والله أعلم| الدكتور علي جمعة يوضح لماذا تعددت قراءات القرآن الكريم ؟ وكيف نشأت ؟ | الحلقة كاملة - والله أعلم

والله أعلم| الدكتور علي جمعة يوضح لماذا تعددت قراءات القرآن الكريم ؟ وكيف نشأت ؟ | الحلقة كاملة

34 دقيقة
  • القرآن الكريم دال على كلام الله النفسي القديم، وقد تعهد الله بحفظه لأنه النبي المقيم بعد ختم النبوة.
  • القراءات القرآنية تعددت حسب ما أقرأ جبريل النبي محمد على سبعة أحرف متنوعة في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان والإعراب والأداء.
  • القراء العشرة المشهورون هم نافع وأبو جعفر وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وخلف، ولكل منهم راويان.
  • بلغت مواضع الاختلاف في القراءات ألفاً ومائتين وخمسين موضعاً من أصل ستة وستين ألف كلمة في القرآن.
  • اختلاف القراءات أعطى سعة في الأحكام الشرعية وتنوعاً يناسب اتساع هذا الدين للبشرية.
  • علماء السنة والشيعة متفقون على حفظ القرآن، وما يسميه بعض الشيعة "تحريفاً" هو في الحقيقة القراءات الشاذة.
  • الاختلاف في القراءات آية من آيات الله تزيد إيماننا وثقتنا بحفظ القرآن الكريم.
محتويات الفيديو(42 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن معنى القراءات المتنوعة

[المذيع]: بسمِ الله الرحمن الرحيم، وما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.

وأهلًا بكم في "والله أعلم"، لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل معه هذه القراءة المتأنية في منهجه الإصلاحي، وما زلنا نقرأ في كتاب الله هذا الكتاب الذي لا تنتهي عجائبه. اسمح لي مولانا أن أرحب بفضيلتك في البداية، أهلًا بفضيلتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

[المذيع]: مولانا، فيما يخص القراءات، تنوع القراءات وتعدد القراءات، ما معنى أنه اقرؤوا القرآن بلحون أهل العرب؟ ماذا يعني أن سيدنا صلى الله عليه وسلم حينما قال أقرأني جبريل القرآن على سبعة أحرف؟ كل هذه المعاني تؤدي في النهاية إلى سؤال مهم جدًا: ما معنى القراءات المتنوعة والمتعددة في القرآن الكريم؟

القرآن دالٌّ على كلام الله النفسي القديم القائم بذاته سبحانه وتعالى

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

القرآن هو دالٌّ على كلام الله النفسي القديم القائم بذاته، والذي ليس فيه في ذات الله حدوث، والذي ليس فيه في ذات الله انتهاء؛ فهو ما زال متكلمًا كما كان متكلمًا، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء محيط، على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، سبحانه وتعالى جل جلاله.

ولكن أذن الله سبحانه وتعالى أن يوحي بكلام من عنده إلى أنبيائه ورسله، فلما كان الأمر كذلك كان النبي يخرج من حالة الوحي وقد انطبع في صدره الشريف - كل نبي بما فيهم سيدنا صلى الله عليه وسلم سيد الخلق أجمعين - ينطبع في صدره ما يعبر عن هذا.

انطباع الوحي في صدر كل نبي بلغته وعلاقة ذلك بالدلالة على كلام الله

ولذلك انطبع في صدر كل نبي ما كان قائمًا عنده من لغة؛ سيدنا موسى كان ينطق بالعبرانية، وسيدنا عيسى كان ينطق بالآرامية، وسيدنا محمد كان ينطق بالعربية.

فكان يرى أنه قد انطبع في قلبه:

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾ [الأعلى: 6]

فالله سبحانه وتعالى هو الذي يترك هذا دالًا على كلامه القديم القائم بنفسه؛ وهذه الدلالة حتى نفهمها فهمًا عميقًا هي الصورة؛ أي عندما نكتب "الله" فهذه اللوحة تدل على الذات العلية، ولكنها ليست الذات العلية ذاتها، فيعتريها الحدوث والقدم والانعدام، ونحرقها فتحترق، ولكن هذا لأنها من قبيل الدال.

شرح مفهوم الدال والمدلول بمثال الاسم المكتوب على ورقة

مثل اسمك تمامًا، عندما نقول "حسن الشاذلي" فيتصور الناس في أذهانهم هذه الذات، هذا الجسد، هذه الصورة. ولكن لو أنني كتبتُ "حسن الشاذلي" على ورقة لم أكن قد بدأتُه، إذا فقدتُ هذه الورقة فإن حسن الشاذلي لا يتأثر في شيء.

