اكتمل ✓
تفسير سورة المائدة وآية لا يجرمنكم ومبدأ ضبط النفس والإنصاف - تفسير, سورة المائدة

ما تفسير آية لا يجرمنكم شنآن قوم من سورة المائدة وكيف نضبط النفس عند الغضب؟

تنهى الآية الثانية من سورة المائدة عن جعل الكراهية والظلم مبررًا للاعتداء، حتى لو كان سبب الكراهية مشروعًا كصد المسلمين عن المسجد الحرام. ويُستخرج منها مبدآن عظيمان: مبدأ الإنصاف ومبدأ ضبط النفس، إذ لا يجوز أن يؤثر الغيظ في السلوك. وقد جسّد الحسن بن علي هذا المعنى عمليًا حين كظم غيظه وعفا وأحسن.

3 دقائق قراءة
  • هل يُبيح الظلم الاعتداء على من ظلمك حتى لو كان سبب الكراهية مشروعًا دينيًا؟

  • تفسير سورة المائدة يكشف أن عبارة «لا يجرمنكم شنآن قوم» تعبير متكامل يعني: لا تجعلوا الكراهية مبررًا للعدوان.

  • اللغة العربية تحتوي تعبيرات متكاملة تُفهم كوحدة دلالية كاملة كـ«مات حتف أنفه» و«كثير الرماد».

  • تفسير الآية الثانية من سورة المائدة يُرسّخ مبدأ الإنصاف: العدل واجب حتى مع من تكره.

  • ضبط النفس عند الغضب مبدأ قرآني مستمد من آية «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس».

  • قصة الحسن بن علي مع خادمه تُجسّد تطبيق كظم الغيظ والعفو والإحسان في الواقع العملي.

مقدمة الدرس وبيان معنى التعبيرات المتكاملة في اللغة العربية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في وسط الآية الثانية:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]

«ولا يجرمنكم شنآن قوم» يعني هذا تركيب من التراكيب في اللغة العربية تُفهم مع بعضها، تُسمى العبارة تعبيرًا متكاملًا هكذا. مثل قولنا: «والله عليم بذات الصدور»، ليست بحاجة لتفكيكها واحدة واحدة؛ «والله عليم بنفس»، «ذات» يعني نفس، «الصدور» جمع صدر، لا، هي معناها: الله عليم بذات الصدور، معناها أن الله سبحانه وتعالى عليم بكل شيء، بباطنك وظاهرك، بما يدور في نفسك وبما تفعله سرًّا وما تفعله جهرًا، بما أخفيته أو أسررته أو أعلنته. معناها هكذا كتعبير متكامل.

أمثلة على التعبيرات الكنائية في اللغة العربية كمات حتف أنفه وكثير الرماد

كما يقول سيدنا رسول الله ﷺ - مثلًا -:

«مات حتف أنفه»

هذه الكلمة تعبير معناه أن الشخص مات في الفراش من غير سبب معتاد، مثل القتل؛ فعندما يقتل شخصٌ شخصًا فيموت المقتول، أو مثل المرض بسبب المرض، تقول إنه مات بسبب المرض. أما «حتف أنفه» فيعني أنه لم يقترب منه أحد ولا أي شيء، نام فمات، نام وأثناء النوم مات حتف أنفه. لا تسأل ما معنى حتف وما معنى أنف؛ لأن التعبير يُفهم هكذا متكاملًا.

ومن ضمن التعبيرات الكنائية تقول: فلان كثير الرماد. ماذا يعني كثير الرماد؟ يعني أن عنده رمادًا كثيرًا، الرماد الذي يأتي من الجمرة التي أتت من النار، نعم؛ لأنه رجل كريم. «كثير الرماد» يعني كريم.

والرماد الكثير هذا، فبافتراض أننا لا يوجد عندنا الآن رماد، أيضًا تقول: فلان كثير الرماد؛ لأن معناها أصبح ليس أنه عنده رماد كثير فهو يُضيف أناسًا كثيرين فهو كريم، لا، هي أصبح معناها مباشرة: هو كريم. معناها هكذا: طويل النجاد (طويل السيف الخاص به)، حاضر للنجدة. حسنًا، ليس هناك سيوف الآن، لكن يوجد شخص شهم تراه يسارع لنجدة أخيه، سيكون هذا كريمًا طويل النجاد، كثير الرماد.

