المتشددون | حـ 36 | الأوهام العشرة لجماعة الإخوان والتكفيريون جـ2 | أ.د علي جمعة
- •يناقش الإمام علي جمعة الأوهام العشرة التي تبنتها جماعات العنف والتي انبثقت من جماعة الإخوان.
- •من هذه الأوهام الادعاء بأن المجتمعات موالية للاستعمار وإسرائيل، وعدم تطبيق العدالة الاجتماعية، وعدم الحكم بما أنزل الله.
- •يوضح أن هذه اتهامات باطلة، فالشعوب كانت ضد الاستعمار وسعت للوحدة والعدالة الاجتماعية.
- •يشرح خطورة مفهوم "الولاء والبراء" الذي ابتدعه المتشددون، مبيناً أنه مستمد من تقسيم خاطئ للتوحيد أدى إلى تكفير المسلمين.
- •يتناول قضية الخلافة موضحاً تاريخها وكيف انتهت، مؤكداً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بإقامتها في وقت الفتن.
- •يستشهد بأحاديث نبوية تدعو للعزلة عن الفتن وعدم القتال، حيث قال النبي: "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل".
- •يحذر من خطورة هذه الأفكار التي تؤدي إلى إراقة الدماء والفرقة.
مقدمة البرنامج واستكمال الحديث عن أوهام جماعة الإخوان العشرة
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مشاهدينا الكرام، هذه تحية لكم من عند الله طيبة مباركة. لقاء جديد يجمعنا بكم، والمتشددون هذا هو عنوان حلقات البرنامج الذي نسعد بصحبة حضراتكم من خلاله، ليلقي - كما سمعنا دائمًا - فضيلة العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة رؤيته العلمية المنهجية لكثير من الأفكار التي تبنتها جماعات العنف والتي انبثقت جميعها من جماعة الإخوان.
اسمحوا لي أن أرحب في البداية بفضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، أرحب بفضيلتك مولانا، أهلًا وسهلًا بكم. الحقيقة أبحرتَ بنا في حلقةٍ سابقةٍ إجمالًا عن مجموعةٍ من الأوهام العشرة التي استقاها منظِّر الجماعة وبعض الجماعات كسيد إمام أو الدكتور فضل وغيره، وعدّدت لنا هذه الأوهام التي تؤدي في النهاية إلى تجهيل أو تكفير المجتمع.
تحدثنا عن ثلاث منها، ولو أذنت لنا فضيلتك نود أن نستكمل هذه الرحلة مع هذه الأوهام التي تعيشها جماعة الإخوان؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تحدثنا عن أن هناك أوهامًا عشرة منتشرة في كتبهم، وضربتُ هذا كمثال وليس تتبعًا لكلامه، وكلامه مردود عليه.
افتقاد جماعات التطرف للعلوم والمناهج والمشيخية الصحيحة
يعني إذا كان [كلامهم] موجودًا على الإنترنت وما إلى ذلك، لأن هؤلاء الناس لم يتعلموا عندنا ولم يأخذوا من مناهجنا، وهذا مما افتقدوه. نحن نتكلم لماذا قلبوا الهرم [المعرفي]؟ فمرة هكذا نتحدث عن ما الذي حصل لهم.
فقد افتقدوا أشياء كثيرة:
- افتقدوا إدراك الواقع.
- افتقدوا إدراك المآلات.
- افتقدوا إدراك الأدوات.
- افتقدوا المشيخية - نعم، أي أن يكون له شيخ [يتعلم على يديه].
- افتقدوا العلوم المساعدة.
افتقدوا أشياء كثيرة، ومن أجل هذا ظهر هذا النوع من البشر الذي يعتقد في نفسه الزعامة ويعتقد نفسه العلم وهو ليس كذلك، هو أنه أمين على الإسلام وقيم على الدين.
الأوهام العشرة التي تبرر استباحة الدماء وتكفير المجتمعات
أي ثم نتج مما ذهبوا إليه الدم الذي يُراق على الطرقات، وهم يستهينون بالدم لأنهم خلطوا بين هذا وبين معاني الجهاد.
