والله أعلم| علي جمعة يتحدث عن نهج النبي في يوم عرفة والعشرة الأوائل من ذي الحجة| الحلقة الكاملة
- •العشر الأوائل من ذي الحجة أفضل أيام السنة، فيها نفحات ربانية تتنزل فيها السكينة وتغشاها الرحمة وتحفها الملائكة.
- •صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنة ماضية وسنة قادمة، ويباهي الله سبحانه ملائكته بالحجيج في ذلك اليوم.
- •الأعمال الصالحة في هذه الأيام أرجى للقبول من غيرها، ومنها: الصدقة، الذكر، الدعاء، قراءة القرآن، صلة الرحم، إطعام الطعام، التبسم في وجه الأخ، رد المظالم، زيارة المريض.
- •العمل الصالح لا يقتصر على الصيام، فمن لا يستطيع الصيام يمكنه أداء أي عمل صالح آخر.
- •التلبية أولى للحجاج، ويبدأ التكبير للمسلمين في بلادهم بعد ظهر يوم عرفة.
- •من أخطاء الحجاج: الظن أن الوقوف على جبل الرحمة ركن، أو الصلاة في مسجد نمرة، أو إضاعة الوقت بالثرثرة والنوم.
- •ليست رحلة سياحية أو ترفيهية بل رحلة توبة وضراعة ودعاء واغتنام للفرصة.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء
[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي قال:
«إنَّ لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرَّضوا لها» أو كما قال.
صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. اللهم اجعلنا من الذين يتعرضون لهذه النفحات فلا نشقى بعدها أبدًا.
أهلًا بكم في "والله أعلم"، لنسعد دائمًا في صحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، مولانا أهلًا بفضيلتكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم مرحبا.
سؤال المذيع عن نهج النبي في عرفة والعشر الأوائل من ذي الحجة
[المذيع]: مولانا، من خلال فضيلتكم نريد أن نتعرف على نهج سيدنا صلى الله عليه وسلم في عرفة وفي العشر الأوائل من ذي الحجة. كيف نحيا هذه النفحات؟ كيف نأخذ ونتلمس ونغتنم هذه الفرص الثمينة، وإن شئنا قلنا ما بين قوسين: الذهبية جدًا؟
تفضيل الله لأزمان وأماكن وأشخاص على بعض وإرشاد النبي للنفحات الربانية
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. دلَّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أزمانٍ تفوق أزمانًا أخرى في قضية القبول والعبادة والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى.
فإن الله فضَّل أزمانًا على أزمان، وفضَّل أماكن على أماكن، وفضَّل سبحانه وتعالى أحوالًا على أحوال، وفضَّل سبحانه وتعالى أشخاصًا على أشخاص.
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]
فأرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه المنح الربانية الصمدانية، ونبَّهنا أن في أيام دهركم نفحات.
وصف النفحات الربانية التي تتنزل فيها السكينة والرحمة والبركات
وهذه النفحات الصمدانية الربانية التي تتنزل فيها السكينة، التي تغشانا فيها الرحمة، التي تحفُّنا فيها الملائكة، التي يذكرنا الله سبحانه وتعالى فيمن عنده، التي تنفجر فيها البركات وتعمُّنا متلاطمة كالأمواج.
التي نكون فيها في محل نظر الله سبحانه وتعالى، تجعل الحياة أكثر سعادة، وتجعل الحياة أكثر هدوءًا، وتجعل الحياة أكثر سهولة ويسرًا.
بخلاف نشأتها؛ فإن هذه الحياة نشأت من أجل الابتلاء والامتحان في أصلها، ولكن هذه النفحات تُروِّح عن الإنسان وتجعله قادرًا على شحن قلبه بما يستطيع معه أن يكمل المسيرة في رضا الله سبحانه وتعالى، والوصول إلى رضا الله بالصبر والشكر والذكر والفكر.
العبد الرباني الذي يقسم على الله فيبره ويستجيب دعاءه
بكل هذه الأنواع التي تجعله عبدًا ربانيًا إذا أقسم على الله لأبرَّه، أي إذا قال للشيء كن لكان بإذن الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله يستجيب دعاءه ويكرمه في الدارين.
فمن هذه النفحات نبَّهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رمضان، ونبَّهنا إلى العشر الأواخر من رمضان، ونبَّهنا إلى ثلث الليل الآخر، ونبَّهنا إلى الجمعة، نبَّهنا إلى الصلاة الوسطى، نبَّهنا إلى اسم الله الأعظم، نبَّهنا إلى السبع المثاني في القرآن العظيم.
نبَّهنا عليه الصلاة والسلام إلى العشر الأوائل من ذي الحجة، وهذا هو المقصود الذي نبدأ فيه هذا العام بالعشر الأوائل من ذي الحجة.
ميزة العشر الأوائل من ذي الحجة وفضل صيام يوم عرفة في تكفير الذنوب
[المذيع]: ما الميزة التي أوضحها لنا سيدنا صلى الله عليه وسلم في **العشر الأوائل من ذي الحجة؟
[الشيخ]: أنها أفضل أيام السنة**، وأنها تشتمل على يوم من صامه فقد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه سنة ماضية وما تأخر في سنته اللاحقة. تخيَّل الآن أن الله قد غفر لعبدٍ ما سوف يقوم به من معصية - والعياذ بالله تعالى - في السنة القادمة التي لم تأتِ بعد.