فهذا هو معنى الدالّ: شيء يدل على شيء آخر. يصبح لدينا دالّ وهو الورقة أو الصورة أو الاسم أو الكلام أو القرآن، ولدينا مدلول وهو الذات نفسها، التي هي كلام الله، التي هي ذات الله، التي هي القرآن الكريم.

تعهد الله بحفظ القرآن وارتباط ذلك بختم النبوة

وهكذا تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ الكتاب؛ لماذا؟ لأن رسول الله هو خاتم النبيين، أي لن أرسل لكم رسلًا آخرين وبعد ذلك نجعل فيكم نبيًا مقيمًا وهو القرآن الكريم.

ولذلك فقضية ختم النبوة؛ تتصل اتصالًا عضويًا وذاتيًا مع قضية حفظ القرآن، فقال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

انتهى الأمر، فالقرآن غير قابل للتحريف؛ فالله عندما يتعهد بمثل هذا الوعد فإنه يبهرنا، فلا بد أن نقول في النهاية: سبحان الله، لا بد أن نفتح أفواهنا دهشةً وإعجابًا.

من عجائب الخلق الإلهي تنوع أنواع التمر والأحجار الكريمة

من الدهشة ومن العجب أن الله سبحانه وتعالى عندما يقول:

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]

ما زال خالقًا، والخالق ليس خالق نوع واحد؛ فلو ذهبت ستجد البلح - البلح أحصينا منه في موسوعة تُسمى موسوعة التمر سبعة آلاف وخمسمائة نوع من البلح فقط!

وإذا ذهبت ستجد العقيق - العقيق حوالي ستة عشر ألف نوع من الأحجار أي من العقيق فقط؛ غيرذلك يوجد الأماتيستأو الجمشت، ويوجد مثلًا التوباز هذه مجموعة فقط من الاحجار الكريمة.

تنوع الأحجار الكريمة وتدرج ألوانها دليل على عظمة الخلق الإلهي

أما كل الأحجار الكريمة فكم يوجد منها؟ ، آلاف كثيرة والتي تحتها من الأنواع والألوان والأشكال والدرجات؛ فمثلا الأماتيست هذا عندما ترى حجره تجده يتدرج من الأبيض إلى الأبيض الغامق وصولًا إلى الأزرق الشديد، هو نفس الحجر بدرجات معينة طبقًا للتفاعلات الكيميائية التي تنال من هذه الأحجار في تكوينها الجيولوجي.

[المذيع]: وربما اكتنفها(هذه الأحجار) الكثير من الأسرار يا مولانا .

[الشيخ]: فالعدد فوق الحصر ولكن هذا الخلق خلقه، وبعد ذلك في النهاية نجد أن هذه الأرض بما احتوت عليه من هذه العجائب والغرائب هي ذرة في هذا الكون، فيعجز المرء ويقول: سبحان الله.

إعجاز القرآن في بلاغته وعدد كلماته وتكرارها وتوزيعها على السور

فربنا فعل هكذا في القرآن، أنزله فإذا به مبهر في بلاغته وإعجازه؛ فتجد به ستة وستين ألف كلمة منهم ألف وستمائة وعشرين كلمة لم تتكرر مرة ثانية.

وهذه الكلمات موضوعة في ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية، موضوعين في مائة وأربعة عشر سورة؛ فعندما تأتي لترى التكرار تجد أن هناك سورًا قد لم يُستعمل فيها كلمات لم تُستعمل في القرآن أبدًا.

هذه عشرون مرة، وهذه ثماني عشرة مرة، وهذه ست مرات وهذه سبع مرات ما هذا الإعجاز؟ ليس هكذا فحسب.

حفظ القرآن على مستوى الحرف والحركة وحقه ومستحقه

ولم يحفظه على مستوى الكلمة أو علي مستوى الحرف فقط لا، بل أشد من ذلك؛ وهل هناك شيء أشد من الحرف؟ الذي يُبنى الكلام على أساسه!

بل حفظه على اساس الحركة التي ينطق بها الحرف، أي أنّ لكل حرف ما يُسمى بحقه ومستحقه أي المخارجوالصفات.

فربنا حافظ على هذه المخارج والصفات، فهذا حقًا شيء عجيب غريب .