عشر أوهام هي:
- •أن هذه المجتمعات موالية للاستعمار.
- •أن هذه المجتمعات موالية لإسرائيل.
- •أن هذه المجتمعات ارتضت الفرقة لا الوحدة.
وكل هذا كذب؛ نعم، لأن مشاريعنا [الوطنية كانت تسعى للوحدة والتحرر]، هذا كان البعث يقول لك ماذا؟ وحدة، يبدأ بالوحدة، اشتراكية، حرية. هذا كان شعار حزب البعث الذين هم يكفِّرون أيضًا، صحيح.
عبد الناصر كان يقول ماذا؟ لا، حرية، اشتراكية، وحدة. وكنا دائمًا نقلب الشعار هكذا.
المبادئ الثلاثة للحرية والاشتراكية والوحدة ودلالاتها الحقيقية
أنت تسير: حرية، اشتراكية، واحدة [أي وحدة]. الوحدة في النهاية لأننا نكون قد تهيأنا لهذه الوحدة. تكون ناصريًا أم واحدة [وحدة] أولًا، ثم اشتراكية ثانيًا، ثم حرية فتتحرر من الاستعمار في النهاية؟
هل انتبهت لما تقوله المبادئ الثلاثة؟ ماذا تقول هذه أو تلك طردًا أو عكسًا؟ هي مبادئ، نعم. الحرية تعني ضد الاستعمار، والاشتراكية تعني الوحدة الاجتماعية، طيب واحدة [وحدة]، أي أن هذه هي الوحدة التي يتحدثون عنها.
هؤلاء الناس واهمون؛ لأن ما حدث في الستين أو السبعين سنة الأخيرة كان ضد ذلك [ضد ما يدّعونه]، والشعب كله كان ضد الاستعمار، والشعب كله كان مع الوحدة، والشعب كله كان مع العدالة الاجتماعية.
تفنيد وهم غياب العدالة الاجتماعية والحكم بغير ما أنزل الله
فمن الأوهام العشرة أن يقول لك: أنت لإسرائيل، وأنت لا توجد وحدة، ولا توجد عدالة اجتماعية، ويوجد نهب للثروات، وعدم الحكم بما أنزل الله من الناحية القانونية، وعدم الحكم بما أنزل الله من الناحية الاجتماعية، والولاء والبراء والجهاد والخلافة.
لا توجد هذه الأشياء [في نظرهم]، إذن أنتم مجتمع جاهلي، مجتمع لا تحكمون فيه بما أنزل الله، وبذلك سنرفع عليكم السلاح.
[المذيع]: جيد، تحدثنا في حلقة سابقة عن أوهام أننا استعمار، الاستعمار، وإسرائيل، وعدم الوحدة، وعدم العدالة الاجتماعية.
قصة عبد الناصر مع الشيخ محمد الغزالي ودفاعه عن العدالة الاجتماعية
[الشيخ]: حسنًا، كان عبد الناصر يحب الشيخ الغزالي، محمد الغزالي السابق [المعروف]. لماذا؟ قال: لأنه ألف كتابًا في عز الإقطاع وفي عز الملك وفي عز الاحتلال وما إلى ذلك، اسمه «الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية» ودعا فيه [إلى] العدالة الاجتماعية.
سيد قطب قبل الثورة في عام اثنين وأربعين وستة وأربعين ألّف كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، وكان أول شخص من الإسلاميين يكتب عن العدالة الاجتماعية.
فلما قامت الثورة وحدثت فتنة سنة خمسة وستين، قبضت الجهات الأمنية على المسجلين لديها، فقبضوا على الشيخ محمد الغزالي.
إطلاق سراح الشيخ الغزالي بأمر من عبد الناصر ورحلته الليلية
فلما قبضوا على الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، جاء عبد الناصر قادمًا من روسيا، والسائق قال لهم: هل [تم القبض على الجميع]؟ فقالوا له: تمام يا سيدي، لقد قبضنا على الجميع، أنت لقد أوقفنا هذا وأحكمنا الأمور.
