اكتمل ✓
تفسير سورة النساء 172 وعبودية المسيح لله وفضل الحب في الله - تفسير, سورة النساء

ما تفسير آية لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله وما فضل الحب في الله والمتحابون في الله على منابر من نور؟

آية ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ تقرر أن عبودية الله شرف لا نقص، وأن سيدنا عيسى عليه السلام كان عبدًا مخلصًا لربه خاشعًا متواضعًا رغم كثرة معجزاته. أما المتحابون في الله فهم أقوام ليسوا أنبياء ولا شهداء يغبطهم الناس يوم القيامة لأنهم على منابر من نور، وذلك بسبب حبهم الصافي الثابت في الله.

4 دقائق قراءة
  • هل يُعدّ وصف المسيح بالعبودية لله نقصًا في حقه أم شرفًا رفيعًا؟ القرآن يجيب بوضوح في آية 172 من سورة النساء.

  • تفسير سورة النساء في هذه الآية يُقرر أن سيدنا عيسى عليه السلام كان عبدًا مخلصًا لله خاشعًا متواضعًا رغم كثرة المعجزات التي جرت على يديه.

  • قصة محاولة الشيطان إغواء المسيح على قمة الجبل تكشف يقظته الروحية وتمييزه الفوري بين الإيمان الحق والغرور المُقنَّع.

  • النبي ﷺ نبّه إلى أن طلب الصبر ابتداءً هو طلب ضمني للبلاء، والأولى أن يُسأل الله السكينة والستر.

  • الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادة الله بل يستلذون بها، مما يجعل الاستنكاف عن العبودية جريمة لا مجرد خطأ.

  • فضل الحب في الله عظيم؛ المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم الأنبياء والشهداء والصالحون.

تقرير القرآن حقيقة عبودية المسيح عليه السلام لله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة تضع البشر في مصاف البشر وفي مستواهم، والإله إله:

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

أبدًا، فهذه عبودية لله شرف، والمسيح سيد الشرفاء. وكل ما ورد عن سيدنا عيسى، كل ما ورد عنه يدل على أنه كان عبدًا مخلصًا لربه.

قصة محاولة الشيطان إغواء المسيح عليه السلام على قمة الجبل

مما ورد أن الشيطان أراد أن يعارضه [أي سيدنا عيسى عليه السلام]، فأتى إليه وهو على قمة جبل وقال له: ألست روح الله وكلمته؟ ألقِ بنفسك من هذا الشاهق وقل يا ربنا النجاة.

فتنبه السيد المسيح عليه السلام، قال: اذهب يا لعين! عرف أنه لعين؛ هذا الكلام لا يأتي إلا من شخص ليس ظاهره القدرة والتوكل على الله وباطنه [الغرور والتجربة]. قال له: اذهب يا لعين، ما كان لي أن أمتحن الله، ولكن الله يمتحنني.

النهي عن تمني البلاء وطلب الابتلاء والأمر بالتسليم لله

وكان [سيدنا عيسى عليه السلام] يدعو ويقول: اللهم لا تُدخلني في تجربة، في امتحان. الذي نحن [نقوله أيضًا]: يا رب نجّنا وسلّم.

لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاثبتوا واصبروا، ولكن لا تقولوا: يا رب ائتني بالجهاد وأنا سأريك ماذا سأفعل. لا، بل نحن نقول: يا رب استر. أما إذا جاء الجهاد فيجب أن نثبت ولا نولي الأدبار ولا نفرّ.

إنكار النبي ﷺ على من طلب الصبر لأنه طلب البلاء ضمنيًا

وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهم وهو يقول: اللهم أنزل عليّ الصبر. فقال [النبي ﷺ]: سألته البلاء! أنزل عليّ الصبر، كيف وأنت تقول: يا رب أنا لن أقدر أن أصبر، أنا ضعيف؟

[الصواب أن تقول]: أنزل عليّ السكينة، إذا نزل البلاء تقول: أنزل عليّ الصبر. لكن لا تطلب الصبر [ابتداءً]؛ [فالصبر] شيء ليس حلوًا في ذاته حتى تطلبه.

