المتشددون | حـ 2 | تابع لمحة تاريخية حول النهضة وأثر الحملة الفرنسية عليها | أ.د علي جمعة
- •تحدث العلامة علي جمعة عن تطور الفكر الإسلامي ونشأة المتشددين، مشيرًا إلى جهود عبد القادر البغدادي في إحياء ملكة اللغة العربية لفهم النصوص المقدسة.
- •سلط الضوء على المرتضى الزبيدي الذي أضاف للنهضة بُعدي الأخلاق والتوثيق إلى جانب اللغة، وذكر قتل نابليون للعلماء مما أحدث فجوة علمية.
- •شرح دور حسن العطار في إرسال رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا للاطلاع على التقدم الغربي، وكيف أسس هذا لجسر معرفي بين الشرق والغرب.
- •أوضح أن الأزهر كان منهجًا منفتحًا يستوعب علماء من مختلف البلدان الإسلامية.
- •ناقش قضية المجلة العدلية كأول محاولة لتقنين الفقه الإسلامي، وأشار إلى أن الحدود لم تُطبق في مصر منذ ألف سنة لفقد شروطها.
- •انتقد المتشددين المعاصرين لإساءتهم تطبيق النصوص الشرعية، وأكد أن الأصل في الإسلام الستر والرحمة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة وتمهيد لموضوع المتشددين
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مشاهدينا الكرام، وهذه تحية لكم في مستهل هذا اللقاء الإيماني الجديد. نسعد دائمًا بصحبة فضيلة العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، الذي أرحب به بدايةً، والشكر له دائمًا موصول. أرحب بفضيلتكم يا مولانا، أهلًا وسهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: تحدثنا في حلقات سابقة عن ملمح تاريخي نصل منه إلى الأسباب التي أدت إلى ظهور هؤلاء المتشددين، أو المتشددون، والفرق بين فكرهم وفكر الإسلام الصحيح، وليس المعتدل ولا الوسطي كما تفضلتم، على اعتبار أنه هو الإسلام معتدل في ذاته ووسطي في ذاته.
دعوة عبد القادر البغدادي لإعادة ملكة اللغة العربية لفهم النصوص المقدسة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تحدثنا عن عبد القادر البغدادي وكيف أنه أراد أن تعود ملكة اللغة إلى الناس حتى يفهموا من ناحية النصوص المقدسة من الكتاب والسنة، ومن ناحية أخرى التراث الذي أنشأه الأئمة.
صحيح أنه طبقًا لعصورهم، ولكنهم وضعوا فيه المنهج المناسب والشروط المناسبة التي نستطيع أن نفهم بها الكتاب والسنة على مراد الله ورسوله؛ لأنهم كانوا أتقياء أنقياء، قوّامين بالليل، صوّامين بالنهار: الشافعي، مالك، الأوزاعي، جعفر، أحمد بن حنبل، أبو حنيفة وأمثالهم، أولئك الأكابر. ولذلك أحبهم الناس واتبعهم الجمهور.
حديث اتباع السواد الأعظم ودعوة البغدادي لعودة اللغة العربية
صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجه يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ في النار»
فدائمًا السواد الأعظم هو الأغلبية، وسواد الأمة الأعظم هو الذي جعل الله سبحانه وتعالى معه الحق أينما كان.
[المذيع]: الحاصل أن عبد القادر البغدادي دعا في القرن الثامن عشر الميلادي إلى عودة ملكة اللغة العربية.
[الشيخ]: صحيح، إلى عودة ملكة اللغة العربية؛ لأنه يبدأ باللغة كما ذكر فضيلتكم، وألّف فيها مؤلفات تحببك وتعلمك وتعمّق معرفتك بالشواهد، بالألفاظ، بالقصائد، بالشعر، وهو ديوان العرب كما كان يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه.
