المتشددون | حـ 38 | الجماعات المتطرفة التي تولدت عن جماعة الإخوان جـ 1 | أ.د علي جمعة
- •يرفض الإسلام فكرة الجماعات لأنها تشتت ولا تجمع، وآيات القرآن والأحاديث النبوية تدعو إلى عدم التفرق.
- •نشأت من جماعة الإخوان المسلمين جماعات متطرفة، منها جماعة التكفير والهجرة التي أسسها شكري مصطفى بعد خروجه من السجن.
- •تأثر شكري مصطفى بأفكار سيد قطب التي تدعي أن الإسلام غير موجود على الأرض منذ قرون.
- •اعتمد شكري على فهم خاطئ للآية "والكافرون هم الظالمون" ليكفر المجتمع، واعتبر نفسه شرطاً من شروط الإسلام.
- •وصلت أفكار التكفير إلى درجة تكفير الأنبياء فيما سمي "سوبر تكفير".
- •نتج عن ضعف المؤسسة الدينية الرسمية وغياب دور الأزهر انتشار نحو مائتي جماعة في مصر.
- •المتطرفون لم تصح بداياتهم المعرفية فلم تصح نهاياتهم، وهذه الأفكار أدت لاحقاً إلى ظهور داعش وجماعات مشابهة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة للحديث عن الفكر المتشدد
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مشاهدينا الكرام، لقاء جديد يجمعنا وحلقة جديدة من برنامج المتشددون. مازلنا نواصل هذه الرحلة الفكرية التاريخية الإيمانية مع فضيلة العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء.
والحديث عن الفكر المتشدد الذي أصاب الإسلام وأعطى انطباعًا سيئًا للغاية، في ظل تصدي بعض الجماعات للحديث باسم الله - إن صح التعبير - وتقديم صورة سلبية عن صحيح الإسلام. نتحدث عن الإسلام الصحيح ولا نقول المعتدل أو الوسطي؛ لأن الأصل في الإسلام هو الاعتدال والوسطية.
اسمحوا لي بداية أن أرحب مجددًا بفضيلة العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، مرحبًا فضيلتكم يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بك، أهلًا وسهلًا ومرحبًا بك.
الجماعات التي خرجت من عباءة الإخوان وخطورتها على صورة الإسلام
[المذيع]: يا الحقيقة تناولنا حلقات كثيرة مع سيد قطب ومع الأفكار المتشددة ومع حسن البنا، ومع بعض التصرفات التي لا تتسق مع العقل والمنطق والعلم والمنهجية ولا حتى الإسلام. اليوم أود أن أتوقف مع فضيلتك عند بعض الجماعات التي خرجت من عباءة جماعة الإخوان المسلمين وخطورة ذلك على الصورة الكاملة للإسلام في العالم.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الإسلام كما تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.
إنه يرفض فكرة الجماعات، نعم، ويرى أن هذه الجماعات تشتت ولا تجمع، وتقدح في وحدة الأمة.
رفض الإسلام لفكرة الجماعات وإشكالية جماعة المسلمين أم جماعة من المسلمين
ولذلك كل آيات القرآن الكريم وكل الأحاديث النبوية المتكاثرة تدعو إلى عدم التشرذم وعدم التفرق وعدم إحداث جماعات. واجتياز جماعة هو في حد ذاته مثير لسؤال: أأنت جماعة المسلمين أم جماعة من المسلمين؟
أي جماعة ستتكون سيترتب عليها هذا السؤال، وحينئذ ولو بدأت وقالت: نحن جماعة من المسلمين - كما حدث في جماعة الإخوان المسلمين - فإنها ستؤول إلى الفرقة بعد ذلك وإلى التشرذم.
الفرقة والتشرذم قد يكونان صادرين من الجماعة مباشرة، وقد تكون هذه الجماعة بتشرذمها الداخلي أنشأت جوًّا في البلاد والعباد يتيح التشرذم، وهذا هو ما حدث مع الإخوان المسلمين في تجربتهم المصرية.
