د/ علي جمعة : داعش وغيرهم من طوائف الخوارج ليسوا على شيء
- •حديث "أُمرت أن أقاتل الناس" يُقصد به مشركو العرب الذين كانوا يحاربون النبي، وليس جميع الناس.
- •النبي صلى الله عليه وسلم كان يمارس جهاد الدفع لصد اعتداءات المشركين الذين أرادوا إنهاء الدعوة.
- •لم يُؤمر النبي بالقتال في مكة، بل بدأ القتال في المدينة عند مواجهة الأعداء في بدر وأحد والخندق.
- •قوله "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" إخبار بما سيؤول إليه الأمر وليس إكراهاً على الإسلام.
- •الإكراه في الدين ممنوع لأنه يُنشئ النفاق، والنبي لم يُبعث ليصنع منافقين.
- •عبارة "جئتكم بالذبح" كناية عن جدية الأمر وليست دعوة للقتل.
- •موقف النبي من أهل مكة بعد الفتح يوضح سماحته، فقد عفا عمن أرادوا قتله كأبي محذورة.
- •رسالة النبي كانت رحمة للعالمين وليست دعوة للعنف، بدليل تعامله مع المشركين وإحسانه للأسرى.
حديث أُمرت أن أقاتل الناس وموقف النبي من القتال في مكة
حديث «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فهل علينا أن نقاتل أم لا نقاتل؟ والنبي ﷺ هل قاتل في مكة؟ لم يقاتل في مكة.
فعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جاء إليه وقال له: نريد أن نقاتل، فقال [النبي ﷺ]: «ما أُمرت بهذا». وفي العقبة قالوا له: غدًا نميل على أهل مِنًّا نذبحهم، قال: «ما أُمرت بهذا». فيكون هؤلاء [لو قاتلوا] عصاةً لأبي القاسم ﷺ؛ [لأنه قال]: ما أُمرت بهذا.
انتقال النبي إلى المدينة وجهاد الدفع عن النفس في الغزوات
ذهب [النبي ﷺ] إلى المدينة، عندما ذهب إلى المدينة: بدر أين؟ في المدينة. وأُحد أين؟ في المدينة. والخندق أين؟ في المدينة.
يعني [النبي ﷺ] يُضرب، يعني قاعد في مكانه كافٍّ خيره وشره، ويأتي هؤلاء [المشركون] ليضربوه، فيدافع عن نفسه.
فقال ماذا؟ «أُمرت» أم «أُمرتم»؟ «أُمرت»! هو لا ينتبه إلى [الفرق بين] «أُمرت» و«أُمرتم»، لا ينتبه [يظنها] هي هي. أنا ليس عندي هي هي؛ «أُمرت» نقف عندها، «أُمرت» هذه لعلة.
حال النبي ﷺ في الدفاع عن نفسه والفرق بين أُمرت وأُمرتم
الآن هو صلى الله عليه وسلم فلترَ حالته كيف هي؟ حالته كيف هي؟ أنه يُضرب. عندما تُضرب تفعل مثله [تدافع عن نفسك]، أم أنتم أُمرتم [أن] تضربوا الناس عشوائيًّا بدون سبب؟
«أُمرتُ» في حالتي هذه التي أنا فيها أن أقاتل الناس. ارجع الآن إلى موضوع هؤلاء الناس: من هم؟ مشركو العرب. من الذي يقول إنهم مشركو العرب؟ مائة شخص من الشُّرّاح [شُرّاح الحديث].
إطلاق لفظ الناس وإرادة الخصوص في القرآن والحديث
هل يصح أن أقول «الناس» وأقصد بها مشركي العرب؟ نعم، في القرآن هكذا:
﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ [آل عمران: 173]
الذي هو نُعيم بن مسعود، أن الناس الذين هم مشركو العرب قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا.
مَن هم الناس الأولون؟ نُعيم [بن مسعود]. هل يصح أن نقول «ناس» ونقصد بها واحدًا؟ نعم يصح؛ لأن ذلك من قبيل العام المراد به الخصوص. فهناك عامٌّ قد خُصِّص، وعامٌّ أُريد به الخصوص، وثمة فرق بين العبارتين.
الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص وخطورة الفهم بلا شيخ
العام الذي أُريد به الخصوص هو هذا: «الناس» وأقصد منها شخصًا، و«الناس» وأقصد منها قبيلةً. درسٌ هو [يتعلق بـ] العام الذي مقصود به هكذا، يراه [القارئ] في الكتاب من غير شيخ يوجّهه ويُفهمه ويقول له: هذه متى وهذه متى.