المرتضى الزبيدي وأركان النهضة الثلاثة: اللغة والأخلاق والتوثيق
بعد ذلك تربى على هذا المنهج وهذه المبادئ مجموعة من العلماء. جاء المرتضى الزبيدي كما قلنا وأضاف إليه الأخلاق من ناحية والتوثيق من ناحية أخرى، فأصبح معنا ثلاثة أركان للنهضة: اللغة؛ لأن اللغة والفكر والأخلاق وجهان لعملة واحدة؛ لأنه بها تقوم الأمم، وليس بدونها يقوم أي شيء من النهضة. وثالثًا التوثيق.
فشرح تاج العروس، أو شرح القاموس في تاج العروس الحاوي من جواهر القاموس، والقاموس اسمه القاموس الوسيط، والقابوس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط، تأليف الفيروزآبادي. أرجع للناس حلاوة اللغة وروعة معاني المفردات وألفاظها وكيفية التعامل معها.
كتاب إتحاف السادة المتقين وتلاميذ الزبيدي الذين قتلهم نابليون
وأيضًا كتاب إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، فيه الأخلاق وفيه التوثيق، واهتم بالحديث الشيخ المرتضى الزبيدي.
أصبح له تلاميذ، تلامذة المرتضى الزبيدي، وتلامذة تلامذة عبد القادر البغدادي، هم الذين قتلهم نابليون تصفية جسدية، خمسة كل يوم من علماء. أتمّ مهمته الدنيئة وذهب إلى فرنسا بدعوى أن هناك حكمًا وهناك انتخابات وغير ذلك إلى آخره، لا يهم.
نحن نفسر هكذا ونقرأها هكذا، وفي المذكرات يكتب أن هؤلاء الناس لا بد فيهم من التصفية الجسدية.
حسن العطار ورصده للفجوة الحضارية بعد الاحتلال الفرنسي
ومن هنا حدثت هذه الفجوة التي لاحظها حسن العطار. وحسن العطار عندما رأى الفجوة هكذا [قال]: ما هذا الذي يفعلونه بنا؟ لماذا هكذا؟ ما الأمر؟ ثم إن معهم أسلحة حديثة وتكنولوجيا ليست معنا. كلمة التكنولوجيا لم تظهر بعد، لكنه كان يفكر في نفسه هكذا.
ووجد الوالي الذي يحاول أن ينهض بالبلاد والعباد، محمد علي باشا، يريد أن يرسل أحدًا في بعثات علمية. فبدأ في البعثات؛ إيطاليا، أمور في إيطاليا، ذهبوا وتعلموا المهن والصناعات وما إلى ذلك وغيره، لكن بدأ التوجه إلى فرنسا والعلم وهكذا.
إرسال رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا لمراقبة البعثات العلمية
وفرنسا، قال [حسن العطار]: يا الله! حسنًا، هؤلاء الشباب يعودون من فرنسا متفلتين، يعني لا توجد أخلاق، ونحن نقول النهضة لن تتم إلا بالأخلاق. ماذا نفعل؟ أن نرسل معهم شخصًا يراقبهم من الناحية الدينية. مَن؟ إنه رفاعة الطهطاوي.
مَن هو رفاعة الطهطاوي؟ رفاعة الطهطاوي هذا تلميذ حسن العطار. وحسن العطار قال له: يا رفاعة، اذهب وراقب لي كل شيء. هؤلاء الناس معهم مفتاح ليس معنا، وهو ما نسميه التكنولوجيا، أو التقدم، أو الإدارة. هذه التكنولوجيا قد توصلوا إلى مفتاحها، والمفتاح هذا ليس معنا، نحن نريد أن نعرفه لأننا نريد أن ننهض.
تدريس حسن العطار للعلوم في الأزهر ورسائل رفاعة من فرنسا
وقد قام حسن العطار بتدريس العلوم العقلية والنقلية لتلاميذه من خلال الجامع الأزهر، كما درّس في الجامع الموجود في القلعة أيضًا العلوم العقلية والنقلية. وبدأت مدرسة حسن العطار بالانتشار، وبدأ يعيش عصره.
وبدأ يقول لرفاعة: أرسل لي كل ما تراه. وهو هناك [في فرنسا] أصبح يرسل له رسائل. هذه الرسائل مكتوب فيها أشياء غريبة جدًا؛ مكتوب فيها أن هناك سيارة رش تقوم برش الشوارع بعد العصر.
