والله أعلم | فضيلة الدكتورعلي جمعة يتحدث عن القصص القرآني وحكم التشكيك فيه | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | فضيلة الدكتورعلي جمعة يتحدث عن القصص القرآني وحكم التشكيك فيه | الحلقة الكاملة

49 دقيقة
  • القصص القرآني ليس روايات أو سرداً تاريخياً، بل بناء لمنظومة فكرية عقلية سلوكية أخلاقية نافعة لحياة الإنسان.
  • يتطلب القصص القرآني التدبر للوصول إلى مستويات عميقة من الفهم، فهو شبكي وليس خطياً.
  • ورد ذكر الأنبياء في القرآن ليس بترتيب زمني، بل لبيان قيم مختلفة مثل العلاقات الأسرية وقيمة التربية.
  • تتنوع الدروس المستفادة من قصص الأنبياء كالصبر عند أيوب والشكر عند سليمان والوفاء وإكرام الضيف عند إبراهيم.
  • يُحدثنا القرآن عن الأنبياء ليكونوا قدوة فيقول: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده".
  • يحتوي القصص القرآني على مطلقات تتجاوز الزمان والمكان وتنظم حياة البشر.
  • من يشكك في القصص القرآني يفتقر للمنهجية الصحيحة ولم يبذل الجهد الكافي لفهمه.
  • تمتاز قصص القرآن بالتركيز على جوانب الهداية والنسق المعرفي الأخلاقي بدلاً من التفاصيل غير المهمة.
  • تهدف القصص إلى إصلاح الحياة وتحقيق السعادة من خلال اتباع منهج الله.
محتويات الفيديو(54 أقسام)

مقدمة اللقاء مع الدكتور علي جمعة حول مفهوم القصص القرآني

ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير.

[المذيع]: أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا ودومًا مع صاحب الفضيلة مولانا الدكتور علي جمعة، وعضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، لنقرأ في منهجه الأصول عن مفهوم القصص القرآنية، وما الذي يميز هذا القصص القرآني عن القصص الإنساني الشارد والوارد بيننا كثيرًا.

لماذا ساق الله سبحانه وتعالى هذا القصص في القرآن الكريم مولانا الإمام؟

حديث النبي عن القرآن الكريم وكيفية فهم القصص القرآني في ضوئه

[الشيخ]: أهلا بفضيلتكم، أهلا وسهلا بكم.

[المذيع]: مرحبا، سيدنا صلى الله عليه وسلم يقول فيه [أي في القرآن الكريم]: خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل. كيف نفهم مفهوم القصص القرآني في ضوء هذا الحديث؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا الحديث أخرجه الإمام الترمذي من طريق الحارث الأعور عن سيدنا علي، وكان الحارث رضي الله تعالى عنه من أشد الملتصقين بعلي، ولذلك وجد من كثير من الناس توهينًا له، ولكن صحح أحاديثه وكثير من الأئمة، ولخص ذلك شيخنا الشيخ عبد العزيز الصديق في كتاب ما تنفي تصحيح ما ورد عن الحارث الأعور.

صحة حديث الحارث الأعور وسياق الحديث عن القرآن كمخرج للفتن

فلا يغتر طلبة العلم بتوهين بعضهم للحارث في هذا الطريق، فالحديث صحيح وهو من رواية علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن سيدنا رسول الله، أنه كان هناك اجتماعٌ في المسجد ودخل عليهم فوجدهم يتحدثون عن الفتن وكيف المخرج منها.

فقال: المخرج منها كتاب الله، فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم، هو الجد وليس بالهزل، إلى آخره. فهذا السياق جاء في أن الكتاب الكريم هو مخرج للفتن، ولكن الكتاب له شروط، وأول شرط أنه:

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

الشرط حتى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

شرط التقوى لفهم القرآن والفرق بين القراءة النافعة والقراءة المتربصة

إذا كان الإنسان تقيًا فإنه سيقرأ القرآن بعين تفيده وتفيد المجتمع والناس وتفيد الكون وعمارة هذا الكون. أما إذا قرأه بطريقة تأباه أو تتعالى عليه أو تبحث عن تناقضات فيه متربصًا بنفسه فيتربص، فهو عليه معمى.

هو نفس القرآن، الله سيغلق عليهم أبوابه لأنه لا يحبه، لأنه بالجد وليس بالهزل. الحكاية ليست هزلًا أن تجلس تلعب معه، أو أنك فكثير من الناس عندما يقرأ القصص القرآني لا يتعمق فيه من أجل أن يصل إلى حالة التدبر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

القصص القرآني ليس سرداً تاريخياً بل بناء لمنظومة فكرية وأخلاقية

القصص القرآني ليست روايات وليس سردًا تاريخيًا، فالقصص القرآني يُراد أن نجعله حجة لبناء منظومة فكرية عقلية سلوكية أخلاقية نافعة لحياة الإنسان حتى يحيا الإنسان.

إذا دخلنا إلى قصص القرآن من هذا الباب، تفتحت لنا الأبواب ووجدنا في كل حرف وفي كل حركة وسكون، ونحن نتخيل هذا، وجدنا شيئًا واسعًا في العلاقة بين الإنسان وربه، في العلاقة بين الإنسان ونفسه، وفي العلاقة بين الإنسان وكونه.

وهي تلك العلاقات الثلاث التي اهتم بها الدين أساسًا:

قال النبي ﷺ: «اتقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ»

العلاقات الثلاث في الحديث النبوي وضرورة التأمل في القصص القرآني

[المذيع]: هذا إنه بيننا، هذا كان هنا، نعم. فإذن هي الثلاث علاقات هذه في هذا الحديث يا مولانا. في هذا الحديث لكي ننتقد قراءة هذا الحديث بهذا الطرح وبهذه الزاوية؟

[الشيخ]: إذن فعندما نتأمل في القصص القرآني ينبغي علينا أن نتأمل فيه على مستويات. عندما أرى أن الملائكة أتوا إلى سيدنا إبراهيم، فسيدنا إبراهيم راغ يعني ذهب هكذا، هو أحضر فراغ فأتى بعجل حنيذ.

