة في الإسلام على حرية الشعوب التي تؤكد عليها ما يسمونها بالديمقراطيات الحديثة؟
[الشيخ]: إنهم وهم يحاولون كأفكار لم تكتمل أن يطوروا الديمقراطية -التي دعونا نحن إلى مصطلح ما بعد الديمقراطية- جعلوا الصحافة هي السلطة الرابعة مثلًا.
أنواع الحريات المكفولة في الإسلام: الاعتقاد والعمل والانتقال والسكن
فالقضية هنا قضية الحريات. حريات ماذا؟ نحن لدينا ثلاثة أنواع من الحريات أو بمعنى أدق ثلاثة مستويات من الحريات، ثلاثة مواضيع للحريات. وعندنا أربعة أنواع من الحريات المكفولة:
- •
حرية الاعتقاد.
- •
حرية العمل: يعني لا يمكن أن تتخرج من كلية الطب ثم تعمل طبيبًا فيأتي أحدهم ويقول لك: لا، سأمنعك من أن تعمل طبيبًا، أو تعمل مهندسًا فيقول لك: سأمنعك من أن تعمل، هذا غير مقبول. حرية العمل.
- •
حرية الانتقال: لا يصح أن تقيّد شخصًا في الانتقال، يأتي لينتقل من مكان إلى مكان فتقول له: لا.
- •
وحرية السكن: أنا أريد أن أسكن هنا، سأسكن هنا، أنا حر.
فحرية السكن وحرية الانتقال وحرية العقيدة وحرية العمل، هذه أربع حريات مكفولة. وهناك حريات تابعة لهذا مثل حرية التعليم، مثل حرية الاختيار، مثل حرية يعني توجد حريات تابعة.
مستويات الحريات الثلاثة: حرية الرأي وحرية الخدمات وحرية المعلومات
لكن ما هي المستويات؟ أنا أريد حرية، في ماذا؟ ما هي مستوياتها؟ فقال: أولًا تتأتى [أي: تظهر] في حرية الرأي.
حرية الرأي: فيأتي شخص ويقول: لا، أنا سأمنع كلامك هذا، أو سأمنع هذه القصيدة، أو سأصادر هذا الكتاب. فهذا مصادرة لحرية الرأي. قلت له: لكن هذا رأيي أنا وأريد أن أقوله. قال لي: لا، أنا لست موافقًا على هذا، رأيك خاطئ، لا يصلح، سيصطدم معي وسيصطدم مع كذا إلى آخره.
حرية الرأي، لكن الأعمق من حرية الرأي هي حرية المعلومات.
[المذيع]: نعم.
الفرق بين حرية الرأي وحرية المعلومات وأثرها في المجتمعات
يعني حرية الرأي: أحدهم يقول كلامًا ويمكنني الرد عليه بكلام مثله، وتصبح عملية كلامية بين الطرفين. ويقول كلامًا فأفنده له، فأقول كلامًا فيفنده لي، وهي التي يسمونها الفنقلة: فإن قيل قال، فإن قال قيل. وهكذا هذه حرية الرأي.
لكن توجد حرية أخرى هي حرية الخدمات، وتوجد حرية ثالثة وهي أشد وهي حرية المعلومات.
حرية المعلومات: أن المسئول الفلاني نزل بالطائرة وأدخل بضاعة من غير جمارك، فيقوم الصحفي بمعرفة هذه العبارة ويريد نشرها، والصحافة تعمل بشكل صحيح وتمارس حريتها. فهذه ليست رأيًا بل معلومة، وهو متأكد منها وقد صوّر البضاعة وهي داخلة موثقة، الأمر موثق.
حرية المعلومات هي أعلى مستويات الحرية كما في فضيحة ووترجيت
فالحرية الأولى ممكن دولة تصل إليها، لكن لا يكون فيها حرية أيضًا. الحرية الثانية يمكن لدولة أن تصل إليها، لكن أيضًا لم تصل بعد إلى الحريات التي نتحدث عنها في المجتمعات الغربية.
الحرية الثالثة هذه هي أهم شيء، هذه الحريات، الحرية الثالثة هذه هي التي أطاحت بـنيكسون في فضيحة ووترجيت. هذه ووترجيت ماذا فعلت؟ صحفيون حصلوا على معلومات أحرجت الرئيس الأمريكي أمام الهيئة.