فقال لهم: والشيخ الغزالي؟ قالوا له: لا، الشيخ الغزالي قبضنا عليه وهو موجود في طرة الآن. فقال لهم: فورًا يُطلَق سراحه، يخرجوا الآن فورًا، اتصلوا باللاسلكي وبالأجهزة لقائد السجن.
خرج هو [أي] الشيخ الغزالي فورًا. كان ناصر قد جاء متأخرًا، فأصبحت الساعة الواحدة ليلًا، فأيقظوا الشيخ الغزالي من النوم وقالوا له: اخرج، اخرج. قال: ما الأمر؟ أخرج إلى أين؟ في ظلام الليل الدامس. قالوا: ما لنا دخل، الرئيس يقول لك خارجًا، يكون أن تخرج خارجًا.
ظن الشيخ الغزالي بالقتل ودلالة القصة على وجود العدالة الاجتماعية
ويودعه [أي يُخرجونه] الساعة الواحدة ليلًا، فظن الرجل رحمه الله أنه سيُقتل؛ لأن هذه حركة غدر، أي حركة غير طبيعية. أنا الآن سيرمونني في هذه الصحراء وما إلى آخره.
أنا أقول كل هذا من أجل العدالة الاجتماعية يا جماعة الواهمين! كان عبد الناصر يريد عدالة اجتماعية حقًا وصنع هكذا، وعبد الناصر لم يَنهب ثروات.
ثم بعد ذلك وللحسابات التي سيقع فيها أي حاكم، دخل في اليمن فأخطأ، صحيح. وقام بتأميمات، حسنًا، أليست هذه التأميمات كانت من أجل العدالة الاجتماعية؟ صحيح، طيب أليس كذلك وهكذا.
الرد على دعوى غياب العدالة الاجتماعية وتكفير المجتمع بسببها
فلم تكن هناك عدالة اجتماعية [في نظرهم]! المهم أن الرجل [عبد الناصر] يصلح الزراعة كلها، وأصبح كل [ما] قام بكل الإجراءات، كانت تهدف للعدالة الاجتماعية. كيف أصبحنا كفارًا؟ فإذن هذا كلام فارغ.
كلام يجب أن يستيقظ منه [هؤلاء المتطرفون]. وعندما تُحضِر شخصًا وتقول له: تعال، أنتم تقولون أنه لا يوجد عدل اجتماعي، فيقول لك: وما شأني أنا بالعدل الاجتماعي؟ بعضها ها، أنت لن تستطيع أن تعرف.
أنا أرد على المائة شخص الذين سيخرجون ويقولون لي: لا، نحن لا نقول هكذا. أنت الذي ضد الجماعة، نحن نقول عليكم جميعًا؛ لأنكم جميعًا فتنة شوهت الإسلام.
تفاصيل رحلة الشيخ الغزالي من السجن إلى بيته في ظلام الليل
الرجل [الشيخ الغزالي] ألقوه في سجن طرة، ثم أخرجوه أيضًا، وهو يحكي - رحمه الله، رحمة الله عليه - فيقول: ظننت أنني سأُقتل هكذا، خصوصًا هل قال له أحد مثلًا في سيارة توصله إلى البيت أو في سيارات المكرمة: اخرج حتى لا تجلب لنا مصيبة؟
لأنه يقول لك: خرج الشيخ الغزالي الآن، حاضر، خرج الشيخ الغزالي، أمر رئاسي. أشار إلى سيارة نقل تحمل رملًا، وركب معه حتى نزل في التحرير، وأخذه من التحرير إلى بيته.
أين كان بيته؟ جانبًا، مُصدّق هكذا. وبعد ذلك أخذ يطرق [الباب]، واستمر حتى الفجر بعد أن خرج الساعة الواحدة، وهنا ثلاث ساعات أو نحو ذلك في محاولته أن يجد سيارة، ثم يجد سيارة أخرى وفي الليل.
الرد على وهم غياب العدالة الاجتماعية ومعالجة الأخطاء بالقانون لا بالسلاح
زوجته - رحمها الله - عندما رأته أُغمي عليها. سبحان الله، كان - يعني - كان ظريفًا رحمه الله.