يبقى إذن أتأمل في هذا الوضع أنهم غرباء لا يعرفهم ولا يعرفونه، لم يتحقق معهم إذا كانوا من المؤمنين أو من غير المؤمنين، إذا كانوا معه أو ضده، إذا كانوا من قوميته أو من ضيوف.

إكرام الضيف في قصة إبراهيم وتحويل القصص القرآني إلى برامج عمل

إذن، إكرام الضيف من الخلق العالي الذي يريدنا الله أن نحوله إلى برامج عمل في هذه الحياة الدنيا. وبعد ذلك بعد أن تكلف وعمل عجلًا، اليوم لكي نشتريه بثلاثين أو خمسة وثلاثين ألفًا، تخيل أنه ذبحه والعجل حنيذ هذا هو العجل الحنيذ.

[المذيع]: وربما هو العجل الحنيذ يا مولانا، كلمة حنيذ تعني طريًا.

[الشيخ]: أي أنه يزن أكثر من ستمائة وخمسين كيلوغرامًا، إنه شيء عظيم متينة. وبعد أن فعل ذلك وأخذ يقدم لهم المشويات والمأكولات وما إلى ذلك، فوجد أيديهم لا تصل إليه، فأنكرهم وأحس منهم خوفًا.

القصة القرآنية تخاطب الضيف والمضيف معاً ومفهوم العيش والملح

كيف له أن يحس منهم خوفًا؟ لأن هذه القصة تريد أن تخاطب الضيف أيضًا، وليس المضيف فقط. المضيف قام بواجبه وقدم الطعام، ولكن الضيف الذي لا يريد يأكل الطعام هذا لغير علة يكون قد جاء ليؤذيني.

أوه، خذوا منها شيئًا أعمق من ذلك، وهو يا أخي أن بيننا عيش وملح، يا أخي نحن أكلنا عيشًا وملحًا. إذن ليس من الأخلاق الطيبة ما تفعله الجماعة الإرهابية بعدما كانوا في وسطنا وأكلوا طعامنا وشربوا شرابنا أن ينقلبوا علينا.

علينا أن نواجه هذا الانقلاب باللسان والسنان، فهذه ليست أخلاقًا. لو أنهم تربوا على خلق القصص القرآني، لكان هناك وفاء.

الوفاء عند المشايخ وقصة الشيخ أحمد الغماري في صلاة الجمعة خلف المذياع

وهذا الوفاء وجدناه في مشايخنا عندما رأينا ما منَّ الله علينا به، نحن أدركنا مشايخ وتعلمنا منهم، فوجدنا أخلاقًا أخرى.

[المذيع]: ماذا تعلمتم منهم؟

[الشيخ]: يعني مثلًا، أنا أعطيك مثالًا بسيطًا جدًا: كيف تقرأ القصص النبوي أو القصص القرآني في جانب الأنبياء؟ يعني من هذا الوفاء الذي كان للشيخ أحمد بن الصديق الغماري رأي هكذا.

[المذيع]: نعم، ما هذا الرأي الذي لم يوافقه عليه كثير من العلماء؟

[الشيخ]: أنه يجوز صلاة الجمعة خلف المذياع. قالها لمن؟ إلا للمجاهدين الجزائريين الذين كانوا يجاهدون الاحتلال الفرنسي الغاشم في الجزائر، فقالوا له: ماذا نفعل؟ إننا نكون في الخنادق ونكون كذا إلى آخره ولا نعرف الروح المتصاعدة. قال: صلوا خلف المذياع.

الخلاف العلمي حول صلاة الجمعة خلف المذياع بين الشيخ الغماري والشيخ حمادة

الناس يعني العلماء لها شروط أخرى، اختلفوا معه فكتب كتاب الإقناع في صحة الصلاة خلف المذياع. فلما اختلف العلماء في ذلك وقف معه على سبيل يعني النصرة الشيخ أحمد مرسي رحمه الله النقشبندي.

فالشيخ أحمد مرسي عندما وقف معه زميل له أيضًا نقشبندي كان اسمه الشيخ أحمد حمادة، ألّف كتابًا ضد الإقناع، يعني الإمتاع في الرد على الإقناع.

[المذيع]: الإقناع في الصلاة خلف المذياع، نعم.

[الشيخ]: فرد عليه بالإمتاع في الرد على الإقناع، وأصبحت مسألة علمية لطيفة سائرة: هل ينفع أم لا ينفع تمامًا؟

قصة الوفاء بين الشيخ أحمد مرسي والشيخ الغماري في مسألة الصلاة خلف المذياع

وتوفي الشيخ أحمد الغماري رحمه الله سنة ألف وتسعمئة وستين، وكنت أنا مع الشيخ أحمد مرسي سنة ألف وتسعمئة وثمانين، أي بعد وفاته بعشرين سنة، والشيخ تجاوز الثمانين لأنه من أواخر القرن التاسع عشر.

فجاء يوم الجمعة وكنت أذهب لأصطحبه ونذهب إلى المسجد نصلي، فأذّن الأذان، قال لي: ألا نصلي خلف المذياع؟ صاحب الإمتاع أتنتبه؟ لا، الذي هو شخص آخر، الذي هو المؤيد، الذي هو ليس الشيخ أحمد حمادة، إنه الشيخ أحمد مرسي.

فنظرت إليه هكذا وقلت له: هل أنت مقتنع أن هذا يصلح؟ قال لي: والله، هل يوجد من الأدلة؟ شيء اسمه الوفاء.

الوفاء للشيخ الغماري وقصة الإمام الشافعي مع ترك القنوت في مقام أبي حنيفة

ليس أن نجلس ونتجادل مع بعضنا ونفعل كذا إلى آخره. هات الآن النابتة، لا يمكن أن يكون عندهم ولن يفهموا حتى كلامي الذي أقوله وفاءً للشيخ أحمد [الغماري]، لأنه هو على قيد الحياة أنا كنت بيده، فلو رجعت في رأيي بعدها، يعني فقط وفاءً له، ممكن.