اصطدام الإخوان بالحكومة وجرائم الاغتيالات ونشأة فكر سيد قطب
في تجربتهم المصرية اصطدموا مع الحكومة واصطدموا مع الملك، وقتلوا أحمد الخزندار وقتلوا أحمد ماهر وقتلوا سليم زكي وقتلوا النقراشي باشا، وقتلوا وحاولوا قتل عبد الناصر إلى آخره.
وبناءً على هذه التصرفات الساذجة نشأ سيد قطب الذي دعا إلى عمل جماعة تعلّم الناس المسلمين؛ حيث إنّ الإسلام فُقِدَ منذ قرون. وهي الكلمة التي جارت على لسان أبي بكر البغدادي في خطبة الجمعة التي ألقاها: أن الإسلام لا وجود له في الأرض منذ قرون.
هذه الكلمة هي كلمة سيد قطب، لكي نعرف فقط الأثر والتأثر: الإسلام لا وجود له منذ قرون على الأرض. إذن فالديار المغربية ديار كفر، والديار السعودية ديار كفر، والديار الباكستانية كذلك ديار [كفر]، وهكذا يعني لا يوجد إسلام على الأرض، حاشا لله.
انحرافات سيد قطب الفكرية وخطأ عبد الناصر في منحه لقب الشهيد
سيد قطب بانحرافاته الفكرية وهشاشة عقليته ونفسيته وشخصيته أصبح هو المرجع لدى كثيرين. وقلنا إن عبد الناصر أخطأ خطأً بليغًا عندما منحه شهادة الشهيد التي استغلوها بعد ذلك. هو ليس شهيدًا ولا شيء؛ لأنه يعترف على نفسه بأنه مجرم.
جميع الأنظمة [يعترف بمخالفتها]، لكن هذه الأنظمة جاهلية وهذه الأنظمة كذا، لا يهم، هذا تأويله وهذا وضعه. وتكلمنا في هذا بالتفصيل.
سُجنت الجماعة في سنة أربعة وخمسين [1954م] لجريمة محاولة الانقلاب، وسُجنت في سنة خمسة وستين [1965م] لهذه الجريمة. تولدت منها ومن داخلها جماعات أخرى.
قصة شكري مصطفى ونشأته في جماعة الإخوان وظروفه النفسية
حُبس معهم - ولأنهم كانوا منتمين إليهم - واحد كان صبيًّا في كلية الزراعة اسمه شكري مصطفى. وشكري مصطفى هذا هو من الإخوان المسلمين، فقُبض عليه في سنة خمس وستين [1965م].
تربى في الجماعة، وهو عندما دخل الجماعة دخلها بتربية أو بنفسية خاصة؛ فأبوه كان عمدة قرية في الصعيد، وماتت أمه فتزوج الأب امرأة [زوجة أب] قاسية كانت تضربه وتهينه وتعذبه.
فكان يخرج - كما هو يحكي - إلى بعض الأشجار في الشرق يضرب بالفأس من غيظه. صادق صديق حميم اسمه منيب، نعم، والاثنان دخلا جماعة الإخوان المسلمين والاثنان قُبض عليهما، وكان حينها في السنة الثالثة بكلية الزراعة، أي شاب صغير.
مقتل منيب أمام شكري مصطفى في السجن وبداية اختلال نفسيته
شكري مصطفى في السجن الحربي، الشاب عنيد ومنيب أكثر عنادًا منه، غير راضيين، لم يكونوا راغبين في التحدث والاعتراف. وأثناء التعذيب قُتل منيب أمامه، قتلوا منيب.
نعم، فعندما قُتل منيب أمام شكري اختلت نفسيته تمامًا وأصبح مختلًّا.
