اكتمل ✓
تفسير سورة النساء وآية رفض المنافقين للحكم الإلهي وعواقبه - تفسير, سورة النساء

ما معنى آية رفض المنافقين لحكم الله في سورة النساء وما عاقبة الخروج عن المعيار الإلهي؟

تتحدث الآية 62 من سورة النساء عن المنافقين الذين يرفضون الرجوع إلى الله ورسوله، فيقعون في الفوضى والنزاع بسبب فقدان المعيار الإلهي. وحين تصيبهم المصيبة جراء ما قدمت أيديهم يحلفون بالله أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق. والحقيقة أن الفساد والاضطراب نتيجة حتمية لتحطيم المقياس الرباني المتمثل في الرد إلى الله ورسوله.

3 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يكون الفساد والاضطراب الاجتماعي نتيجة حتمية لا مفر منها عند رفض الرجوع إلى منهج الله؟

  • تُفسِّر الآية 62 من سورة النساء موقف المنافقين الذين يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله فيستمر النزاع بينهم.

  • يضرب المفسر مثلًا بليغًا بالمتر والمسطرة ليوضح أن فقدان المعيار الموحد يُفضي حتمًا إلى الفوضى في المعاملات.

  • الزيادة والنقصان في المقياس سواء في الإثم والعقوبة، فمن جعل المتر تسعين أو مائة وعشرة كلاهما مخطئ.

  • المنافقون بعد وقوع المصيبة يحلفون بالله أنهم أرادوا الإحسان والتوفيق، لكن النية الحسنة لا تُلغي النتائج الحتمية لمخالفة سنن الله.

  • الرجوع إلى الله والفرار إليه هو الحل الوحيد للخروج من دوامة الفوضى والمصائب التي تصيب المجتمعات.

مقدمة وتلاوة آية رفض المنافقين لحكم الله من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62]

أي عندما يرفض المنافقون حكم الله، أو يرفض الناس الرجوع إلى الله وإلى الرسول؛ فإنهم حينئذٍ سوف يستمرون في النزاع؛ لأن المعيار الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لنقيس عليه الأعمال قد فُقِد.

فقدان المعيار الإلهي يؤدي إلى الفوضى والاضطراب والنزاع

وحينما يُفقَد المعيار نصل إلى حالة الفوضى دائمًا. إذا ما نُزِع المعيار فقدنا المقياس الذي نقيس به، وإذا فقدنا المقياس اضطربنا واختلفنا فاستمر النزاع.

وإذا حدث ذلك [أي استمرار النزاع] فقدنا أصول التعامل، فإذا حصل ذلك حصل الهرج والمرج والخصام والمصائب.

ما المعيار؟ ما المقياس؟ المعيار هو المتر [أي المرجع الثابت الذي يُقاس عليه].

مثال المتر والمسطرة لتوضيح أهمية وجود مقياس ثابت موحد

تذهب لتشتري بعض القماش فتجد الرجل عنده هكذا، ما هو؟ قطعة حديدية طولها متر أو قطعة خشبية طولها متر، والمتر مائة سنتيمتر ومعروف ومُقسَّم.

تذهب إلى المكتبة لتشتري شيئًا يُسمى مسطرة، يقول لك الأستاذ في المدرسة أن تُحضر المسطرة لكي تصنع خطًّا مستقيمًا ولكي تقيس بها. والمسطرة هذه متدرجة؛ منها عشرة سنتيمترات، وخمسة عشر سنتيمترًا، وثلاثون سنتيمترًا، وخمسون سنتيمترًا حسب الحال.

تخيل اختلاف المتر بين الناس وما ينتج عنه من فوضى في المعاملات

تخيل أن كل واحد له متر يختلف في طوله عن المتر الآخر! تخيل أن هناك مترًا تسعين سنتيمترًا، وهناك متر مائة وعشرة، وهناك المتر مائة سنتيمتر، وفي المتر خمسون. ما هذه الفوضى؟

وهذا ماذا يفعل؟ أذهب فأقول له أعطني ثلاثة أمتار لكي أصنع بدلة، فيقيس لي بالمقياس الخاص به الذي كان مرة مترًا ونصفًا فلا يكفي للبنطال، ثم كان مرة ثلاثة أمتار وثلاثين [سنتيمترًا]؛ فهو مائة وعشرة للمتر الخاص بالآخر الذي بجانبه.

المشاجرة بسبب اختلاف المقاييس وفقدان المعيار الموحد بين البائع والمشتري

فهذا يعني أنه سيحاسبني على ثلاثين سنتيمترًا زائدة ويقول لي: ما دمت تملك القماش! فأقول له: حسنًا، إذن أنا أريد ثلاثة أمتار ومعي ثمن الثلاثة أمتار وليس ثلاثة أمتار وثلاثة من عشرة. فقال: إن المتر هكذا! فأتشاجر معه ويتشاجر معي.

أين الحقيقة؟ الحقيقة أننا أصبحنا فوضى لأننا فقدنا المعيار. فالمعيار هو الرد إلى الله ورسوله، هو المقياس الذي نرجع إليه.