وكان يكاتبه ويخبره أين يضعون الشوكة وأين يضعون السكين وأين يضعون الملعقة، وأنهم يأكلون بطريقة مهذبة (إتيكيت).
تفاصيل رسائل رفاعة عن الحضارة الفرنسية وتأليف كتاب تلخيص الإبريز
هذا بالنسبة للإتيكيت، بل ويشرح بالتفصيل كيف أن الفرنسيين يعني لو كان هناك قطة أنثى، يعاملونها أفضل من الذكر، هل تفهم؟ حتى لو كانت مجرد قطة، تقديرًا للمرأة واحترامًا لها في وضع معين كهذا. المرأة عندها تشعر بالسعادة، سعيدة بأنوثتها.
يا سلام، أرسل له كل شيء، وجمع أصول هذه الخطابات، وألّف كتابه «خلاصة الإبريز في محاسن باريز».
هذا هو الأصل، فالمهم الحاصل أنّ حسن العطار أصبح شيخًا للأزهر وتوفي وهو شيخ الأزهر، وكانت له أصول مغربية.
انفتاح الأزهر على الأمة الإسلامية وأمثلة العلماء من جنسيات مختلفة
كان الأزهر مدرسة منفتحة تعبر عن الأمة لكنها مصرية، ولذلك وصل [حسن العطار] إلى مشيخة الأزهر وهو مغربي. مثل الشيخ عيسى منون بعد ذلك الذي كان شيخًا لكلية الشريعة وهو شامي، مثل الشيخ محمد الخضر حسين، كان تونسيًا ولكنه أصبح شيخًا للأزهر.
كان - ولكنه مصري. انتبه، على فكرة، يعني عيسى منون أصبح مصريًا. لماذا أصبح الشيخ محمد الخضر حسين مصريًا؟ لأنه كان واقفًا بقدميه عندما صدر قانون الجنسية سنة ألف وتسعمائة وأربعة عشر. كان هناك قانون صدر، الذي هو منح الجنسية عام ألف وتسعمائة وأربعة عشر.
قانون الجنسية المصرية وإذابة الجنسيات في مصر
أنت بتواجدك في مصر تصبح مصريًا عظيمًا، سواء كان أصلك سودانيًا أو تونسيًا أو إندونيسيًا، لك الحق في أن تكون من أهل هذه البلاد، من العريش إلى السلوم، ومن كفر الشيخ إلى أبو سمبل.
هذا الكلام كان قبل أن يتم نقله، أي كان الشلاتين وحلايب. الذي يقف بقدميه على هذه القطعة يكون مصريًا. فمحمد الخضر حسين حصل على الجنسية من هذا القبيل.
المهم ما حدث، ولكن أصوله تونسية. لكن القضية هي أن الأزهر منهج منفتح طوال عمره. صحيح أنه فتح قلبه هكذا، وهذا سيفيدنا في معرفة من هو هذا المتشدد، وكيف أن دائرة الوطنية لا تتعارض مع دائرة الأمة.
المتشددون يزعمون تعارض الوطنية مع الانتماء للأمة الإسلامية
نحن ليس لدينا أشكال [في التوفيق بين الوطنية والأمة]، إننا نعيشها في الأزهر. لكن المتشدد قال لك: لا، هؤلاء متعارضون، وحتى أكون منتميًا للأمة - انظر إلى المصيبة - لا بد أن أكره الأوطان، يا ساتر!
وأن هذه الأوطان عبارة عن قطعة من قليل من التراب، ماذا أفعل بهم؟ وسمعنا في العصر: الأخ الماليزي أفضل من الأخ المصري، وأنه «طظ في مصر» وأمور من هذا القبيل.
سنؤجلها طبعًا، سنقول لهم كلمة واحدة فقط: عيب عليكم؛ لأن الأمر ليس هكذا.