أنا أحمّل المسؤولية للإخوان طبعًا. الإخوان أسست جماعة، تخيل أنها لم تُؤسس، ولو كان الناس هكذا لما حدث إطلاق نار، ولما حدث النظام الخاص، ما كانت حدثت تلك الجرائم وما كانت وقعت هذه المصيبة: أنَّ الشاب الذي يُعذَّب ويُقتَل.
إدانة التطرف من الجانبين ومسؤولية الجماعة عن المصائب التي وقعت
نعم، لأننا غير قادرين على انتزاع اعتراف منه يعني مثلًا، نعم، كل هذه مصائب، كلها مصائب. حتى من جانب الحكومة التي تتيح لأتباعها أن يعذبوا أو يضربوا أو شيئًا من هذا القبيل، وهذا ما نرفضه.
التطرف في الناحيتين مرفوض، وهذا غير إنساني وغير شرعي وغير كل شيء. نعم، انتهى الأمر. مَن سببه؟ أليست هذه الجماعة؟ ألسنا نحن الذين نقول هكذا؟
فجماعة الأزهر والناس الذين لا يعجبونهم يقولون هكذا: لماذا تصطدمون مع الحكومة؟ لماذا تثيرون الفتنة؟
فشل الإخوان في تحقيق أهدافهم وبداية آفة التكفير عند شكري مصطفى
لم تصل إلى هدفك، حتى هدفك الذي نحن غير موافقين عليه أصلًا - نعم - أنك أنت تحكم. يعني لا وصلت إلى هدفك، ولا عندما وصلت إلى هدفك أصبحت شيئًا، ولا نجحت.
والحقيقة صحيح أن الشاب منيب قُتل أمام الشاب شكري مصطفى. شكري مصطفى رأى منيب يُقتل أمامه، فقال: أهذا كلام؟ حسنًا، هؤلاء الناس مسلمون؟ قال: والله ليسوا مسلمين.
ها قد بدأت آفة التكفير! يساعد في ذلك أفكار سيد قطب طبعًا، تلك التي تقول أن الإسلام لا وجود له. إنه التوهم، إذن آهٍ، منذ قرون!
تكفير شكري مصطفى للمجتمع واستدلاله الخاطئ بآية والكافرون هم الظالمون
عندما نُحضِر الشباب أفراد الإخوان، الناس الذين تربوا على أن يصلوا، أن يكون [أحدهم] صائمًا، أن يكون ملتزمًا بالفعل، لم تكن لديه مسألة التكفير هذه وكان يستغربها.
وفي السجن تكونت عند شكري مصطفى فكرة تكفير أصحاب الذنوب أو من يرتكبون ذنوبًا، فهم كفار. داخل السجن وبدأ يبحث في القرآن الكريم عما يؤكد له هذا، حتى يحصل على الآية الكريمة التي تقول:
﴿وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [البقرة: 254]
فقال: إذا أي شخص ظالم يكون كافرًا. لكن الآية ليست هكذا! الآية حددت ذلك حتى للعامة، للتوضيح: أن «والكافرون هم الظالمون» وليس «الظالمون هم الكافرون».
فهم عطاء بن أبي رباح للآية والفرق بين الكافرون هم الظالمون والعكس
عطاء بن أبي رباح كان يقول: الحمد لله الذي قال «والكافرون هم الظالمون» ولم يقل «والظالمون هم الكافرون»؛ لأنه لو قال «والظالمون هم الكافرون» لكان معنى ذلك أن أي شخص ظلم نفسه أو ظلم غيره يصبح كافرًا.
لكن الذي قيل هو: الكافرون هم ظلموا أنفسهم، وليس أن كل من ظلم نفسه يصبح كافرًا. فالصياغة كانت هكذا: «والكافرون هم الظالمون».
واستدل [شكري مصطفى] من هذه الآية على أن كل ظالم كافر. سيدنا يونس يقول:
﴿إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]
فاضطر أن يقول: إذن يونس كفر وأسلم!
