والله أعلم |الدكتور على جمعة يتحدث عن الناسخ والمنسوخ ..وحقيقة نسخ بعض آيات القرآن | الحلقة الكاملة
- •النسخ في اللغة يعني الإزالة أو النقل، كقولهم "نسخت الشمس الظل" أي أزالته، أو نسخت الكتابة أي نقلتها.
- •اختلف العلماء في مفهوم النسخ في القرآن الكريم، فالجمهور قالوا بوقوع النسخ على ثلاثة أنواع: نسخ الحكم مع بقاء التلاوة، ونسخ التلاوة مع بقاء الحكم، ونسخ الحكم والتلاوة معاً.
- •قام الباحث مصطفى أبو زيد بدراسة الآيات التي قيل إنها منسوخة فوجد أن كل آية منها قيل إنها منسوخة وقيل إنها غير منسوخة، إلا ست آيات.
- •ثم جاء عبد المتعال الجبري وتتبع هذه الآيات الست فوجد من العلماء من قال إنها غير منسوخة.
- •ذهب علماء مثل الشيخ أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي والشيخ عبد الله الغماري إلى عدم وجود نسخ في القرآن.
- •بعض العلماء فسروا قوله تعالى "ما ننسخ من آية" بأنه يعني نسخ شرائع الأمم السابقة.
- •تكرر النسخ في أربعة أمور: القبلة، والمتعة، والخمر، والوضوء مما مست النار.
مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة وطرح موضوع الناسخ والمنسوخ
[المذيع]: أسعد اللهُ أوقاتَكم بكلِّ خيرٍ، وأهلًا بكم في والله أعلم. نسعد دائمًا بصحبةِ صاحبِ الفضيلةِ مولانا الإمامِ الأستاذِ الدكتورِ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهرِ الشريفِ. هذا لقاءٌ يتجددُ دائمًا، فتتجددُ معهُ هذه الحياةُ لنُصلِحَ هذه الحياةَ بهذا الدينِ.
مولانا الإمامُ، أهلًا بفضيلتِكم
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: ستدور حلقة اليوم عن قضية هامة جدًا في القرآن الكريم عن الناسخ والمنسوخ: ما معنى النسخ؟ ما أنواع النسخ؟ وما حقيقة النسخ؟ اسمح لي في البداية أن أبدأ بهذا المعنى: ما معنى النسخ في القرآن الكريم؟
معنى النسخ في اللغة العربية بين الإزالة والنقل
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. النسخ في اللغة قبل إقرار المصطلحات وتوضيحها عند أهل الفنون المختلفة من تفسير وأصول وفقه ونحو ذلك، فكلمة نسخ أي أزال.
فنقول في لغة العرب: نسخت الشمسُ الظلَّ، يعني كان هناك قليل من الظل هكذا يستظل به المرء، ظل شجرة، ظل جدار، ظل شيء ما هكذا، وبعد ذلك الشمس عندما جاءت ذهبت بهذا الظل، أين ذهب هذا الظل؟
طبعًا هذا الظل هو عبارة عن الظلال التي تمنع وصول ضياء الشمس إلى ما خلفها بحائل كثيف، لكنني لا أرى الشمس وهي ورائي، فعندما جاءت أمامي أصبحت أنا في مواجهة الشمس، فنسخت الشمسُ الظلَّ أي أزالته. إذن النسخ هو الإزالة.
المعنى الثاني للنسخ وهو النقل والعلاقة بين النقل والإزالة
والنسخ أيضًا هو النقل. تقول: نسخت الكتاب، يعني أخذت نسخة ونقلت هذه النسخة في ورق آخر، فيكون قد نسخت الكتاب. فالنسخ معناه الإزالة ومعناه النقل.
فكأنك بعد أن أتممت كتابة الكتاب الجديد كأنها قد زالت من نفسك الحاجة إلى الكتاب القديم، فهذه هي العلاقة بين النقل وبين النسخ. الشمس تنتقل فتُزيل، والكتابة تنقل فتُزيل الحاجة إلى الأصل القديم.
فهذا معنى نسخ، يعني نقل فأزال، معناها هكذا. هذا في اللغة، عندما نأتي لامرئ القيس أو عنترة أو زهير بن أبي سلمى، الناس الذين كانوا في الجاهلية ويقول لهم: نسخت الشمس الظل، يفهمون هكذا، يقولون لك: نعم، الشمس جاءت وجهي.
فهمت منها ما معنى النقل: انتقال الشمس من مكان إلى مكان مما يسبب إزالة الظل من هذا المكان، يعني محو القديم بالجديد.
الانتقال من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي للنسخ عند الفقهاء
فعندما جاءت العلوم وجاءت فكرة. الفكرة اختلفت. هذه الفكرة أننا سننتقل الآن من الدائرة اللغوية إلى الدائرة الاصطلاحية حيث الفن في الفن ولقاء الفنون بالعلوم.
فقال: والله طيب يا أخي، نحن الآن أليس هناك أحكام وضعها ربنا ثم تغيرت هذه الأحكام، أو كان سامحًا بها ثم لم يسمح بها، أو كانت تغيرت، فيكون هذا التغيير هو عبارة عن نسخ.
مثال تحريم الخمر كنموذج للنسخ والتدرج في الأحكام الشرعية
ربنا ترك الكلام عن الخمر، فالخمر في شريعة اليهود حلال تمامًا، أي اشرب حتى تصبح مخمورًا ولا يحدث شيء.
أما الخمر في شريعة سيدنا عيسى، فبولس يقول: وقليل من النبيذ يصلح المعدة، أي ليس إلى درجة أن تفقد توازنك وتسقط، بل هو مثل إصلاح فقط وكفى. يعني إذن أصبح هكذا بمعنى أنه رشفة صغيرة.
فعندما جاء سيدنا محمد ﷺ كانوا جميعهم يشربون الخمر، كل أهل قريش كانوا يشربون الخمر. ليس هذا فحسب، بل كان الاقتصاد مبنيًا عليها.