إذن فهو في فضل الله وفي رحمة الله وفي معيَّة الله. ومن يدرك هذا كان الأكابر من الصديقين مثل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه يستحي؛ لما يعرف أن ربنا غفر له، فهو يستحي أن يفعل شيئًا.
الرد على من يظن أن المغفرة دعوة لفعل المعاصي والحياء من الله
بعض الناس يقول:أليست هذه دعوة إلى فعل المعاصي؟
[المذيع]: هذه هي النقطة، سيقول لك: لا شيء فيها، الله سيغفر لي.
**[الشيخ]:**إذا كان موفقًا وقد قُبل صيامه حتى يُغفر له ما تقدم، فإنه سيستحي من الله تعالى - ربنا سيوفقه - ستجد أنه يستحي، حييٌّ.
«ألا استحِ من رجلٍ تستحي منه الملائكة»
في العشر الأوائل؛ التي في اليوم التاسع منها يوم عرفة واليوم العاشر منها ممنوع فيه الصيام والصيام فيه حرام وهو يوم العيد.
تجليات يوم عرفة ومباهاة الله بحجيجه واستجابة الدعاء فيه
لكن في اليوم التاسع يباهي الله سبحانه وتعالى، يحدث شيء من التجليات، من تنزُّل الرحمات، من نزول السكينة، من غشيان الملائكة. يباهي الله ملائكته بحجيجه في عرفات وفي المشاعر المختلفة كالمشعر الحرام ومنى والكعبة وغيرها.
في هذا اليوم يستجيب الله الدعاء للداعين، ولذلك كتب على نفسه الرحمة، وكتب أنه:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]
وكتب على نفسه استجابة الدعاء وقال:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]
ففي هذه الأيام أيام فضيلة ذات خصوصية عظيمة، وهي كما قال رسول الله: أفضل أيام العام.
كل عمل صالح في العشر الأوائل أرجى للقبول وأنواع الأعمال المستحبة
وما ليس هناك عمل يُقدَّم في هذه الأيام أرجى بالقبول من هذه الأيام. فإذا كان هناك عمل، يدخل فيه الصدقة، ويدخل فيه الدعاء.
[المذيع]: المعنى واسع يا مولانا؟
[الشيخ]: تمامًا، ما من عمل تقدمه في هذه العشرة الأيام إلا وهو أرجى وأقرب لاستجابة الله لقبوله ولمجازاتك عليه.
ماذا أفعل إذن؟ افعل كل شيء: تصدَّق، زكِّ، صلِّ، اذكر الله، استغفر، ادعُ، اقرأ القرآن، صُم، أصلح بينك وبين الناس وبِرَّ والديك، اسعَ في مصالح الناس، قم بإكرام الضيف، أي استضف الضيف، أطعم الطعام، أفشِ السلام، قم بالليل والناس نيام.
الأعمال الصالحة لا تتناهى وتشمل إزالة البغضاء ورد المظالم
الأعمال الصالحات لا تتناهى، عددها كبير؛ ستمائة، ثمانمائة عمل عندما نحصي ما نقوم به الآن: إزالة البغضاء التي بينك وبين أخيك، رد المظالم للناس.
كل هذه أعمال صالحة:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
كل هذه أعمال صالحة هي أرجى للقبول؛ لأن من الأعمال ما تصعد به الملائكة إلى السماء فرحين؛ لأنه عمل طيب رائحته جميلة وشكله جميل.
«لَقدِ ابتدرَها بِضعةٌ وثلاثونَ ملَكًا أيُّهُم يصعدُ بِها»
منها الأضحية التي تضحي بها، ومنها التوزيع [لحوم الأضحية]، ومنها زيارة المريض، ومنها - وتستطيع أن تعد هكذا - ستمائة أو سبعمائة عمل له اسم موجود في الأجر الصحيح للعمل الربيح.
العشر الأوائل فرصة ربانية تعود كل عام لغسل الذنوب وعلو الدرجات
الأجر كامل للعمل الربيح؛ لأنه مربحًا.
هذه هى العشر الأوائل التي سنبدؤها في ذي الحجة، وفي كل ذي الحجة يعود الأمر، ولذلك سُمي عيدًا لأنه يعود إلينا هذا الفضل، وهذه النفحة وهذا الكرم، وهذه الفرصة الربانية التي يعطينا الله سبحانه وتعالى فيها هذا الشأن؛ من أجل أن نغسل الذنوب، ونستر العيوب ونيسر الغيوب، وتعلو الدرجات ويوفق الإنسان في حياته.
العشر الأوائل ليست مقتصرة على الصيام بل تشمل كل عمل صالح حتى التبسم
[المذيع]: مولانا، إذن الأمر ليس وقفًا على الصيام في هذه الأيام؟
[الشيخ]: لا، ليس صيامًا فقط، فماذا عن الذي لا يستطيع الصيام؟ هناك أناس لا يصومون رمضان لأنها صاحبة عذر أو لأنها مريضة أو لعارض أو ما شابه ذلك أو سفر أو كبر في السن.
كل عمل صالح، كل عمل صالح، حتى أن تبتسم في وجه أخيك، فالتبسم في وجه أخيك صدقة. تبسُّم في وجه أخيك فقط هكذا صدقة.