ظاهرة السوبر تكفير وتكفير الأنبياء المعصومين
وبدأ من هنا بذور ما يسمى بـسوبر تكفير. يعني هناك تكفير لا يكفر الأنبياء، وهناك سوبر تكفير يكفر الأنبياء!
سوبر تكفير، سوبر تكفير! هذا فعلًا أُطلق عليهم هكذا. وكانت هناك مجموعة بعد ذلك قُبض [عليها] في ثمانينيات [القرن الماضي] كان اسمها سوبر تكفير.
التكفير هو الذي يكفّر الناس العاديين، أما سوبر تكفير فقد وصل إلى تكفير النبيين المعصومين، الذين يوحى إليهم! يعني ورطة دنيا وضلال.
تفاصيل ما حدث لشكري مصطفى ومجموعته بعد مقتل منيب وتكفيرهم للناس
هذا ما حدث. نحن نريد فقط أن نوصل للناس ما الذي حدث. الناس حائرة، ما الذي حدث؟
الذي حدث أنه الأستاذ منيب قُتل أمام الأستاذ شكري. الأستاذ شكري ومعه أربعون شخصًا من قوة التعذيب هذه، وقد كفَّروا الناس جميعًا.
ظل شكري يغير في رأيه مرارًا، وظل هؤلاء الأربعون يتناقصون شيئًا فشيئًا؛ لأن الوضع قد هدأ، وانتهت القضية. القضية في كتب يقرؤونها خاصة بشيء لا أعرفه، استفاقوا من ورطة هذه القصة.
شكري لم يستفق، هو وثلاثة أو أربعة ظلوا في غيهم وضلالهم. وعندما خرجوا من السجن أنشأوا شيئًا اسمه التكفير والهجرة.
تأسيس جماعة التكفير والهجرة ومنهج شكري في تكفير من لا يتبعه
كانت [الجماعة] تسمى التوقف والهجرة، توقف قليلًا، وفي النهاية أصبحت التكفير والهجرة. لكن في البداية كان التوقف والهجرة.
وشكري كان يقول: يا جماعة، من معي فهو مسلم - توكلنا على الله مرة أخرى - ومن ليس معي فهو كافر، حاشا لله!
فالقضية أنني أدعوكم إلى الإسلام، فإذا وافقتم وجئتم معي، الحمد لله رب العالمين، تكونون قد دخلتم الإسلام. حسنًا يا شكري، معنى هذا أنك أنت شرطٌ من شروط الإسلام، قال: نعم.
حسنًا يا شكري، معنى هذا أنك أنت تقول: أنا مجتهد ويجب أن يكون كل من حولك مجتهدًا، قال: نعم.
مهزلة اعتبار الاجتهاد شرطًا للإسلام والجماعات المتولدة من الإخوان حتى داعش
حسنًا، فهل شباب بائعي الفجل والخضار الموجودون في السيدة زينب الذين اتبعوه مجتهدون؟ قال: نعم! إذن أصبح الاجتهاد جزءًا من الإسلام.
وهذا الذي سنراه لاحقًا في الجماعات التي تولدت من الإخوان المسلمين والتي انتهى بها الأمر إلى داعش وبيت المقدس وغيرها، حيث يتحدثون عن عشر مصائب يعتبرونها مبررًا لخروجهم وإزالتهم.
هذا من ضمنها التقليد: أن أقلد الشافعي أو مالك أو أبا حنيفة، أن أقلد العلماء!
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
استئذان المذيع للفاصل واستكمال الحديث عن خطورة الجماعات المتولدة من الإخوان
[المذيع]: طيب، أنا أستأذن فضيلتك لحديث متواصل في نفس النقطة: خطورة الجماعات، وما هي الجماعات التي تولدت من جماعة الإخوان في هذه الحلقة بعد الفاصل. مشاهدينا الكرام، ابقوا معنا.