فهو اجتهاد، ففكرني بالإمام الشافعي عندما جاء ليصلي الفجر في مقام الإمام أبي حنيفة النعمان، ترك القنوت. فقالوا له: لماذا تركت القنوت؟ أليس القنوت سنةً وعليه سجود سهو وكذا، وفيه أدلة وحديث أنس وغير حديث أنس وما شابه؟

قال: استحييت وأنا في هذا المقام، يعني وفاءً لأبي حنيفة. الله! هذا الوفاء الذي كانوا يعلِّمونه عمليًا.

الوفاء المستفاد من قصص الأنبياء والاهتمام بالأسرة والصدق والصبر

أتلاحظ طبعًا أننا نزلنا وصلينا في المسجد لأنني قلت له: في القلب منها شيء، فلندع الأمر كما اتفقنا عليه. لكن هذا الوفاء الذي يُعلِّمه هو ما نريد أن نأخذه من قصص الأنبياء.

هذا الوفاء العجيب الذي يظهر الاهتمام بالأسرة مثلًا، الاهتمام بالأسرة والذرية التي في قصة سيدنا زكريا، الصدق، الصبر، كل هذه الأمور التي أصبحت الآن شيئًا وكأنه خارج التاريخ.

يريد الله أن يقول لنا أن هذا نظام أخلاقي منذ خلق الله الخلق وإلى يوم القيامة، وأنه لا تصلح إلا به حياة الناس. فيجب علينا أن نأخذ من هذا القصص ما يُصلح به حياتنا بعد التدبر على مستويات من العمق لا تتناهى.

ما يميز القصص القرآني من قصص الأنبياء وقصص غير الأنبياء

[المذيع]: ما الذي يميز القصص القرآني؟

[الشيخ]: القصص القرآني يتحدث أولًا عن قضية الأنبياء، ومن الأنبياء نستفيد أشياء كثيرة جدًا من جانب التشريع، ومن الجانب الأخلاقي، ومن جانب فقه الحياة، ومن جانب ما الذي يرضي الله وما الذي لا يرضيه، ما الذي يحبه الله وما الذي يكرهه، حتى نتقارب مع ما يحب ونبتعد عما يكره. وهذا يتميز باسم قصص الأنبياء.

والقسم الثاني من القصص هو قصص أناس غير أنبياء، ولكن كانت في قصصهم عبرة، كقصص ذي القرنين، وقصص الخضر عليه السلام، والقصص المتعلقة بعزير عليه السلام، ويمكن أن نضيف أيضًا لقمان طبعًا والسيدة مريم، آسية بنت مزاحم زوجة فرعون وهذا هو اسمها في العربية.

قصص أصحاب الجنة والأخدود والمبادئ العليا التي تقوم عليها الأمم

وهكذا أصحاب الجنة في سورة نون، وأصحاب الأخدود وما فيها من تصميم على الحق وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وأمثال هذه المبادئ العليا التي على مثلها تقوم الأمم.

ولذلك بعض الناس يقول: القصص القرآني ما الذي يفيده للأمة؟ يفيد هذا النسق والنظام الأخلاقي المتكامل، ويكون حجة له أنه عندما يأتي أحدهم ويقول: ما دليلك على هذا؟ نقول: قال تعالى.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وهو مؤدَّى في ذات الوقت بصورة قصصية مشوقة تجذب الناس لمعرفة الأحداث، ولكنه لا يقف عند التفاصيل.

القرآن يركز على النسق الأخلاقي لا على التفاصيل التاريخية كقصة آدم

عندما تذهب إلى قصة آدم في كتب السابقين، تجد أنه طوله ستون ذراعًا وأن هو كان من أي شجرة وأن زوجته كان شكلها كيف ووسوس لها الشيطان كيف، هل كان في صورة أفعى أم في صورة ثعبان.

كل هذا الكلام لن تجده في القرآن؛ لأن القرآن يلفت نظرك وبصيرتك وبصرك إلى النسق المعرفي الأخلاقي الذي به قوام الحياة، وليس أن آدم كان طوله ستين ذراع، كان طوله ستة أمتار، أو ستين ذراعًا أي أربعة وعشرين مترًا.

يمكنك أن تجد هذا في الأحاديث وفي لوائح الأحاديث، ونناقش في الأسانيد وهكذا، لكنها ليست موجودة في القرآن.

الهداية هي المقصودة من القصص القرآني وأمر الاقتداء بهدي الأنبياء

لماذا ليست موجودة في القرآن؟ لأنه:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [يوسف: 111]

يعني الهداية هي المقصودة، فبهداهم اقتدِ، اقتدِ بهداهم يا أيها المؤمن، يا أيها النبي، يا أيها، يا أيتها الأمة. انظروا كيف يرضون ربنا وبماذا؟ برضا وكرم الضيافة، من الصدق، من هذه القوة، مما يرضي الله:

قال النبي ﷺ: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ عندَ اللهِ مِنَ المؤمنِ الضعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ»

المعاني هي الصبر والرضا والتسليم.

سليمان الشاكر وأيوب الصابر والقرآن ليس كتاب تاريخ بل نسق أخلاقي

سليمان الشاكر وأيوب الصابر، ويذكرهم معًا سليمان وأيوب. لماذا يعني؟ الشاكر والصابر، هذا كان شاكرًا وهذا كان صابرًا، فيحصل ويقول لك: الله، طيب أخواي هؤلاء بعيدان عن بعضهما في الزمن.

أما هو ليس كتاب تاريخ ولا كتاب جغرافي، لأنه ليس تاريخًا، ليس تاريخ لا زمان ولا مكان. هذا يلفتك إلى شيء أخلاقي يجب عليك أن تستخلصه أولًا حتى يدربك على كيفية فهم كلام الله، وثانيًا تحوله إلى برنامج عمل تعيش فيه حتى تقتدي به اقتداءً يرضي الله عنك.

خطورة القراءة السطحية للقصص القرآني ومقارنته بالأدب الإنساني

إذا لم نتناول القصص بهذه الكيفية، يعني ماذا؟ أن ما قصص موسى وخلاص وموسى وعيسى وهارون وهكذا. وهذا الذي يحاولون أن يوصلوه للشباب فيجعلهم وهو يتعامل مع قصصه يا مولانا حتى يظنوا أن هذه قصص تافهة وأنها سطحية.