«أربعون خَصْلَة: أعلاها مَنيحةُ العَنز، ما من عامل يَعمل بِخَصْلة منها؛ رجاء ثوابها وتصديق مَوْعُودِها، إلا أدخله الله بها الجنة»
قال عبد الله بن عمرو: فجلسنا نعدُّ ما الذي هو أدنى من منحة العنز، فما وجدنا سوى خمس عشرة خصلة.
معنى منيحة العنز وأثر التكافل الاجتماعي في دخول الجنة
أي جلسوا [يتساءلون]: ما المقصود بمنيحة العنز؟ هي أن تُعير المعزة التي تمتلكها لجارك كي يحلبها ثم يردها إليك في آخر النهار، أي أنك لم تدفع شيئًا من جيبك.
لكن معنى الوفاء، ومعنى المودة ومعنى التكافل الاجتماعي الذي يجعلك تتنازل عن معزتك لأنك لست محتاجًا لكوب اللبن الذي فيها، لكي يفعل جارك، معنى سيدخلك الجنة
[المذيع]: ومردوده بهذا القدر [أي كبير]؟
[الشيخ]: نعم، مردوده كبير جدًا. ولكن ما الذي أدون منها؟ فحاول العلماء أن يروا ما الذي أدون منها؟ فبدأوا يجمعوا كل شيء يقال فيه إنك ستدخل الجنة، أو وصية النبي عليه الصلاة والسلام، فوجدوا حوالي مائتي صفة من الصفات.
أمثلة على الأعمال الصالحة البسيطة وأرجحيتها في العشر الأوائل من ذي الحجة
وهي كلها أعمال صالحة، التي منها التبسم في وجه أخيك صدقة، ولو أن تصنع لأخرق - أي شخصًا ليس قادرًا على أن يُلضم الإبرة[أي: يدخل الخيط في الإبرة] فَلضمتها له - قال: هذه صدقة وأنت ستأخذ عليها أجرًا.
فإذا كانت في العشر الأوائل من ذي الحجة كانت أرجى للقبول. في كل السنة هي إن شاء الله تُقبل، لكن هذه كأنك تقول عليها ختمًا بأنها شيء خاص.
[المذيع]: زمن شريف يا مولانا؟
[الشيخ]: زمن شريف وعمل شريف وقبول شريف، الله.
لماذا لا يصوم الحجاج يوم عرفة وحكم صيام أيام الحج الأخرى
[المذيع]: مولانا، ما العلة في عدم صيام الحجاج لهذه الأيام؟
[الشيخ]: للتقوِّي، الحجاج لا يصومون يوم عرفة، لكن يجوز لهم أن يصوموا في غير يوم عرفة، إلا لمن لم يقدم الهدي؛ عليه ثلاثة أيام في الحج.
﴿فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]
فالعشرة الكاملة هذه فيها ثلاثة أيام، فمتى تصومها إذن؟ ستصوم واحد واثنين وثلاثة، يجوز. ستصوم ثلاثة وأربعة وخمسة، خمسة وستة وسبعة، سبعة وثمانية وتسعة، يجوز.
رأي الإمام الشافعي في صيام أيام التشريق للحاج وعلة عدم صيام الحجاج
فهنا ستجد أنه صام هكذا، بل إن الشافعي يقول لك إنك تصوم أيضًا لو فاتك كل هذا ولم تصم: صُم أيام التشريق التي نُهي عن صيامها للحال.
أي في البلد وليس في الحج، أنا هنا هذه أيام أكل وشرب، ولكن هناك وأنا عليَّ ثلاثة أيام، ماذا أفعل؟ أصوم لأكون في الحج؛ لأنه بعدها سينتهي الحج وسنكون قد أنهينا الحج، فلا يكون في الحج إذا كانت ثلاثة أيام في الحج يمكن أن تصوم في أي يوم.
لكن لماذا لا يصوم الحجاج؟ لأنهم يتقوَّون على ما هم فيه من ذكر وعبادة وانتقال.
«والسفر قطعة من العذاب»
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت عائشة تقول: ولو شئت لقلت العذاب قطعة من السفر.
المقارنة بين العشر الأواخر من رمضان والعشر الأوائل من ذي الحجة
[المذيع]: مولانا الإمام، أحيانًا البعض يحلو له أن يقارن ما بين العشر الأواخر من رمضان والعشر الأوائل من ذي الحجة. هل تصح هذه المقارنة على هذا النحو؟ أيهما أفضل؟
[الشيخ]: العشر الأواخر من رمضان ليلها مقدم على نهارها، لأن فيها تنزلات بالليل، والقرآن نزل بليل، ولأن القرآن نزل بليل ففضل الليل.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ﴾ [الدخان: 3]
ليلة، أُنزل القرآن بليل.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ﴾ [القدر: 1-2]
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]
العلاقة بين القرآن والليل وتفضيل نهار العشر الأوائل على ليلها
يوجد سرٍّ ما بين القرآن وبين الليل.
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
هناك شيء ما بين القرآن وبين الليل. ففي هذه الأيام الفضيلة التي نزل فيها القرآن الكريم، علاقة الليل جعلها الله أقوى من النهار.
أما في هذه الأيام العشر [الأوائل من ذي الحجة] فنهارها أقوى من ليلها في هذه العشر. فإذن هناك تفضيل، ويفعل الله ما يشاء ويفضل ما يشاء.
لكن:
﴿وَٱلْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]
ليالٍ عشر التي هي الأيام العشرة من ذي الحجة.