محاولة أمريكا منع الخمر وفشلها بسبب الاقتصاد المبني عليها
مرة أراد الناس في أمريكا في سنة أربعة وعشرين أن يمنعوا الخمر لما فيها من أضرار صحية واجتماعية، لكنهم لم يستطيعوا لأنهم وجدوا خسارة كبيرة للاقتصاد ستترتب على عدم استغلال العنب وعصير العنب وعصير التفاح وعصير البصل وعصير لا أعرف ماذا التي يحولونها إلى خمر.
أصبحت صناعة قائمة ولها القائمون عليها سواء إنتاجًا أو استهلاكًا، فلم يستطيعوا، أصبح له سوق كبير ومتمكن في هذا الجانب الذي هو الجانب الاقتصادي لهذه الصناعة.
جعلهم لا يستطيعون التوقف بالرغم من إقرارهم أنها داهية من الدواهي وأنها مصيبة من المصائب وأنها ضارة صحيًا وأنها أضر من بعض المخدرات حتى تلك المحرمة في القانون، فالخمر أضر منها، لكن الناس لا يشتهون المخدرات كما يشتهون هذه البلوى.
التدرج في تحريم الخمر في الإسلام من السكوت إلى التحريم الكامل
وعندنا في الإسلام الذي جاء بعد ذلك جعلها أم الخبائث وحرّمها تحريمًا جزئيًا. قال ماذا في البداية؟ قال:
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]
وبعد ذلك حرّمها عليهم بالنهار دون الليل؛ لأنه بالليل الشخص سيخلد إلى النوم فلا يستطيع [أن يصلي وهو سكران]. ثم حرّمها عليهم تمامًا إلى أن أصبحت الخمر تُسمى أم الخبائث، أي أكبر الكبائر وأعظم العظائم وكذلك إلى آخره.
قام الفقهاء بتسمية هذه [العملية] ناسخًا؛ لأنها انتقلت من حكم إلى حكم، وزال الحكم الأول الذي هو المسكوت عنه بحكم آخر مؤقت في تحريمه، بحكم آخر اشتد فيه التحريم حتى جعله أم الخبائث وكبيرة من الكبائر، وبإزائه حد يُحد فيه الإنسان إذا سكر هذا السكر عن عمدٍ وعن قصدٍ وكذا إلى آخره.
تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة كمثال على النسخ
ولذلك تغير الحكم. في مكة يقولون لك: حسنًا، أنت توجهت إلى بيت المقدس كقبلة، والنبي ﷺ يحب كثيرًا الكعبة ويعلم أنها محل نظر الله وأنها بيت إبراهيم الذي بناه.
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِـمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ﴾ [البقرة: 127]
فكان يجعلها بينه وبين بيت المقدس فيكون متوجهًا إلى الكعبة ولبيت المقدس في ناحية واحدة. فلما ذهب إلى المدينة تغير الحال وأصبح يلزمه أن يولي وجهه نحو الشمال في حين أن الكعبة في الجنوب، فاختلف الوضع.
فلما جلس يدعو ربه:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]
فربنا سبحانه وتعالى غيَّر حكم القبلة من البيت المقدس الذي هو قبلة الأنبياء من قبل إلى الكعبة المشرفة التي هي محل نظر الله وأول بيت وضع للناس.
الأحكام الأربعة التي تكرر النسخ لها في نظم الإمام السيوطي
[المذيع]: فهل أول منسوخ في الإسلام هي القبلة يا مولانا؟
[الشيخ]: لا، هذا تكرر النسخ لها. وها هو أيضًا الإمام السيوطي يقول: أربعة تكرر النسخ لها، جاءت بها الأخبار والآثار: فقبلة ومتعة وخمرة، كذا الوضوء مما تمس النار.
يعني الأربعة هؤلاء وردت نسوخات عليهم:
- القبلة.
- زواج المتعة: النبي عليه الصلاة والسلام أباحه وتركه، ثم حرمه، ثم وأباحه، ثم وحرمه في ستة مواضع في البخاري حرَّم زواج المتعة.
خلاف الشيعة في زواج المتعة وبيان أنه خلاف فقهي لا عقدي
ولذلك الشيعة اختلط عليهم الأمر ويقولون حتى اليوم بجواز زواج المتعة. نقول لهم: لا، أنتم مخطئون. فهذه ليست من الأصول التي بيننا وبينهم، إنما هي مسألة فقهية، حكم فقهي ناتج عن النظر في الدليل.
ولذلك يعني أنها مسألة بسيطة؛ لأنه حتى الآن الذي يتزوج عندهم في المتعة لا أحد يتزوج زوجته في هذه الفترة، وإذا حملت منه طفلًا فالولد له، وعليه نفقتها وعليه مهرها وعليه كذا وكذا.
لكن مسألة أن الزواج لا يكون مؤقتًا من البداية هي التي تُمثل مشكلة في التوقيت، وهي نقطة الخلاف بين المذهب الجعفري من أهل البيت وبين مذاهب أهل السنة والجماعة.
الوضوء مما مسته النار وتكرار النسخ في أحكامه
عندما حدث في المتعة إحلال وحدث فيها تحريم، وكذلك الخمر الذي ذكرناه، والوضوء مما مسته النار.
أي لو كنت قد أكلت مثلًا قطعة بقلاوة فعليك أن تتوضأ. كان الأمر هكذا في البداية لأنها مستها النار، مثل الخبز الذي نأكله، وقليل من الأرز، وقليل من المكرونة، وقطعة لحم. لماذا؟ لأنها مستها النار.
وبعد ذلك قال النبي ﷺ: لا، دعونا من هذه المسألة، وصلوا. ثم قال: لا، إذا مست النار فتوضؤوا. وبعد ذلك قال: لا، الله عفا عنكم فلا تتوضأوا بعدها.
أمور [كأمور] الصيام هذه تكررت عليها [الأحكام].
الأربعة ما هي؟ ليست هي الأحكام المنسوخة، لا، بل هي التي تكرر عليها النسخ، كل واحدة منها ثلاث مرات أتت عليها أحكام مختلفة متتابعة: حرام، حلال، حرام، ثلاث أو أربع مرات.