وهذا ما يحاولون فعله مع ترامب الآن في قضية المعونة الروسية في تعيينه أو في ترشيحه أو ما شابه ذلك إلى آخره. لو توصلوا إلى شيء، لكن كلها معلومات. هناك حرية وهذه هي الحرية هنا، هي الممارسة الحقيقية، ولا يستطيع رئيس الجمهورية ترامب أن يعترض عليها.
حرية المعلومات أعلى مستوى وصلت إليه البشرية في قضية الحريات
فحرية المعلومات هذه هي المستوى الأعلى الذي وصلت إليه البشرية في هذه القضية: حرية الرأي، حرية الخدمات، وأيضًا حرية معلومات.
[المذيع]: يا مولانا الإمام، اسمح لنا أن نذهب إلى فاصل قصير ثم نعود ونكمل هذا الحوار. ابقوا معنا.
مفهوم أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي وما يقابله في الحاضر
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. كنا نسمع دائمًا ونحن نقرأ في تاريخنا وفي حضارتنا هذا العنوان وهو هذا المصطلح أهل الحل والعقد. **فمن هم أهل الحل والعقد؟ وما الذي يمثل هذا المعنى في حاضرنا الآن؟**في المنجز الإسلامي، منجز الحضارة الإسلامية،
[الشيخ]: الحل يعني الفك وضدها العَقد. فمعناها أنه يحل أي يفك، أو أنه يعِقد أي يربط.
فالحل والعقد مثل النقض والإبرام: إما أن ينقض الحكم السابق ويلغيه، وإما أن يبرِمه ويؤكده ويمضيه. فالنقض والإبرام يشبه الحل والعقد.
البرلمان هو التجسيد المعاصر لمفهوم أهل الحل والعقد
والحل والعقد في عصرنا الحاضر هو مؤسسة البرلمان وما يشبهها مثل مجلس للشعب، و مجلس الشورى.
هؤلاء هم أهل الحل والعقد؛ لأن مجلس الشورى هذا له نطاق وله اختصاصات، ومجلس الشعب له اختصاصات. عندما آتي لأضمهم أو أجعل هناك مجلسًا واحدًا وهو مجلس البرلمان، يصبح هذا البرلمان هو أهل الحل والعقد.
فأهل الحل والعقد هؤلاء هم الذين بأيديهم أن يحلوا الأمور؛ لأن هذا المجلس التشريعي مجلس في منتهى القوة والخطورة أيضًا؛ لأنه يضع القانون للقاضي والقانون للناس.
صلاحيات البرلمان في حل المشكلات وعقد الأمور لمصلحة البلاد
لأن القاضي سيطبقه على الناس. فإذن، هو بيده حل المشكلات، وبيده عقد وربط الأمور حتى تتقدم إلى الأمام.
[المذيع]: التي هي السلطة التشريعيةوله الحق في الرقابة السابقة واللاحقة في هذه كذلك.
[الشيخ]: نعم، والنقض والإبرام، فهو ينقض ويبرم ويحل ويعقد ويؤدي هذه المهام كلها لمصلحة البلاد والعباد.
فكرة المشاركة في البرلمان وتمثيل كل طوائف الشعب
ولذلك كان هذا البرلمان فكرته أيضًا وهي فكرة المشاركة، أن يتمثل فيه كل طوائف الشعب. وهنا ثار في الديمقراطيات العريقة سؤال غريب بعض الشيء:
[المذيع]: ما هو؟
[الشيخ]: ما دام كل طائفة يجب أن يكون لها ممثل في البرلمان، هل توافقون أن يكون للمجرمين الأبالسة مندوب في البرلمان؟
[المذيع]: وتم طرح هذا؟
[الشيخ]: بالطبع، وفي الكتب توجد تصورات له وعلاجه وما إلى ذلك بتعمق. أي أنه في الوقت الحالي توجد طائفة تسمى النشالين، وتوجد طائفة تسمى مثلًا الخُطّ [مجرم] الصعيد، وتوجد طائفة المطاريد الذين في الجبل. هؤلاء يريدون أن يشتركوا، أليسوا مشاركين في المجتمع؟
[المذيع]: فهل له محل من الإعراب؟ هذا هو السؤال، أو هذه الجملة: هل لها محل من الإعراب؟
النظام العام والآداب كسقف للحريات في مقابل مبادئ الشريعة
هم يعيشون هذه التصورات كلها. وبدأوا هنا حتى يردوا على هذا التوجه والطرح العجيب الغريب بعض الشيء علينا بفكرة النظام العام والآداب.
