اكتمل ✓
الحكم لله وحده ودور الاجتهاد والوحي في معرفة الأحكام الشرعية - تفسير, سورة النساء

كيف يكون الحكم لله وحده وما دور العقل والوحي في معرفة الأحكام الشرعية وشكر المنعم؟

الحكم في الإسلام لله وحده دون سواه، لا نبي مرسل ولا مجتهد ولا عالم يملك إنشاء الأحكام، وإنما دور العلماء الفهم والنقل والاستنباط. العقل يدرك الحسن والقبح الطبعي، لكن معرفة ما يرضي الله من العبادات لا تكون إلا بالوحي وإرسال الرسل. ولذلك بُعث النبي ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق ويوضح للناس طريق العبادة والعمارة.

4 دقائق قراءة
  • هل يستطيع العقل وحده أن يحدد كيفية شكر الله وما يرضيه دون وحي أو رسالة؟

  • الحكم في الإسلام لله وحده بإجماع المسلمين سلفًا وخلفًا، ولا يملك أحد إنشاء الأحكام الشرعية.

  • دور العلماء والمجتهدين محصور في الفهم والنقل والاستنباط، ومن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر.

  • الأئمة المجتهدون كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد تعاملوا فيما بينهم بأدب واحترام رغم اختلافهم.

  • المعتزلة وأهل السنة يتفقان على أن الحاكم هو الله، والخلاف بينهما في قدرة العقل على إدراك الثواب والعقاب دون وحي.

  • نعم الله على البشر جميعًا لا تنقص من ملكه إلا كما ينقص المخيط من البحر، مما يبين عظمة الله وضرورة الوحي لمعرفة طريق شكره.

افتتاح الدرس وتلاوة آية الكلالة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وفي آخر آية منها يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ﴾ [النساء: 176]

وهذه الآية الكريمة أعلت من شأن الإفتاء.

نسبة الإفتاء لله تعالى تدل على عظمة الأحكام الشرعية ومصدرها

حتى يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الماتع «إعلام الموقعين عن رب العالمين» أن الله سبحانه وتعالى قد نسب هذا الفعل [الإفتاء] لنفسه. ونسبة الفعل لله تدل على عظمة هذه المهمة، وتدل أيضًا على أن الأحكام الشرعية إنما مصدرها الله جل جلاله.

وأن البشر ليس لهم إلا الفهم والنقل والاستنباط، وليس لهم أن ينشئوا الأحكام إنشاءً. بإجماع المسلمين سلفًا وخلفًا، شرقًا وغربًا، أن الحاكم هو الله.

ليس في الإسلام رجل دين يشرع مع الله بل المجتهد يصيب ويخطئ

ولذلك فليس في الإسلام رجل دين يستطيع أن يشرع مع الله، أو أن يشرع وفقًا للمصلحة، أو أن يشرع وفقًا لمقاصد الشرع للناس. وإنما هو يقوم بدور المجتهد؛ فإن أصاب فله عند الله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.

وكل من وصل إلى درجة الاجتهاد فله أن يناقشه [أي يناقش المجتهد الآخر] فيما ذهب إليه من استنباط، وأن يرد بعضهم على بعض من الأئمة المتبعين المجتهدين.

أدب الخلاف بين الأئمة المجتهدين عبر العصور واحترامهم لبعضهم

وكذلك كانوا عبر العصور، وكانوا من أجل أنهم من العلماء ومن الأتقياء يحبون بعضهم بعضًا، ويحترمون بعضهم بعضًا. وكان هناك أدب عندهم في رد بعضهم على بعض.

وهكذا نرى الأمر بين أبي حنيفة ومالك، وبين مالك والشافعي، وبين الشافعي وأحمد، وغيرهم من مجتهدي الأمة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. كانوا يقفون عند حدودهم، وكلهم من رسول الله مُلتَمِسٌ، غُرَفًا من البحر رَشْفًا من الدِّيَم.

المجتهدون يصدرون عن رسول الله والحاكم على الحقيقة هو الله وحده

وواقفون لديه عند حدهم، من نقطة العلم أو من شَكْلَة الحكم. فهو الذي تم معناه وصورته، ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَم.