نظم السيوطي في الأحكام التي تكرر نسخها والتمييز بين وقوع النسخ وتكراره
أربعة تكرر الناس لها، جاءت بها الأخبار والآثار: فقبلة، ومتعة، وخمر، وكذلك الوضوء مما تمس النار. هذه الأربعة كنا نحفظها ونحن صغار لكي ونتغنى بها ونجيب في برنامج والله أعلم عندما تسألنا.
[المذيع]: الحمد لله الذي حفظ لك هذا العلم.
[الشيخ]: الحمد لله. فالقضية هنا هي النسخ. فبالطبع هناك أحكام كثيرة نُسخت، وكثير منها كما يقول سيدنا [رسول الله ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»
فهذا يعتبر نسخًا، حيث كان في البداية ممنوعًا زيارة القبور، ثم أصبحت القبور [زيارتها] سنة لكي أدعو للمقبور وأدعو للأهل الذين قد سبقونا إلى ربنا سبحانه وتعالى.
أمثلة على النسخ في السنة النبوية كادخار لحوم الأضاحي وكسر آنية الخمر
قال رسول الله ﷺ: «إنَّما نَهَيتُكُم مِن أجلِ الدَّافَّةِ الَّتي دفَّت حَضرةَ الأَضحى ، فَكُلوا وتصدَّقوا وادَّخِروا»
هنا بالدال، من أجل الدافة يعني المتدفقين علينا، يعني كأنه [قال]: من أجل الدافة ألا فكلوا وادخروا. أباح لنا هذا.
كسروا آنية الخمر لكي يحدث عندنا هزة نفسية، بأننا حتى الإناء الذي فيه الخمر سنكسره. وبعد ذلك قالوا له: يا رسول الله، ألا تسامحنا فنغسلها ويكفي؟ الآن نضعها في الثلاجات ونستخدمها ونبيعها وهكذا. قال: حسنًا، انتفعوا بها، لا يحدث شيء.
إذا فأما الحكم الأول لا، وبعد ذلك نعم. وقس على هذا الكثير.
عدد الأحاديث المنسوخة والفرق بين وقوع النسخ وتكراره في السنة
الحازمي في الناسخ والمنسوخ من الآثار عدَّ نحو مائتي حديث في هذه المسألة. بعض المحققين قالوا إن هذه الأحاديث أحد عشر حديثًا فقط، أحد عشر حديثًا فقط التي ذكر فيها النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمر قد تغير وأن نسخًا قد تم.
إذن هناك فرق بين وقوع النسخ وهناك فرق بين **تكرار النسخ وبذلك ترتسم الصورة أن بعض الأحكام التي أرادها الله سبحانه وتعالى إنما هي نُسخت، وبعضها تكرر النسخ له، وكل ذلك في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
[المذيع]: إذن هذه أنواع النسخ مولانا إذن سنخرج إلى فاصل قصير ثم نعود، وقد بينت فضيلتك أن من خلال هذه السنة نعرف ما الذي نُسخ. إذن كيف نستدل على الناسخ والمنسوخ بأدلة عقلية ونقلية؟ فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
النسخ في القرآن الكريم ومعنى كلمة النسخ عند السلف بين التخصيص والتغيير
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام ضربت لنا أمثلة عن النسخ في السنة وفي الأحاديث الشريفة. ماذا عن النسخ في القرآن الكريم، وكيف نتتبع لكي نرى أو نتفهم هذه القضية، قضية النسخ في القرآن الكريم؟
[الشيخ]: العلماء القدامى الذين هم السلف الصالح والصحابة وغيرهم، كانت كلمة النسخ عندهم تحمل معنيين وليس معنى واحدًا:
- •المعنى الأول هو الذي أطلقنا عليه فيما بعد في العلم المتخصص التخصيص.
- •والمعنى الثاني هو التغيير الذي كنا نتحدث فيه في مجال السنة.
تاريخ مصطلح النسخ عند الصحابة والتابعين والفرق بين التخصيص والتغيير
فكلمة نسخ في لغة ابن عباس، في لغة الناس التي هي لغة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، في لغة سفيان الثوري، في لغة كذا، قد تحتمل [التخصيص] وقد تحتمل [التغيير].
بعض الناس لأننا النسخ عندنا الآن هو تغيّر وانتهى الأمر، لا يخطر في بال الناس الآن من ناحية المصطلح؛ لأن هذا اسمه تاريخ المصطلح. نعم، لكن المصطلح الجاري بين الناس الآن هو النسخ، يعني تغير، لا ينتبهون إلى التخصيص.
الراسخون في العلم وأهمية الملكة الفقهية في فهم العلل الخفية
ولذلك هذا هو الذي نسميه ماذا؟ الراسخون في العلم. الراسخون في العلم هم الذين يعرفون هذا تماما مثل العلة الخفية، لا يعرفها إلا الراسخون من المحدثين. أما الذي يقرأ ويطبق أمورًا ظاهرة لا يعرفها فتخفى عليه.
فالراسخون في العلم هذه مرتبة وصل فيها العلم إلى درجة الملكة، لم تعد مجرد معلومات بل أصبحت ملكة، وقد تكلم الله عن الراسخين في العلم هؤلاء.
[المذيع]: وحضرتك دائمًا تقول الملكة الفقهية في مصطلح فضيلتك.
[الشيخ]: لا يمكن أن يكون الشخص فقيهًا إلا إذا كان صاحب ملكة فقهية صحيحة، ودربة تجعله قادرًا على تلقي كل المشكلات، ولديه كيفية في نفسه وقدرة على حلها. هذا هو الفقيه.
الفرق بين فَقُه وفَقِه وفَقَه وأفعال السجايا وأفعال المغالبة
لأن هناك فرقًا بين فَقُه وفَقِه وفَقَه. فَقُه يعني أن يصير الفقه له سجية، يعني طبيعة مَلَكَة. شَجُع تعني أن الشجاعة له سجية، هو هكذا طبيعته شجاع. كَرُم تعني أن الكرم فيه خصلة وطبيعة فُطِر عليها.
هكذا لوحده هكذا هو. فعندما تضم العين التي هي الحرف الأوسط للكلمة والذي يسمى العين الخاصة بالكلمة، يصبح ذلك ما نسميه أفعال السجايا، يعني صار الفقه له سجية. ولذلك اسم الفاعل منه فقيه لا فاقه.