قصة تعلم ترقيق اللام وتفخيمها عند شيخ القراءات

وبعد ذلك آتي وأجلس عند الشيخ وأقول له: أقم الصلاة(بدون مراعاة مخارج الحروف)، فيقول لي: لا، خطأ. فأقول له: أقم الصلاة(بدون مراعاة مخارج الحروف)، فيقول لي: لا، خطأ. ويقاطعني حتى في الوسط: أقم الصلاة(بدون مراعاة مخارج الحروف)، فيقول لي: خطأ.

فاقول له: حسنًا، أنا لا أعرف كيف انطقها قال: لكنها تقرأ الصلاة أي أن اللام مرققة، أتنتبه؟ إن لم يتبعها بضربة خفيفة في كتفي، لكزة هكذا لكي أنتبه أن اللام مرققة.

فأتعجب واقول "الله" لكن كيف أرقق اللام إذا كنت أقول: قال الله، الله، الله، الله، [بالتفخيم] وليس [بالترقيق]، قال الشيخ الله ليست مرققة هنا فهذه مسألة وتلك مسألة أخرى، وبدأ يشرح لي ما قصة اللام ومتى تُفخم ومتى تُرقق وكذا إلى آخره.

قصة الراء في كلمة قصص وعدد الحروف وحقوقها ومستحقاتها

كم عدد الحروف؟ هم ثمانية وعشرون حرفًا، كل واحد منهم له حقه ومستحقه أي له مخرجه وله أيضًا صفاته.

إذن ربنا حافظ على القرآن على مستوى الحركة وعلى مستوى الحق والمستحق.

أمثلة على دقة الأداء في القراءات بين الضحى وسجى

فعندما أقول: "والضحى والليل إذا سجى" ، يقول لي: غلط. أقول له: وما الصواب؛ "والضحى" تختلف عن "والضحى" [بتفخيم الحاء].

إلى هذا الحد وصلنا، إلى هذا الحد! و**"سجى"** تختلف عن "سجى"، ما الفرق؟ هذه نُطقت جيمًا صحيحة، وهذه نُطقت قافًا معقودة.

فاقول له: يا الله! وهل توجد قاف معقودة وقاف غير معقودة يا مولانا؟!

قال لي: نعم، يوجد هكذا و يوجد هكذا. يا سبحان الله! يعني أن الله حافظ على هذا القرآن بهذا الشكل.

حفظ الله للقرآن عشرين مرة عبر عشرة قراء وعشرين رواية

قال: لا، اضرب الشكل هذا في ثلاثة، قلت له: ثلاثة! قال لي: لا، ليس ثلاثة، إذن كم عددهم؟ دعهم خمسة، قلت له: خمسة، فقال لي: لا، في الحقيقة هم عشرون.

قلت له: عشرون! فقال لي: نعم، عشرون؛ عشرة رواة وكل راوي له أداءان.

قلت له: أي أن ربنا حفظ القرآن عشرين مرةً؟ قال لي: نعم.

الإعلان عن استكمال الحديث عن حفظ القرآن بعد الفاصل

عند هذه التساؤلات الكثيرة حول حفظ الله للقرآن الكريم، وما ارتبط بالقرآن الكريم من معاهد علمية ودراسات وعلوم وشيوخ وقامات، سوف نتعرف على المزيد والمزيد.

سؤال المذيع عن معنى القارئ والراوي والطريق وكيفية تعليم النبي للقراءات

[المذيع]: مولانا الإمام، تستولي على الإنسان الدهشة والعجب، كيف حُفظ القرآن عشرين مرة؟ ما معنى الراوي؟ ما معنى القارئ؟ ما معنى الطريق؟ كل هذه الأمور وهذه المصطلحات ارتبطت بحفظ القرآن الكريم، كيف نفهم ذلك؟

[الشيخ]: سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كان عندما نزل جبريل يقرئه القرآن بقراءات مختلفة، وجعله في كل مرة تختلف عن المرة الأخرى التي قبلها بسبعة جوانب، التي سيدنا سماها الحرف:

«أُنزل القرآن على سبعة أحرف»

أي على سبع اختلافات بين هذه القراءات.

الجهات السبع للاختلاف بين القراءات عند ابن الجزري

يقول ابن الجزري بعد أن تبحر في هذا ورأى ما الكامن وراء القراءات أنه:

  1. التقديم والتأخير: مثلا "فيَقتُلون ويُقتَلون"، "فيُقتَلون ويَقتُلون".