الذي لا توجد فيه عدالة اجتماعية وفيه نهب للثروات [كما يزعمون]، نعم توجد أخطاء، والأخطاء يحاسبها القانون، والأخطاء تفضحها الصحافة، والأخطاء نحن لا نسكت عليها ونستمر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أريد أن أفهم: إذا توليتم الحكم ماذا ستفعلون أكثر من ذلك؟ لا شيء. إذن دعوا حكاية الحكم جانبًا، فلهم عدة تجارب ليست في مصر فقط بل في دول مختلفة في كل العالم، ماذا فعلوا؟ لا شيء. والعام الذي حكموه وما قبله في مصر، يعني كادوا أن يلقوا بالبلاد في موارد التهلكة.
هدي النبي ﷺ في الفتن والأمر بالاعتزال لا بتشكيل الجماعات
يعني النبي ﷺ لم يقل لنا هذا [أن نسعى للحكم بالقوة]، صحيح أن ربنا قال:
﴿يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 247]
ليس كما أنني أنا الذي أخذ الملك. إذا النبي ﷺ لم يقل: اذهبوا وابحثوا عن جماعة لتقيموا الخلافة وهي إحدى الأمور، أو أنكم تجاهدون.
قال ﷺ: «اعتزل تلك الفرق كلها»
وقال ﷺ: «الزم بيتك وكن حِلسًا من أحلاس بيتك، ولو أن يأتيك الموت وأنت تعض على جذع النخل»
وقال ﷺ: «فكن أنت عبد الله المقتول ولا تكن أنت عبد الله القاتل»
أحاديث النبي ﷺ في التحذير من الفتن وسلب العقول في آخر الزمان
قال ﷺ: «فإن دخل عليك دارك فادخل بيتك، فإن دخل عليك بيتك فادخل حجرتك، فإن دخل عليك غرفتك فالزم مصلاك، فإن قتلك كنت أنت لك الخير»
وقال ﷺ: «ويكثر الهرج»، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «الكذب والقتل»، قالوا: أكثر مما نقتل؟ قال: «أنتم تقتلون المشركين، وهذا يقتل أحدهم أخاه وابن عمه وجاره»
قال: وهو معهم [أي أصحابه]. وقولهم يومئذ يا رسول الله؟
قال ﷺ: «يومئذ يسلب الله عقول أهل هذا الزمان، يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء»
حديث النبي ﷺ في التحذير من رمي المسلمين بالشرك والخروج عليهم بالسيف
وفي البزار وغيره وابن حبان:
قال ﷺ: «أخاف على أمتي من رجل آتاه الله القرآن حتى إذا بدت عليه بهجته غيره، وخرج على جاره بالسيف ورماه بالشرك»، فقالوا: الرامي أحق بها [أي بتهمة الشرك] أم المرمي يا رسول الله؟ قال: «بل الرامي»
كل هذه الأحاديث هي التي تخبرني ماذا أفعل الآن، وليس أن أُشكِّل جماعة لأقيم خلافة، ولا لأجاهد بجهاد. وانظر كيف اختلفت أدوات الجهاد، فأصبحت بالطائرة والدبابة وغير ذلك.
أنت لديك دبابة وطائرة؟ ليست لديك. ولذلك يا داعش، من أين تحصل على السلاح؟ من أمريكا التي تقول عنها إنها الشيطان الأكبر!
حكمة النبي ﷺ في التحذير من أن يصبح المسلم ألعوبة في أيدي الآخرين
إذن، النبي ﷺ كان حكيمًا ولا يزال حكيمًا وسيظل أسوتنا الحسنة، الذي يقول لي: احذر أن تضع يدك لئلا تصبح ألعوبة في أيدي الآخرين.
صحيح، وحضرتك الآن ألعوبة في أشياء كلها أوهام. وقد تحدثنا عن ذلك على فكرة في حلقة سابقة حول الحكم بغير ما أنزل الله، وكيف تمسك إسماعيل [باشا] بالإسلام من بعده، وكيف تمسك عبد الرزاق السنهوري بالإسلام.
