المتشددون | حـ 23 | مفهوم الحاكمية عند سيد قطب | أ.د علي جمعة
- •تحليل أفكار سيد قطب ودورها في تشكيل الفكر المتطرف من الإخوان المسلمين إلى داعش وجبهة النصرة.
- •سيد قطب اعتبر المجتمعات البشرية كافرة لبعدها عن فهم الإسلام، وطالب بتأسيس تنظيم للعودة للإسلام بمفهومه.
- •يوسف القرضاوي أقر في مذكراته أن فكرة تكفير المسلمين موجودة في كتب سيد قطب خاصة "في ظلال القرآن" و"العدالة الاجتماعية".
- •أبو محمد العدناني (الرجل الثاني في داعش) تأثر بشدة بتفسير "في ظلال القرآن" وظل يقرأه عشرين سنة.
- •فهم سيد قطب للآية "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" مخالف لتفسير علماء المسلمين كالرازي والغزالي وابن عطية.
- •لم يكن لهذا الفهم التكفيري سلف سوى الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب.
- •مما لوحظ على كتابات سيد قطب ندرة ذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتركيزه على "لا إله إلا الله" دون "محمد رسول الله".
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة وسؤال عن بداية التنظيم الخاص
[المذيع]: هذه تحية لكم من عند الله طيبة مباركة مشاهدينا الكرام، أهلًا ومرحبًا بكم في لقاء يتجدد، رحلة فكرية إيمانية مع تاريخ الفكر المتطرّف وبدايته على أيدي قيادات جماعة الإخوان، ثم وصوله إلى داعش وجبهة النصرة وهذه الجماعات التي أساءت أيّما إساءة إلى الإسلام.
ننهل دائمًا من علم ضيفنا الجليل فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، الذي أرحب به دائمًا وأبدًا، أرحب بفضيلتكم يا مولانا، أهلًا وسهلًا بكم. يعني نحن ما زلنا نغوص في رحلة مع فضيلتك، الحقيقة ولا أروع، في فكر سيد قطب وتحوله وانقلابه إن صح التعبير.
لو أذنت لي فضيلتك، أريد أن أتوقف مع بداية التنظيم الخاص الذي بدأ يقوم على الإعداد أو التنظيم الجديد مع محمد هواش، الذي لم يكن قيادة في الجماعة ولم يكن عضو إرشاد، وكان يتحسس الخطى لإعداد هذا التنظيم، كيف أعدّه أو كيف بدأه؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. نقرأ ما كتب سيد قطب.
النقطة الأولى من فكر سيد قطب: تكفير المجتمعات البشرية وإعادة تفهيم الناس معنى الإسلام
يقول سيد قطب، النقطة الأولى: المجتمعات البشرية بجملتها قد بعدت عن فهم وإدراك معنى الإسلام، ولم تبعد فقط عن الأخلاق الإسلامية والنظام الإسلامي والشريعة الإسلامية، فهي إذن كافرة.
وإذا كانت هناك حركة إسلامية فيجب أن تبدأ من إعادة تفهيم الناس معنى الإسلام ومدلول العقيدة، وهو أن تكون العبودية لله وحده؛ سواء في الاعتقاد بألوهيته وحده، أو تأدية الشعائر التعبدية له وحده، أو الخضوع والتحاكم إلى نظامه وشريعته وحدها.
النقطة الثانية والثالثة: تربية المستجيبين وشرط التنظيم بعد بلوغ درجة عالية من الفهم
رقم اثنين: الذين يستجيبون لهذا الفهم يُؤخذ في تربيتهم على الأخلاق الإسلامية، وفي توعيتهم بدراسة الحركة الإسلامية وتاريخها وخط سير الإسلام في التعامل مع كل المعسكرات والمجتمعات البشرية، والعقبات التي كانت في طريقه والتي لا تزال تتزايد بشدة، وبخاصة من المعسكرات الصهيونية والصليبية الاستعمارية.
ثلاثة: لا يجوز البدء بأيّ تنظيم إلا بعد وصول الأفراد إلى درجة عالية من فهم العقيدة، ومن الأخذ بالخُلُق الإسلامي في السلوك والتعامل، ومن الوعي الذي تقدّم ذكره.