قاعدة الإقامة أربع سنوات في بلد تجعل الرجل من أهلها
صحيح، عاش الأزهر طوال عمره [بهذا الانفتاح]، فلدينا قاعدة قديمة جدًا أن الرجل إذا أقام في بلد أربع سنوات صار منه. يا سلام! أربع سنوات، لو ذهبت إلى بغداد وأقمت فيها أربع سنوات فأصبح بغداديًا، وإذا ذهبت إلى مصر وأقمت فيها أربع سنوات وأنا أصلي من الحجاز، فأصبح مصريًا، وهكذا.
موجود في الحديث عندنا هكذا: أربع سنوات، أربع سنوات، وقيل أقل، لكن لا بأس، أربع سنوات هي أكثر شيء. متى يُنسب الرجل إلى بلد؟ إذا [أقام] أربع سنوات.
طب، إن المجاور [في الأزهر] كان يجلس عشرين سنة وكان يجلس هكذا.
مصر أذابت الجنسيات ولا تعارض بين الوطنية والأمة الإسلامية
فإذا كانت مصر قد أذابت الجنسيات ولكنها مع ذلك قلب مفتوح استقبل كل الناس، فانظر كيف أنه لا يوجد تعارض [بين الوطنية والانتماء للأمة]. إن هذا ما حدث بالفعل ونحن نعيش هذا الذي حدث.
لقد أخذ حسن العطار من رفاعة الطهطاوي هذا لإقامة نهضة أخرى في الأزهر تساوي النهضة التي فاتتنا بقتل علمائنا أمثال المرتضى الزبيدي أو عبد القادر البغدادي، وبدأ مرة أخرى ينطلق انطلاقة جديدة.
عودة رفاعة الطهطاوي وبناء الجسر الحضاري مع الغرب والبعثات العلمية
رجع رفاعة الطهطاوي وفتح مجالات كبيرة جدًا في عمل الجسر بيننا وبين الغرب لنستفيد من كل ما توصل إليه، ولنعرف بدقة ما هو المفتاح لنطبق هذا المفتاح.
بعد تلك البعثات العلمية المتتالية التي أكملها عباس الأول، ولكنه قال نفس العبارة التي كانت قبل ذلك: فإنه تلاحظ لدينا أن الأولاد يرجعون من باريس متفلتين. نفس الكلام الذي كان يخاف منه الشيخ حسن العطار، الذي كان يخاف منه حسن، الذي كان يخاف منه محمد علي.
ولذلك وجهناهم إلى أمة عُرفت بأنها جادة وهم الألمان.
البعثات العلمية في عهد محمد علي وعباس وبناء مجتمع منفتح لا ينكر الإسلام
صحيح، وقام بتوجيه البعثات محمد علي خلال أربعين سنة وأرسل حوالي - يمكن - ستة وأربعين بعثة، ما شاء الله. وفي ست سنوات أرسل عباس ثمانية وعشرين بعثة في ست سنوات فقط، في ست سنوات فقط.
واستمر الجسر يُبنى بيننا وبين معارف الغرب والمعارف التي توصلت إليها البشرية، نأخذها ونتعلم منها ونقيّمها. فأقمنا مجتمعًا عجيبًا غريبًا لم ينكر الإسلام أبدًا.
صحيح أبدًا، ما يسمونه الآن حوار الثقافات والعلاقات الإنسانية بين الشعوب والأمم، ولكننا لم نترك أبدًا ثوابتنا.
تبعية مصر للدولة العثمانية وتمهيد لعهد إسماعيل باشا
نحن حتى الآن نتبع الدولة العثمانية ولا نستطيع أن ننفصل صراحة من الدولة العثمانية، وإن كنّا نحب مصر حبًا جمًا. ذلك في ذلك الوقت، يعني في هذا التوقيت المتوسط في القرن التاسع عشر، حتى جاء إسماعيل باشا بن محمد.
[المذيع]: قصة يجب على الناس أن تعرفها. فإذن بعد الفاصل، نأخذ فاصلًا بسيطًا ونعود لننهل من علم فضيلة مولانا الدكتور علي جمعة، وهذا الملمح التاريخي المهم الذي نتحدث فيه في برنامج المتشددون. وأرجو ألّا تقلقوا، سنكون بمصاحبة فضيلة العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة.