معنى لا يجرمنكم شنآن قوم والنهي عن الاعتداء بسبب الكراهية

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2]

يعني لا يدفعنّكم، لا يكون ذلك سببًا ومبررًا تبررون به لأنفسكم أن تعتدوا. لا يكن هذا الشنآن - وهو يعني الكراهية - أنا غاضب من هذا الشخص وأكرهه، غاضب منه وأكرهه، ولكن لا بد أن أكون عادلًا معه.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

«ولا يجرمنكم شنآن قوم» هنا، «أن صدوكم»، يعني الصفة التي سببت الكراهية والشنآن الذي يحذرك فيه ربنا أن تجعله مبررًا ودافعًا لك وحجة عندك لأن تعتدي.

العدوان غير مقبول حتى على من ظلمك ولو كان سبب الكراهية مشروعًا

العدوان ليس مقبولًا منك حتى على من تكره، حتى لو كان سبب هذه الكراهية أمرًا دينيًّا، حتى لو كان سبب هذه الكراهية أمرًا مشروعًا لك. صدّونا عن المسجد الحرام، ظلمونا، نعم هم ظلمونا، نعم وارتكبوا سيئة، نعم وهي سيئة تصلح لأن تكون مبررًا للعدوان، نعم، وإياك أن تعتدي مع كل هذا، احذر أن تعتدي.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: 2]

يعني لأنهم صدّوكم، يعني يُبرر الشنآن. أنت لماذا متغاظ منهم يا أخي؟ لأنهم صدّوني عن المسجد الحرام. بعدل أو بظلم؟ بظلم وعدوان ليس لهما حق.

الظلم ليس مبررًا للعدوان عند الأتقياء وإن كان مبررًا عند العقلاء

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]

هذا ليس مبررًا، وإن كان في الظاهر عند العقلاء مبررًا، لكن عند الأتقياء ليس مبررًا. هو مبرر معقول المعنى، قد لا يلومني عليه كثير من الخلق، لكن الله لا يرضيه هذا ولا يرضى بهذا.

لماذا تعتدي؟ قلت له: يا رب ظلموني ومنعوني من العبادة بغير وجه حق، وأيضًا أنا أكرههم، أكرههم جدًّا. قال [الله سبحانه وتعالى]: الكراهية التي في قلبك وما فعلوه من هذا ليس مبررًا عند الله أن تعتدي عليهم.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]

يعني هذه مسألة كبيرة جدًّا، نجلس ونكتبها هكذا بماء الذهب.

استخراج مبدأ الإنصاف وضبط النفس من الآية الكريمة

ونستخرج منها مبدأ الإنصاف. هذا مبدأ كبير جدًّا، مبدأ الإنصاف أمرنا وربّانا ربنا سبحانه وتعالى على الإنصاف.

ونستخرج منها مبدأ ضبط النفس؛ ليس كل شيء يحزننا ويجرح قلوبنا يؤثر في سلوكنا.

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

هي هي [نفس المعنى]، لم يقل لك لا يحدث الغيظ في قلبك، لم يقل لك هذا، قال لك: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، اعفُ، والله يحب المحسنين.

قصة الحسن بن علي مع خادمه وتطبيق آية كظم الغيظ والعفو والإحسان

ولذلك تخلّق الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذه الأخلاق وعاشوها. فيُقال أن الحسن أو الحسين رضي الله تعالى عنهما وعن أبيهما [علي بن أبي طالب]، كان هناك واحد عبد يعني يساعده في الوضوء، فاختلّت يده فسقط الماء كله عليه.

فرأى [العبدُ] الغضب في وجهي الحسن، فبادره وقال له:

﴿وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134]

رأى الغضب في وجهه، فأخذ [الحسن] نفسًا هكذا، قال: كظمت غيظي.

قال [العبد]:

﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]

قال له: عفوت عنك.

قال [العبد]:

﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]

قال له: اذهب أنت حر.

وإلى اللقاء، نستودعكم الله. أخيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ماذا تعني عبارة «لا يجرمنكم شنآن قوم» في سورة المائدة؟