نرحب بكم مشاهدينا الكرام، ونتواصل معكم في برنامج المتشددون. الحديث مع فضيلة العلامة الجليل الإمام الدكتور علي جمعة عن الجماعات التي [خرجت] من عباءة جماعة الإخوان.
بدأ شكري مصطفى يُكفِّر الناس، ووصف كل من معه بالإسلام وغير ذلك من الكافرين يا مولانا؟
ضعف شكري مصطفى العلمي وتكفيره للمجتمع حتى بلغ أتباعه ثلاثمائة
[الشيخ]: كل الناس كفار إلا إذا صدقوا بما يقول. وكان في الحقيقة ضعيفًا جدًّا في اللغة العربية، وكان ضعيفًا جدًّا في الفقه، ليس لديه اطلاع على فقه ولا على أصول كذلك، ولم يكن لديه الوقت حتى لهذا.
كان يواصل، أي يصل الليل بالنهار في الحديث مع عامة الناس، حتى أصبح معه نحو ثلاثمائة شخص لا يزيدون عن ذلك. وبدأ في تكفير المجتمع.
مناظرة الشيخ لشكري مصطفى وسؤاله عن حكم الإمام الشافعي
لقد التقيت به وقلت له: يا شكري، سأسألك سؤالًا. أنا رجل شافعي المذهب، أعرف الإمام الشافعي جيدًا أنا عقيدةً وفقهًا وأصولًا وشريعةً، يعني بالصورة [الكاملة].
نعم، فأريد أن أسألك سؤالًا: الشافعي كافر أم متوقف في حكمه أم مسلم؟ فقال لي: ولماذا هذا السؤال؟
كان شكري يُناظر كثيرًا ويُناقش كثيرًا ويُسجل نقاط الضعف ويغيرها، فكان مذهبه يتغير تقريبًا كل يوم. كل يوم عندما تقابله بعد أسبوع تجده يتكلم كلامًا [من] مداخل أخرى غير التي تكلم بها أولًا.
إلزام شكري مصطفى بأن الشافعي مسلم وبالتالي أتباعه مسلمون
جميل، فقال لي: ولماذا هذا السؤال؟ قلت له: السؤال مهم لأطمئن على نفسي، هل أنا مسلم أم متوقف في إيماني أم كافر؟ لا بد أن تنظر في هذه المسألة.
قال لي: أنا أفضل شخص دافع عن الإمام الشافعي وما إلى ذلك. قلت له: لا تدافع، أنا أريد أن أسألك سؤالًا معينًا. قال لي: مسلم.
بعد أن قال لي مسلم، فقلت له: حسنًا، إذن أنا مسلم؛ لأنني أتبع الإمام الشافعي بالضبط. هل انتبهت حضرتك إلى منهجه وآرائه وعقيدته وشريعته وأصوله وفقهه وترتيب أدلته وكل شيء؟
مهزلة ادعاء شكري أن الشافعي لم يره وأنه شرط من شروط الإسلام
والذي سيقول عليه الآن: لديّ صورة من الإمام الشافعي وأنا راضٍ، فهو مسلم وأنا أيضًا مسلم. فما الفرق؟ ما الفرق؟
قلت له: ماذا تعني؟ فقال: الشافعي لم يرني! إلى هذا الحد من المهازل وصلنا، هذه مهزلة يعني حضرتك.
شرط من شروط الإسلام؟ قال لي: أنا أدعو إلى الإسلام، هذا الإسلام ما أعتقده أنا.
ومن هنا هذه النقطة دقيقة جدًّا فيما يحدث في داعش: ما يحدث أن الناس تستغرب، لماذا يفعل هؤلاء هكذا؟ لماذا يفجرون أنفسهم هكذا؟ أحقًّا الناس غبية أم ماذا؟ إنه يرى نفسه فقط أنه هو المسلم، فقط أنه هو المسلم. هكذا هو الإسلام يعني!