إسماعيل باشا يسعى لاستقلال مصر التام عن الدولة العثمانية
[المذيع]: الذي أرحب به مجددًا، أرحب بفضيلتك مولانا، أهلًا وسهلًا. إسماعيل باشا، لقد وصلنا حتى إسماعيل باشا؟
[الشيخ]: وإسماعيل باشا يريد لمصر أن تعلن استقلالها التام من الدولة العثمانية، وذلك لأن مصالح مصر مقيدة لا تستطيع أن تنطلق، وتريد من الناحية الدولية أن تصبح ولاية. لقد حصلت على الاستقلال الذاتي لكنها تريد الاستقلال التام.
نعم، لم يوافقه كثير من الناس؛ لأن الخليفة موجود هناك في الدولة العثمانية. وكان هو أيضًا حريصًا على هذا ولا يريد أن يصدم الناس، ولكن في نفس الوقت لديه أجندة يريد تنفيذها، وهي أن تعود مصر إلى القيادة والريادة وما إلى ذلك من كلام جميل.
حادثة المجلة العدلية سنة 1290 هجرية وأهميتها لفهم المتشددين
ولذلك حدثت حادثة سنة ألف ومائتين وتسعين هجرية. هذه الحادثة مهمة جدًا لكي نفهم المتشددين؛ لأنهم لا يفهمونها.
[المذيع]: في عام ألف ومائتين وتسعين هجريًا، تفضل مولانا.
[الشيخ]: في تركيا، في الداخل، وجدوا أن أوروبا تتطور في النظام القانوني عنهم تطورًا كبيرًا. فجمعوا لجنة من العلماء، من بينهم علاء الدين بن عابدين، ابن الفقيه الكبير صاحب الحاشية، وقالوا لهم: ضعوا وقننوا لنا الشريعة الإسلامية على المذهب الحنفي.
فقننوا المجلة العدلية القضائية أو القانونية أو ما إلى ذلك. في عام ألف ومائتين وتسعين صدرت المجلة العدلية.
قلق إسماعيل باشا من المجلة العدلية وخشيته من الترابط مع تركيا
فأحدثت قلقًا كبيرًا جدًا لإسماعيل [باشا]. فلو طبّقتُها في مصر، ومصر كانت تسير على المذهب الحنفي أيضًا بهذا الشكل، سأزداد ترابطًا مع الدولة التي أريد أن أخفف الترابط معها وهي الدولة التركية.
فالمجلة العدلية هذه بها ألف وثمانمائة مادة، مادة واحد ثم اثنين، مادة تلو الأخرى. بدأنا نقنن الفقه الإسلامي في صورة صياغات قانونية تصلح لأن تكون نبراسًا للقاضي وأمرًا له.
[المذيع]: كانت أول محاولة لتقنين الشريعة أو الفقه يا مولانا؟
[الشيخ]: نعم، يعني بهذا الشكل كانت أول محاولة.
محاولات سابقة لتقنين الشريعة في عهد سليمان القانوني وأبي السعود
ماذا نقول عن هذا الشكل؟ كان عظيمًا. تقول لي: حسنًا، أليس هناك محاولات سابقة لها؟ إنه سؤال مشروع.
كان القاضي أبو السعود كلما يدخل هو والخليفة سليمان القانوني - سُمي قانونيًا لأنه وضع قوانين مثل هذه من المذهب الحنفي - ولكن بعد إدراك أعراف الجزر والبلاد التي يدخلها. فهو يدخل قبرص، دخل قبرص بالفعل، يقوم بالنظر إلى أعرافهم وتقاليدهم وما هي معتقداتهم.
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
ويأخذ هذا ويقننه.
قوانين سليمان القانوني وشيخ الإسلام أبو السعود الحنفي
وهذه القوانين نُشرت حديثًا في تسعة مجلدات. ياللروعة! قوانين مَن؟ إنها قوانين سليمان القانوني الذي أتى بعد سليم باشا. فسليم دخل مصر سنة تسعمائة وخمسة وعشرين هجريًا، وبعده، بعد وفاة سليم، جاء سليمان. وسليمان هذا هو الذي وضع القانون.