النقطة الرابعة والخامسة: نقل المجتمعات إلى المفهومات الإسلامية لا عن طريق الانقلاب
رابعًا: ليست المطالبة بإقامة النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة الإسلامية هي نقطة البدء، ولكنّ نقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها حُكّامًا ومحكومين عن الطريق السالف إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة، وتكوين قاعدة إن لم تشمل المجتمع كله فعلى الأقل تشمل عناصر وقطاعات تملك التوجيه والتأثير في توجيه المجتمع كله إلى الرغبة والعمل على إقامة النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة الإسلامية.
خمسة: وبالتالي لا يكون الوصول إلى إقامة النظام الإسلامي وتحكيم الشريعة الإسلامية عن طريق انقلاب في الحكم يجيء من أعلى، ولكن عن طريق تغيير في تصورات المجتمع كله أو مجموعات كافية لتوجيه المجتمع كله.
النقطة السادسة: حماية الحركة ورد الاعتداء وتبرير استخدام القوة
ستة: في الوقت ذاته تجب حماية هذه الحركة وهي سائرة في خطواتها، بحيث إذا اعتُدي عليها - وهذا ما يحدث في شوارع مصر - بحيث إذا اعتُدي عليها وعلى أصحابها يُرد الاعتداء. يعني قبضوا على مرسي إذن نضرب من قبضوا عليه.
سيأتي وقت يستحلون فيه الخمر ويسمونها بغير اسمها؛ إنه يسمي هذا اعتداءً، ويسمي ذاك كافرًا، ويسمي هذا كذا. ما هي إلا تسميات؛ إنه يسميها هكذا بسبب أوهامه ليبرر لنفسه.
وما دامت هي لا تريد أن تعتدي ولا أن تستخدم القوة في فرض النظام الذي تؤمن بضرورة قيامه على الأساس المتقدم، وبعد التمهيدات المذكورة، والذي لا يتحقق إسلام الناس إلا بقيامه حسب ما يقرر الله سبحانه، ما دامت لا تريد أن تعتدي ولا أن تفرض نظام الله بالقوة من الأعلى، يجب أن تُترك لتؤدي واجبها وأن لا يُعتدى عليها وعلى أهلها، فإذا وقع الاعتداء كان الرد عليه من جانبها.
تفصيل سيد قطب لأساليب الرد بالعنف ومنهج أحكمكم أو أقتلكم
هذا إجمال، وبعد ذلك سيفصّل: ماذا نفعل إذن؟ يعني كيف نرد عليهم؟ بتفجير أبراج الكهرباء؟ بالجسور؟ بالسينمات ومحاكم القضاء؟ بكذا وكذا وكذا؟
فالقضية تقول ماذا؟ تقول أنا الحق. يا سلام! أنه يرى نفسه أنا الحق. نعم، إنه نفس المنهج لم يتغير: دعوني أعمل، لو كان ذلك، لا تمنعوني من العمل، سأضربك، أقتلكم.
أحكمكم أو أقتلكم، يعني نفس المنهج: أحكمكم أو أقتلكم. كلامه هو بخط يده وهو مسرور به.
سؤال المذيع عن الحاكمية وبداية النقل عن يوسف القرضاوي في مذكراته
[المذيع]: لنأتِ الآن ونريد أن ندخل قليلًا في التفاصيل، تفضل يا مولانا.
[الشيخ]: يا سيد يا قطب، ما هي الحاكمية؟ لنبدأ بالنقل عن الرجل الذي أصابه الله بمرض الزهايمر، ذلك الذي ينتمي إلى قطر، يوسف القرضاوي.
[المذيع]: يقول يوسف -شفاه الله- في موضوع الحاكمية هذا يا مولانا، أفي موضوع الحاكمية أم في شيء آخر؟
[الشيخ]: يوسف أزهري، قرأ كتب سيد قطب ببطء وهو في قطر، هرب إلى قطر ثم قرأ سيد قطب بتأنٍّ ففزع مما فزع منه. أتفهم كيف؟ أنا أقول لك أنت كنت موجودًا عندما كان عقله في رأسه. نعم، لأنك نسيت كل هذا الكلام الذي كتبته.