وأنه ليس هناك ولا كلمة موجودة في القانون المدني مخالفة للإسلام إلا ما توهمه بعضهم من الخمسة في المائة الفوائد الخاصة بالديون.
موقف السنهوري من الربا وتأكيد أن القانون المدني لا يخالف الإسلام
وأنكر ذلك [عبد الرزاق السنهوري] في ستة مجلدات «مصادر الحق» لعبد الرزاق السنهوري، وقال: الربا هو عندي ربا الجاهلية، وهذا ليس ربا. وكل هذا حدث قبل انتهاء غطاء الذهب بالطبع.
إذن أنا أمام أناس يحكمون بما أنزل الله بالتأكيد.
[المذيع]: فاصل قصير نعطي السادة المشاهدين استراحة، ونعود إلى فضيلة العلامة الإمام. نواصل الحديث عن هذه الأوهام التي سيطرت وأذابت أو أزالت عقول هؤلاء من الجماعة. نلتقي بعد الفاصل.
عودة الحديث عن الأوهام العشرة ومفهوم الولاء والبراء عند جماعة الإخوان
[المذيع]: مشاهدينا الكرام، هذا اللقاء يتواصل في برنامج المتشددون، والحديث عن الأوهام العشرة التي تنتهجها الجماعات المتطرفة وبالأصل جماعة الإخوان، مما أدى إلى إنكارها كثيرًا من مقررات هذا العصر وثوابت الدين، فأساءت إساءات بالغة. بالحجة والمنطق والمنهجية يرد فضيلة العلامة الجليل الإمام الدكتور علي جمعة.
مرحبًا بفضيلتك يا مولانا، أهلًا وسهلًا. أوهام عشرة تحدثنا عن قسم أو نصيب كبير منها، مثل مفهوم الولاء والبراء والخلافة وغير ذلك. بالنسبة للولاء والبراء، ما حقيقة هذا المفهوم؟
[الشيخ]: هذا كلام أنت تعرف أنه يعود قديمًا إلى أيام سيدنا الإمام أحمد بن حنبل.
مفهوم الولاء والبراء كان سيئ السمعة عند الإمام أحمد بن حنبل وعلماء السلف
نعم، كلمة الولاء والبراء كانت سيئة السمعة، كان يُقصد بها شيء آخر غير التعريف الذي يأخذونه الآن. كان يُقصد بها شيء آخر، لكن نفس اللفظ هكذا، نفس اللفظ كان سيء السمعة يا للعجب!
وكان فيما أخرجه أبو يعلى في [طبقات الحنابلة] ينعي فيه على أهل الولاء والبراء، يعني يقول: أهل الولاء والبراء، والعياذ بالله، سبحان الله، يوقعهم في الكلمة القبيحة.
لكن طبعًا بمفهوم آخر؛ لأننا عندما نأتي ونقول لهم: انظروا الإمام أحمد يقول - أعوذ بالله - عن أهل الولاء والبراء، يقولون: لا، كان يعني شيئًا آخر. حسنًا، نحن نعلم، نحن نعلم أنه يعني شيئًا ثانيةً [أي شيئًا مختلفًا].
تقسيم التوحيد الثلاثي المبتدع وأثره في ظهور مفهوم الولاء والبراء والتكفير
لأن الأمور التي فعلتموها هذه لم تأتِ إلا بعد تقسيم التوحيد الغريب العجيب الذي لم يقل به أحد، والذي قسمتم فيه التوحيد إلى توحيد ألوهية وربوبية وصفات.
وبناءً عليه جاء الجيل الذي بعدهم مثل أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وصنعوا المصطلحات الأربعة. المودودي صنع المصطلحات الأربعة: الدين والرب والله، لا أعرف [ما هذا]!
إذ إنه كلام جديد، كلام لم يكن موجودًا. لن أجده عند الباجوري، لن أجده عند الأشعري، لن أجده في تراث الأزهر. سأجد ابن تيمية فقط هو الذي قسّم هذا التوحيد المثلث الغريب العجيب، لكي نستخرج منه الولاء والبراء، لكي نستخرج منه تكفير المسلمين.