من الذي وضعه له؟ شيخ الإسلام أبو السعود، وهو صاحب تفسير أبي السعود؟ إذا كنت تتذكر تفسير أبي السعود، فهذا تفسير مَن؟ أبو السعود الذي فُسِّر هذا، والذي كنا ندرسه في الأزهر.
صدر الإسلام أو شيخ الإسلام الشيخ أبو السعود الحنفي، لأبي السعود قوانين كثيرة.
الفرق بين محاولات أبي السعود والمجلة العدلية كأول قانون موحد للدولة
فهذه كانت محاولات مبدئية؛ لأنها لم تكن لجنة، ولأنها كانت باختيار أبي السعود، ثم إنها مختلطة بأعراف البلاد حتى تتواءم معها إلى آخره.
أما أن يأتوا بقانون موحد للدولة فهذه أول مرة، وأول محاولة: المجلة العدلية. هذه مهمة جدًا؛ لأن معناها أننا نحكم بما أنزل الله.
طبعًا على فكرة، المجلة العدلية ليس فيها حدود، بمعنى أنه لا يتحدث عن الحدود، أي لا يتحدث عن الحدود، وإنما يتحدث عن المدني والتجاري وما إلى ذلك، فليس له علاقة بالحدود.
الحدود الشرعية لم تُطبق في مصر منذ ألف سنة لفقد شروطها
ثانيًا، على فكرة، هذه الحدود لم تُطبق في مصر منذ ما يقرب من ألف سنة، خلاص لم تُطبق.
[المذيع]: من الآن، هناك بعض الناس يعتقدون أن الحدود هذه كانت قائمة وفلان الذي أبطلها أو علان الذي أبطلها. منذ ألف سنة لم تُطبق يا مولانا؟
[الشيخ]: منذ ألف سنة لم تنفذ الحدود في مصر، وذلك لفقد شرطها؛ لأنها فاقدة لشرطها.
ماذا يعني فاقدة لشرطها؟ فاقدة لشرطها، النبي يقول:
قال رسول الله ﷺ: «ادرءوا الحدود بالشبهات»
صحيح، من الشبهات أن لا يوجد قاضٍ مجتهد وصل إلى مرتبة الاجتهاد.
شبهة فقدان القاضي المجتهد وأثرها في درء الحدود
ستجده مجتهدًا قاضيًا، أي أنه ينفذ النص أو يحكم بما لديه من نصوص، لكنه لم يصل إلى مرحلة الاجتهاد والتفكير. أتفهم ما أقول؟ هذه شبهة أنه قد يقطع يد شخص خطأً.
صحيح، أو أنه قد لا يعرف ماذا يفعل بشكل خاطئ. هذه العقوبات البدنية عقوبات وحازمة وربانية، فيكون ماذا أفعل؟
الشهود كثرت البلايا فيهم. في الزمن الماضي، كان القاضي أول ما يدخل مدينة يذهب ليرى العدول الذين فيها. كم واحد؟ أربعون شخصًا، يحضرهم ويعمل شيئًا شبيهًا بالشهر العقاري، مثل مكتب توثيق، أي أنهم هم أهل الثقة.
نظام اختيار الشهود العدول عند القاضي وقلة أهل العدالة في العصور المتأخرة
هؤلاء المعتمدون عندي، الأربعون هؤلاء هم المعتمدون عندي. من أين نختار؟ من المدينة، آه من أي مدينة، من القاهرة، من الإسكندرية، من المكان الذي يتولى أمره.
يعني فالتنوخي يقول في [نشوار المحاضرة]: كنا ندخل فنجد أربعين شخصًا، نختار منهم عشرة، نختار منهم خمسة عشر المعتمدين في الشهادة، حتى لا يتجاوز أحد هذا.