الأدعية المأثورة عن النبي في يوم عرفة والعشر الأوائل من ذي الحجة
[المذيع]: مولانا الإمام،هل هناك أدعية مأثورة عن سيدنا صلى الله عليه وسلم ندعو بها سواء من كان في عرفات أو من كان هنا؟
[الشيخ]: الأدعية كثيرة المأثورة عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم:
«اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، ومن البخل والجبن، ومن غلبة الدين وقهر الرجال»
«نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة»
«اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عنا»
«اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»
«اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا»
أدعية الصحابة والتابعين والأولياء وأهمية أن يجد المسلم قلبه في الدعاء
أدعية كثيرة جدًا واردة عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كن حيثما تجد قلبك؛ لأن هناك أدعية أيضًا عن الصحابة وعن التابعين والأئمة المتبوعين وأتقياء الأمة الصديقين.
أدعية تجد فيها نفسك:
«اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»
«اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك»
«اللهم احشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا»
كل هذه الأدعية لم ترد عن رسول الله، ولكنها أدعية جامعة تجد قلبك فيها، وتجد أنها تلخص قوله تعالى:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
فهي تندرج تحت هذا المعنى الرباني الصمداني الذي أمرنا الله به.
تناسق أمة محمد في الطاعة بين الحجاج والمقيمين في العشر الأوائل
[المذيع]: مولانا الإمام، التكريس لما فيه من العمل الصالح في العشرة الأوائل من ذي الحجة لنا نحن هنا، هل يجعل أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حالة طاعة متناسقة في هذا النسق الجميل؟ هناك يؤدون المناسك، وهنا يقومون بالعمل الصالح، فيبدو المشهد مكتملًا بكل جمالية العبادة والطاعة.
[الشيخ]: بتوفيق الله، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي وهو الذي يوفق. وكثير من أمة محمد يغيب عن نفسه وينسى نفسه في هذه الأيام وفي غيرها.
[المذيع]: ماذا يجب عليه؟
[الشيخ]: يجب عليه أن يعود، أن يتوب؛ لأن هذه أيام أرجى لقبول التوبة فيها. هذه أيام فرصة لأن تتوب ولأن ترجع، فرصة كبيرة كما تقول ذهبية، لا بلاتينية إذا كان البلاتين أغلى من الذهب أو ما شابه، لا بل هي فرصة إلهية، فرصة ماسية.
التوبة في العشر الأوائل فرصة إلهية يظهر أثرها على مدار السنة
فرص إلهية ربانية، والتوبة موجودة هنا. ولذلك على كل من كان قد نسي نفسه أو نسي ربه أن يعود؛ لأنها فرصة سيرى أثرها.
عندما تكون التوبة في هذه الأيام، يجد أثرها عبر السنة، الحمد لله هذه المرة وفقني ربي ولم أعد إلى التدخين مرة أخرى، ولم أعد إلى شرب الخمر، أو أي محرمات يرتكبها الإنسان.
[المذيع]: ما أجمل هذا الرجل الذي دخل إلى الكعبة فوجدها ممتلئة فقال: يا ربي أدعوك بكل ما دعاك به كل هؤلاء.
سبب تسمية عرفة بهذا الاسم وقصة التقاء آدم وحواء فيها
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، نأتي إلى يوم الحج الأكبر يوم عرفة، لماذا سُمي بهذا الاسم؟
[الشيخ]: يوم عرفة لأنه المكان - الوادي - الذي يجتمع فيه المسلمون، والذي يُعدُّ الوقوف فيه من أركان الحج اسمه عرفات.
وسبب تسميته بعرفات قيل أنه عندما نزل آدم وحواء - وهذا من المقولات في الآثار المنقولة عن الأديان السابقة - نزلوا فتباعدوا، وسعى كل منهما من أجل أن يصل إلى زوجه. كانت حواء تبحث عن آدم وآدم يبحث عن حواء، فالتقيا في عرفات؛ فسُميت بعرفات الله.
أو لأن هنا حدث التعارف الأرضي بين الرجل وزوجته في هذا المكان.
دعاء آدم وحواء وخصوصية عرفات في استجابة الدعاء
وآدم وهو يبحث عن حواء كان يدعو، ويدعو ربنا لأنه كان يفتقدها ويخاف عليها وهي غائبة. وهي أيضًا تدعو وهي قادمة إلى أرض غير التي كانت فيها، بقوانين أخرى من قوانين الهواء والجاذبية، وأمور مختلفة بالفعل، فجلست تدعو.
فعندما التقيا كان لهذا المكان خصوصية في استجابة الدعاء، أي أن آدم التقى بحواء في عرفات استجابة للدعاء الذي كانا يشتغلان به، باحثًا كل واحد منهما عن زوجه ورفيق الدرب.
فأصبح صعيد عرفات رمزًا لاستجابة الدعاء، ولذلك يستجيب الله في هذا اليوم، وفي هذا المحفل للحجاج على سبيل الفرد، وعلى سبيل المجموعة.
عرفة كلها موقف ولا يجب الوقوف على جبل الرحمة تحديداً
[المذيع]:
«وقفت بعرفة، وعرفة كلها موقف»
ماذا يعني هذا الحديث؟
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم اختار تبَّة تسمى الآن بـجبل الرحمة، وعليها علامة ومعروفة.