وأن قصة مدينتين أو البؤساء لفكتور هوجو أفضل منه وأعمق منه، يعني هذه قصص وهذه قصص، فهذا أفضل كذلك.

[المذيع]: تمام، نعم.

[الشيخ]: حسنًا، لكن الأمر ليس كذلك. وأنتم هكذا يا أولاد، خطأ. القراءة الخاطئة هذه التي نقول إن جماعة الإخوان الإرهابية تقرأ خطأً، ونقول إن داعش تقرأ خطأً، ونقول أيضًا إن الذي يدعو إلى الاستهانة يقرأ خطأً.

معنى التدبر في القرآن والوقوف أمام الجملة القرآنية بعمق

حسنًا، فما هو الصحيح إذن؟ تأمل، يقول لك:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]

لماذا أنت غير راضٍ أن تتدبر؟ والتدبر معناه أنك تقف أمام الجملة وترى من أين جاءت وماذا سينتج عنها وما العلاقة بينها وبين الآخرين وما الدائرة المحيطة بها وما يترتب على مستويات متتالية مما أتت منه أو مما ستؤثر فيه أو مما لها علاقة بغيرها.

هذا هو التدبر، وهذا يحتاج إلى وقت. ولذلك كان الصحابة يحفظون خمس آيات ويمكثون يتفكرون فيها لفترة طويلة، لفترة طويلة، ثم يعودون إلى آيات جديدة أو الآية الثالثة.

حفظ سيدنا عمر لسورة البقرة وانبهار الصحابة بالقرآن الكريم

وعندما حفظ سيدنا عمر سورة البقرة، أقام وليمة وذبح ذبيحة. انتبه، ليس القرآن كله، بل هاتين السورتين فقط، فأقام حفلًا وذبح ذبيحة.

وهذا الذي جعلهم يؤمنون بشدة بالقرآن هكذا حتى أنهم تحملوا كل البلاء وكل المشقة وكل العدوان الذي وقع عليهم. ما هو هذا الذي جعلهم يصبرون؟ إنه الانبهار.

فهم منبهرون بأنه كلما تعمقوا وكلما اكتملت الصورة واتضحت، اكتملت واتضحت وهي قابلة للتنفيذ. فلما كانت بمثل هذا الرونق انبهروا وقالوا: لا، هذا هذا حق مبين.

الفرق بين التدبر في القرآن والتعامل مع النصوص البشرية الأخرى

عندما نأتي ونفعل هكذا مع أي نص موجود سواء كان هذا النص مثلًا أو شعرًا أو رواية أو نتاجًا لمفكرين أو فلاسفة أو غيرهم، عندما نمسك هكذا تكلم زرادشت الخاص بنيتشه، أو نمسك تولستوي وأي قصة مثل الحرب والسلام أو غيرها، ونجلس نقرأ فيها ونفعل بها هكذا، تَتَخَبَّطُ في بَعْضِهَا فَذُهِلُوا ذُهِلُوا.

حَصَلَ لَهُمْ انْبِهَارٌ. فَلَمَّا عَرَفْنَا ذَلِكَ مِنْ كُتُبِ الأَقْدَمِينَ أَنَّهُ لَا بُدَّ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ نَفْعَلُ هَكَذَا خِلَالَ الأَرْبَعِينَ سَنَةً أَوِ الخَمْسِ وَالأَرْبَعِينَ سَنَةً التي مَضَتْ، فَانْبَهَرْنَا كَمَا انْبَهَرُوا.

الانبهار بالقرآن وانكشاف البصيرة وزوال الغشاوة عند التدبر

فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ بِاسْتِغْرَابٍ وَفَاتِحٌ فَمَهُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الذُّبَابُ وَيَخْرُجُ، لِمَاذَا تَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ نقول له: إننا قمنا بذلك فوجدناه صحيحًا، وحضرتك غير راضٍ أن تفعل شيئًا.

الميزان عندنا اعتدل، والبصيرة انكشفت، والغشاوة زالت، والغم زال. وأصبح يعني قال له: ماذا أعددت لها؟ قال: أعددت لها أني أعبد الله، وقد انكشف لي العرش والجنة والنار وهكذا إلى آخره.

قال له: عرفت فانزل، حديث حارثة. هذا كان حاتم الأصم إذا صلى رأى نفسه على الصراط ورأى الكعبة أمامه ورأى عن يمينه الجنة وعن يساره، أي تصور - كما يقول علماء النفس ما يقولونه -.

اليقين الذي وصل إليه السلف وحلاوة الإيمان عند التدبر في القرآن

حسنًا، ولكن هذه هي الحال التي وصل إليها اليقين والقلوب الضارعة عندما فعلوا هذا الفعل، أن الحكاية أصبحت واضحة أمامهم وسهلة، وأيضًا أصبحت أحلى من ذلك.

[المذيع]: نعم، حلوة لذيذة وسعادة.

[الشيخ]: آه، قال: لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها. كانوا سيقولون لنا: أحضره قليلًا فنقول لهم: ماذا أفعل؟ حسنًا، نعطيها لكم الزيدية. هل أنت منتبه؟ فيقاتلني عليها، هل ستُحضر أم أقتلك لأجل ذلك؟

أنا شخص يحبه كثيرًا عندما يتذوق هكذا، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف.

القصص القرآني شبكي وليس خطياً وبناء لمنظومة فكرية متكاملة

القصص القرآني يجب تدبره، هذه هي الكلمة المهمة. القصص القرآني ليس خطيًا بل هو شبكي.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ليس تاريخًا.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: ولا سردًا تاريخيًا، إنما هو بناء لمنظومة فكرية عقلية واقعية أخلاقية تشريعية بها قوام حياة الاجتماع البشري، حتى حتى لمن لم يؤمن بالإسلام.

أي عندما يأتي شخص ويقول لك: حافظ على النفس ويعظّم شأن النفس هكذا، فإن أمريكا تحتاجها، واليابان يحتاجونها، والغرب يحتاجها، والشرق يحتاجها، حتى الوثني يحتاجها. الحفاظ على النفس.

تنوع صور البلاء في قصة موسى والتحذير من الشعور بأستاذية العالم عند الصهاينة

انظر قصة سيدنا موسى وانظر استعظامه لمسألة القتل وانظر وهكذا.