الرجوع إلى مصلحة الموازين والمقاييس كمثال على ضرورة المرجعية الثابتة

ولذلك أقول له: لا، هذا أنت مُزوِّر! هذا الشيء الخاص بك [أي المتر المغلوط]، تعال، يجب أن يكون هناك مقياس في البلد نرجع إليه لنرى المتر الذي معك هذا مترٌ أم لا.

يوجد شيء يُسمى مصلحة الموازين والمقاييس، مصلحة حكومية موجودة في الحسين [منطقة في القاهرة]. نذهب إليها بهذا الشيء، أقول له: أدركني! ما هذا؟ قُم! هو لديه المقياس [الرسمي]، يقيس ويقول: والله هذا نقص عشرة سنتيمترات يا ولد! ويتحول ليذهب في الحديد [أي يُسجن]، يحبسونه.

الزيادة والنقصان في المقياس سواء في العقوبة والمصيبة نتيجة الخروج عن المعيار

طيب، يحبسون الذي جعل المتر تسعين [سنتيمترًا]، طيب والذي جعله مائة وعشرة يحبسونه أيضًا؛ لأنها هي هي، الزيادة والنقصان سواء.

﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: 62]

بسبب ما قدمت أيديهم. ما الذي قدمته أيديهم؟ إنهم خرجوا عن المعيار والمقياس الذي هو الرد إلى الله ورسوله، خرجوا عنه. والخروج عنه يحدث معه ماذا؟ مصيبة.

ما سبب هذه المصيبة؟ سببها ما قدمته أيدي هؤلاء الرافضين للرجوع إلى الله ورسوله.

حلف المنافقين بالله بعد وقوع المصيبة وادعاؤهم إرادة الإحسان والتوفيق

حسنًا، عندما تأتي لتحقق معهم فتقول: تعالوا يا جماعة، لماذا تفعلون هكذا؟ لماذا تخرجون عن ردِّ الأمر إلى الله والرسول؟ فيقول [الله تعالى]:

﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62]

بعدما تحصل المصيبة جاءوك يحلفون بالله: والله ما كنا قاصدين أن نصل إلى هذا الحد من الفساد، إلى هذا الحد من الاضطراب، إلى هذا الحد من عدم الاستقرار، إلى هذا الحد من فُشُوِّ الكذب في المجتمع، إلى هذا الحد من التخلف والتأخر.

إنما أردنا أن نُحسن، فهوانا غلب علينا، وظننا أن هذا هو الذي سيوصلنا إلى الخير وإلى الأمن وإلى الاستقرار.

صعوبة تفهيم من لا يفهم وتنبيه الله إلى أن الفساد نتيجة مخالفة منهجه

حسنًا، وهؤلاء كيف تُفهِّمهم؟ ما هو كان يُقال لسيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه]: ما أصعب شيء عليك يا صاحب الفضيلة؟ الإمام يقول: تفهيم من لا يفهم. فماذا سنفعل؟ كيف سنُفهِّمهم؟ تفهيم من لا يفهم! تجلس تُعلِّم البليد طوال الليل وأيضًا يُصبح ناسيًا.

فالأمر هنا أنهم يُنبِّهون [أي أن] الله سبحانه وتعالى [يُنبِّه] إلى أن الأمر منا وبأيدينا، وأنه بعد أن يحدث الفساد الناتج عن مخالفة كلام الله سبحانه وتعالى، نُرشد الناس إليه ونقول لهم: هذا لأنكم خرجتم عن الرد إلى الله والرسول.

النتيجة الحتمية للخروج عن منهج الله وسننه في خلقه

﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ [النساء: 62]

طيب، والله العظيم ما قصدنا! طيب، ما هو نعم، ما نحن نعلم أنكم ما قصدتم، ولكن هذه نتيجة حتمية للخروج عن منهج من خلق الأكوان. نتيجة حتمية للخروج عن [أي] تحطيم المقياس والمعيار. نتيجة حتمية من سنن الله في خلقه.

﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62]

انظر إلى الكلمة: إحسانًا، شيء جميل جدًّا، حُسن. وتوفيقًا من التوفيق. هذا التوفيق من ربنا، وهل التوفيق منكم؟ [بل هو من الله وحده].

وجوب الرجوع إلى الله والفرار إليه وعاقبة الإصرار على مخالفة منهجه

ولذلك يجب علينا أن نرجع إلى الله وأن نفر إلى الله، ولا ملجأ منه إلا إليه. وما دمنا نتجاهل ولا نفهم الرجوع إلى الله، ويُصِرُّ كثير منا على أن حوله وقوته بإزاء قوة الله وحوله؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فقد أُصِبنا بمصيبة من بني جلدتنا [أي من أبناء أمتنا أنفسهم].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما السبب الرئيسي الذي تُشير إليه الآية 62 من سورة النساء لوقوع المصيبة على المنافقين؟