استدلال الإمام الغزالي بأقوال سيدنا عيسى في كتاب الإحياء

إذا تأملنا في كل ما ورد، ولقد أكثر الإمام الغزالي في كتابه [إحياء علوم الدين] من الاستدلال بما ورد عن سيدنا عيسى عليه السلام من حكمة وموعظة وكلام طيب في الإحياء.

فلو تتبعت ما نسبه الغزالي رحمه الله تعالى إلى سيدنا عيسى لخرجت بكراسة كبيرة فيها جميع أقوال سيدنا عيسى الطيبة. هذا يثبت أنه من أعلى أمثلة العبادة والعابدين في تاريخ البشرية.

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

هذه هي الآية. تستطيع أن تراجع الإحياء أربعة مجلدات كبيرة فستجد فعلًا كل ما ورد عن سيدنا عيسى يدل على خشيته لله.

صفات سيدنا عيسى من خشية وإخلاص وتواضع رغم كثرة المعجزات

ويدل [ما ورد عن سيدنا عيسى] على حبه للعبادة وللذكر، ويدل على شفافيته وإخلاصه، ويدل على أنه لم يتكبر ولم يغترّ بنفسه بالرغم من أن المعجزات كانت تجري على يديه باستمرار.

أي تحدث معجزة تلو معجزة تلو معجزة، وكلما جرت معجزة على يديه عليه السلام كلما ازداد لله تواضعًا. والصبر الذي صبره والبلاء الذي ابتلاه [الله] به منذ صغره وهو في كنف الله.

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

وهو يقول هكذا في الأناجيل: أبي الذي في السماء، أبوكم الذي في السماء، أبانا الذي في السماء. وهكذا يعبد ربه بإخلاص.

الملائكة المقربون لا يستنكفون عن عبادة الله بل يستلذون بها

﴿وَلَا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: 172]

يستنكفون عن عبادته سبحانه، بل يستلذّون بها.

﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

أبدًا ما يوجد عصيان؛ الساجد ساجد، والراكع راكع، والمسبّح [مسبّح]، وما من عصيان. لا يستنكف أحدهم وهم في غاية العلو والرقي أن يكونوا عبيدًا لله.

يعني ما المشكلة أن يكون سيدنا عيسى عليه السلام عبدًا لله؟ أم ماذا؟ ما النقص الذي يناله عندما نقول أنه عبد الله ورسوله؟

هذا شرف وليس فيه نقص.

أدب القرآن في ذكر المسيح بالاسم عند النفي وعدم افتراض استنكافه

حسنًا، ومن يستنكف عن عبادته [سبحانه]، العكس إذن: هبْ أن شخصًا — لا أستطيع أبدًا أن أقول هبْ أن سيدنا عيسى [استنكف]، سيدنا عيسى ماذا؟ سيدنا عيسى هذا في المقام الأعلى.

لا أستطيع أن نقول هبْ أن شخصًا [استنكف]. انظر أدب القرآن:

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ﴾ [النساء: 172]

صرّح باسمه في حالة النفي وفي حالة طيبة. والذي يستنكف لم يقل: وإن استنكف المسيح؛ لا يمكن أن يستنكف، هذا شرف. وفي مقابله قذارة؛ الذي يستنكف هذا يصبح مجرمًا.

التحذير من الاستنكاف عن العبودية لله والفرق بين الشرف والقذارة

شخص استنكف عن عبادة الله واستنكف أن ينتسب عبدًا لله، هذا يصبح مجرمًا. انظر، ينبّهنا [القرآن] لماذا؟ لكي لا تقع في هذا المزلق يا بشر.

هذا سيدنا عيسى، شرف له أن يدّعيه لنفسه وهو محقّق فيه أنه عبد الله، وهو يفتخر به يقول: يا إخواننا أنا عبد الله ورسوله، شرفًا له.