إقرار القرضاوي بأن فكرة تكفير المسلمين أصلها في كتب سيد قطب وليس المعالم فقط
فكتب [القرضاوي] في مذكراته الآتي: أن فكرة تكفير المسلم اليوم لم ينفرد بها كتاب المعالم، بل أصلها في الظلال وفي كتب أخرى أهمها العدالة الاجتماعية لسيد قطب.
هذا الكلام إقرار من يوسف القرضاوي قبل أن يكتب مذكراته، يعني من ذاكرته قبل أن يُصاب المسكين بمرض الزهايمر، شفاه الله.
نعم، يوسف القرضاوي يقول أن تكفير المسلم اليوم موجود في كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب. في ظلال القرآن ليس في المعالم، ليس معالم في الطريق أو معالم على الطريق أو أي شيء من هذا القبيل، ولكن في كتب أخرى مثل العدالة الاجتماعية فقط. وهذا ما قالوه، وكذلك مثل جاهلية القرن العشرين إلى آخره.
سؤال عن علاقة فكر سيد قطب بداعش والتعريف بأبي بكر البغدادي وأبي محمد العدناني
[المذيع]: حسنًا، عندما نتناول ما علاقة هذا مثلًا بالأمور التي تحدث أيضًا في داعش مثلًا، من هو الرجل الأول في داعش؟
[الشيخ]: الرجل الأول هو أبو بكر البغدادي.
[المذيع]: حسنًا، ومن هو الرجل الثاني؟
[الشيخ]: الرجل الثاني اسمه أبو محمد العدناني. هذا أبو بكر البغدادي وهذا أبو محمد العدناني.
[المذيع]: حسنًا، من هو أبو محمد العدناني هذا؟
[الشيخ]: إنه شاب اسمه طه صبحي فلاحة.
[المذيع]: طه صبحي فلاحة، حسنًا، طه صبحي فلاحة، من هذا؟
[الشيخ]: شاب من الشام، من سوريا.
تأثر أبي محمد العدناني بكتاب في ظلال القرآن لسيد قطب وعكوفه عليه عشرين سنة
[المذيع]: حسنًا، ولماذا أصبح داعشيًا؟
[الشيخ]: يعني ألّف كتابًا اسمه اللفظ الثاني في ترجمة العدناني، تركي بن مبارك البنعلي. تركي بن مبارك البنعلي ألّف كتابًا اسمه اللفظ الثاني.
قال إنه [العدناني] تأثر جدًا بتفسير في ظلال القرآن - يا سلام! - لسيد قطب، وأنه كان من أحب الكتب إلى قلبه حتى عكف عليه عشرين سنة. ما شاء الله!
[المذيع]: هذا أبو محمد العدناني أم طه صبحي؟
[الشيخ]: إنه طه صبحي، الذي ظل يقرأ فيه ولا يقرأ سواه.
اهتمام العدناني بكتابة الظلال بخط يده وتأثره بآية الحاكمية حتى تكفير الحكومة
إلى أي درجة وصل اهتمامه؟ لقد همّ بكتابته بخط يده. ما شاء الله! أي أنه جلس ينقله ويكتبه وخلّص ثلاثة أرباعه، الآن تضايق، انشغل، عمل، لكن همّه أن هو ينهيه.
وأنه في درس التلاوة مرّ على قول الله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
فهزته هذه الآية من أعماقه، فقال لأحد أقرانه في الطلب: ما هي مصادر دستور سوريا؟ فأجابه بما تعلمه.
ثم قال: ما هي السلطة التشريعية، وما هي السلطة القضائية، وما هي السلطة التنفيذية؟ وبعدما أجابه قال: يعني حكومتنا كلها كافرة. وبدأ في الانضمام إلى هذا الفكر الذي أصله ماذا؟ سيد قطب في كتابه ماذا؟ في ظلال القرآن.
صالح سرية ورسالة الإيمان وتكفير جميع الحكومات الإسلامية القائمة
نُمسِك واحدًا مثل صالح سرية. صالح سرية قال ماذا؟ جاء مع ثلاثة أو أربعة من الفنية العسكرية، وجّه - والله شيء تضحك منها الثكلى وتسقط منها الحبلى ويشيب منه الأقرع.
صالح سرية له رسالة تسمى رسالة الإيمان، أن الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر، فلا شك في ذلك. انظر إلى الجبروت! فلا شك في ذلك.