لا تجعلوا كراهيتكم مبررًا للاعتداء

ما معنى «الشنآن» في الآية القرآنية؟

الكراهية الشديدة

ما المقصود بـ«التعبير المتكامل» في اللغة العربية؟

تركيب يُفهم كوحدة دلالية واحدة دون تفكيك مفرداته

ماذا تعني عبارة «كثير الرماد» في التعبيرات الكنائية العربية؟

كريم ومضياف

ماذا تعني عبارة «مات حتف أنفه»؟

مات في فراشه دون سبب خارجي

ما الذي يُميّز موقف الأتقياء من موقف العقلاء في مسألة الاعتداء عند الظلم؟

الأتقياء لا يعتدون حتى لو كان الظلم مبررًا والعقلاء قد يقبلون الاعتداء

ما المبدآن المستخرجان من آية «لا يجرمنكم شنآن قوم»؟

مبدأ الإنصاف ومبدأ ضبط النفس

ما الذي فعله الحسن بن علي حين سكب خادمه الماء عليه؟

كظم غيظه وعفا عنه وأعتقه

ما الآية التي تلاها خادم الحسن بن علي حين رأى الغضب في وجهه؟

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس

ما معنى «طويل النجاد» في التعبيرات الكنائية؟

شهم وحاضر للنجدة

هل يُبيح صد المسلمين عن المسجد الحرام الاعتداء على من صدّهم وفق الآية؟

لا يُبيحه حتى مع وضوح الظلم

ما الذي لم تنفِه آية «والكاظمين الغيظ» بحسب التفسير؟

وجود الغيظ في القلب

ما تعريف التعبير المتكامل في اللغة العربية؟

هو تركيب لغوي يُفهم كوحدة دلالية واحدة دون الحاجة إلى تفكيك مفرداته، مثل «والله عليم بذات الصدور».

ما معنى «والله عليم بذات الصدور» كتعبير متكامل؟

تعني أن الله مطلع على كل شيء ظاهر وباطن، وما يُخفيه الإنسان وما يُعلنه، دون الحاجة لتحليل كل كلمة.

ما الفرق بين موت المرء بسبب المرض وموته «حتف أنفه»؟

الموت بسبب المرض له سبب خارجي معروف، أما «مات حتف أنفه» فيعني أنه مات في فراشه دون أي سبب خارجي كقتل أو مرض.

لماذا تقول «فلان كثير الرماد» لمن لا يوجد عنده رماد؟

لأن التعبير تطور ليصبح معناه المباشر الكرم، بصرف النظر عن وجود الرماد الفعلي.

ما معنى «الشنآن» في القرآن الكريم؟

الشنآن يعني الكراهية الشديدة.

ما الحكم الذي تُقرره آية «لا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا»؟

تُقرر أن الكراهية الناتجة عن الظلم لا تُبيح الاعتداء، والمؤمن ملزم بالعدل حتى مع من يكره.

ما الآية التي تُكمل معنى الإنصاف في سورة المائدة؟

آية «اعدلوا هو أقرب للتقوى» من الآية الثامنة من سورة المائدة.

ما الفرق بين موقف العقلاء والأتقياء من الاعتداء عند الظلم؟

العقلاء قد يقبلون الاعتداء مبررًا بالظلم ولا يلومون عليه، أما الأتقياء فلا يعتدون لأن الله لا يرضى بالاعتداء حتى في هذه الحالة.

ما مبدأ ضبط النفس المستخرج من آية سورة المائدة؟

ليس كل ما يحزن الإنسان أو يجرح قلبه يجوز أن يؤثر في سلوكه، فالمؤمن يكظم غيظه ولا يُترجمه إلى اعتداء.

ما الفرق بين كظم الغيظ وانعدام الغيظ؟

كظم الغيظ يعني وجود الغيظ في القلب لكن ضبطه وعدم الاستجابة له، أما انعدام الغيظ فلم يأمر به القرآن.

ما الخطوات الثلاث التي مرّ بها الحسن بن علي في قصة خادمه؟

كظم غيظه أولًا، ثم عفا عن الخادم، ثم أحسن إليه بأن أعتقه.

ما الصلة بين آية «والكاظمين الغيظ» في آل عمران وآية «لا يجرمنكم شنآن قوم» في المائدة؟

كلتاهما تُرسّخ مبدأ ضبط النفس وعدم تحويل الغيظ والكراهية إلى اعتداء أو سلوك مذموم.

ما الذي يعنيه مبدأ الإنصاف في التعامل مع الخصم؟

يعني الالتزام بالعدل مع الخصم حتى لو كنت تكرهه أو ظلمك، ولا يجوز أن تنحاز ضده بسبب كراهيتك.

ما الدليل القرآني على أن الله يُحب من يكظم غيظه ويعفو؟

قوله تعالى «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» من سورة آل عمران.

لماذا وصف المفسر مسألة عدم الاعتداء رغم الظلم بأنها «تُكتب بماء الذهب»؟

لأنها مسألة بالغة الأهمية تُقرر أن الظلم الواقع على الإنسان لا يُبيح له الاعتداء حتى لو كان مبررًا عند الناس.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!