فَقِه يعني فهِم. فَقَه سبق غيره إلى الفهم، إلى الفقه، يعني يسمونها أفعال المغالبة. لكن هذه أفعال السجايا، أفعال السجايا غير أفعال المغالبة. أفعال المغالبة شيء وأفعال السجايا شيء آخر. فالفقيه من فقُهَ المضمومة هذه التي هي فيها مَلَكَة.
اختلاف العلماء في النسخ في القرآن وأقسامه الثلاثة عند الجمهور
اختلفوا في معنى النسخ في القرآن الكريم. فالجمهور الذي لسنا منهم، يعني أنا لست مع الجمهور، أنا مع البعض الآخر؛ لأننا عندما قلبنا الأمر حدثت أشياء غريبة جدًا.
[المذيع]: أنتم الناس، أى العلماء، الراسخون في العلم في هذه النقطة
[الشيخ]: وكذلك هناك راسخون في العلم سبقونا. جمهور الناس عبر القرون يقولون لك أن هناك نسخ في القرآن، هناك نسخ على أنحاء.
قلنا لهم: ما هي هذه الأنحاء؟ قالوا:
- نسخ حكم والتلاوة باقية.
- نسخ تلاوة والحكم باقٍ.
- نسخ حكم وتلاوة معًا.
فتكون ثلاثة أقسام.
رفض نسخ التلاوة وموقف العلماء المعاصرين من هذه المسألة
قلنا لهم: هل هناك شيء من القرآن نزل ثم لم نجده؟ فقالوا: نعم، هذا التلاوة تكون نسخ التلاوة، نوعين: إما أن نُسخت التلاوة وبقي الحكم، أو نُسخت التلاوة والحكم لم يبق. ونوع ثالث أن أمامي التلاوة باقية ولكن حكمها منسوخ.
سيدنا الشيخ عبد الله الغماري أستاذنا، وكان معنا الشيخ أبو زهرة، وكان معنا الشيخ محمد الغزالي، وكان معنا مجموعةٌ كبيرةٌ من العلماء قالوا: نحن نرفض هذا الكلام[نسخ التلاوة].
[المذيع]: ما الذي ترفضونه يا مولانا؟ نسخ التلاوة؟
[الشيخ]: نعم، هؤلاء رفضوا نسخ التلاوة؛ لأننا نعتقد أن كل آية من آيات القرآن لها فائدة، وأن القرآن نُقِلَ إلينا بتمامه وكماله، وهناك ما يدل على ذلك في القرآن.
نظرية النسء عند الإمام الزركشي وتطبيق الآيات بحسب شروطها
بعد ذلك هذا الرأي للعلماء شاع وذاع، ثم وجدنا له سندًا من الماضين. وجدناه عند الإمام الزركشي له أصل. وهو يقول إن هناك ما يسمى بالنسء، ليس النسخ، بل بالهمزة نسء.
ما هو النساء يا سيدنا الشيخ الزركشي؟
قال إن كل الآيات لها شروط، تطبق حين وقوع شروطها.
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
نعم، طبقها عندما لا يكون هناك اعتداء عليّ ولا شيء، ولا يوجد أحد يعتدي عليّ. هذه نقطة أولى.
نقطة ثانية: أنا أشيع السلام وأدعو الناس إلى السلام بالكلمة الطيبة. نقطة ثانية، أقول لهم: لكم دينكم ولي دين.
تطبيق آية لكم دينكم ولي دين وآية القتال بحسب شروط الواقع
لنفترض أنني وجدت الجيوش الجرارة آتية لتستعمرني لكي تأخذ مواردي وتذهب إلى لانكشاير لتصنع الصوف وتبيعه لنا مرة أخرى، وتصنع الأقطان وتبيعها لنا مرة أخرى. لا، سأقاتل يا أخي في سبيل الله دفاعًا عن النفس الذي أقرّه كل العقلاء في اتفاقية جنيف الأولى وجنيف الثانية في الكفاح المسلح.
أننا ندافع عن أوطاننا وعن أنفسنا وعن أموالنا وعن أعراضنا وعن حق تقرير المصير إلى آخر ما اتفق عليه العقلاء. وانتهت الحقبة الاستعمارية الذميمة وأصبح لنا وجود في أمريكا وفي غرب أوروبا وفي اليابان وهنا وهناك كثرنا أو قلّلنا.
فإذن
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾[الكافرون:6]
لا أواجه الناس:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]
لأن الذين يقاتلون لم يعودوا يقاتلوننا. فيقول احدهم: حسنًا لكنه يمكر بنا. حسنًا لماذا لا تمكر به؟ ألا يجلس للتفاوض؟ حسنًا لماذا لا تجلس للتفاوض معه، فتكون محترمًا.
كل آية لها شروط تطبيقها ورفض نظرية نسخ آيات القرآن
إذن كل شيء من هذا بشروطه؟ لها شروط. إذا اعتدى عليّ سأعتدي عليه بمثل ما اعتدى عليّ. إذا جلسنا للمفاوضات، جلسنا ملتجئين إلى المبادئ العليا الأخلاقية وإلى العقل ومقرراته وإلى المصالح وإلى المبادئ.
العملية الواضحة جدًا.
نظرية النساء [أي النسء]: أنا لا أعترف بشيء يسمى هكذا [النسخ في القرآن]، هذه نُسخت، وهذه نُسخت، وهذه نُسخت.
لدينا من ألف في الناسخ والمنسوخ مثل الواحدي ومثل ابن سلام ومثل السيوطي ومثل غيرهم إلى آخره، فأجرينا بحثًا لطيفًا كانت بدايته الشيخ أبو زهرة.
بحث مصطفى أبو زيد في الآيات المنسوخة ونتائجه المذهلة
حيث أحضر [الشيخ أبو زهرة] أحد الباحثين المتميزين الذي أصبح فيما بعد أستاذًا كبيرًا وهو مصطفى زيد أو مصطفى أبو زيد، وقال له: ابحث لنا في هذه المسألة.