فالنظام العام لا ينبغي قَدحُه، ومن هنا سيكون النظام العام والآداب هو سقف أيضًا من أسقف الحريات. فإذا كان سقفنا هو مبادئ الشريعة. أما السقف الذي وضعوه هنا فقال: هو النظام العام والآداب.
وما الفرق؟ النظام العام والآداب يتغير بتغير الزمان والمكان، لكن مبادئ الشريعة لا تتغير بتغير الزمان والمكان. ولذلك إذا كنا نضيف النظام العام والآداب فهذا الذي يمنع أن يأتي شخص ليقول لي: حسنًا لا بأس.
الفرق بين الحرية الشخصية والتفلت وضوابط النظام العام
أنا أريد أن أسب الله في كتاب هكذا وأنشره، فأقول له: يا بُني، أنت تريد سب الله؟ إذا كنت تريد أن تسب الله بينك وبين نفسك، لن نفعل لك شيئًا، أنت حر:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
لكن إذا كنت تريد نشر هذا، فهذا قدح في النظام العام والآداب العامة. وهذه أيضًا جزء من الحريات التي كنت تسأل عنها الآن، وهي الضبط بالنظام العام والآداب. يعني كل شيء ليس مطلقًا، فهناك فرق بين الحرية والتفلت.
الموقف الإسلامي بين رفض الغرب المطلق وقبوله المطلق
[المذيع]: مولانا الإمام، هناك من يرى، ودائمًا لا بد لكي نصحح أن نقف عند هذين الطرفين: طرفٌ يرفض كل ما يأتي من الغرب رفضًا كاملًا، وطرفٌ آخر يعشق ويُولع بكل ما يأتي من الغرب. السقف المعرفي لدينا نموذج الحضارة الإسلامية. هل يرد كل الرد أم يقبل كل القبول؟
[الشيخ]: لا هذا ولا ذاك. فأصل القضية تأصيلٌ وليس انتقاءً؛ لأنه إما الرفض المطلق، وإما القبول المطلق، وإما الانتقاء العشوائي، فلا يوجد غير ذلك.
التأصيل هو المنهج الصحيح مقابل الانتقاء والمقاربات والمقارنات
هذا كله في حالة الانتقاء: إما أن أجلس لأنتقي وأقول: كله لا يعجبني، أو أقول: كله أعجبني، أو أقول: بعضه فقط أعجبني وبعضه لا، ما هو المعيار؟ هذا الانتقاء بمجرد الهوى.
لكن التأصيل هو أن يكون كل شيء بدليله مع مراعاة مآلاته ومستقبله وما سيترتب عليه من فوائد. في هذه الحالة يكون هذا تأصيلًا، أي له أصول، أي أنه يسير على هدى وبينة.
ومن هنا نحن نرفض فكرة الانتقاء. كذلك في فكرة ثالثة وهي المقاربات
[المذيع]: بمعنى.
[الشيخ]: أي كلما يفعلون شيئًا ويعجبنا نقول: على فكرة عندنا مثله. يعملوا ديمقراطية فنقول إن الشورى هكذا. فهذا اسمه المقاربات، كلما يعجبنا شيئ [أي: من نتاج الحضارة الغربية] نقول عندنا مثله، هذه بضاعتنا ردت إلينا.
رفض منهج المقاربات والمقارنات والتأكيد على منهج التأصيل
هذه المقاربات، وفي مقابلها المقارنات. ما شكل المقارنات؟ يقول: انظر، لأنهم فعلوا كذا أصابهم الإيدز. انظر، لأنهم فعلوا كذا، حدث انخفاض في النسل. مقارنات لإظهار أننا الأحسن.
المقارنات والمقاربات هذا منهج مرفوض، إذن، ما الذي ليس مرفوضًا؟ هو التأصيل.
إذن، التأصيل مقابله المقاربات والمقارنات من ناحية، ومقابله الانتقاء من ناحية أخرى، وكلاهما مناهج مرفوضة.
التأصيل هو المنهج الإسلامي الحاكم القائم على الدليل والمآلات
فما هو المقبول إذن؟ ما هو المعيار؟ ما هو الحاكم؟ إنه التأصيل. كل ما تريد أن تفعله أصّله. التأصيل يجعلك تفكر بشكل أفضل، ويجعلك في حالة اختيار وليس مجرد انتقاء عشوائي.