ولكن نبَّه إلى أنه وقوفه هنا - وهو الذي قال:
«خذوا عني مناسككم»
لا يُفهم منه أن كل الحجاج يجب أن تطأ قدمه هذا المكان؛ ولو سعيًا أو انتقالًا أو بقاءً أو لحظة. فهل يجب عليَّ لكي يتم حجي أن أذهب وأقف على جبل الرحمة؟ فالنبي ينبهنا أن لا، وإنما وقفت هنا، وعرفة كلها موقف.
حدود عرفة ووادي عُرَنة ومسجد نَمِرة الذي ليس من عرفة
إذن هو حدَّد عرفة، وعرفة فيها عبارة وهي أنها تعني في وادٍ في بطنها ليس منها اسمه وادي عُرَنة. ووادي عُرَنة هذا هو الذي بُني فيه المسجد الذي يُقال له مسجد نَمِرة، ويُقال له أيضًا مسجد إبراهيم.
وهو [مسجد نَمِرة] الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، في هذا المكان ثم دفع فانتقل إلى عرفة. فالوادي هذا يعني في بطن، وهذه البطن ليست من عرفة.
هنا عرفة، وهنا وادي نمرة أو وادي عُرَنة أو وادي إبراهيم أو المسجد.
[المذيع]: هو بعيدًا عنه؟
[الشيخ]: هو ليس من عرفة.
خطورة الجلوس في مسجد نمرة وضياع الحج بسبب الوقوف خارج عرفات
ولذلك نص الفقهاء وأجمعوا على أن من جلس في مسجد نَمِرة فلا حج له، بل يكون ضاعً حجه؛ لأنه وقف خارج عرفات.
الآن اتسع هذا المسجد حتى دخل جزء منه في عرفة، حوالي عشرة أمتار داخل عرفة. ولكن احتياطًا؛ لأننا لا نعرف بالضبط أين توجد العشرة أمتار وأين الحدود، فلا تجلس في مسجد نَمِرة.
ففي المسجد يوجد تكييف؛ فيميل الناس للجلوس هناك ويقولون لك: لماذا أذهب إلى المخيم ولا تكييف فيه؟ فيفقد حجته؛ لأن
«الحجُّ عرفةُ»
كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفة والوقوف بعرفة من الأركان.
وقت الوقوف بعرفة يبدأ من الظهر وينتهي بالفجر ومن أدركها قبل الفجر أدرك الحج
ويبدأ الوقوف رسميًا من الظهر وينتهي بالفجر. فمن أدرك عرفات في هذا اليوم قبل الفجر، قبل فجر يوم العيد، فإنه قد أدرك عرفات ووقف عليه.
لنفترض أن شخصًا مسافرًا حصل له عارض، وتأخر حتى ترك الحجاج عرفة وذهبوا إلى مزدلفة، حتى نفترض أن الحجاج وصلوا إلى مزدلفة، ثم وصل هو إلى عرفة ولم يجد فيها أحدًا، فمكث فيها ساعة أو ساعتين، فقد أدرك الوقف بعرفة.
ولا يُشترط له أن يجمع بين طرفي النهار والليل، لا يُشترط أن يفعل الحجاج ذلك، لكنه أدرك عرفات لأنه أدركها قبل الفجر.
من تأخر عن عرفة أمامه حتى الفجر ولا حرج في فوات المبيت بمزدلفة
وهذه من المسائل التي قد لا يعرفها كثير من الناس. فعندما يتأخر على المغرب يُقال له: خلاص ضاع الحج.
[المذيع]: لقد غربت الشمس وفات الوقت.
[الشيخ]: لا أبدًا، أنت أمامك حتى الفجر لتذهب إلى عرفات.
حتى الناس مع شدة الزحام، وبعض العوارض التي قد تحدث لا يعرفون كيف يغادرون عرفة حتى الفجر. لا حرج عليهم، يعني فاتتهم مزدلفة، سيمرون عليها ولن يحدث شيء.
ولكن المبيت بالمزدلفة وهو أن يبيت حتى الفجر، هذه السنة، لكن مروره بمزدلفة يُعدُّ ركنًا للمرور بالمزدلفة، فلا يكون عليه دم ولا شيء.
هل صيام يوم عرفة يكفر الكبائر وما يتعلق بحقوق العباد
[المذيع]: مولانا الإمام، فضيلتكم تفضلتم وقلتم لنا أن صيام يوم من العشر من ذي الحجة يكفر ذنوب سنة قادمة والسنة التي مضت.
[الشيخ]: وهو يوم عرفة.
[المذيع]: المكفرات للذنوب، الذنوب هنا، البعض يقول: هل الذنوب حتى لو كانت كبائر؟
[الشيخ]: حتى لو كانت كبائر، لكن ما يتعلق بحقوق العباد لا بد من رده. أما الكبائر في ذاتها حتى لو كانت كبائر: واحد شرب خمرًا، واحد ارتكب جريمة الزنا، واحد كذا إلى آخره.
لكن واحد مغتصب أرضًا أو أخذ رشوة أو سرق، لابد أن يرد هذه الأشياء. لا يكفي قول أنا سأتوب إلى الله والشيء ما زال معي والأرض هذه معي، تبنا إلى الله من الفعل، لكن أين حق الناس الذي يجب عليك أن ترده لهم؟ لا بد من هذا الرد.
سعة رحمة الله وفرحه بتوبة عبده كفرح من وجد بعيره في الصحراء
لكنها تُكفِّر، وربنا واسع ولا يناله منا ضرٌّ ولا ضرر. ولذلك هو يغفر لنا ذنوبنا، وربُّنا لاينتقم منا.