والمجتمعات في هذه البلاد مجتمعات جاهلية. هذا كلام من؟ هذا كلام سيد قطب، وأخذ هذا الكلام من الظلال.
شهادة القرضاوي في مذكراته عن مرحلة التكفير والثورة عند سيد قطب
القرضاوي في مذكراته - ثانيًا قبل أن يصاب بهذه الظاهرة - هذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب، ونسميها مرحلة الثورة الإسلامية التي شرحناها، وهي الثورة على الحكومات الإسلامية أو التي تدعي أنها إسلامية.
كيف يكون هناك تناقض في كون البلاد إسلامية وكيف أنهم كافرون؟ شيئان متناقضان، ولكن المقصود هو الثورة على جميع المجتمعات الإسلامية أو التي تدّعي أنها إسلامية.
فالحقيقة في نظر سيد قطب أن جميع المجتمعات القائمة على الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية. تكوَّن هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله.
القرضاوي يصف أخطر ما في فكر سيد قطب وهو ركونه إلى التكفير والتوسع فيه
والذي هذا المجتمع - هو كلام القرضاوي - الذي ينضح بتكفير المجتمع وتكفير الناس.
ويقول [القرضاوي] بعد ذلك: وأخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب هو ركونه إلى فكرة التكفير والتوسع فيها.
نعم، يوجد هذا الكلام في مجلد ثلاثة صفحة ستة وخمسين، ومجلد ثلاثة في ثمانية وخمسين من كتاب ابن القرية والكتاب [للقرضاوي] قبل أن يصاب بالزهايمر.
انتقال الحديث إلى أدلة جديدة على خروج الأفكار المتطرفة من عباءة الإخوان
[المذيع]: أستأذن فضيلتك، لو سمحت، دعنا نتناول موضوع مجموعة أخرى من الدلالات والأدلة، نوضح أن كل الأفكار المتطرفة خرجت من عباءة الإخوان، وأن بداية الفكر المتطرف كان لسيد قطب، وما زلنا نقرأه بعد الفاصل.
أدلة انحراف سيد قطب وتأثير كتاب الظلال على قيادات داعش وخاصة العدناني
[المذيع]: مشاهدينا الكرام، هذه الحلقة الثرية والدسمة، وفضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مولانا الفاضل، لدينا أدلة على انحراف أفكار سيد قطب وكيف أن بعض قيادات داعش الآن اتخذت من كتبه خاصة في ظلال القرآن منهاجًا لها لتكفير المجتمع وللرد؟
[الشيخ]: فإن العدناني الرجل الثاني في داعش ليس عنده كتاب إلا الظلال، جلس عليه عشرين سنة وحاول أن يكتبه بخط يده.
أسامة - الدكتور أسامة السيد الأزهري - عندما تتبّع كلام سيد قطب ووجد أنه يكفّر بهذا التكفير الفج والعميق، قال: حسنًا، لنعمل مقارنة بين سيد قطب ومن الذي يقول هكذا؟
مخالفة سيد قطب لأقوال الصحابة والعلماء في تفسير آية الحاكمية
ثم قال [الدكتور أسامة الأزهري]: إن هذا الكلام يخالف الكلام الصريح لابن مسعود وابن عباس والبراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وإبراهيم النخعي والسُدي والضَّحاك وأبو صالح وأبو مِجلَز وعِكرمة وقتادة وعامر والشعبي وعطاء وطاووس وأبو رجاء العطاردي وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري.
والطبري وحجة الإسلام الغزالي والبغوي وابن الجوزي والإمام الفخر الرازي والإمام القرطبي وابن جُزَيّ وأبو حيان وابن عطية وابن كثير والألوسي والطاهر بن عاشور والشيخ الشعراوي.
يعني يريد أن يقول: ما معنى آراء الصحابة التي وصلت إلينا حتى الآن [في تفسير آية الحاكمية وأنها ليست على عمومها في التكفير]؟
تفسير عكرمة والإمام الرازي لآية ومن لم يحكم بما أنزل الله وأنها في الجاحد بقلبه
قال الإمام فخر الدين في التفسير: قال عكرمة في قوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: 44]
إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أي من أنكر بقلبه كون هذا حكم الله.