فقام مصطفى أبو زيد بجمع الآيات التي قيل عنها أنها منسوخة، وكان عددها حوالي مائة وسبعين أو مائة وثمانين آية. وتتبعها فوجد عجبًا عجابًا وأمرًا مسترابًا.
[المذيع]: ماذا وجد مصطفى أبو زيد، هذا الباحث الكبير؟
[الشيخ]: أصدر دكتوراه في مجلدين [ النسخ في القرآن] وجد أن هناك مائة وسبعين أو ثمانين آية، كل آية منها قيل إنها منسوخة وقيل إنها غير منسوخة، يعني الأمر وضده.
الست آيات المتبقية وبحث عبد المتعال الجابري الذي نفى النسخ كلياً
فأنا سأتفق مثلا مع من يقول إنها ليست منسوخة. يتبقى لي كم آية؟ هل توجد آيات يا مصطفى - الذي أصبح الدكتور مصطفى بعد ذلك - هل توجد آيات قال فيها أحد أنها منسوخة ولم يقل أحد أنها غير منسوخة؟ قال: ست آيات.
فكان الشيخ أبو زهرة في المناقشة قال له: هانت يا مصطفى، يعني مائة وخمسين آية أو مائة وثمانين آية، تبقى ست آيات فقط. الحمد لله أنها ليست كثيرة، اقتصرت على ست آيات فقط. هانت يا مصطفى.
جاء الأستاذ عبد المتعال الجابري بعد ذلك، وكان من تلاميذ مصطفى أبو زيد، فأمسك بهذه الآيات الست وتتبعها وتتبع مرة ثانية المائة والثمانين كلهم.
[المذيع]: ماذا وجد؟
[الشيخ]: لا يوجد نسخ في القرآن.
إثبات أن كل آية قيل إنها منسوخة وُجد من العلماء من نفى نسخها
كيف؟ قال: كل آية حتى الستة، الستة؟ أنت تقول لا يوجد أحد [نفى نسخها]؟ لا، ابن حزم قال أن هذه ليس فيها نسخ. أنت تقول ليس فيها نسخ، حسنًا النحاس قال أن هذه ليس فيها نسخ. حسنًا أنت تقول فيها نسخ، حسنًا مجاهد قال ليس فيها نسخ.
يبقى إذا أكمل على عمل مصطفى الذي كان يعتقد بناءً على بحثه أن هناك ما اتُّفِق عليه أنه منسوخ، بعد ذلك تبين بمزيد من البحث والتتبع أنه لا يوجد آية واحدة أجمع الناس عليها أنها منسوخة.
بطلان دعوى أن آية السيف نسخت مائة وثلاثين آية بالبحث والتتبع
فعندما يقول أحد لك إن آية السيف نسخت مائة وثلاثين آية، هذا ليس له حقيقة بالبحث والتتبع، ليس له حقيقة. إنه كلام شخص ظن أن هذه ألغيت وهذه ألغيت وهذه ألغيت وهذه ألغيت.
فأصبح لنا حق أن نطلع على كلام الشيخ الغماري العلامة المحدث الفقيه الذي شوشوا عليه وعتموا عليه من أجل التيارات السلفية والتيارات النابتة وما إلى آخره.
[المذيع]: أي أن هناك تعمد وقصد واضح من التشويش، والكذب على الرجل؟
[الشيخ]: طبعاً حيث يمثل أهل السنة والجماعة، بينما يمثل الآخرون مناهج نصية حرفية تريد أن تخرجنا من العصر وأن نسحب زمن النبي وليست حياة النبي على زمننا.
الفرق بين حياة النبي وزمن النبي وخطر الاغتراب الحضاري على الشباب
وهناك فرق كبير بين زمن النبي وحياة سيدنا صلى الله عليه وسلم. نحن نعيش حياة النبي، لكن زمن النبي لا يعيشه أحد، ولا أولئك النابتة.
وهو يشكل لهم مشكلة كبيرة تزداد معهم الآن، وكثير من أبنائهم ألحد بسبب هذه الفجوة
[المذيع]: والاغتراب الحضاري والتاريخي الذي يعيشونه يا مولانا؟
[الشيخ]: إنهم يعيشون اغترابًا حتى عن الإسلام. ولذلك نحن نعيش حياة النبي عليه الصلاة والسلام. علَّمنا حب الحياة الدنيا ولكن كجزء من الآخرة.
﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]
علَّمنا أننا نحب. يقول ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «لو كان في يد أحدكم فسيلة وقامت القيامة فليغرسها»
والله هذا حب للحياة قوي جدًا.
حب الحياة الدنيا من مدخل رباني والدعاء بحسنة الدنيا والآخرة
لكن باعتبارها أنني عرفت أن كل من عليها فانٍ وأنّ القيامة قادمة، سأموت، لكن عمرها لأجل أن تنال ثوابًا عند الله. الحياة في سبيل الله؛ لأن قلبك لا بد أن يكون متضرعًا متعلقًا بالله، وإلا ستصبح الحياة الدنيا كدرًا.
لكن عندما تدخل إليها من مدخل ربنا ستجدها منيرة بالله، وستجدها جميلة وتقول:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
افتقدوا هذا [أصحاب المناهج الحرفية].
ملخص الأقوال الثلاثة في النسخ في القرآن بين التخصيص والنسء والتغيير
لكن على كل حال نعود لقضية النسخ في القرآن وأنه على ثلاثة أنحاء عندهم. هذا للفريق الذي يقول أن معناها التغيير.
إذن معنا من السلف الصالح من قال أن معناها التخصيص، وهو أن أخصص الحكم بحالة أو زمان أو مكان أو أشخاص أو أحوال معينة.
والثاني قال: لا، هذه معناها [النسء] وهي نظرية النَسَاء.
والآخر قال: لا، هذه معناها التغيير.
واختلفوا في كل الآيات. النتيجة إذن أنهم اختلفوا في كل الآيات.