ولذلك نُعيم بن مسعود ناسٌ، ومشركو العرب ناسٌ، وعموم الناس الذين في الدنيا كلها هؤلاء ناسٌ.
المعنى الصحيح لحديث أُمرت أن أقاتل الناس وجهاد الدفع
معنى الحديث ليس أنني أُمرت أن أقاتل الخلق، بل أُمرت أن أقاتل مشركي العرب الذين يريدون إبادتي وإبادة أصحابي، ويريدون قتل الدعوة في مهدها، ولا يريدون أن يتركونا سالمين آمنين نبلّغ عن الله.
أُمرت أن أصدّهم وأن أقاومهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله. وحتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، هذه «حتى» يعني ماذا؟ إلى أن. «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، هذا من إرهاصات [أي] من معجزات النبوة؛ لأنه يُخبر عمّا سيكون: أنتم تريدون قتلي؟ أنا أصلًا سأنتصر وأنتم ستشهدون [أن لا إله إلا الله].
نفي الإكراه في الدين وخطورة صناعة النفاق بالإجبار على الإسلام
ليس فيها إكراه ولا شيء. انتبه من ذلك! أتظن أننا سنستمر حتى نُكرههم؟ ألم يقل الله تعالى:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]
إن فعلت ذلك [الإكراه] فإنك ستخلق منافقًا. هل بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليُنشئ منافقين؟ والقرآن الكريم يخبرنا أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار. أبدًا، والله تعالى يكره المنافقين والمنافقات:
﴿لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ﴾ [الأحزاب: 73]
بعثة النبي رحمة مهداة وحرمة صناعة المنافقين بالإكراه
إذن، لماذا بُعث النبي صلى الله عليه وسلم؟ من أجل الرحمة المهداة. هل عندما تقهر شخصًا وتقول له: أسلم وإلا قتلتك، فقال لك: أسلم يا روح ما بعدها روح، [ثم] يُبطن الكفر ويُظهر الإسلام، ماذا يُسمى هذا؟ إنه منافق.
هل أُمرنا أن نصنع منافقين؟ انظر إلى مدى غبائه [من يفهم الحديث على الإكراه]، يريد أن يُنشئ منافقين! إن إنشاء المنافقين ممنوع.
جهاد الدفع وحقيقة الوضع العسكري المحيط بالنبي في المدينة
ومن هنا اتضح الحال أن رسول الله ﷺ أُمر أن يدافع عن نفسه بجهاد الدفع حتى يصدّ ويردّ عن نفسه ما كان قد حِيك من المشركين.
تحته [أي جنوبه] في مكة، وفي المدينة فوقها خيبر، وعلى الشمال مسيلمة الكذاب، وسيُطبقون عليه وينهون الدعوة. ولما كنّا في التاريخ حتى أصلًا نعرف أن هناك شخصًا اسمه محمد، الذي قال الله له:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
من الذي انتصر؟ كيد الكائدين أم خبر رب العالمين؟ خبر رب العالمين هو الذي سرى علينا جميعًا.
تحقق معجزة النبوة في انتشار ذكر النبي وزوي الأرض له
وأصبح سيدنا النبي ﷺ يُذكر في الأذان في الأرض كلها. «زُويت لي الأرض»، زُويت لي الأرض؛ عندما تمسك الخريطة وتطويها هكذا، تجد نفسك في الأندلس وتجد نفسك في الهند من الناحية الأخرى الثانية.
هكذا هو «زُيّن لي الأرض»، والمسافة هذه هي العالم الإسلامي، وقد كان. صدق رسول الله ﷺ، لم يتكلم ولا كلمة إلا صحيحة.
الفهم الصحيح لحديث أُمرت أن أقاتل بين الدفاع والإخبار بالمعجزة
انظر الفرق بين الفهمين: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله».
الفهم الأول: تفهم أنها لحالة النبي ﷺ، وتفعلها أنت تشبُّهًا بالنبي عندما تقع في ذات الوضع [أي جهاد الدفع]، تدافع عن نفسك.
الفهم الثاني: وتفهم منها الإخبار بمعجزة ستكون، وهي أنهم يدخلون في دين الله أفواجًا، وقد كان:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 1-2]
ولم يحدث ذلك بعد [أي وقت قول الحديث].
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 3]
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]
وفعلًا قد كان، كل ما أُخبروا به كان، ومن ضمنه «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله».