رفض الرجوع إلى الله ورسوله والخروج عن المعيار الإلهي

ما الذي يحدث حين يُفقَد المعيار الموحد بين الناس وفق ما تُوضِّحه الآية؟

تنتشر الفوضى والاضطراب ويستمر النزاع

ما الذي يُمثِّله المتر في المثال المضروب لتوضيح أهمية المعيار الإلهي؟

المرجع الثابت الموحد الذي يُقاس عليه

لماذا يُعاقَب من جعل المتر مائة وعشرة سنتيمترًا كما يُعاقَب من جعله تسعين؟

لأن الزيادة والنقصان عن المعيار سواء في الخطأ والعقوبة

ما الذي يدّعيه المنافقون حين يحلفون بالله بعد وقوع المصيبة؟

أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق

ما الجهة التي يُضرب بها المثل للفصل في النزاع حول صحة المقاييس؟

مصلحة الموازين والمقاييس

ما الحكمة من قول الإمام علي رضي الله عنه إن أصعب شيء هو تفهيم من لا يفهم؟

الإشارة إلى صعوبة إقناع من أصرّ على مخالفة منهج الله بعواقب فعله

ما الحل الذي تدعو إليه الآية للخروج من دوامة الفوضى والمصائب؟

الرجوع إلى الله والفرار إليه

ما معنى كلمة التوفيق في قوله تعالى ﴿إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾ وفق السياق؟

التوفيق من الله وحده لا يُنال بمخالفة منهجه

ما الذي يُفقَد أولًا حين يخرج الناس عن المعيار الإلهي وفق تفسير الآية؟

أصول التعامل بين الناس

ما الآية التي يتناولها هذا التفسير من سورة النساء؟

الآية 62 من سورة النساء: ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾.

من المقصود بالذين يرفضون الرجوع إلى الله ورسوله في الآية؟

المنافقون الذين يرفضون التحاكم إلى الله ورسوله ويُصرّون على مخالفة المعيار الإلهي.

ما المقصود بالمعيار في سياق تفسير الآية؟

المعيار هو الرد إلى الله ورسوله، وهو المقياس الثابت الذي تُقاس عليه الأعمال والمعاملات.

ما النتيجة الحتمية لفقدان المعيار الإلهي بين الناس؟

الفوضى والاضطراب والاختلاف الدائم وضياع أصول التعامل والهرج والمرج والخصام والمصائب.

ما الغرض من مثال المتر والمسطرة في تفسير الآية؟

توضيح أن وجود مقياس ثابت موحد ضروري لصحة المعاملات، وأن الرد إلى الله ورسوله هو المقياس الرباني الثابت.

ماذا يحدث حين يكون لكل شخص متر يختلف في طوله عن الآخر؟

تنشأ فوضى عارمة في المعاملات وخصام بين البائع والمشتري لا يُحسم إلا بالرجوع إلى مرجع موحد.

ما وظيفة مصلحة الموازين والمقاييس في المثال المضروب؟

هي الجهة الرسمية التي تملك المقياس الصحيح وتكشف الزيادة أو النقصان وتُطبِّق العقوبة على المزوِّر.

لماذا يُعاقَب من زاد في المقياس كما يُعاقَب من نقص منه؟

لأن الزيادة والنقصان عن المعيار الصحيح سواء في الخطأ والعقوبة، وكلاهما يُفسد المعاملات ويُضرّ بالآخرين.

ما الذي يدّعيه المنافقون بعد وقوع المصيبة وما حقيقة ادعائهم؟

يحلفون بالله أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق، لكن النية الحسنة لا تُلغي النتائج الحتمية لمخالفة سنن الله.

ما معنى قوله تعالى ﴿بما قدمت أيديهم﴾ في الآية؟

أي بسبب ما اقترفوه من رفض الرجوع إلى المعيار الإلهي والخروج عن منهج الله ورسوله.

ما قول الإمام علي رضي الله عنه الذي استُشهد به في هذا التفسير؟

قوله إن أصعب شيء هو تفهيم من لا يفهم، في إشارة إلى صعوبة إقناع من أصرّ على مخالفة منهج الله.

هل تُلغي النية الحسنة النتائج الحتمية لمخالفة منهج الله؟

لا، فالفوضى والمصائب نتيجة حتمية لتحطيم المقياس الرباني وفق سنن الله في خلقه بصرف النظر عن النوايا.

ما الحل الوحيد للخروج من دوامة الفوضى والمصائب وفق ختام التفسير؟

الرجوع إلى الله والفرار إليه، إذ لا ملجأ منه إلا إليه، وهو المعيار الذي يُنقذ المجتمعات من الاضطراب.

ما عاقبة من يُصرّ على الاعتماد على حوله وقوته بإزاء قوة الله؟

يُصاب بمصيبة من بني جلدته أي من أبناء أمته أنفسهم، وهي عاقبة حتمية للإصرار على مخالفة منهج الله.

ما الفرق بين الإحسان الحقيقي والإحسان المزعوم في سياق الآية؟

الإحسان الحقيقي يكون بالرجوع إلى المعيار الإلهي، أما الإحسان المزعوم فهو ادعاء النية الحسنة مع مخالفة منهج الله.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!