موقف الشيخ علي جمعة وتبنيه رأي عدم وجود نسخ في القرآن الكريم
فتبنينا
[المذيع]: هذا هو السؤال: ماذا تبنى مولانا الإمام من هذه الآراء؟
[الشيخ]: تبنينا الذي تبناه الشيخ أبو زهرة والشيخ محمد الغزالي والشيخ فلان وعلان وتركان من الأمة وعبد المتعال الجبري أنه لا نسخ في القرآن.
وأنه كلما ستأتي لي بآية سأقول لك إنها ليس مختلف فيها. حسنًا، أنا مع الذين يقولون إنها غير منسوخة، ماذا ستفعل؟ وسأحضر لك الطبري يقول إنها غير منسوخة، والقرطبي يقول لنا إنها غير منسوخة، والرازي يقول لنا إنها غير منسوخة.
تقول لي: لكن ابن كثير يقول [إنها منسوخة]. قلت له: حسنًا، أنا سأتبع الطبري في هذا الموضع، وهذا معتبر وذاك معتبر.
منهج الترجيح بين أقوال العلماء في كل آية على حدة
سآتي إلى الآية الثانية وسأقول له إن ابن كثير يقول لنا إنها غير منسوخة، وابن حزم يقول لنا [كذلك]. فيقول لي: حسنًا لكن الطبري يقول إنها منسوخة. قلت له: حسنًا، اتفق أنت مع الطبري وأنا اتفق مع هؤلاء.
الزاهد يقول أنها ليست منسوخة، ما رأيك؟ إذن أنا لم أخالف أحدًا؛ لأنني على نهج السابقين.
لماذا تفعل ذلك؟ لماذا أنت مُصِر هكذا؟ لأن لدي اعتقاد بأن القرآن هداية وأن كل حرف فيه لا بد أن يهز مشاعري وأحوله إلى برنامج عمل وأبني عليه أحكامًا.
القرآن هداية محكمة لا يأتيه الباطل ويجب استعمال كل آياته
يا إخواننا إنه يقول:
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
إنه يقول:
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾ [هود: 1]
إنه يقول:
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: 1]
يا جماعة إنه الكتاب:
﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]
يجب أن أستعمله، يجب أن اعتبره كله. ليس كلما تأتيني بآية تقول لي: لا، هذه نتلوها فقط، وبعد ذلك سنرمي الحكم لأنه نُسخ. لا يا أخي، القرآن ادخل له بنظرية النَسَاء ولا تدخل له بأنه قد نُسخ فيه شيء.
تفسير آية ما ننسخ من آية أو ننسها على أنها نسخ شرائع الأمم السابقة
ولذلك دائمًا سيواجهني ويقول لي:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]
[المذيع]: **كيف أفهم هذه الآية الكريمة؟
[الشيخ]: ** تفسير ابن عبد السلام نقل عن أبي مسلم الأصفهاني أنه قال: ما ننسخ من آية من الأمم السابقة من التوراة أو من الإنجيل إلا ونأتي بخير منها أو مثلها في القرآن.
ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها. هذا في قبيل الشرائع، وبدون شك أن كل نبي نسخ ما كان قبله من شرائع السابقين حتى جاء الخاتم صلى الله عليه وسلم.
ختم النبوة يعني ختم النسخ والتمسك بهداية القرآن الكامل
وهو سُمي بالمُعقب وبالعاقب؛ لأنه جاء أخيرًا، رسول الله وخاتم النبيين. وهذا الرسول الخاتم نسخ ما كان قبله ثم لا نبي بعده، لا يوجد شيء سينسخ هذا.
ولو كانت النبوة مستمرة لكان النسخ مستمرًا. ولذلك فالذي يجعلنا مصممين هو تمسكنا بهداية القرآن.
ولماذا نحن متمسكون بهداية القرآن بهذه الدرجة؟ لأنه مبهر. ماذا سنفعل؟ إنه شيء مبهر كما تحدثنا مرارًا وسنتكلم إلى يوم الدين أن هذا الكتاب مبهر في جزئياته وكلياته.
دعوة الشباب الملحدين إلى تجربة القرآن بمنهج علمي بدلاً من الإنكار
ولذلك نقول للشباب الذين يقولون إنهم يريدون الإلحاد وما شابه، نقول لهم: حسنًا، أليس العلم يقول لكم أن تجربوا؟ فلماذا لا تجربون تجربة مع القرآن، وتجلسون بهدوء وتبحثون وترون إلى أين سيوصلكم. فلماذا لا تفعل ذلك يا عزيزي؟ فهل هذا هو العلم الذي تتبناه أن تنكر وتستهزئ وتسخر وتتهكم وتقابل وهكذا. هذا ليس علمًا؛ لأنه يُحسنه كل أحد مع كل حقيقة، ويقدر أن يفعل ذلك.
خلاصة موقف الشيخ من النسخ في القرآن بأنواعه الثلاثة وأنه خالٍ منه
فإذن هذا هو مخطط كلمة النسخ التي نرى أن القرآن خالٍ من النسخ بأنواعه الثلاثة:
- •في نسخ التلاوة مع الحكم.
- •ونسخ التلاوة دون الحكم.
- •ونسخ الحكم دون التلاوة.
بل إن القرآن قابل للبناء عليه دائمًا، وهذا أيضًا لا يخرجنا مما كان عليه علماء الجماهير عبر العصور.
[المذيع]: اسمح لنا مولانا أن نذهب إلى فاصل قصير فيما نعود بسرعة لنطرح تساؤلات أخرى، ولكن بعد الفاصل. ابقوا معنا.
سؤال المذيع عن كيفية فهم آيات تحريم الخمر في ضوء نفي النسخ
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا، إذا سمحت لنا أن نعيد عليك بعض التساؤلات التي بدأنا بها، فقد فهمنا معنى النسخ، وفهمنا هذا التصور وهذا الطرح الحقيقي من خلال هذا المنهج التجديدي والإصلاحي.
ولكن الآيات المتعلقة أو الأحكام المتعلقة بالخمر، كيف أفهم بعد طرح فضيلتك هذا المعنى من خلال هذه الآيات حينما تغير الرأي بالنسبة إليها شكلًا وموضوعًا وحكمًا؟
رأي الإمام الغزالي في أن الخمر لم تحل في أي ديانة وإنما سُكت عنها
[الشيخ]: يقول الإمام الغزالي إن الخمر لم تحل في أي ديانة. انتبه جيدًا، واحذر من هذه النقطة، فهي محرمة دائمًا.