«إنَّ ربَّنا يفرحُ بتوبةِ عبدِهِ كما يفرحُ أحدُكم إذا فقدَ بعيرَهُ ثم وجدَهُ»
هذا البعير يمثّل لهذا الرجل حياته كلها؛ لأنه سيموت في الصحراء من دون هذا البعير لما فقد البعير كان سيموت، ثم وجده ففرح كثيرًا. هكذا ربُّنا - ولله المثل الأعلى- أشد فرحًا من هذا.
من المحروم من فضل العشر الأوائل وأهمية المبادرة بالأعمال الصالحة
[المذيع]: مولانا الإمام، دعني أسأل أيضًا السؤال بشكل آخر، وكنت قد سألته ولكن من أجل التحفيز؛ لأننا ننتهز هذه الفرصة. من المحروم من فضل هذا اليوم؟ من المحروم من فضل هذه الأيام؟
[الشيخ]: الذي لا يقرر فعل الصالحات هو المحروم. وقلنا إن الصالحات هذه كثيرة جدًا، أولها التوبة إلى الله.
أحدهم قضى وقته في لعب البلاي ستيشن أو في لعب السودوكو وترك الذكر، وترك الصلاة، وترك الصيام، ولم يأمر بمعروف، ولم ينهَ عن المنكر، ولم يبرَّ والديه، ولم يصل رحمه، ولم يرد المظالم. كل هذا يعني أنها فرصة ضائعة، يجب عليه أن يفعلها؛ لأنها فرصة لن تتكرر للسنة القادمة، فيجب عليه أن يفعلها.
فقه حب الحياة يشمل الدنيا والآخرة والدنيا مزرعة الآخرة
[المذيع]: لا بد وأن يتفهم فقه حب الحياة حيث يبدأ فقه حب الحياة من هذه الأعمال الصالحات؟
[الشيخ]: الحياة هنا ليست هي الحياة الدنيا فقط، بل هي الحياة الدنيا والآخرة.
فقه حب الحياة يشمل الدنيا والآخرة:
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
فأنا وأنا أعمل هنا في الدنيا، التي هيمزرعة الآخرة، والدنيا فيها بالرضا والتوكل وكل هذه الأعمال الصالحة، قلبي معلق أيضًا بالآخرة التي هي الحيوان؛ لأنها هي الخلود.
أما هنا فأنا باقٍ:
﴿خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]
السعادة الحقيقية في هدوء البال والرضا والتسليم والتوكل على الله
[المذيع]: مولانا الإمام، هل هذه الأمور دافع وخطوات حقيقية لمعرفة مفهوم السعادة الحقيقية لكي نعيش سعداء؟ هذا المعنى وهذا المفهوم الذي تسعى البشرية للوصول إليه.
[الشيخ]: السعادة معناها هدوء البال، السعادة معناها الرضا، السعادة معناها التسليم والتوكل.
وكل هذه الأشياء هي على طرف الثمام كما يقولون، أي أنها أشياء قريبة منك جدًا خاصة في هذه الأيام. يعني في هذه الأيام يقرب الله السعادة للناس إذا ما طلبوا السعادة حقًا.
أما عندما لا يطلبون السعادة ويصرون على ما هم فيه من نكد وبلاء، ليس لديهم رضا ولا توكل ولا هدوء نفسي ولا تسليم. فماذا تنتظر؟ ستنتظر الشقاء والبلاء والنكد، نسأل الله العفو والعافية.
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه والدعاء بالسعادة في الدارين
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
[المذيع]: اللهم اكتب لنا السعادة دائمًا في الدارين.
أشهر أخطاء الحجاج في يوم عرفة وخطورة البقاء في مسجد نمرة
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا. مولانا الإمام، فضيلتك لو نود أن ننبه على بعض الأخطاء التي يقع فيها الحجيج ربما في يوم عرفة. ما أشهر الأخطاء التي يقع فيها الحجاج؟
[الشيخ]: أول خطأ كما ذكرنا هو البقاء في مسجد نمرة، مصيبة كبيرة لأنه يضيع الحج. فهذا خطأ كبير.
ونرى بعض الحجاج يتمسكونَ بالبقاء [في مسجد نمرة] ويقولون: وهل سيختلفُ الحكم لمجرد عبور هذا الخط؟ فما هي إلا خطوة واحدة! اخرج خارج المسجد أكون في عرفة، ادخل داخل المسجد أكون خارج عرفة، هل هذا يعقل؟!
فقضية الفهم هذه وأنه لا يستطيع فهم الدقة والتحديد الذي تم، تعد نوع من أنواع الجهل الذي يودي بالحج كله؛ لأن الحج عرفة.
الصلاة في مسجد نمرة سنة وليست ركناً والوقوف على جبل الرحمة ليس واجباً
القضية الثانية أن بعض الناس يعتقدون أن الصلاة في المسجد ركن من أركان الحج، وهذا خطأ. يمكن أن تصلي في المعسكر الذي أنت فيه؛ لأن الصلاة في المسجد سنة وليست شرطًا. فالصلاة مع الإمام وسماع خطبة الإمام لا يعدان شرطًا لصحة الحج ولا ركنًا من أركانه.