كتاب براءة الأشعريين للعربي التباني والرد على بدعة الولاء والبراء
فيكون إذن الولاء والبراء هذه بدعة. من يكتشف بدعيتها قديمًا؟ وكان رجل من الصالحين الكبار وكان من أهل العلم ومن العلماء الكبار في مكة المكرمة.
نعم، وهذا الرجل يعني عاش في النصف الأول من القرن العشرين، اكتشف خطورة هذا الأمر وأنه بلاء قادم على الأمة، فذهب وألف كتابًا ماتعًا كبيرًا وطبعه في الشام، اسمه «براءة الأشعريين» نسبة إلى أبي موسى الأشعري وليس نسبة إلى أبي الحسن الأشعري.
وفي «براءة الأشعريين» قال: إن التقسيم التوحيدي هذا تقسيم كأنه إبليسي، وسيؤدي إلى تكفير المسلمين، ولا يعرفه أحد من علماء المسلمين عبر القرون.
خطأ ابن تيمية في تقسيم التوحيد وتوسع الأجيال اللاحقة في الانحراف
يعني الأقوال التي تتهم ابن تيمية فعلًا بأنه كان لديه أفكار خاطئة وأنه ربما أصّل التكفير وما إلى ذلك، هذا أمر صحيح. وكما أقول لسيادتك، مثل الخطأ الذي يرتكبه حسن البنا، ينحرف خطوة، لكن بعد تتابع الأجيال تتسع الخطوة بعدًا عن الحق.
ابن تيمية أخطأ خطأً، لكن لو بنينا على هذا الخطأ الذي ارتقى إلى مستوى الجريمة، فليس ابن تيمية هو المجرم.
[المذيع]: ولم يصحح بعدها مولانا، أو لم ينتبه؟
[الشيخ]: لا أعرف، لم يعرف؛ لأنه كان - يا عيني - مسيطرة عليه فكرة قبول النصوص على ما هي عليه، وهذا ليس صحيحًا.
انتقاء ابن تيمية من التراث وميله إلى التجسيم وغضب العلماء منه
إنه غير قادر [على التأويل]، ولذلك انتقى من التراث انتقاءً هكذا في الأغلب ما له إلى التجسيم في حق الله تعالى، ولذلك العلماء غضبوا منه طبعًا.
نعم، ولكن عندما نتناول تراث ابن تيمية ونقرأه كليًا بشكل متكامل، نجد أنه أخطأ. هذا صحيح، كلام مخالف للعلماء، شذوذات ابن تيمية بخروجه عن آرائهم، لكنها لم تصل إلى درجة الجريمة، والتكفير، ثم إراقة الدماء، ثم الفرقة.
صحيح أن ابن تيمية لم يفعل ذلك، بل الأجيال المتتالية هي التي بنت على خطأ خطوة وسارت في هذا التوجه.
الفرق بين المذهب ولوازم المذهب وأن ابن تيمية لم يقل بلوازم التكفير
آخرها ماذا؟ أتنتبه؟ صحيح أن هناك شيئًا يسمى المذهب، وهناك شيء يسمى لزوم المذهب. فابن تيمية ارتكب خطأً، لكن هل يجب أن يكون هذا الخطأ هو الذي نراه [في التكفير والقتل]؟
نعم، ولكن ابن تيمية لم يقل بهذه اللوازم إطلاقًا ونهائيًا. ولذلك نستطيع أن نقول إنه أخطأ، لكنهم أجرموا بالفعل.
نعم، فإذن عندي هنا أن مسألة الولاء والبراء هذه مسألة منتهية؛ لأن العربي التباني عندما ألف كتابه «براءة الأشعريين» وطبعه في دمشق - وهو من أهل مكة - خاف على نفسه أن يُقتل.