[المذيع]: ولماذا تنوعت يا مولانا؟ ما شأن سيدنا موسى؟

[الشيخ]: تنوعت في القرآن صور البلاء، يعني الله يعلم أن الشعور بأستاذية العالم التي أخذها الإخوان منهم موجود أساسًا عند الصهاينة. أتدرك أن اليهود الأتقياء الأنقياء ليسوا كذلك؟ الصهاينة هكذا، عندهم الشعور بأستاذية العالم وأن كل الأمم خدم لهم، وأنه ينبغي لهم أن ربنا يدللهم ويغضبون كثيرًا من الله عندما لا يدللهم.

الصهاينة هكذا، فهذا الشعور حذر منه الله سبحانه وتعالى، وتكلم عن قضايا ولم يتكلم أبدًا عن جنس ولا عن دين.

احترام الإسلام لجميع الديانات السماوية ووحدة المصدر الإلهي

احترم [الإسلام] الديانة العيسوية المسيحية، واحترم الديانة الموسوية اليهودية، واحترم الديانة الإبراهيمية، واحترم الديانة المحمدية الإسلامية.

وقال:

﴿إِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [الأنبياء: 92]

الذي يقول لك أصل الكلام هذا أخذناه من مكان آخر، لا، لسنا آخذينه من مكان آخر ولا شيء، هذا خرج من مشكاة واحدة. هل سيغير الله رأيه؟ هل سيغير الله التاريخ وسيغير الهداية؟ الله سبحانه وتعالى هو هو الله.

ورقة بن نوفل ذهب قائلًا الكلمة هذه عندما سمع، قال: والله أن هذا والذي نزل على موسى خرج من مشكاة واحدة، خرجوا من مصدر واحد. يعني إذا هذا إلهي وهذا إلهي، هذا فيه وحي وهذا فيه وحي.

لعب الصهاينة على التشابه بين الكتب السماوية والرد القرآني في سورة آل عمران

فحكاية التشابه هذه لعب عليها سكان المدينة من الصهاينة هؤلاء. ما الذي كانوا يقولونه؟ يقولون [أن عندهم تفاصيل أكثر].

ربنا سبحانه وتعالى يرد عليهم في سورة آل عمران:

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]

طبعًا كل آيات القرآن محكمة، لكن في المحكم نوعان: محكم بمعنى أم الكتاب، وهذه حالة جديدة لم ترد من قبل:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]

فأم الكتاب هذا يا أفضل من الماضي، هو هو، ولكنه متميز، متفرد، وحيد هكذا.

تأثير الإسلام على اليهودية وأبحاث حسن ظاظا في هذا المجال

وبهذا هو الجانب الذي أثّر الإسلام فيه على اليهودية. عندما جئنا نبحث، حسن ظاظا رحمه الله تبحّر في هذه النقطة وألّف فيها مؤلفاته: ما الذي تأثر به اليهود من المسلمين في التشريع، وليس العكس.

اليهود تأثروا بالمسلمين فأدخلوا الوضوء مثلًا لم يكن عندهم، وهناك كلام كثير في هذا الجانب؛ لأن هناك تسعمائة حكم فقط من مليون ومائتي ألف متشابهة بين اليهود ونحن.

نحن نحرم الميتة، ونحرم الخنزير، وهم يحرمون الخنزير أيضًا. نحن نحرّم ولكن من غير أغلال ومن غير تقييد بزمان ومكان والسبت وما شابه إلى آخره.

المحكم والمتشابه في القرآن وعلاقته بالكتب السابقة ومحاولات اليهود

لكن على كل حال:

﴿مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 7]

محكمات أيضًا متشابهات تشبه ما ورد في الكتب السابقة. فاليهود جاؤوا وقالوا له: تعالى يا محمد، نحن نسمعك تتكلم كلامًا ليس عندنا، ما شأنك أنت؟ بل وأيضًا في هناك إضافة عندنا أفضل.

إننا نحن لدينا آدم، ما طوله؟ ومن أي شجرة أكل؟ وكيف خرج؟ ومن الذي وسوس لزوجته؟ وزوجته وسوست، كل هذه التفاصيل. في التفاصيل كلها الإغراق في التفاصيل ابتغاء الفتنة التي هي إنكار النبوة وابتغاء تأويله الذي هو التفاصيل الموجودة عنده.

تنزيه القرآن عن التفاصيل المغلوطة والتركيز على الهداية بالنمط الشبكي

﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]

هذا كثير يا حبيبي من التأويلات التي تنقلونها هذه حدث فيها خطأ في النقل وفي الترجمة وفي أمور أخرى. فنأى الله سبحانه وتعالى بالمسلمين عن هذه التفاصيل تركيزًا على الهداية وعملًا بالنمط الشبكي وليس النمط الخطي؛ لأنه أوفق للواقع وتراكيبه من غيره من الأنماط.

ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله. ولك أن تقف:

﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]

الذين يبحثون ويعملون ويفتشون، كل من عند الله، آمنا به، آمنا به كل من عند الله.

المحكم والمتشابه في القرآن كله محكم ومتشابه وعلاقته بقصص القرآن

فهؤلاء انظر كيف الرسمة، الرسمة هي أن المحكم والمتشابه معنا في أم كتاب، لكن كله محكم ليس في القرآن، وكله متشابه على فكرة. متشابه في الآية في الهداية، لكن في التفاصيل يوجد أمّ الكتاب ويوجد متشابه.

إذن المحكم والمتشابه يُحَلّ بهذه الكيفية، وهذا له صلة قوية بقضية قصص القرآن. أي أنني في المحكم والمتشابه، ليس أن القرآن جزء محكم وجزء متشابه، وأن المتشابه لا نعرفه، وما إلى ذلك من الكلام الذي قاله بل بعض العلماء.