ولكن إذا أحد جاء يستنكف ويقول: أنا لست عبد الله، انتهى! ابتدأنا من الكلمة الأولى هذه، سواء بعد ذلك ادّعى الألوهية أم ادّعى الحلول والاتحاد أم ادّعى أي شيء، انتهى. هكذا سقط من نظرنا وخرج من الشرف ودخل في القذارة.

مصير المستنكفين يوم القيامة وحشرهم جميعًا إلى الله تعالى

﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 172]

فعندما نأتي في يوم الأشهاد سنرى الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين والصدّيقين أنهم في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله. وسنرى أن الأنبياء والشهداء والصدّيقين والصالحين يغبطهم الناس يقولون: يا ليتنا كنا مثلهم.

فضل المتحابين في الله وكونهم على منابر من نور يوم القيامة

وسنرى أقوامًا ليسوا بأنبياء وليسوا بشهداء وليسوا بصدّيقين يغبطهم الناس، وهم على منابر من نور يوم القيامة، وهم المتحابون في الله.

فيكون لديك فرصة أن تحب أخاك حبًّا حقيقيًّا في الله، حبًّا صافيًا، حبًّا ثابتًا. والحب الصافي والحب الثابت هذا الذي سيجعلك مع الصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

صفات الحب في الله من الستر والنصيحة وحمل همّ الأخ المسلم

كيف يكون شكله [الحب في الله]؟ أن لا تتأثر [محبتك]؛ ما دام محبته في الله ولا تتأثر. فلنفترض أنه ارتكب معصية، فاستر عليه وادعُ له بإخلاص بقلبك، هكذا بالحرقة من داخل قلبك.

واذهب وانصحه في الخفاء هكذا وكأنك أنت الذي ارتكبت هذه المعصية، واحمل همّه.

المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة.

وإلى لقاء، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ماذا قال سيدنا عيسى عليه السلام للشيطان حين أراد إغواءه على قمة الجبل؟

اذهب يا لعين، ما كان لي أن أمتحن الله

لماذا أنكر النبي ﷺ على من قال: اللهم أنزل عليّ الصبر؟

لأن هذا الدعاء يعني طلب البلاء ضمنيًا

ما الدعاء الصحيح الذي ينبغي للمسلم أن يقوله بدلًا من طلب الصبر ابتداءً؟

اللهم أنزل عليّ السكينة

ما الكتاب الذي أكثر فيه الإمام الغزالي من الاستدلال بأقوال سيدنا عيسى عليه السلام؟

إحياء علوم الدين

ما الذي يحدث للمسيح عليه السلام كلما جرت معجزة على يديه وفق ما ورد في التفسير؟

كان يزداد لله تواضعًا

ما وصف القرآن الكريم لمن يستنكف عن عبادة الله ويستكبر؟

مجرم يُحشر إلى الله يوم القيامة

ما الذي يميز المتحابين في الله يوم القيامة عن غيرهم؟

يكونون على منابر من نور يغبطهم الناس

ما الموقف الصحيح من لقاء العدو وفق ما ورد في التفسير؟

لا تتمنَّ لقاءه، فإذا لقيته فاثبت واصبر

كيف يصف القرآن الكريم موقف الملائكة المقربين من عبادة الله؟

يستلذون بها ولا يعصون الله ما أمرهم

ما الأدب القرآني الذي يظهر في آية ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله﴾؟

التصريح باسم المسيح في حالة النفي الشريف دون افتراض الاستنكاف

ما الذي يجعل الحب في الله حبًا حقيقيًا يستحق صاحبه منابر النور؟

أن يكون صافيًا ثابتًا لا يتأثر بمعاصي الأخ

أين يكون الأنبياء والشهداء والصالحون يوم القيامة وفق ما ورد في التفسير؟

في ظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله

ما معنى قوله تعالى ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله﴾؟

معناه أن سيدنا عيسى عليه السلام لن يأنف ولن يرفض أن يُوصف بالعبودية لله، لأن هذه العبودية شرف رفيع وليست نقصًا في حقه.