ربما مع الفارق يعني ما تتطابق، الآن بلد مثل أمريكا وموضوع هيئة المحلفين، في كل قضية يختارون مجموعة يكون لهم رأي فيها. يعني ليس هذا النظام، ولكن بالرغم من ذلك أنه يدخل فيجد أهل الخير كثيرين وأهل الثقة كثيرين وأهل العدالة كثيرين.
قلة العدول في العصور المتأخرة وتطبيق العلماء والحكام للشرع بدرء الحدود
التنوخي نفسه يقول: والآن ندخل القرية من هؤلاء فلا نجد إلا واحدًا أو اثنين بالكاد. ذلك في عصر سابق، فما بالنا الآن.
[المذيع]: نعم، فما بالنا الآن.
[الشيخ]: فالذي يحدث أن العلماء والحكام طبقوا الشرع الشريف. هذا الذي لا يستطيع أن يدخل في أذهان الناس المتشددين.
صحيح، إنهم يظنون أننا نعطل الشريعة. نحن لم نعطلها، نحن مثلما أوقف سيدنا عمر [بن الخطاب] الحدود في عام الرمادة؛ صحيح لأن محيط البيئة أصبح غير موائم.
قصة قنصوة الغوري ومحاولته إحياء حد الرجم رغم فقدان الشروط الشرعية
حضرتك، وهذا أمر مهم جدًا لفهم المتشددين.
[المذيع]: تفضل يا مولانا، قنصوة الغوري جاء؟
[الشيخ]: وقنصوة الغوري هذا الذي جاء سليم هزمه. قنصوة الغوري هو الذي هُزم في مرج دابق، ودخل سليم خان التركي ليحتل مصر وينهي الأمر هكذا، ويأخذ معه الخليفة العباسي ويعود إلى اسطنبول.
قنصوة الغوري هذا جاء وكانت له مجالس علمية يأتي إليها العلماء. قالوا له: يا إخواننا، ألا نستمع؟ أليس في الشريعة أيضًا شيء اسمه رجم؟ قالوا له: نعم، ولكن ديننا منذ خمسمائة سنة لم نرجم أحدًا. قال لهم: لماذا؟ أنا أريد أن أحيي هذه السنة.
إصرار قنصوة الغوري على الرجم رغم رفض العلماء وعزل القضاة
فقالوا له: لأن الشروط الشرعية مفقودة. فقال لهم: لا، لا بأس، أنا أريد أن أُسجّل في التاريخ أنني أحييتُ سنة رسول الله وأقمتُ الحدود تبركًا وعبادةً لله.
هذا الرجل يبدو طيبًا في الظاهر. قالوا له: ليس لدينا شروط، لم تتوافق. المهم أنه ترصّد حتى جاء شخص للأسف ساقطًا في وقت ما، وقام باعتراف بجريمة الزنا، ولكنه غير محصن.
الشريعة تنص على أن غير المحصن يُجلد، فتم جلده. فقال: حسنًا، ارجمه فهو زانٍ وانتهى الأمر. قالوا له: هذا لا يجوز.
عزل القضاة ورجم الشاب ظلمًا وهلاك قنصوة الغوري في مرج دابق
فضغط على قاضي القضاة، لكنه رفض. ثم إن قاضي القضاة رفض أيضًا، فقام بعزله وأتى بقاضٍ آخر لينفذ ما على هواه. أيضًا القاضي الثاني لم يَرضَ وقال له: سنكفر وسننفذ، لا يصلح يا سيدي السلطان.
الغوري قال: سبحان الله! يعني القديم هكذا وأنا سأعزلك، سيأتيني واحد آخر. هكذا لا. وذهب وأخذ الصبي من الحبس ورجمه.
قليلًا، شهرين، ثلاثة، ستة، سبعة، يعني شيئًا بسيطًا. ودخل سليم خان ومات قنصوة الغوري في مرج دابق وفُقدت جثته، لم نجدها، لم نجدها.
هلاك قنصوة الغوري بسبب تطبيق الحد بغير شروطه الشرعية
فتحدث الناس والمجتمع وما إلى ذلك: هذا بذنب المسكين! [الشاب الذي رُجم ظلمًا].