قال [الإمام الرازي]: نعم، لا نعرف أن القرآن - وعلى هذا إلى آخره - وأقر بلسانه كونه حكم الله، قال: أنا أعرف ذلك، إلا أنه أتى بما يضاده، لم يقطع يد السارق، فهو حاكم بما أنزل الله.
فهو حاكم بما أنزل [الله]، الإمام الرازي يقول هذا، وسيد قطب يقول هذا [أي عكسه]. أنا كرجل - لا، أنا أعرف أن الله هكذا.
التضاد بين فهم الإمام الرازي وفهم سيد قطب وانشقاق محمد هواش
قل عكسه، أقول لك: هذا يقول يمين وهذا يقول شمال، هذا يقول هكذا وهذا يقول هكذا. هناك تضاد، نعم هناك تعارض.
من أُطيع؟ الإمام الرازي. أنا عندي والله الإمام الرئاسي [أي الأعلى مقامًا في العلم]. الإخوان سيطيعون طبعًا سيد قطب. يعني لا، هم الإخوان في الأصل كانوا مطيعين للرازي أيضًا.
هذا ما حدث منذ الانشقاق الذي حصل؛ محمد هواش هو الذي بدأ الشرخ، وبقية الإخوة كانوا ضده.
قول حجة الإسلام الغزالي في المستصفى وابن عطية في تفسير آية الحاكمية
طيب، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية، وهذا هو الجواب الصحيح.
انظر كيف قال حجة الإسلام الغزالي في المستصفى: قوله تعالى بعد ذكر التوراة وأحكامها:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
قلنا: المراد به ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذبًا به وجاحدًا له.
وقال الإمام ابن عطية في تفسيره: لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم في خصوص في المعنى، إنه ليس عامًا هكذا، بل هو من اللفظ المشترك الذي يقع كثيرًا للخصوص.
ابن عطية يؤكد أن الآية ليست على عمومها وسيد قطب يصف من يؤولها بالتهرب من الحقيقة
كقوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
وليس حكام حكموا بغير الحق في أمر بكثرة بوجه لا يمكن أن يتصور الإنسان هذا منه. ماذا نفعل؟ ماذا نفعل إذا كانت الدنيا كلها هكذا؟
في المقابل، سيد قطب يقول ماذا؟ إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل - ذاك يقول إنه ليس عامًا، وهذا يقول إنه عام. ابن عطية يقول: ليس بلفظ عموم، سيد يقول: العام الشامل.
لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة.
سيد قطب يتهم العلماء بتحريف الكلم ولم يُسبق في فهمه التكفيري إلا من الخوارج
الحقيقة، يعني هو الحقيقة، والأمة كلها ليست حقيقة، وعلماء الأمة ليسوا حقيقة، ولكن هو الحقيقة.
والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه. يعني هم كذلك مجرمون أولئك الناس الطيبون، وسيد قطب هو الرجل الصحيح.
وعند التفتيش ما وجدنا لسيد قطب سلفًا يسبقه في هذا الفهم التكفيري إلا الخوارج. يا سلام! لم يقل أحد أبدًا هذا الكلام إلا الخوارج.
رواية الإمام الآجري عن سعيد بن جبير في تأول الخوارج لآية الحاكمية
نعم، قال الإمام الآجري في الشريعة: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال حدثنا المثنى بن أحمد، قال حدثنا عمرو بن خالد، قال حدثنا ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى:
﴿وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]
قال: أما المتشابهات فهن آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرؤوهن، من أجل ذلك يضل من ضل ممن ادعى هذه الكلمة.
كل فرقة يقرأون آية من القرآن ويزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى.
الخوارج يتأولون آية الحاكمية لتكفير الحكام ويقتلون الناس بناء على ذلك
ومن يتبع الحرورية - وهم اسم الحرورية الذين هم الخوارج - من المتشابه، ومن يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
ويقرأون معها:
﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]
رأوا الإمام يحكم بغير الحق فقالوا قد كفر، ومن كفر عدل بربه - كلام سيد [قطب] - فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون.
فيخرجون فيفعلون ما رأيت؛ لأنهم يقتلون الناس لأنهم يتأولون هذه الآية. الآجري يحذرنا من الخوارج عن طريق سعيد بن جبير.