ما الفرق بين من يُقرّ بعبوديته لله ومن يستنكف عنها؟

من يُقرّ بعبوديته لله كسيدنا عيسى فهو في الشرف الرفيع، أما من يستنكف ويرفض فهو مجرم دخل في القذارة وخرج من الشرف.

ما الذي طلبه الشيطان من سيدنا عيسى على قمة الجبل؟

طلب منه أن يُلقي بنفسه من الشاهق متذرعًا بكونه روح الله وكلمته، في محاولة لإغوائه وإيقاعه في الغرور.

ما الفرق بين التوكل الحق والغرور المُقنَّع كما يظهر في قصة المسيح مع الشيطان؟

التوكل الحق هو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب وعدم اختبار الله، أما الغرور المُقنَّع فهو ادعاء التوكل مع تعريض النفس للهلاك دون مسوّغ.

ما الدعاء الذي كان سيدنا عيسى يردده وفق ما ورد في التفسير؟

كان يدعو: اللهم لا تُدخلني في تجربة، أي لا تضعني في امتحان وابتلاء، وهو نفس معنى دعائنا: يا رب نجّنا وسلّم.

لماذا لا ينبغي للمسلم أن يطلب الصبر في دعائه في الأوقات العادية؟

لأن الصبر لا يُحتاج إليه إلا عند البلاء، فطلبه ابتداءً يعني طلب البلاء ضمنيًا، والأولى طلب السكينة والستر.

ما الكتاب الذي يمكن من خلاله تتبع أقوال سيدنا عيسى الدالة على عبوديته لله؟

كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، الذي أكثر فيه من الاستدلال بأقوال سيدنا عيسى من حكمة وموعظة وكلام طيب.

ما العلاقة بين كثرة المعجزات وتواضع سيدنا عيسى لله؟

كلما جرت معجزة على يديه عليه السلام ازداد لله تواضعًا، فالمعجزات لم تُورثه غرورًا بل زادته خشية وإخلاصًا.

كيف يُعبّر سيدنا عيسى عن عبوديته لله في الأناجيل وفق ما ورد في التفسير؟

كان يقول: أبي الذي في السماء، أبوكم الذي في السماء، أبانا الذي في السماء، مما يدل على عبادته لربه بإخلاص تام.

من هم المتحابون في الله وما مكانتهم يوم القيامة؟

هم أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء ولا صدّيقين، لكنهم يكونون على منابر من نور يوم القيامة يغبطهم الناس لحبهم الصافي الثابت في الله.

ما الصفات الثلاث الرئيسية للحب في الله كما وردت في التفسير؟

الستر على الأخ إذا أخطأ والدعاء له بإخلاص، ونصيحته في الخفاء كأنك أنت من ارتكب الخطأ، وحمل همّه والاهتمام بأمره.

ما مصير من يستنكف عن عبادة الله ويستكبر يوم القيامة؟

يحشرهم الله إليه جميعًا يوم القيامة، وهم في مقابل الأنبياء والشهداء والصالحين الذين يكونون في ظل الرحمن.

لماذا لا يُعدّ وصف سيدنا عيسى بأنه عبد الله نقصًا في حقه؟

لأن الملائكة المقربين وهم في غاية العلو والرقي يستلذون بعبادة الله ولا يستنكفون عنها، فالعبودية لله شرف لأعلى المخلوقات.

ما الفرق بين الحب الصافي في الله والحب العادي بين الناس؟

الحب الصافي في الله لا يتأثر بمعاصي الأخ ولا بتقلبات الأحوال، بل يدفع صاحبه إلى الستر والنصيحة وحمل الهم، بينما الحب العادي قد يزول عند أول خطأ.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!