قصة العربي التباني وتأليفه كتاب براءة الأشعريين باسم مستعار خوفًا من القتل
هؤلاء الناس الذين يعتقدون هذه الاعتقادات يقتلون فورًا بالفعل، فذهب مسميًا نفسه أبو حامد المرزوقي. فأصبح «براءة الأشعريين» مجلد كبير هكذا من جزأين تقريبًا، ومن تأليف من؟ أبو حامد المرزوقي.
من هو أبو حامد المرزوقي هذا؟ لن تجده، إنه الشيخ العربي التباني. وجلس هؤلاء الناس يبحثون عن من هو أبو حامد المرزوقي، يرونه، يقتلونه، يفعلون به كذا، إلى آخره.
إذا كان الأمر كما هي الفتنة التي نراها هذه، يقولون: الله، هي هذه فجأة؟ لا، ليست فجأة، ليست فجأة. إنهم يخططون ويرتبون الأمور.
محاولة المتطرفين تتبع مؤلف براءة الأشعريين ودعاؤه بحسن الخاتمة
فأبو حامد المرزوقي هذا هو [مؤلف] «براءة الأشعريين»، ما زال يُطبع تحت اسم أبي حامد المرزوقي على فكرة، وهو الذي [ألّفه].
المهم أن الشيخ العربي التباني أحس أنهم سيصلون إليه؛ لأنهم ذهبوا إلى الشام وسألوا في المطبعة وتقصوا أين هو وبحثوا كذا، إلى أن وصلوا إلى الرابط الذي يدل على معرفته.
فذهب إلى الحرم، إلى الكعبة، ودعا الله سبحانه وتعالى أن يتوفاه إليه غير مخزي ولا مفتون في دينه. فمات بعد [ذلك]. دعا على نفسه أنه يا ربّ، ليس دعا على نفسه بمعنى أنه دعا لنفسه بالخير.
وفاة العربي التباني بعد دعائه كما فعل الإمام البخاري من قبل
أي مثلما يُقال أو كما فعل الإمام البخاري. الإمام البخاري فعل ذلك ودعا لنفسه قائلًا: يا رب إذا كانت الحياة خيرًا لي فأحيني، وإذا كان الموت خيرًا لي فأمتني، فتوفي بعد ذلك يومًا.
سبحان الله، الشيخ العربي التباني الذي هو صاحب «براءة الأشعريين» توفي، وقد ردّ فيها على موضوع الولاء والبراء هذا وأنهاه.
ولكن يُخفى هذا الكتاب ولا يُعلن عنه، وتُشترى نسخه التي وُجدت في السوق. ما هذه الحيلة؟ إنها حيلة حقيقية. هل تلاحظ كيف [يتعاملون مع العلم]؟
الولاء والبراء بدعة لا تمثل أي نوع من العلم المعتمد عند المسلمين
إذا الولاء والبراء هذه كلمة تُعد بدعة، والحمد لله أنها كانت في ماضي الأيام كلمة سيئة، والحمد لله أنه تم الرد عليها بالتفصيل عند العربي التباني أبي حامد المرزوقي.
والحمد لله أنها لا تمثل إطلاقًا لا في أصولها التي هي تقسيم التوحيد الثلاثي الغريب العجيب هذا، نعم، ولا المصطلحات الأربعة ولا غيرها أي نوع من أنواع العلم المعتمد.
إنما الأفكار والآراء والخواطر، حسنًا، ليس من اختصاصنا التدخل فيها.
قضية الخلافة الإسلامية وموقف الدين منها وانهيارها عبر التاريخ
نتحدث في قضية الخلافة. لدينا هذه الخلافة، ليس نحن من أنهيناها، وليس نحن من سنقول هل هي شيء يوافق عليه الدين أم لا؟ لماذا الوحدة؟ يعني لابد أن نتحد، فالدين موافق عليها، ولكنها انهارت.
أحاول أن أنقلها وقد حدث: انهارت الخلافة الأموية فذهبوا آخذين الأمويين أنفسهم متجهين إلى الأندلس وأسسوا خلافة هناك، والعباسيون تولوا بغداد وبقية العالم. صحيحٌ، وأصبح هناك خلافتان.
انهارت الخلافة العباسية في بغداد بدخول التتار سنة ستمائة وستة وخمسين، فذهب الخليفة هاربًا إلى القاهرة.