إلزام شكري بأن القرآن وصل عبر سلسلة من المشايخ وإشكالية تكفيرهم
قلت له: حسنًا، هذه ورطة أنت واقع فيها الآن. قال: ماذا؟ قلت له: القرآن الكريم وصل إلينا ليس من المصاحف، بل من المشايخ، صحيح من الصدور.
من الصدور، قال: نعم، ماذا تعني؟ قلت له: حسنًا، أنت بالنسبة للشيخ الحصري - كان الشيخ الحصري عايش - والشيخ فلان، وفلان، وفلان، وذهبت وقلت لهم.
منهم الناس الذين تلقينا منهم القرآن: كان الشيخ محمود برانق والشيخ عيسى برانق والشيخ عامر والشيخ [فلان]، يعني ما شاء الله. أكفار أم متوقف في أمرهم أم مسلمون؟
هؤلاء الناس الذين قرأوا القرآن، هؤلاء من طبقة الشيخ الهمداني الذي تلقينا عليه. هل أصبح هؤلاء الناس كفارًا، فيصبح القرآن في سنده خلل وليس [سلسلته] مسلمة؟ فكلامك كله خطأ، وإن لم تتوقف عندهم فسنتوقف. فماذا أفعل الآن؟
ادعاء شكري مصطفى ظهور قرآن في اليمن وانهيار حجته أمام أتباعه
قال: لا، القرآن شيء سهل، هناك قرآن ظهر في اليمن يا سيدنا! قلت له: القرآن ظهر في اليمن؟ ماذا يفعل؟
قال لي: ظهر في اليمن - الله! - ألم تقرأ هذا أم ماذا؟ في القرآن الذي ظهر في اليمن. قلت له: وماذا فعلوا بهذا القرآن الذي ظهر في اليمن؟ قال: لا، هناك قرآن أزهر في اليمن بهذا الشكل!
أمام أتباعه، الحوار كان في حضور أتباعه. بعد هذه الحوارات، واحد من أتباعه تركه وذهب إلى شخص آخر.
انتشار الجماعات في مصر في السبعينيات وغياب المؤسسة الرسمية الأزهرية
لأخبرك أن المشرب هو الأساس. أصبحت البلد في ذلك الوقت - أربعة وسبعين [1974م] - تزدحم بالجماعات. كان في البلد نحو مائتي جماعة، بينما رصدت المباحث في وقتها منهم بضعة وتسعين.
جاء مستشرق وأخذ بيان البضعة والتسعين هؤلاء وعمل لهم جدولًا، والكتاب موجود: «الجماعات الإسلامية في مصر». لكن كان كل خمسة أو ستة أشخاص يشكلون جماعة.
وكل هذا نتيجة خروج الإخوان المسلمين من المعتقلات وعدم وجود الرابط والضابط وغياب المؤسسة الرسمية في هذا الوقت، فالأزهر لم يضع يده في هذا المجال.
غياب الأزهر عن مواجهة الفكر المتطرف وموقف العلماء من أفكار سيد قطب
[المذيع]: يعني إضعاف الأزهر أو غيابه بدأ منذ فترة طويلة وليس حديثًا يا مولانا.
[الشيخ]: أنا أتذكر في سنة أربعة وسبعين [1974م] أنني ذهبت إلى الشيخ [الأول] - شيخي جليل - وشيخي بعد ذلك أيضًا شيخ جليل من علماء الأزهر، يعني كبير جدًّا.
فبعد أن انتهى من الدرس في الأزهر، مشيت معه حتى الباب وقلت له: سيدنا، أنا كنت أريد أن أسأل سؤالًا. فقال لي: نعم، وتوقف. فأنا قلت: انظر إلى العلماء، وانظر، يعني شيء جميل جدًّا.
قال لي: هل الكلام الذي يقوله سيد قطب هذا صحيح أم خطأ؟ نظر إليّ هكذا، ثم أدار وجهه وانصرف. أعرض عني ولم يجب، لم يتكلم ولا كلمة واحدة.