لا، هذا كله مُحكَم لأنه متين ومن عند الله، وكله شبيه بالسابقين لأننا في رتل واحد وفي صف واحد من الرسل:

﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]

سؤال المذيع عن الفرق بين النمط الخطي والشبكي وعدم الترتيب الزمني للأنبياء

[المذيع]: مولانا الإمام، حينما نفهم فضيلتك وفي منهجك الأصيل النمط الخطي والنمط الشبكي، الفرق بين النمط الخطي والنمط الشبكي في القرآن الكريم، يأتي السؤال المهم: لماذا ورد ذكر بعض الأنبياء ليس من خلال تسلسل تاريخي؟ فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، بين تكرار القصة المعينة في القرآن الكريم أكثر من مرة وبين عدم الترتيب زمنيًا للرسل في هذه الآية من سورة الأنعام:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ﴾ [الأنعام: 84]

إلى آخر هذه الآية. ماذا يعني هذا؟

القرآن يبني شبكة تامة وليس تسلسلاً خطياً في ذكر الأنبياء

[الشيخ]: كما قلنا أن القرآن يسير على قضية شبكية وليس في هذه الآية واحدة بل في القرآن كله، أنه يبني شبكة تامة.

فهيا بنا إذا أردنا مثلًا نضرب مثلًا بهذه الآية، ففي هذه الآية يقول ربنا سبحانه وتعالى الآية التي تسأل عنها:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: 84]

انظر إلى ذريته إسحاق ويعقوب، فهذا يشير إلى علاقة البنوة؛ لأن يعقوب ابن إسحاق. فهنا نتأمل في علاقة البنوة ونتأمل في قضية الأسرة التي يُراد هدمها الآن.

الأسرة الممتدة والتربية كجزء لا يتجزأ من عمارة الأرض في القصص القرآني

وأن عندما تربى يعقوب في حضن إسحاق تربى على الخلية الأولى للمجتمع. انظر هذه هي الأنساق المعرفية التي كنا نتحدث عنها الآن.

وهبنا له إسحاق ويعقوب، يعني عندي إبراهيم جاء بعده إسحاق وإسحاق جاء بعده يعقوب، يعني هناك أسرة ممتدة. رقم اثنين أن في تربية، يعني إذن التربية جزء لا يتجزأ من عمارة الأرض، وإهمال التربية يودي بالمجتمعات وبالناس ولا بد.

ولذلك بعد التجارب الكثيرة أصبحنا نسمي وزارة المعارف التربية والتعليم، وأصبحت التربية جزءًا لا يتجزأ من عملية بناء الإنسان.

نموذج التربية في اليابان والهجوم على السلطة الأبوية في ما بعد الحداثة

في اليابان، منذ أن يدخل الطفل من سن الثالثة ولمدة ثلاث أو أربع سنوات، لا يوجد نجاح ولا يوجد رسوب. لماذا؟ يربي، كيف يأكل، كيف يشرب، وما إلى ذلك.

حسنًا، هذه التربية ماذا تقتضي؟ تقتضي سلطة أبوية. الآن، هناك هيجان في فترة ما بعد الحداثة على السلطة الأبوية وعلى الأسرة وعلى وعلى وعلى، الحداثة وما بعد الحداثة.

حسنًا فإذن عندما يقول:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُٓ﴾ [الأنعام: 84]

يعني أن الأولاد نعمة والأسرة نعمة والتربية نعمة. أنا جالس أتأمل هكذا: ووهبنا له إسحاق.

التأمل العميق في الآية يكشف معاني الهداية والحق والصدق

لكن لو قرأتها بسرعة ربما لن تخطر في بالي هذه الفكرة، وسيقول هذا مجرد سرد أسماء وكلام متتابع:

﴿وَوَهَبْنَا لَهُٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾ [الأنعام: 84]

إذن الهداية شيء مهم، والهداية فيها رضا الله، والضلالة ليس فيها رضا الله. من ضمن الهداية أنك تدرك الواقع على ما هو عليه، أنك تقول الحق.

ولذلك كلمة الحق هذه كثيرة في القرآن؛ لأنه يريدك أن لا تكذب لا على نفسك ولا على الغير، ولا تكذب على الله ولا على البشر. ولذلك جعل شهادة الزور من أعظم العظائم وأكبر الكبائر:

قال النبي ﷺ: «ألا وشهادةُ الزُّورِ، ألا وشهادةُ الزُّورِ»

وكان ينهى فكان متكئًا فقام وقال ذلك.

خطورة الكذب وشهادة الزور وبيان أن الماضي والحاضر والمستقبل نسق واحد

يعني في كذب محرم، لكن الكذب الذي تضيع به حقوق الناس أو تضيع به حياتهم يكون أمرًا عظيمًا جدًا عند الله.

﴿كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: 84]

فهو يبين له أن الماضي والحاضر والمستقبل نسق واحد في هذا. ومعنى ذلك هو أن هناك مطلق، والمطلق هذا ماذا يعني؟ إنه متجاوز للزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

والذي هو إيجابية الهداية وسلبية الضلالة ستظل هكذا أبدًا. لن يأتي الإنسان في يوم من الأيام ويُجيز كما يتمنى بعض ما بعد الحداثة المتطرفة أن يصبح القتل بالاتفاق.

قصة القتل بالاتفاق في ألمانيا وانحرافات ما بعد الحداثة المتطرفة

اثنان في ألمانيا ذهبا وسجلا في السجل الرسمي من المتفق أننا سنقتل بعضنا البعض، فقتل بعض. فأتى الرجل أمام المحكمة وأظهر لهم الوثيقة، فتحيَّرت حينها الهيئة القضائية، وحدث كلام.

وهو موجود في الروايات أنه سيكون هناك أماكن يُعرض فيها أحدنا للقتل، يعني فتاة تقول لك: هل تأتي لتقتلني بعشرة دولارات وما شابه، وهكذا. هذا الكلام كله منتشر ومنتشر في الأفلام الإباحية منتشرة في كذا إلى آخره.

ونحن ربنا وقانا بعض الشيء من الاطلاع على هذا الغثاء.

المطلقات الأخلاقية في القرآن ترد على الفلسفات المعوجة وتبين ما يرضي الله

لكن عندما يأتي هنا المطلق، ويكون من المطلق الهداية والنظام الأخلاقي، ويكون من المطلق الأسرة، ويكون من المطلق، فإن هذا يرد على كل هذه الفلسفات المعوجة ويقول لي إنه هذا يُرضي الله وهذا لا يُرضي الله:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

فيقول ماذا؟

﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام: 84]

انظر انظر الوصل، يعني في إبراهيم وهبنا له إسحاق وهبنا له يعقوب، وهبنا له، هذه ليست وهب لإسحاق فقط، بل وهب لإبراهيم أيضًا. يصبح ليعقوب البنوة الحفيدية مع إبراهيم.