يا سلام يا إخواننا، ليس هكذا. افهموا، اقرؤوا وافهموا. أنتم في حالة ثورة عاطفية فقط. اقرؤوا وافهموا أنه منذ ألف سنة وهم يقطعون الرقاب ويذبحون ويسبون النساء. حسنًا، افهموا فقط واهدؤوا أنفسكم هكذا وافهموا فقط.
أن قنصوة الغوري ذهب إلى الهلاك لأنه في الظاهر طبق حدًا من حدود الشريعة، وفي الحقيقة أغضب الله عليه.
فالمهم ذهب السلطان الغوري، وهذا المشهد يجب أن نستحضره ونحن نفهم بعمق قضية المتشددين.
الوصول إلى عهد الخديوي إسماعيل وموقفه من المجلة العدلية
أريد أن أقول إننا وصلنا إلى الخديوي إسماعيل، والخديوي إسماعيل هذا يجب أن نفرد له حلقة لنرى ماذا فعل من كفر أو ما أنكر، أو ماذا فعل أمام المجلة العدلية.
المجلة التي صدرت من تركيا والتي كان ملزمًا أن يقيمها في مصر، لكنه رفض أن يقيمها في مصر.
[المذيع]: حسنًا، قبل أن نفرد هذه الحلقة، فيما تبقى من وقت، إذا سمحت لي فضيلتك، بفكرة الحدود والذي تثار من آن لآخر، هؤلاء المتشددون الآن في سوريا وفي العراق الذين يقطعون الرقاب ويسبون النساء، رؤية فضيلتكم لخطورة هذا الأمر على رؤية العالم والمجتمع للإسلام يا مولانا؟
المتشددون يعصون النبي ولا يفهمون النصوص الشرعية بكمالها
[الشيخ]: هم يعصون أبا القاسم سيدنا النبي، فهو لم يقل لنا هكذا ولم يفعل هكذا. هم لا يعرفون ولا يفهمون النصوص الشرعية بكمالها.
وأنا أقول لهم ويتعجبون:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
يا سلام!
الأصل في الإسلام الستر والتفريق بين العاصي والمعصية
[المذيع]: ربما فضيلتك بحاجة لأن تذكرنا لتكون خير ختام لهذه الحلقة بموضوع ماعز والغامدية، يعني حتى عندما ذهب مولاه أو مولى الجارية إلى رسولنا الكريم ليقيم عليها الحد، فأعرض عنه وكان لا يود أن يقيم الحد في هذا التوقيت.
[الشيخ]: فكرة ستر البلاء تعني أن من المناسب أن يفعل الرجل ما تعلمناه من المشايخ ولم يتعلموه [المتشددون]، وهو أن الأصل في الإسلام الستر.
يا سلام! وأنه من الأفضل أن يستر أحدكم على أخيه ولو بهدبة ثوبه، بطرف ثوبه هكذا.
رحمة العاصي وقبوله مع إنكار المعصية وختام الحلقة
هؤلاء الناس لا يفرقون بين العاصي والمعصية. المعصية نحن ننكرها ونحن ضدها، ولكن العاصي نرحمه ونتمنى له الخير. ابنك يا أخي ستستر عليه وتدعو له ربنا بالهداية.
فهذا ليس معناه أننا قبلنا المعصية كما يشيعون، بل أننا قبلنا العاصي، والعاصي يقبله الله، فكيف لا أقبله؟ إذا كان الله يقبل من تاب من الشرك وهو الأمر الأعظم، أفلا يغفر الذنوب؟
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]
[المذيع]: شكرًا لفضيلتك مولانا.
[الشيخ]: إن من المجانة أن يفعل الرجل فعلته بالليل ثم يصبح وقد ستره الله فيفضح نفسه.
[المذيع]: الرحلة متواصلة مع فضيلة العلامة الجليل الدكتور علي جمعة والحديث في المتشددون، ولقاؤنا القادم سيكون عن إسماعيل باشا ورحلة في تاريخ الفكر الإسلامي وصولًا إلى هذا الفكر المتشدد. دمتم في أمان الله ورعايته، ونلقاكم على خير بإذن الله، إلى اللقاء.