سيد قطب لم يسبقه في الفكر التكفيري إلا الخوارج وخالف جميع علماء أهل السنة
وهكذا أدى [هذا الفكر] إلى ما نحن فيه. لم يكن هناك أصحاب فكر لهذا الفكر التكفيري منذ زمن سيد قطب إلا الخوارج. ليس له سلف في هذا الطريق، ما له سلف.
هو خالف كل علماء المسلمين، كل علماء المسلمين، كل علماء أهل السنة والجماعة، كل العلماء الذين يقولون إن مشرب الحق هو هذا.
أما الذي تقول له هذا فهذا كلام الخوارج الذين خرجوا على ابن عم رسول الله، خرجوا على سيدنا علي [بن أبي طالب]، وأحدثوا فتنة وجعلوها دماءً. نعم، جعلوها دماءً.
حديث النبي ﷺ عن النابتة التي تقرأ القرآن ثم تنسلخ منه وترمي الناس بالشرك
هناك حديث لطيف جدًا عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول عن هؤلاء النابتة:
قال رسول الله ﷺ: «إن ما أتخوف عليكم منه رجل قرأ القرآن، ورُئيت بهجته عليه»
يا سلام! وجهه منير، يا سلام. هل حفظ القرآن؟ نعم، قرأ القرآن حتى رأيت بهجته عليه، وكان نصيرًا للإسلام - مفكر إسلامي هو، لا يقول عن نفسه أنه مفكر إسلامي.
صحيح، ويقول أن لديه تفسيرًا للقرآن. حسنًا، وعلى فكرة يقولون أن هذا ليس تفسيرًا بل هي خواطر فقط، لكنني رأيت بهجته عليه وكان رِدْءًا للإسلام. آه، مفكر إسلامي.
تتمة الحديث النبوي: انسلاخه من القرآن ورميه جاره بالشرك والرامي أولى بالشرك
غيَّره [القرآن] إلى ما شاء الله، حصلت له حالة نفسية، ولما رأى مذبحة طرة ومذبحة لا أعرف ماذا، وبعض الخرافات غيَّرته إلى أن انسلخ منه [من القرآن]. يا سلام!
«ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك»
[المذيع]: هل هذا ما حدث مع سيد قطب؟
[الشيخ]: أنا لا أعرف، يعني هذا الحديث كأنه يعني - أنت تعرف القانون يقول لك: القانون ليس فيه فلان أو ليس فيه علان، لكن هذا يكاد يكون سيصرح باسمه.
«ورماه بالشرك. قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي»
يا سلام!
حديث البخاري: النبي ﷺ لا يخشى الشرك على أمته بل يخشى التنافس على الدنيا
النبي، انظر الآن سيدنا النبي في صحيح البخاري يقول:
قال رسول الله ﷺ: «إني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها» رواه البخاري
أنتم لن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها. تريدون المنصب، تريدون الدنيا، وستتنافسون مع بعضكم وتقتلون بعضكم بعضًا لأجل الدنيا ولأجل المنصب لتحكموا.
ابن عبد البر يرد على من يخاف الشرك على الأمة والنبي لم يخف عليها ذلك
ابن عبد البر في كتاب التمهيد - وهو إمام المالكية في الأندلس - [قال]: ومن خاف على أمة لم يَخَفْ يخافه عليها نبيُّها.
أنتم خائفون على أُمّة محمدٍ أن تُشرك، أنتم خائفون أنها تُشرك، والنبيُّ لم يَخَفْ عليها. نبيٌّ يقول: لستُ أخشى على أُمّتي أن تُشركوا، فقد جاء من التعسّف بما لا يخفى.
كلامُه هذا ثقيل الظل. سيدُنا ابنُ عبد البرّ يقول ماذا؟ إنَّ هذا الرجل [سيد قطب].
سيد قطب يخشى الشرك على الأمة والنبي لا يخشاه عليها وسبب سقوطه عدم التعلم
لماذا هذا ثقيل؟ لأنه قال وصفًا يخشى فيه على الأمة من الشرك، والنبي لا يخشى على الأمة من الشرك. خسئت يا سيد، لا يا سيد ليس هكذا.
حسنًا، وما الذي جعل سيد يسقط هكذا؟ لأنه لم يقرأ. أمن المعقول أن سيد لم يقرأ؟ نعم، لم يتعلم، لم يتعلم حقًا.