هناك خطأ آخر وهو ظنهم أن من أركان الحج الوقوف على جبل الرحمة، وهذا أيضًا باطل؛ لأنه ليس من أركان الحج إطلاقًا. بل قال:
«وقفت هنا وعرفة كلها موقف»
«وذبحت هنا في منى ومنى كلها منحر»
وأيضًا عندما صلى عند المشعر الحرام صلى هنا، ومزدلفة كلها محل لهذا القبول. فلا تعتقد أن محاولة التماس آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعل أنها ركن من أركان الحج.
خطأ إضاعة الوقت في عرفات بالثرثرة والنوم وترك العبادة والدعاء
القضية التي بعد ذلك هي إضاعة الوقت؛ فيجلسون يثرثرون في عرفات، ويستمعون إلى الأغاني والموسيقى وهم في عرفات! ويشغلون الراديو من أجل إضاعة الوقت، فيضيع عليهم اليوم في اللغو وعدم العبادة.
أو بالنوم مثلًا، فالنوم جائز، ولكن ألم يجد وقتًا للنوم إلا الآن؟! ويترك العبادة فى هذا اليوم، ينام في عرفة ويظل نائمًا حتى قرب المغرب، ثم يقوم ليصلي ركعتي الظهر وركعتي العصر[جمعاً وقصراً] ثم يغادر.
بدلًا من أن يستغل هذا الوقت المبارك، الفرصة! فالسماء مفتوحة للدعاء والالتجاء والضراعة والعبادة المقبولة والتوبة وغير ذلك، لكنه يذهب للنوم.
التحذير من الإسراف والترف في الحج وأنه رحلة توبة وضراعة لا رحلة سياحية
أما الخطأ الآخر فهو الترف،هناك شيء يسمى الرفاهية وهي مقبولة، في أن يكون الجو جميلًا والطعام نظيفًا.
[المذيع]: هل هذا مقبول يا مولانا؟ وما معنى الترف؟
[الشيخ]: الترف هنا أن يعيش في ترف في هذه الأماكن، أن تكون المأكولات والمشروبات أكثر من المعتاد.
نحن لا نريد أن نحدد شيئًا، لكن هناك أناس يفعلون أفعالًا عجيبة وغريبة وفيها إسراف، والله تعالى نهى عن هذا الإسراف لأنه قال:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
فهذه ليست رحلة سياحية ولا رحلة ترفيهية ولا إثبات حالة، بل هي رحلة فرصة، رحلة توبة، رحلة ضراعة، رحلة دعاء.
وجوب وضع برنامج للدعاء والذكر في عرفة وعدم نسيان الدعاء لمصر
فكل هذه أخطاء يمكن أن تُذكر وتُحذَّر منها في هذا اليوم الجليل. بل يجب عليك أن تضع برنامجًا لنفسك في الدعاء وفي الذكر الجماعي أو الفردي.
ولا تنسَ مصر من الدعاء، ولا تنسَ نفسك، وقل:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
لا تنسَ الدنيا ولا تنسَ الآخرة ولا تنسَ نصيبك من الدنيا، ولكن في ذات الوقت اجعل أغلب ضراعتك للآخرة.
كيفية قضاء ساعات يوم عرفة بين الذكر والقرآن والدروس العلمية
[المذيع]: إذن يا مولانا، في هذه الساعات التي ربما يتصور بعضهم أنها ساعات طويلة، كيف أقضيها؟ أقضيها ذكرًا وقرآنًا وأدعية وربما يكون هناك دروس قد انعقدت، هل يمكن الاستماع إلى تلك الدروسً التي يلقيها المشايخ الموجودين في المعسكر؟ ومثل هذه الأمور تُدرج في هذا الجدول أو في هذا البرنامج.
[الشيخ]: بدون شك؛ لأن هذه الدروس فائدتها أنها تعلم الناس أحكام دينهم، وتهدئ البال للتصرفات التي قد يظن [الحاج] أنها تفسد الحج، أو أنها تقلل من الثواب وهي ليست كذلك. العلم رحم بين أهله، فتداول العلم في مثل هذا هو نوع من أنواع العبادة.
حكم التكبير للمسلمين في بلادهم وبداية التكبير بعد ظهر يوم عرفة
[المذيع]: مولانا الإمام، هناك يقولون: لبيك اللهم لبيك. هل يُسن للمسلمين التكبير في هذا اليوم؟
[الشيخ]: لا بأس؛ لأن التكبير هذا نوع من أنواع الذكر، ولكن التلبية أولى.
[المذيع]: المسلمين هنا وليس في المشاعر.
[الشيخ]: أما هنا في بلادنا، بعد ظهر يوم عرفات يبدأ التكبير كما ينص على ذلك الإمام النووي. بعد الظهر نبدأ في التكبير في أثر كل صلاة.
صيغة التكبير المأثورة في مصر وإقرار الإمام الشافعي لها
التكبير لم ترد صيغة معينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وعندما دخل الشافعي مصر وجدهم يكبرون كما نكبر اليوم:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وكانوا يكتفون بهذا إلى ما بعد عهد الشافعي، ثم أضافوا إليها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أنصار سيدنا محمد وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا.
التكبيرة الأخيرة قبل صلاة العيد وتكرارها كثيراً عند المشايخ
وكنا قد أدركنا المشايخ وهم في آخر تكبيرة التي بعدها يُقام إلى صلاة العيد، يقولون تكبيرًا كبيرًا، كثيرًا معناها أن نقول بعدها، نردد الترديد الكثير كبيرًا التي يُختم بها.