فكان المجتهدون إنما يصدرون ويردون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عن رب العزة سبحانه وتعالى. فالحاكم على الحقيقة هو الله دون سواه؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا مجتهد من مجتهدي الأمة، ولا عالم، ولا تقي، ولا عارف، ولا ولي. إنما الأمر والحكم بيد الله سبحانه وتعالى وحده.

ولذلك:

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]

أسلوب فيه من الحصر والقصر بأن جعل الحكم لله وحده. هذا المعنى لم يختلف فيه المسلمون أبدًا.

الرد على من زعم أن المعتزلة حكّموا العقل والأشاعرة حكّموا النقل

بعض المحدثين من الكتّاب والأدباء يقولون إن المعتزلة كانت قد حكّمت العقل، وإن الأشاعرة كانوا قد حكّموا النقل. وهذا كذب على الأشاعرة وكذب على المعتزلة؛ فكلاهما وباتفاق، الحاكم عندهم هو الله، من غير خلاف بين أحد من المسلمين.

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]

موقف المعتزلة وأهل السنة من إدراك العقل للحسن والقبح الطبعي

ولكن المعتزلة تقول إن العقل يدرك الحسن الطَّبَعِي والقبح الطَّبَعِي، وأهل السنة يوافقونهم في هذا القدر.

فالمعتزلة تقول إن كل إنسان يعلم أن الرائحة الكريهة مذمومة، وأن الرائحة الطيبة الزكية ممدوحة. يعلم أن الصدق ممدوح وأن الكذب مذموم. كل العقلاء يعلمون أن الظلم سُمِّي بهذا لأنه فيه ظلمة، وأن النور بخلاف الظلمة.

هكذا يقول المعتزلة، وأهل السنة يوافقونهم على هذا القدر من تحسين العقل وتقبيحه للأمور الطَّبَعِية والأخلاق التي يتفق عليها كل الناس مؤمنهم وكافرهم.

هل يترتب على أفعال البشر ثواب وعقاب بمجرد حكم العقل دون وحي

ولكن هل هذا الفعل الذي تقوم به أيها البشر يترتب عليه ثواب عند الله؟

فالمعتزلي يقول إن العقل البشري يقدر على أن يحكم على هذه الأفعال التي يأتي بها الإنسان، ويقول إنها أفعال يمكن أن يرضى الله عنها أو يغضب الله عليها.

ولكن أهل السنة يقولون إن علم ذلك [أي معرفة ما يرضي الله وما يغضبه] لا يكون إلا من قِبَل الوحي، إلا بإرسال رسول.

مثال شكر المنعم وكيف أن العقل وحده لا يكفي لمعرفة كيفية شكر الله

ويضربون على ذلك مثالًا بقضية أسموها «شكر المنعم». عندما يقدم أحدهم لك معروفًا فإنك تشكره، وهذا أمر محمود، تقول له شكرًا.

فهل إذا ما قدم لك الملك العظيم حبة قمح — ملك من الملوك غني، له سلطة، له سلطان على البلاد والعباد — ألقى إليك بحبة قمح من خزائنه وخزائن غلاله، فلما أمسكت بالحبة وجدتها في الحقيقة أنها مقسومة قسمين أو ثلاثة، فهي ثلث حبة أو أعني ربع حبة.

فهل من اللائق أو المعقول أن تجلس عند قصره وتقول له شكرًا يا ملك، شكرًا يا ملك، شكرًا يا ملك، تمضي فيها الساعات؟ أو أنك بذلك تكون تسخر منه؟

وجهان للعقل في شكر المنعم بين الشكر الحقيقي واحتمال السخرية

وجهان؛ العقل يعني بين هذا وذاك. والله أنا أشكرك لأنك أنت أنعمت عليّ بهذه النعمة، لكن هذه النعمة في مقابل ملكه لا شيء.

ولذلك فشكرك عليها قد يُحمل على أنه شكر يخفي سخرية أو استهزاء أو نحو ذلك، والعياذ بالله تعالى، مما يوجب غضب الملك عليك.