شعور الشيخ بالخجل من سؤاله وذهابه لشيخ آخر لفهم حقيقة الجماعات
شعرت بالخجل وأدركت أنني وقعت في خطأ كبير، لكنني لم أحصل على الإجابة: هل سيد قطب هذا على صواب أم على خطأ؟
وذهبت [إلى] الشيخ الثاني في البيت، قلت له: أنا حدث موقف هكذا، أنا متضايق. لكن هذا يدل على أن المؤسسة الرسمية غير موجودة في هذه المنطقة. خلاص، يعني هذا كأنها سياسة، والسياسة نجاسة، ونحن ليس لنا دعوة بها.
صحيح، فعندما ذهبت للشيخ الثاني هذا في البيت قلت له: يا مولانا أنا أريد أفهم هؤلاء الناس، يعني يكتبون وما إلى ذلك، ولديهم أتباع كثيرون، وبدأ انتشارهم. هل هم صحيحون أم مخطئون؟
إجابة الشيخ بأن سبب البلاء أنهم لم يقرأوا الخريدة وأقسام حكم العقل الثلاثة
فقال لي كلمة ما زالت ترن في أذني حتى الآن: لم يقرأوا الخريدة، التي للشيخ الدردير.
قلت له: لم يقرأوا الخريدة؟ يعني هذا هو سبب كل البلاء الذي نحن فيه، أنهم لم يقرأوا الخريدة! لم يقرأوا الخريدة! قال لي: آه.
قلت له: الخريدة فيها ماذا؟ ماذا تقول؟ ماذا تقول يعني؟ فقال لي: تقول: أقسام حكم العقل لا محالة هي الوجوب ثم الاستحالة، صحيح، ثم الجواز ثالث الأقسام، فافهم مُنحت لذة الأفهام.
قلت له: أقسام حكم العقل الثلاثة: الواجب والممكن أو الجائز والمستحيل. قال لي: نعم، هم لا يعرفون ذلك، هم مضطربون.
قاعدة إذا صحت البدايات صحت النهايات وشهادة السيدة نفيسة عن الإمام الشافعي
يا سلام، مضطربون! نعم، ولكن كان رحيمًا بهم أيضًا حتى في الرأي، يعني مضطربون.
قال لي: إذا صحت البدايات صحت النهايات بالتأكيد، وإذا فسدت البدايات فسدت النهايات. مقدمات تؤدي إلى نتائج.
يعني قال لي وقتها في هذه الجلسة - وهو كأنه يربت عليّ -: السيدة نفيسة قالت عن الإمام الشافعي رحمه الله: كان يُحسِن الوضوء.
يا سلام على الوضوء يا جماعة! هؤلاء الناس لم تصح بدايتها فلم تصح نهايتها.
سكوت المؤسسة الرسمية وإفساح الساحة للفكر المتطرف وختام الحلقة
أنا اكتفيت بهذا كإجابة، لكن هذا كان في البيت وليس في الجامع. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الجامع كان ساكتًا، والعالِم لا يعرف الفراغ، وهذا [يعني أن] هؤلاء يُفسحون الساحة لهذا الفكر وينتشرون.
[المذيع]: نعم، يمكننا أن نفرد في حلقات قادمة استكمالًا لهذا الموضوع إذا أردت فضيلتك، وننتقل أيضًا إلى بعض الجماعات الأخرى مثل السلفية والأفكار الوهابية وما إلى ذلك.
[الشيخ]: إن هذا موضوع خطير جدًّا، يعني من المهم أن نعرف من أين خرج كل هذا الفكر، وهذا شيء، هذه الأفكار وخطورة فكرة الجماعات في الإسلام.
[المذيع]: يا مولانا، لو أذنت، إن شاء الله نلقاكم في حلقة قادمة بإذن الله، حتى ذلك الحين نترككم في أمان الله ورعايته.