[المذيع]: كبيرًا معناها اننا سنقيم الصلاة.
[الشيخ]: كل هذا لم يرد عن الصحابة والتابعين ، إنما هو ورد عن العلماء الأفاضل عبر القرون.
فكان الإمام الشافعي لما دخل ووجد هذا التكبير بهذه الصفة قال - وكانت تقف عند بدايات الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم - قال:
«فإن كبَّر بما يَكبُر به الناس اليوم فحسن»
فاهم ومجتهد[الإمام الشافعي].
أصل صيغة التكبير في مصر ودور الشيخ الشوني في إحياء مجالس الصلاة على النبي
[المذيع]: ليس معنى أنها[صيغة تكبير المصريين] لم ترد عن الصحابة أن نتركها.
[الشيخ]: هو لم يرد شيء، حتى في أشياء منسوبة إلى سيدنا سلمان الفارسي، ولكن هو لم يقل شيئًا فيها.
فالمهم أن المصريين ينبغي عليهم أن يرجعوا إلى التكبير الأول، وأن هذا الذي وجدوه من غير هذه الصيغة المباركة قالوا إنها لم تكن في العيد. نعم، معروف أنها لم تكن في العيد، ولكن في القرن الثاني عندما وجدها الشافعي في مصر، في القرن الثاني الهجري كانت منقولة عن الأكابر الأتقياء الأنقياء الأولياء.
[المذيع]: كانت فيها صيغة الصلاة على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم؟
[الشيخ]: حتى التي فيها صيغة الصلاةعلى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وضعوها علماء الأزهر وأقرُّوها.
الشيخ الشوني ومجالس الصلاة على النبي في الأزهر وإحياء القلوب بها
كان عندنا شخص كان اسمه الشيخ الشوني، والشيخ الشوني كان في القرن العاشر الهجري، أوجد ما يسمى بـمجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الأزهر الشريف.
وأخذ عنه عبد الوهاب الشعراني، أن الشعراني أخذ عن الشيخ الشوني.
وهكذا فقد كان هناك أناس أكابر حتى في بداية القرن وما بعده، وجدوا وأحيوا القلوب بالتعلق بالصلاة على النبي المحمود صلى الله عليه وآله وسلم.
أسئلة من المشاهدين حول الأعمال المستحبة في العشر من ذي الحجة
[المذيع]: مولانا، اسمح لي، سؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما الأعمال التي تحرص عليها في العشر من ذي الحجة؟
- •
الأستاذة نادية الرواس تقول: الصوم، القيام، قراءة القرآن، التقرب إلى الله بالدعاء، الصدقة على قدر المستطاع.
- •
الأستاذة بهيرة عاشور تقول: الأعمال الصالحة، ذكر الله، قراءة القرآن، الصلاة وخاصة صلاة الليل، الصدقة، إطعام الطعام، الصيام وخاصة صيام يوم عرفة.
- •
الأستاذة سوزان إبراهيم تقول: الصيام والدعاء.
- •
الأستاذ محمد يقول: متابعة سيدنا ومولانا الإمام في حركاته وسكناته.
- •
الأستاذة أسماء سعد تقول: قراءة القرآن والتسبيح وذكر الله.
[الشيخ]: كل عام وأنتم بخير.
دعاء ختامي بنزول السكينة والرحمة وقبول الأعمال الصالحة في ميزان يوم القيامة
ونرجو الله سبحانه وتعالى ونسأله في هذه الأيام الفضيلة أن يمنَّ علينا بنزول السكينة على قلوبنا، والرحمة تغشانا من كل جانب، وأن تحفَّنا الملائكة في كل حين.
وأن يجعل صالح أعمالنا في ميزاننا يوم القيامة، وأن يُثقل بها ميزاننا، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
اللهم يا ربنا أكرم هذا البلد، وأهله، وارزقهم من حيث لا يحتسبون، وخفِّف عنهم العناء والبلاء، وارزقهم حسن الأخلاق.
اللهم أبعد عنهم الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق يا أرحم الراحمين. واجعلنا نحيا تحت ظلال وافر شريعة النبي المصطفى والحبيب المجتبى.
الدعاء بالحشر تحت لواء النبي والعلم النافع والتوفيق في الدارين
واحشرنا تحت لوائه يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. علِّمنا العلم النافع، وارزقنا من عندك ما تثبت به الإيمان في قلوبنا.
اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المهديين.
واهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وافتح علينا فتوح العارفين بك. واجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.
واجعل يا ربنا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمة مرحومة.
ختام الدعاء بالمغفرة والتوفيق والصلاة على النبي وتحية الختام
اللهم يا ربنا اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسر أمورنا وتقبل منا صالح أعمالنا ووفقنا إلى ما تحب وترضى، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.
اشفِ مرضانا وارحم موتانا واغفر لحيِّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا، ووفقنا إلى ما تحب وترضى.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[المذيع]: رضي الله عنكم مولانا الإمام الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، وغفر الله لكم. وكل عام وأنتم بخير.
[الشيخ]: كل سنة وأنتم طيبون، والأمة المصرية والإسلامية والعربية بخير.
والله سبحانه وتعالى يتقبل الحجيج عنده بقبول حسن، ويوفقنا إلى ما يحب ويرضى.
[المذيع]: وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. إلى اللقاء.