نعم الله لا تساوي شيئًا في ملكه كما بيّن الحديث القدسي الشريف

قالوا هذا الشأن في كل النعم التي نحن فيها؛ فكل النعم التي أنت فيها لا تساوي شيئًا أصلًا في ملك الله، على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وقفوا في صعيد واحد صفًّا واحدًا هكذا وسألوا الله ما أرادوا وأعطاهم الله سبحانه وتعالى كل ما يريدون»

أتقف فتقول له: يا رب أعطني عشرة مليارات؟ وبعد أن تقول له أعطني عشرة مليارات تقول: دولار؛ لأن الدولار أغلى قليلًا، بدلًا من عشرة مليارات يعطيها لك بالجنيه.

ولا شيء غير كافٍ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

لو سأل كل البشر الله لم ينقص من ملكه إلا كما ينقص المخيط من البحر

لو كل أحد من الستة مليارات وقف وسأل وأعطاه الله الذي سأله كله، فإنك لا تنقص من ملكه إلا كما ينقص المخيط [الإبرة] تضعه في البحر ثم ترفعه.

لما تأتي بالإبرة وتضعها في البحر وترفعها، ماذا أخذت من المياه؟ هكذا، مثل هذا. هي أخذت شيئًا يعني ضئيلًا، هو الذي أعطاه لك كله هكذا.

جواز حمد الله بالتسبيح لأن الرسول أذن به ولا يُعرف ذلك بالعقل وحده

هل يجوز إذن أن نقول بالسبحة: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، أم لا يجوز؟

لماذا يجوز؟ لأن سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال لنا إنه يجوز. ولكن لو تركنا ربنا من غير رسل لما كنا نعرف أيجوز أم لا يجوز.

فلا بد من إرسال الرسل، ولا بد أن الله لا يتركنا عبثًا، وإنما يوضح لنا الطريق إليه عبادةً وعمارةً.

بعثة النبي لإتمام مكارم الأخلاق والختام بآية الاستفتاء

ولذلك فقد أوضح لنا الأخلاق، وقال سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]:

قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

وكان يحب الأخلاق الحسنة، وقال:

قال رسول الله ﷺ: «أحسنُ الحَسَنِ الخُلُقُ الحَسَن»

وقال:

قال رسول الله ﷺ: «وأن تخالق الناس بخلق حسن»

﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء: 176]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

من الذي نسب إليه الإفتاء في قوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم﴾؟

الله سبحانه وتعالى

ما الكتاب الذي استشهد به ابن القيم في موضوع نسبة الإفتاء لله؟

إعلام الموقعين عن رب العالمين

كم أجرًا يحصل المجتهد الذي يُخطئ في اجتهاده؟

أجر واحد

ما الذي يتفق عليه المعتزلة وأهل السنة في مسألة الحكم الشرعي؟

أن الحاكم هو الله وحده

ما الذي يدركه العقل البشري بحسب اتفاق المعتزلة وأهل السنة؟

الحسن الطبعي والقبح الطبعي

ما الفرق بين المعتزلة وأهل السنة في مسألة الثواب والعقاب على الأفعال؟

المعتزلة يرون أن العقل يحكم على الأفعال بالثواب والعقاب دون وحي

ما الذي يُجسّد مثال الملك وحبة القمح في موضوع شكر المنعم؟

أن العقل وحده يتردد ولا يكفي لتحديد كيفية الشكر الصحيح

بماذا شبّه النبي ﷺ ما ينقصه عطاؤه لكل البشر والجن من ملك الله؟

ما تأخذه الإبرة من البحر حين ترفعها

لماذا يجوز قول الحمد لله بالسبحة في الإسلام؟

لأن رسول الله ﷺ أذن به

ما الحديث النبوي الذي يدل على أن بعثة النبي ﷺ كانت لإتمام الأخلاق؟

إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق

ما الذي لا يملأ جوف ابن آدم وفق الحديث النبوي؟

التراب

ما دور البشر في الأحكام الشرعية وفق الإجماع الإسلامي؟

الفهم والنقل والاستنباط فقط

كيف كان الأئمة المجتهدون يتعاملون مع الخلاف العلمي فيما بينهم؟

بالمحبة والاحترام وأدب الرد

ما الآية الأخيرة في سورة النساء التي تتحدث عن الإفتاء؟

قوله تعالى ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، وهي تنسب الإفتاء لله مباشرة وتُعلي من شأن هذه المهمة.