انتقال الخلافة من بغداد إلى القاهرة ثم إلى اسطنبول وبداية الخلافة العثمانية
وظل المسلمون بلا خليفة لمدة تقارب الثلاث إلى عشرة أيام قبل أن انتقل [الخليفة] إلى القاهرة من بغداد وأقام نفسه خليفة في القاهرة، والحمد لله رب العالمين.
وظل هذا الخليفة موجودًا في القاهرة إلى أن دخل سليم خان التركي سنة تسعمائة وخمسة وعشرين. من ستمائة وستة وخمسين إلى تسعمائة وخمسة وعشرين، أي مائتين وخمسة وسبعين سنةً.
أخذ الخليفة معه وعظّم له هكذا سليم خان، قال له: مولانا الخليفة أنت رمز، فتعال معي. وأخذوه إلى اسطنبول وأكرموه وأعطوه هناك مكانًا جميلًا جيدًا، قصرًا يليق بمنصب الخلافة.
بداية الخلافة العثمانية وسقوطها على يد مصطفى كمال أتاتورك
وبقي الرجل هناك حتى توفاه الله، فأعلن سليم خان نفسه خليفة، وهكذا بدأت الخلافة العثمانية.
حدث هذا الكلام بعد ربما عشر أو خمس عشرة سنة من عام تسعمائة وخمسة وعشرين، أي أننا سندخل في عام تسعمائة وأربعين. نصّب نفسه خليفة واستمر هذا الوضع حتى عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين.
في السادس من مارس، فقام مصطفى كمال أتاتورك يقفز كالشخص المحاصر في النار، وظل يتحدث ستًا وثلاثين ساعة من أجل أن يتخلص التركي من أمرين: الأول كل الدول المحيطة بنا، والثاني الخلافة الإسلامية.
محاولة الملك فؤاد استعادة الخلافة ومؤتمر القاهرة وعدم الاتفاق
فكر فؤاد [الملك أحمد فؤاد] في أن يصبح خليفة لكي يستعيد الخلافة التي سقطت في الرابع من مارس أو السادس من مارس سنة أربع وعشرين. فعقد مؤتمرًا هنا [في القاهرة] سنة خمس وعشرين وجمع علماء المسلمين، لكنهم لم يتفقوا.
على نحن ضد الخلافة أم لسنا ضد الخلافة؟ نحن لسنا ضد الخلافة، لكن الواقع هكذا. لنرجع إلى سيدنا [النبي ﷺ] في المحجة البيضاء يا سيدي.
الخلافة ذهبت ولم نستطع إنشاءها مرة ثانية. حدث مؤتمر الخلافة في الهند فاحتله الإنجليز، وهنا كان الوفد ضد فكرة تولي الملك أحمد فؤاد [للخلافة].
هدي النبي ﷺ في مسألة الخلافة والأمر بالسكوت ورفع اليد عن الفتنة
يا سيدي يا رسول الله، الحال هكذا ونحن أصبحنا في عام ألفين وخمسة عشر، ماذا نفعل؟
قال لنا [النبي ﷺ]: «اسكتوا»
قال لنا: اسكتوا. لم يقل لنا افعلوا، لم يقل اقتلوا، لم يقل اقتلوا ولا افعلوا شيئًا. قال لي: اسكت، ارفع يدك من هذه المسألة، حسبنا الله ونعم الوكيل.
[المذيع]: أرى فضيلتك يا مولانا الحقيقة يعني على كل هذه الأطروحات وهذه الأمور المبنية على علم ومنهجية ومنطق وفكر، لنوضح لأنفسنا وللسادة المشاهدين حقيقة هذه الأوهام والأفكار المتطرفة لجماعة الإخوان وغيرها.
على خير نلتقي في حلقة قادمة بإذن الله، حتى ذلك الحين أشكر ضيفي الكريم فضيلة الإمام العلامة الجليل الدكتور علي جمعة، أشكر حضراتكم ونترككم دائمًا في معية الله، إلى اللقاء.