لم يجلس تحت إشراف علماء الأزهر ليعلموه، لم يذهب ليقرأ ابن عبد البر ولا يعرف هذه الكلمة، لم يذهب ليقرأ هذا الحديث في البخاري ولا يعرفه صحيحًا.
هل كان عالمًا أم لم يكن عالمًا، أو غير مؤهل للعلم؟ ولذلك كانت هذه مصيبة كبرى لقضية الحاكمية.
ملاحظة خطيرة: سيد قطب لم يذكر محمداً رسول الله في كلامه عن لا إله إلا الله
نحن نقول لسيد: لا يا سيد، هذه المجتمعات ليست مشركة. إلا أنني لاحظت ملاحظة، وحتى هذه الحلقة - بيني وبينك - لم أستطع تفسيرها. إن شاء الله سنجد لها تفسيرًا، نعم سنجد لها تفسيرًا في المرة القادمة إن شاء الله.
والله لا أعرف كيف أفسر هذا الأمر، وهو أنه [سيد قطب] لم يذكر النبي أبدًا. سيد قطب في كلامه المضطرب يتحدث عن لا إله إلا الله ولم يذكر في كلامه مرة واحدة عن لا إله إلا الله محمد رسول الله.
الشهادتين، فهاتان عنده كأنهما شهادة واحدة وهي أن لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، وهكذا يتبحر فيها ويتكلم.
غياب ذكر محمد رسول الله من جميع كتب سيد قطب ودعوة الباحثين للتحقق
ولم يذكر مرة واحدة في هذا محمد رسول الله، لا في كتابه الذي كتبه والذي سمّوه "لماذا علّموني"، ولا في الظلال، ولا في المعالم، ولا في غير ذلك.
أمن المعقول؟ لماذا فعل هذا؟ هذه ملاحظة خطيرة ومهمة تستحق [التأمل]. ما هذه النفسية التي جعلته يفعل هذا؟ هل كان قليل البضاعة في الحديث أم أنه كان شيئًا كأنه يدعو إلى الدين الموازي أو ما هي القصة؟
على كل حال، أقول للباحثين: انتبهوا لهذه المسألة. صحيح أن هذا موضوع خطير يستحق أن تتوقفوا عنده.
دعوة الباحثين للبحث عن ذكر النبي ﷺ في كتابات سيد قطب وسياقاته
أنا لست مثل أبي محمد العدناني، جلست مع ظلال الظلال عشرين سنة، لا لم أفعل ذلك، فربما ذكر ذلك في مكان آخر. أعني فقط هذه ملاحظة أقولها لأولادي الباحثين: انتبهوا جيدًا وابحثوا عنها وفتشوا.
وانظروا كم مرة ذُكر النبي وفي أي موضع وسياق، ولماذا لم يذكره هكذا فيما وقعت عليه. إذا كان قد ذُكر ابحثوا عنه، ابحثوا عنه.
أعني كلامي هو أنه يا جماعة ابحثوا عنه، ابحثوا عنه في هذه النقطة هذه؛ لأنها نقطة أنا لا أعرف لماذا أتت، لكنها ستدل على دلالات نفسية.
حب المسلم للنبي ﷺ وتساؤل عن غياب هذا الحب في كتابات سيد قطب وختام الحلقة
المرء يا أخي يعيش بالنبي ويحب النبي وليل نهار النبي، وعندما يُذكر النبي يجد المرء أن عينه قد غلبته حقًا. ما هذه الحالة؟ لماذا ليس هكذا؟ هل هناك شيء؟ حقًا هناك شيء.
[المذيع]: أنا أشكر فضيلتك يا مولانا، إنّها مرحلة فعلًا في منتهى الأهمية والخطورة في أن يقوم شخص ما [بهذا]، وهي دعوة فعلًا لكل الباحثين للتفتيش في أسباب عدم ذِكْر المصطفى صلى الله عليه وسلم في كتابات سيد قطب، ولكن أين ذُكِر وما السياق.
ربما يكون لنا حديث في مرات مقبلة إن شاء الله. أشكركم على حسن المتابعة، واللقاء يتواصل مع المتشددين. نمتم في أمان الله ورعايته، وإلى اللقاء.