ما دلالة نسبة الإفتاء لله في القرآن الكريم؟

تدل على عظمة مهمة الإفتاء وأن الأحكام الشرعية مصدرها الله وحده، وأن البشر ليس لهم إلا الفهم والنقل والاستنباط.

ما كتاب ابن القيم الذي تناول موضوع نسبة الإفتاء لله؟

كتاب «إعلام الموقعين عن رب العالمين».

ما أجر المجتهد الذي يُصيب في اجتهاده؟

له أجران عند الله.

ما أجر المجتهد الذي يُخطئ في اجتهاده؟

له أجر واحد.

ما الأئمة الأربعة الذين ذُكروا نموذجًا على أدب الخلاف العلمي؟

أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم.

ما الآية القرآنية التي تحصر الحكم في الله وحده؟

﴿إن الحكم إلا لله﴾ الواردة في سورتي الأنعام ويوسف.

ما الادعاء الخاطئ الذي يُردّ عليه في موضوع المعتزلة والأشاعرة؟

الادعاء بأن المعتزلة حكّموا العقل والأشاعرة حكّموا النقل، وهو كذب على الفريقين إذ كلاهما يتفقان على أن الحاكم هو الله.

على ماذا يتفق المعتزلة وأهل السنة في موضوع العقل والأخلاق؟

يتفقان على أن العقل يدرك الحسن الطبعي والقبح الطبعي، كمدح الصدق وذم الكذب والظلم.

ما الفرق الجوهري بين المعتزلة وأهل السنة في مسألة الثواب والعقاب؟

المعتزلة يرون أن العقل يستطيع الحكم على الأفعال بالثواب والعقاب، بينما أهل السنة يرون أن ذلك لا يُعرف إلا بالوحي وإرسال الرسل.

ما قضية «شكر المنعم» التي يضربها العلماء مثالًا على قصور العقل؟

هي مسألة هل يكفي العقل لتحديد كيفية شكر الله، ويُمثّل لها بملك يُلقي إليك بحبة قمح ناقصة فيتردد العقل بين كون شكرك له حقيقيًا أو سخرية.

لماذا قد يُحمل شكر الله بالعقل وحده على السخرية؟

لأن نعمة الله في مقابل ملكه لا شيء، فالشكر عليها قد يبدو كالاستهزاء، مما يدل على الحاجة للوحي لتحديد طريقة الشكر الصحيحة.

ما مضمون الحديث النبوي عن عطاء الله لو سأله كل البشر والجن؟

لو وقف أولنا وآخرنا وإنسنا وجننا وسألوا الله ما أرادوا وأعطاهم كل ما يريدون، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا.

بماذا شبّه النبي ﷺ ما ينقصه عطاء الله للبشر جميعًا من ملكه؟

بما تأخذه الإبرة من البحر حين توضع فيه ثم ترفع، وهو شيء ضئيل جدًا.

لماذا لا بد من إرسال الرسل وفق ما جاء في المحتوى؟

لأن العقل وحده لا يستطيع تحديد كيفية العبادة الصحيحة وما يرضي الله، فلا بد من الوحي ليوضح الله للناس الطريق إليه عبادةً وعمارةً.

ما الحديث النبوي الذي يُبيّن الغاية من بعثة النبي ﷺ في الأخلاق؟

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

ما أبرز أحاديث النبي ﷺ في فضل حسن الخلق؟

«أحسن الحسن الخلق الحسن» و«أن تخالق الناس بخلق حسن».

ما معنى قول العلماء إن المجتهدين «يصدرون ويردون عن رسول الله»؟

أي أن مرجعهم في الاستنباط هو النبي ﷺ وهو عن رب العزة، فالحكم في النهاية لله وحده لا للمجتهد.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!