موقف النبي من مشركي مكة يوم الفتح ورفضه القتال مع من كفّ شره
حسنًا، واحد عربي كفّ شره عنا، هل نقاتله؟ أبدًا! أين هذا؟ في فتح مكة. كانوا كلهم مشركين، لم يقتلهم.
فجاء سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه وقال: اليوم يوم الملحمة، فقال [النبي ﷺ]: «كذب سعد، اليوم يوم المرحمة».
قصة أبي محذورة وتعيينه مؤذنًا على مكة رغم سخريته من المسلمين
من الذي أراد قتل النبي ﷺ واغتياله؟ أبو محذورة، كان خلف النبي ﷺ يسخر من الأذان، فسمعه رسول الله ﷺ وقال: «ماذا تقول يا أبا محذورة؟» قال: لا أقول شيئًا. قال: «إذن تعال أُعلّمك الأذان».
الأذان لم يكن يقول فيه شيئًا، بل كان جالسًا يسخر قليلًا ويقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ما هذا؟ فاستدعاه ووضع يده الشريفة على قلبه.
قال [أبو محذورة]: فكان أبغض الناس إليّ فصار أحبّ الناس إليّ، وعلّمه الأذان وعيّنه وهو شاب عنده واحد وعشرين سنة تقريبًا مؤذنًا على مكة.
ثقة النبي الربانية في تعيين من كان يسخر من المسلمين على مكة
هكذا وهو ما زال يسخر من المسلمين وتثق فيه هكذا! مسائل ربانية ليست مسائل في الحساب [البشري].
لو حدثت اليوم وشخص يفعل هكذا لتشككت فيه، لكن النبي ﷺ لا يتشكك فيه [لأنه مؤيد بالوحي]. فجعله على مكة حين [غزوة] حُنين، يعني خرج إلى حنين وجعل هذا واليًا على مكة، عيّنه محافظًا.
وكذلك عتّاب بن أسيد الذي كان يريد قتل النبي ﷺ، ففعل معه نفس الحكاية هكذا وعيّنه على مكة، وهكذا وهكذا.
أمان النبي لمشركي مكة يوم الفتح ومن لزم بيته فهو آمن
أما المشركون فقال [النبي ﷺ]: «من لزم بيته فهو آمن». هؤلاء المشركين، فواحدًا [منهم] غاضب وقال: لا، أنا لا أحب محمدًا، فليبقَ في بيته. بقي في بيته وانتهى الأمر. هل قام [النبي ﷺ] بالذبح؟ [لا، لم يفعل].
معنى قول النبي جئتكم بالذبح وأنها كناية عن جدية الأمر لا القتل الحرفي
وعندما جاء [النبي ﷺ] مرّ على الناس الذين منهم أبو جهل وعقبة بن أبي معيط وغيرهم، فوجدهم يسخرون منه ويستهزئون ويشتمون، فقال لهم ما معناه: أنا جئتكم بأمر جادّ وليس بأمر هزلي.
فقال: «جئتكم بالذبح»، وهذه كناية في لغة العرب معناها أن الأمر حياة وموت. معنى «جئتكم بالذبح» يعني أنني لا أمزح، فما أحضرته هو مسألة حياة وموت.
يقول المغفلون: لا، يجب علينا ذبح الأسرى!
الأمر القرآني بإطعام الأسير وتكذيب من يدعو لذبحهم
فمن أصدق؟ رب العالمين الذي يقول:
﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 8-9]
ولا نصدّق أوباش الناس! لا، أنا سأصدّق ربنا الله. ربنا يوصي بالأسير إلى أن تُطعمه الطعام على حبه، يعني الطعام النظيف رقم واحد، وليس الطعام السريع غير الصحي. هذا رقم واحد.
«على حبه» يعني أفضل ما عندك تُطعمه للأسير، والآخر يذبح الأسير لأجل كلمة هو لم يفهمها!
المعنى الحقيقي لقوله جئتكم بالذبح وتحذير المشركين من الاستهزاء
عرفتم يا إخوانا أن هؤلاء جهلة! يقول [النبي ﷺ]: «جئتكم بالذبح». نعم، قال فقط: «جئتكم بالذبح»، يقول لهم: لا تسخروا مني، لا تأخذوا الأمر على أنه مزاح، هذا جِدٌّ.
إنني أقدّم هذا كمسألة حياة وموت. إنني جئتكم بما إن لم تطيعوني فسوف يذبحكم الله، وقد كان.