أهمية الأسرة الممتدة وأحكام العقل والديات المبنية عليها

إذن هي الأسرة الممتدة مهمة والعائلة مهمة. ولذلك بُنيت عليها أحكام العقل والديات وما إلى آخره. ابن عمي يدفع لي في الخطأ، لست أنا الذي أدفع عن نفسي، لكي تكون له كلمة عليّ، ولكي يقول لي: استحي وافعل له كذا وكذا.

ليكون له كبير وله عائلة وعزوة ومرجعية. كل هذا الكلام الذي هي ريتم الحياة يحاول أن يذيبه، يأتي هنا ويقول لي: لا، بالهوينا هكذا، إن هناك شيئًا من وراء.

﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام: 84]

يكون هنا أشار إلى النسل: داود وسليمان وأيوب. سليمان شاكر وأيوب صابر، فجمعهم معًا.

قصة موسى وهارون واتهام النفس واستعظام المسؤولية مما يرضي الله

ويوسف وموسى وهارون، جمع الأخوين. وفي قصة موسى وهارون توجد أشياء غريبة جدًا. قال له:

﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ﴾ [الشعراء: 13]

وقال:

﴿رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى * وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى * وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى * يَفْقَهُوا قَوْلِى﴾ [طه: 25-28]

هو أفصح مني لسانًا، هو أفصح مني لسانًا. وبعد ذلك سبحان الله يا أخي، هارون لم يتكلم ولا كلمة واحدة. هل تنتبه؟ لماذا؟ قل أنا كفء؛ لأن موسى عنده القدرة لكنه يتهم نفسه ويستعظم المسؤولية التي عليه.

فإذا اتهام النفس وتحجيمها قليلًا هو مما يرضي الله، واستعظام المسؤولية التي يحملها الإنسان مما يرضي الله، وليست انهيارًا ولا ضياعًا ولا عدم ثقة بالنفس. لا، بل كل هذا مما يرضي الله. هنا سنصنع نفسية متوازنة مما وراء هذا.

هارون لم يتكلم في القرآن وتطمين الله لموسى وجبر الخواطر

وموسى وهارون أخوان، وسبحان الله يا أخي، لا تكلم [هارون] ولا كلمة في القرآن كله. وتذكر سورة الشعراء والمجادلات التسع والحوار الذي دار بينهما وبين فرعون، موسى وفرعون وهارون، أين هذا؟

أنت الآن تظن أن لسانك لن ينطلق برأيك، وأنني سأمنعك، وهكذا. لقد طمأننا الله. فلماذا أيضًا؟ هذه نقطة مهمة: تخلقوا بأخلاق الله.

طمأنه، قال له: طيب، سأرسل لك هارون، والله يعلم أن هارون لن يساعده، بل سيساعد نفسه. فيكون إذن، الذي يلجأ إليك ويقول لك: عيّن لي معي واحدًا لأنني لست أعرف، عيّنه له. هذا هو جبر الخواطر.

جبر الخواطر سنة إلهية وأمراض تشفى بجبر خواطر الضعفاء

يعني ربنا جبر بخاطر موسى، فلا بد أن تجبر أنت بخواطر الناس. وهناك كان مشايخنا يقولون لنا أن هناك أمراضًا يشفيها الله سبحانه وتعالى بجبر الخاطر.

يعني أمراض لا تُشفى إلا بأننا نُجبر الخواطر. فكانوا يبحثون عن الضعيف ليجبروا خاطره. ما هذا! هذه هي الإنسانية التي كادت أن تموت لولا هذا الكتاب الكريم.

وهكذا نقرأ الكتاب. طبعًا أنا أعرف أنه لا يوجد وقت ولكن يعني ها نحن قد أنهينا سطرًا أو سطرًا ونصف من الآية.

النمط الشبكي في القرآن وكلمة وكذلك تشير إلى مضمون ما سبق

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: وكذلك الكاف هنا عندما يقول وكذلك، فيها كلام كثير. وكذلك تشير إلى مضمون ما سبق، وما هو مضمون ما سبق هذا؟ هذا يرسم هيكلًا، هذا يرسم شبكة.

[المذيع]: نعم.

[الشيخ]: هذا هو النمط الشبكي، هذا هو النمط الشبكي.

﴿وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: 84]

﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ﴾ [الأنعام: 85]

يحيى بن زكريا وعيسى وإلياس:

﴿كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [الأنعام: 85]

يبقى في جمع هنا، ما هو الصلاح؟ العفاف والتنزه. هؤلاء الناس كانوا متبتلين.

أنواع الصالحين من صابرين وشاكرين ومتبتلين وفضل الله على العالمين

هل كل البشر متبتلون؟ لا، فمنهم صابرون ومنهم شاكرون ومنهم متبتلون. المتبتلون يعني العبادة تأخذ حيزًا أكبر عندهم مِنَ الآخرين.

﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنعام: 86]

إذن هناك فضلٌ من عند الله، فلا تعترض على ربنا في فضل الله، في الغنى، في الصحة، في العلم، في أمور أخرى إلى آخره.

إن التدبر والتأمل سيُخرج لنا أشياء أخرى تمامًا غير أنه مجرد سرد لبعض الأسماء بجانب بعضها تاريخ. ليس تاريخًا، ليس تاريخًا. هذا هو، هناك شيء يجب أن تتأمله لكي تخرج بنسق، ولكي تحول هذا النسق إلى برنامج، ولكي تصلح بهذا البرنامج الحياة وتكون أكثر سعادة.

سؤال عن المشككين في القصص القرآني والمتعلقين بالشك الديكارتي وشك طه حسين

[المذيع]: مولانا، لا أستطيع أن أفوت على نفسي الفرصة مع فضيلتك وأن أسأل عن أولئك الذين أيضًا يتعلقون أو يقول نحن من عندنا عقل ولا نقبل الغيب إلا بأسس وبديهيات، ومن يتعلق بالمنطق أو بالشك الديكارتي.