لكن عندما جاء الإسلام سكت عنها، فهي مسكوت عنها، لم يغيرها، بل هي مسكوت عنها. حفظ العقل من المقاصد الشرعية التي راعاها كل دين. وأثناء سكوته عنها جاء وقال: إياكم أن تشربوها. انظر إلى هذا الكلام: احذروا أن تشربوها أثناء الصلاة، ولكن خارج الصلاة لم يتكلم. استمر الصمت، لم يعطِ حكمًا.
لكن عندما أعطى، أعطى بالمنع.
النبي لم يشرب الخمر قط وليس في هديه إباحة لها قبل النبوة ولا بعدها
ثم أن سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يشرب خمرًا قط، وكان إذا حضر مجالس قريش قبل النبوة وفيها خمر، فإن الله يُلقي عليه السكينة وينزل عليه النعاس فينام، فلم يحضر مثل هذا قط.
إذن أنا ليس عندي من هدي المصطفى لا قبل النبوة ولا بعد النبوة الإباحة، ولا عندي في النص الموجود الإباحة لكي نقول أنه تكرر النسخ له.
هذا نسخ تلقائي هكذا، آلى، لكن هو حقيقته أنه سكت ثم بيّن. سكت لكنها حرام، ممنوع، يعني سوف تمنع في يوم من الأيام.
التدرج في تحريم الخمر ليس نسخاً بل تدرج في الحكم وضبط المصطلحات
وبعد ذلك حرّمها في وقت، لكنها محرمة في بقية الأوقات، ثم حرّمها في كل وقت. فهذا التدرج، هذا لا نسميه نسخًا، بل نسميه **تدرجًا في الحكم.
لأننا نريد أن تكون المصطلحات واضحة. هذا ليس نسخًا بالطبع نحن أمام مشكلة أخرى إن العلماء عبر القرون سمّوه نسخًا.
نعم، فنحن أمام تراث. ولذلك نقول يجب أن نقرأ التراث بحيث نستوعب مناهجه ولا نقف عند مسائله، يعني نفكر ونتدبر وننتقي ونأخذ ونبني عليه وهكذا.
ضرورة قراءة التراث بوعي مع مراعاة تغير الزمان والمكان والأشخاص
لماذا؟ لأن التراث وليد زمنه، والزمن قد اختلف. وظهر عقل هذا الزمن والمواصلات والتقنيات الحديثة والحدود المعرفية والنماذج المعرفية كلها تغيرت.
والجهات الأربعة: الزمان والمكان والأشخاص، كلها تغيرت. حتى الشخصية ظهرت لدي شيء يسمى الشخصية الاعتبارية التي لم تكن موجودة من قبل.
ولذلك يجب علينا أن نقرأ التراث ونلتزم به، لكن بعد الفهم العميق وبعد عملية التجريد وبعد عملية أخذ المناهج وعصرها وبعد عملية ثانية من البناء لهذه المناهج حتى يصلح البناء عليها في العصر الحديث.
الموقف الصحيح من التراث بين التطرف في جره إلينا والتطرف في إلغائه
الموقف من التراث موقف مضحك: واحد يريد أن يجر زمن التراث إلينا، والآخر يريد أن يلغي التراث، وكلاهما إفراط وتفريط.
أى كما يقولون بالإنجليزية (extreme) أي متطرف، هذا متطرف وذاك متطرف. لا، نحن نحترم بشدة التراث؛ لأنه نتاج عقول تقية نقية وبذلت فيه من المجهود ما الله به عليم، وكل أمة لا بد أن تفعل بتراثها هكذا وإلا ضاعت وذابت في العالم وفي العصر.
ماذا نفعل؟ المناهج. وماذا نترك؟ المسائل؛ لأن المسائل زمنية لكن المناهج كلية. هذا هو موقفنا من التراث.
أركان التجديد الخمسة في الدين والفرق بين تجديد المناهج وتغيير الأحكام
بعض الناس كانوا يقولون لنا: نريد أن نجدد، تجديد. ماذا يعني التجديد يا أبنائي؟ التجديد ليس كما يظنون، بل التجديد عندنا قائم على خمسة أركان:
- المعرفية (الإبستمولوجيا)، وبها ننجو من التخلف.
- المنهجية (الميثودولوجيا).
- النموذج المعرفي (البراديم).
- الموقف من الواقع، أي أدوات إدراك الواقع، يسمونها العلوم الإنسانية والاجتماعية الآن، من نموذجي الفكري الذي يؤمن بالله ويؤمن برسوله ويؤمن باليوم الآخر ويؤمن بالمطلق ويؤمن بأشياء كثيرة.
- وخامسًا الموقف من التراث.
إذا حددت نفسك في هذه الخمسة وكان لك رأي فيها جددت الدين.
ما الذي يجدده التجديد الحقيقي وثبات الأحكام الشرعية الأساسية
ما الذي جددته في الدين؟ جددت تعاملك مع المصادر، جددت الشبكة التي سوف تستنبطها لبناء البرامج عليها اليومية. لن تجدد الأحكام: أن الصلاة واجبة أو ليست واجبة، أن الخمر حرام أو حسنًا لقد كانت دائمًا حرامًا والصلاة دائمًا واجبة.
انما هو القضية الإبستمولوجية المنهجية لكي يطير أبناء المثقفين عندما نقول لهم بالإنجليزية.
والموقف من التراث وأيضًا إدراك الواقع بعوالمه الأربعة المتشابكة. لو فعلتَ هذا فأذهب بعدها للإفتاء.
الإفتاء بين إدراك النص المقدس والمنقول والواقع والملكة الفقهية
فالإفتاء هو إدراك النص. والنص منه مقدس وهو الكتاب والسنة، منه محفوظ وهو الكتاب، ومنه منقول موثق وهي السنة، ومنه غير مقدس وهو النتاج البشري.
هذا هو النص. والواقع: إدراك الواقع سيأتي، ها هو الذي هو واحد من الخمسة هناك. والتراث ها هو الذي هو واحد من الخمسة هناك.