ويجعلك تعرف أصل الشيء ويجعلك تدرك المآل الذي ستصل إليه. فالتأصيل كلمة نطلقها أمام كل هذه المناهج المرفوضة من المقاربات والمقارنات والانتقاء والرفض المطلق والقبول المطلق وأمثال هذه المناهج العجيبة.
المنهج الذي نسير عليه في الإسلام هو التأصيل وليس هو هذا.
التأصيل الإسلامي محكوم بالعدل والمصلحة والمقاصد الشرعية والهوية
حينئذ ماذا يحدث؟ سيأتي لمبادئ موجودة في الشريعة تقول:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
في تأصيلي أنا محكوم بالعدل، في تأصيلي أنا محكوم بالمصلحة والمنفعة، في تأصيلي أنا محكوم بما سيكون ويؤول إليه الأمر [أي المآلات].
بتأصيلي أنا محكوم بهويتي، بتأصيلي أنا محكوم بالمقاصد الشرعية العليا التي تسمى الآن النظام العام والآداب. في تأصيلي أنا محكوم بالمصلحة التي هي والمنفعة هي هي وزنًا ومعنى.
هذا ما نحن سائرون فيه، لكن لا الانتقاء ولا المقارنات ولا المقاربات ولا الرفض المطلق ولا التوفيق الذي يصبح تلفيقًا.
خاتمة الحلقة والتأكيد على أن التأصيل هو منهج الإسلام الحافظ للثوابت
ولا أي شيء من هذه المناهج. منهجنا هو التأصيل.
[المذيع]: التأصيل الذي يحافظ على الثوابت وينفتح على الآخرين دائمًا.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: ولكن مولانا في كلمة أخيرة موجزة: كيف نعطي عنوانًا مهمًا لهذا النموذج وهذا السقف المعرفي في الإسلام وفي الحضارة الإسلامية؟
[الشيخ]: هو التأصيل، هي كلمة التأصيل، هي التي عند شرحها سنقول كل هذا الكلام.
[المذيع]: مولانا فضيلة الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم وغفر الله ذنبكم ورضي الله عنكم دائمًا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه. إلى اللقاء.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الفرق الجوهري بين الشورى والديمقراطية؟
الشورى مبدأ والديمقراطية نظام
ما الأركان الثلاثة للديمقراطية التي يقرها الإسلام؟
تداول السلطة والمساءلة والمشاركة
لماذا تستحيل الدولة الدينية في الإسلام من الناحية العقدية؟
لأن ختم النبوة يجعل وجود نبي يتلقى الوحي مستحيلاً
ما الفرق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية؟
الدولة المدنية لها سقف من مبادئ الشريعة والعلمانية لا سقف لها
ما الذي يقابل أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي في عصرنا الحاضر؟
البرلمان ومجلس الشعب ومجلس الشورى
كم بلغ عدد المجتهدين في التاريخ الإسلامي بطوله وعرضه؟
خمسة وثمانون شخصاً
ما أعلى مستوى وصلت إليه البشرية في قضية الحريات؟
حرية المعلومات
ما المنهج الصحيح في التعامل مع الحضارات الأخرى وفق الإسلام؟
التأصيل القائم على الدليل والمآلات
ما الصفة الأولى من صفات المتطرفين التي تجعلهم يفسدون ولا يصلحون؟
فقد إدراك الواقع
ما الخطوة الأولى في بناء الديمقراطية وفق هذا المحتوى؟
الفصل بين السلطات الثلاث
ما الحريات الأربع المكفولة في الإسلام؟
حرية الاعتقاد والعمل والانتقال والسكن
ما الذي أثبتت فضيحة ووترجيت في قضية الحريات؟
أن حرية المعلومات قادرة على إسقاط الرؤساء
ما المحددات التي يكون فيها التأصيل الإسلامي محكوماً بها؟
العدل والمصلحة والمآلات والهوية والمقاصد الشرعية
ما هوية مصر الحضارية وفق هذا المحتوى؟
الحضارة الإسلامية واللغة العربية
لماذا لا يمكن الاستغناء عن القانون المكتوب في العصر الحديث؟
لأن عدد المجتهدين لا يكفي لعشرين ألف قاضٍ
ما تعريف الديمقراطية كنظام سياسي؟
الديمقراطية نظام التجأت إليه الدولة الحديثة لفصل شخص الحاكم عن مؤسسة الدولة التي تبقى بعده وتنفصل عن مصالحه الشخصية وتسعى لمصلحة البلاد والعباد.