ويأتي إلى سؤال مهم جدًا عبر التاريخ حول شك طه حسين في الشعر الجاهلي في كتاب الشعر الجاهلي. هل كان الشك حيرة أم شكًا منهجيًا حينما تعرض للقصص القرآني في هذا الكتاب؟

شك طه حسين كان شك تأثر بمرجليوث وليس شكاً منهجياً ولا شك حيرة

[الشيخ]: في الحقيقة، إن طه حسين لم يكن شكه منهجيًا ولم يكن شك حيرة، بل كان شك تأثر؛ لأن الكلام الذي يقوله هذا قد قاله مرجليوث ونشره في المجلة الآسيوية.

واكتشف هذا النص أستاذنا -رحمه الله- محمود شاكر. وعندما تكلم محمود شاكر بهذا، غضب طه -رحمه الله- في هذا المقال وألّف ضده وألّف في المتنبي وألّف هكذا إلى آخره، يعني ألّف المجموعة وعاش حياته كلها يرد على هذه القضية البسيطة.

المشككون لا يبذلون جهداً كافياً لفهم ما ينتقدونه فيصبحون ظاهرة صوتية

الناس الذين يأتيهم شك منهجي أو الذين يقولون أنا لا أؤمن بالغيب إلا وكذا، لا مانع، أهلًا وسهلًا، لكنهم لا يبذلون من المجهود ما يجيب على حيرتهم هذه أو على موقفهم هذا.

وهذا هو الذي جعلهم غير مؤثرين في الناس، أنهم لم يبذلوا من المجهود؛ لأنه لو بذلوا من المجهود لتبين لهم الحق ورجعوا. لكنهم لما لم يبذلوا أصبحوا ظاهرة صوتية.

فهم كثير جدًا من إخواننا هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مثقفين يقولون: والله نحن قاعدون نهرف هنا في ديننا مائتا سنة ولا توجد فائدة. لماذا لا توجد فائدة؟ لا توجد فائدة لأنك لم تحاول أن تفهم المقابل، لم تحاول.

التحيز الفكري يمنع من سماع الحق وقصة نجيب محفوظ في آخر حياته

أنت خلاص تبنيت رأيًا وصممت عليه وأنت ذاهب إلى أسوان والحمد لله ونحن ذاهبون إلى الإسكندرية.

زكى نجيب محفوظ في آخر حياته بدأ ينظر فوجد أن والله هذه القصة فيها كذا، فأصبحوا لا يجلبونه في المؤتمرات وقالوا: لا، ربما أصيب بشيء في عقله.

هذا التحيز هو الذي يجعل هؤلاء الناس غير مسموعين، والذي يستمع إليهم لا يقتنع، والذي يقتنع يترك قناعاته مبكرًا. لماذا؟ لأنهم لم يبذلوا جهدًا فيما ينتقدونه.

نحن لا نقول لهم لا تنتقدوا، نحن نقول لهم: تعلموا وابذلوا مجهودًا في هذا الجانب، فإن أناسًا مخلصين أنقياء أذكياء فعلوا فعرفوا الحقيقة، وأنتم تتكلمون الآن بغير حجة ولا برهان.

ردود المشاهدين على سؤال التشكيك في القصص القرآني وتعليق الشيخ عليها

[المذيع]: اسمح لي مولانا أن أستعرض بعض ردود السادة المشاهير على سؤال الفيسبوك: برأيك لماذا يشكك البعض في القصص القرآني؟

الأستاذ الداعية المصري يقول: لأن عندهم مشكلة في الإيمان بالغيب ولازم كل شيء يكون له سبب عقلي، وهذا عكس صفات المؤمنين الذين من أولها قوله تعالى:

﴿يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]

السيدة هالة قاسم تقول: الذي يشكك في القصص القرآني يشكك في النص الشريف كله، فهي الخطوة الأولى لهدم النص.

السيد أحمد رجب يقول: لأن معظم القصص غير كاملة في الكتاب فتكملها السنة وهم يشككون في السنة.

السيدة رانيا تقول: قلة علم بتفسير الكتاب والسنة المشرفة.

دعوة الشيخ للدخول إلى القرآن بنية الفهم لا النقد والدعوة إلى كلمة سواء

[المذيع]: تعليق مولانا سريع على هذه الردود الفاهمة الواعية؟

[الشيخ]: أنا أريد من الجميع أن يدخل القرآن محاولًا للفهم وليس محاولًا للنقد. يعني هذا لو حصل من مجموع المثقفين سيحصل منهم ذلك الانبهار الذي حدث للمتقين فأصبح هدى لهم.

نحن ندعو الناس إلى كتاب الله وأنه هو النبي المقيم وأنه كذا، وعلينا أن نناقش وأن نسأل وكذا إلى آخره وأن نعترض، ولكن لكل اعتراض من هذه الاعتراضات إجابة وفيه وجهة نظر وكذا إلى آخره.

ثم في النهاية دعك أنت:

﴿يَهْدِي اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [فاطر: 8]

الله سبحانه وتعالى يشرح صدر من يشاء، ويغلق على من يشاء، وهذا بعلمه وحكمته وعظمته.

دعوة الإسلام إلى كلمة سواء وحفظ النفس والعقل والدين والمال والكرامة

لا نملك هذا كله، فنحن لا نقهر أحدًا على شيء من هذا، ولكننا ندعو الناس جميعًا:

﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]

أي إننا ندعو الناس جميعًا إلى كلمة سواء، تعالوا وانظروا.

[المذيع]: وهذه دعوة يا مولانا عندكم من زمان، هذه الدعوة نحن ندعو إلى حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ الدين، حفظ كرامة الإنسان المسماة عندنا في تراثنا العرض، حفظ المال.

هل عندكم شيء آخر؟ يعني ألستم تريدون المحافظة على هذا ولا النظام العام والآداب التي تؤكد على الإنسان أن يفعل هذا.

فنرجو الله ونسأل الله سبحانه وتعالى للجميع الهداية.

ختام اللقاء مع الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، شكرًا لكم. الله معكم دائمًا يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمانه، إلى اللقاء.