والوصل بينهما الملكة التي تستطيع أن تجعل المطلق نسبيًا، أن تجعل المعقد برنامجًا يوميًا، أن تجعل ما الذي أقوم به فاعلًا أو لم أفعل.
ليس لي دخل بالأخكام الأحكام فهي ثابتة: السرقة حرام، والوصايا العشرة مُقدسةٌ كما هي في كل دين وستبقى هكذا.
النظام الأخلاقي في القرآن والسنة وتجديد الدين من خلال الأركان الخمسة
لكنني أتعامل مع نظام أخلاقي مثل خمسة وتسعين في المائة من القرآن وخمسة وتسعين في المائة من السنة. وهذا النظام الأخلاقي مع أحكامه المبثوثة فيه من أجل الحفاظ عليه، من هذه الخمسة نُجدِّد الدين ونجدد الخطاب الديني.
قال رسول الله ﷺ: «يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي أمر دينها»
فنحن نريد تجديد أمر الدين بتجديد هذه الخمسة.
خطورة غياب التصور المحكم للتجديد وضرورة وجود برنامج عمل واضح
[المذيع]: مولانا من خلال هذا التصور المحكم لمعنى التجديد والإصلاح والأدوات، **إن لم يؤخذ بهذه الأدوات، إن لم يوضع هذا التصور المحكم، فماذا يصبح التجديد ؟
[الشيخ]: حرثًا في البحر؟**
لأنه لا يوجد أحد يعرف ماذا يُجدِّد، ولا ماذا تريد أن تُجدِّد ، وليس هناك برنامج عمل للتجديد.
نحن نقول: جدِّدوا يرحمكم الله. أي ماذا نفعل؟ ماذا يعني؟ هل نغير الصلاة ونجعلها مثلًا بدلًا من الظهر نجعلها هكذا شيئًا حديثًا؟ نجعل الظهر ثلاثة؟ نجعل الصلوات الخمس نجعلهم مثلًا اثنان ونصف؟ يعني ماذا نفعل؟ يعني نجدد وهكذا. فالناس حائرة هكذا.
المعرفية في التراث الإسلامي وأهمية تعلم المنهجية قبل الادعاء بالتجديد
لكن عندما أقول له: هل تدري شيئًا عن المعرفية التي كتب عنها العضد الإيجي، والتي كتب عنها التفتازاني والشريف الجرجاني، والتي كتب عنها المرعشلي، والتي كتب عنها البيضاوي والأصبهاني؟
يقول لي: أي معرفية؟ نعم، إذن تعال تعلم. هل تعرف المنهجية التي تتمثل في التجريد والتقعيد وكذا وكذا؟
هم يقولون: لا، أول مرة أسمع عن هذه المنهجية. قلتُ: حسنًا، تعالَ اعرَف وحوّل هذا الكلام الذي هو موجود ومبثوث كسريان الماء في الورد إلى شراب ورد يا أخي، لكي يشرب الناس ويستمتعوا.
التجديد يحتاج صناعة ثقيلة والفرق بين المجدد المبدع والبناء العادي
لأن المياه التي في الورد ستفيد الناس الذين في الفرح كيف؟ لن تنفع. لكن عندما تعصرها وتحليها وتصنعها وتقدمها لهم شرابًا يُسمى شراب ورد سينفع.
إذن هي تحتاج إلى صناعة ثقيلة. هل تعرف النموذج المعرفي؟ هل تعرف موقفك من التراث وكيف تنشئ معيارًا للأخذ والرد؟ هل تفرق فيه بين المناهج والمسائل؟ هل تعرف كيف تدرك الواقع بعوالمه المتشابكة وتصنع فيه تحليلًا للمضمون؟
يقول لك: ما هذا الكلام وما شأني وأنا لا أريد أن أفعل هكذا؟ حسنًا، كن أداة من الأدوات التي تبني الصرح، لكنك بهذا الشكل لست مجددًا، أنت بانٍ، بناء.
المجدد الذي صنع لنا نموذج الهرم هذا، أما العمال الذين بنوه في عشرين سنة ليسوا مبدعين. أما هذا المُبدع المُجدد فشأنه مختلف.
أسئلة المشاهدين حول وجود آيات منسوخة في القرآن الكريم
[المذيع]: اسمح لى مولانا معي بعض ردود السادة المشاهدين على سؤالنا على صفحة الفيسبوك: ما رأيك في القول بوجود آيات منسوخة في القرآن الكريم؟
الأستاذة عزة عبد الحميد تقول: ليتنا أولًا نعرف معنى منسوخ ولماذا نسخ، وقد كان الله قادرًا على أن ينزل الآية المنسوخة مباشرة، وما تفسير قوله تعالى في سورة البقرة:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]
إلى آخر الآية الكريمة؟
أستاذة سحر أحمد هاشم: نؤمن أن كل آية وكل حرف وكل نقطة في القرآن الكريم لها حكمة من الحكيم سبحانه وتعالى، والحمد لله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
الأستاذ عبد الهادي علي: لا أؤمن بذلك؛ لأن كلام الله تام اللفظ والمعنى، ولا يحتاج إلى أن نقول هذا منسوخ وهذا ناسخ؛ لأنه سيكون هنا خلل في منظومة الفهم الصحيح لمراد الله من كتابه الكريم، ونستدل بهذا القول من علامتنا الشيخ محمد أبو زهرة الذي نفى أن يكون هناك ناسخ في الكتاب الكريم.
خاتمة الحلقة والدعاء بإصلاح الدنيا بالدين ورفع الالتباس عن الناس
[المذيع]: إلى آخر هذا الكلام الطيب للأستاذ عبد الهادي.
[الشيخ]: نرجو الله في هذه الحلقة التي انتهت أن نكون قد ألقينا شيئًا يكشف عن كل هذه التعقيبات. شكرًا لكم.
[المذيع]: مولانا الإمام، شكر الله لكم. ونلتقي بكم دائمًا على هذا الخير، نصحح هذه الدنيا بهذا الدين وفق هذا المنهج الذي ينبه الناس ويرفع الالتباس. دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