لماذا لا يصح المقارنة المباشرة بين الشورى والديمقراطية؟
لأن الشورى مبدأ والديمقراطية نظام، ولا تجمعهما قاعدة مشتركة إلا رفض الديكتاتورية، فالمقارنة بين أمرين من طبيعتين مختلفتين غير دقيقة.
ما العلاقة بين المبدأ والنظام في الشورى والديمقراطية؟
المبدأ هو الروح والنظام هو الجسد، فالشورى روح تحل في جسد النظام الديمقراطي، ويتحرك المعنى والمبنى معاً.
كيف طبق عمر بن الخطاب مبدأ المشاركة؟
حبس الصحابة في المدينة ومنعهم من المغادرة ليكونوا برلماناً يعرض عليهم الأمور، حتى يفكر معهم لا وحده، وهم من تشبعوا بفهم الشريعة والتقوى.
ما دور المحكمة الدستورية العليا في النظام المدني؟
تملك سلطة إبطال القانون المخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية، فيرجع البرلمان ليلتزم بالسقف التشريعي، وهي تطوير حقيقي للنظام الديمقراطي.
لماذا العلماء في الإسلام هداة لا قضاة؟
لأنهم مجتهدون لا معصومون، يخطئون فيأخذون أجراً ويصيبون فيأخذون أجرين، وليس لديهم سلطة مقدسة ولا كهانة، فهم يرشدون ولا يحكمون بسلطة إلهية.
ما معنى الحاكمية وكيف تتوافق مع صياغة القوانين؟
الحاكمية جُعلت سقفاً للاجتهاد وسقفاً لصياغة القوانين الجارية بين البشر، فهي لا تتعارض مع وجود قوانين مكتوبة بل تضبطها وتوجهها.
ما الفرق بين حرية الرأي وحرية المعلومات؟
حرية الرأي تبادل كلامي بين طرفين يرد كل منهما على الآخر، أما حرية المعلومات فهي نشر وقائع موثقة تُحاسب المسؤولين على أفعالهم الفعلية وهي أعمق وأشد.
ما المقصود بمنهج المقاربات في التعامل مع الحضارات الأخرى؟
المقاربات هي القول كلما أعجبنا شيء من الحضارة الغربية: عندنا مثله في الإسلام، كالقول إن الشورى مثل الديمقراطية، وهو منهج مرفوض لأنه انتقائي بلا معيار.
ما المقصود بمنهج المقارنات وما موقف الإسلام منه؟
المقارنات هي إظهار مساوئ الغرب لإثبات أن الإسلام أحسن، كالقول لأنهم فعلوا كذا أصابهم الإيدز، وهو منهج مرفوض لأنه لا يقوم على التأصيل.
ما محددات التأصيل الإسلامي الخمسة؟
التأصيل محكوم بالعدل، والمصلحة والمنفعة، والمآلات أي ما سيؤول إليه الأمر، والهوية الحضارية، والمقاصد الشرعية العليا.
ما الذي يجعل العدالة الناجزة جزءاً من العدالة؟
لأن إطالة أمد التقاضي لسنوات طويلة لا يرضي الله، فالعدالة المنجزة في وقت معقول جزء لا يتجزأ من تحقيق العدالة الكاملة.
ما الذي يميز هوية مصر الحضارية عن الهوية الدينية؟
هوية مصر حضارية لا دينية لأن فيها ديانات متعددة كالإسلام والمسيحية واليهودية، فالحضارة الإسلامية واللغة العربية موافق عليهما من الجميع وتحققان الهوية المشتركة.
ما الذي يجعل المتطرفين ألعوبة في يد الأعداء؟
لأنهم يفقدون إدراك الواقع والنص والغاية والمصالح والمآلات والمقاصد، فيفسدون ولا يصلحون، ويشوهون صورة الإسلام بالسلاح دون أن يصلوا إلى شيء.
ما الذي يعنيه مفهوم ما بعد الديمقراطية؟
تجاوز حصر التفكير في السلطات الثلاث والأركان الثلاثة، والانتقال إلى نظام أكثر تطوراً يضيف أبعاداً جديدة كسقف مبادئ الشريعة والهوية الحضارية.
ما الفرق بين الحرية والتفلت في الإسلام؟
الحرية الشخصية مكفولة لكنها ليست مطلقة، فنشر ما يقدح في النظام العام والآداب العامة مرفوض، وهناك فرق جوهري بين ممارسة الحرية الشخصية وبين التفلت الذي يضر بالمجتمع.