  2. الزيادة والنقصان: "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون"، "وما يخادعون"، و"وظنوا أنهم قد كُذِبوا" و"وظنوا أنهم قد كُذِّبوا"، فيه زيادة نقصان، فهذه أربع جهات.

  3. الإعراب:

﴿أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 3]

"ورسولُه" [بالرفع] أي أن الله ورسوله بريئان من المشركين، أن الله بريء من المشركين وكذلك رسوله بريء منهم، وليس "ورسولِه" [بالكسر]؛وهكذا.

طريقة الأداء والإمالة والتسهيل كجهات اختلاف بين القراءات

  1. طريقة الأداء: وهي أن يقول مثلًا: "والضحىَ" و"والضحىِ"، "ضحىَ" و"ضحىِ"، الاثنان هما واحد، فقط في القراءة الاولي توجد إمالة أما القراءة الثانية لا توجد إمالة.

مثال آخر: "الأرض"، "الأرض"؛ واحد يأتي بالهمزة والآخر لا، فالأداء هنا مختلف.

وهكذا سبع جهات: من التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان، والإعراب، والأداء وهكذا ، أيأن هذه الجهات هي التي فيها الاختلاف.

تعليم النبي للصحابة عشر قراءات بعشرين أداءً وتخصص كل قارئ

فأصبح عندنا عندما ندخل في القراءة أن النبي عليه الصلاة والسلام علَّم الصحابة عشرة قراءات، كل قراءة لها أداءان، فعندما تضرب الأداءين في العشرة تصبح **عشرين قراءة **.

فتخصص كل بحر من بحار العلم تخصص في القراءة واستوعبها، فأصبح لدينا شخص اسمه نافع، وأصبح لدينا شخص اسمه أبو جعفر، وأصبح لدينا شخص في مكة اسمه ابن كثير غير المفسر.

[المذيع]: نافع هذا من المدينة يا مولانا.

[الشيخ]: نافع من المدينة، وأبو جعفر من المدينة، وابن كثير من مكة، وعاصم ابن أبي النجود من الكوفة، وحمزة والكسائي من الكوفة أيضًا، وفي الشام ابن عامر وأبو عمرو، وهناك يعقوب، وهناك خلف وهو تلميذ حمزة.

خلف بن هشام قارئ وراوٍ وسلسلة نقل القراءات عن الصحابة

فله رواية وله قراءة، أي هو في العشرة قارئ وفي نفس الوقت من العشرين في الرواية.

فهؤلاء الناس قرأوا القرآن كما سلّمه لهم الصحابة الكرام، بناءً على تلاوة رسول الله وتحفيظه لهم و ذلك بناءً على قراءة جبريل عليه السلام حيثما كان يُقر النبي.

أصول القراءة وفرشها ومعنى دراسة كل رواية بالتفصيل

فلما بدءنا ندرس كل رواية مثلا رواية عاصم فوجدنا له راويين، حفص وشعبة.

فقراءة عاصم لها ما يُسمى بالأصول ولها ما يُسمى بالفرش؛ فإذا دخلتُ أي قراءة سأعرف أصولها أولا وهي التي تعلمني هل ساسهل الهمزة أم لا، هل هناك إمالة أم لا، السكتً في اواضع معينة وكذا إلى آخره، التفخيم و الترقيق ؛ فكل هذا نسميه الأصول.

معنى الفرش في القراءات وعدد مواضع الاختلاف في القرآن

وبعد ذلك تناولنا الفرش، ومعناه أن هناك أيضًا اختلافات في ذات نفس النطق أو التفسير أو التقديم أو التأخير أو الزيادة أو النقصان في الكلمة نفسها، فأجرينا الدراسات.

كم كلمة في القرآن؟ - ستة وستين ألف كلمة كم كلمة منها محل الفرش الذي يمكن أن نضعها في دائرة هكذا ونقول هي التي فيها قراءات؟ ألف ومائتان وخمسون موضعًا.

تحرير مواضع الفرش ومعرفة من قرأ بكل وجه من القراء العشرة

هذه المواضع الألف ومائتان وخمسون؛ لنقف عند كل موضع، هذا الموضع من الذي قرأه ؟ فيقول لك: فلان وعلان وتركان رَوَوْها هكذا، وفلان وعلان وتركان رَوَوْها هكذا، أي أن تحرير الموضع كان بهذا الشكل. فأحيانًا يكون واحد فقط الذي قرأ هكذا مثل حمزة عندما يقول آية "فيُقتَلون ويَقتُلون"، لا يوجد إلا حمزة فقط هو الذي روى هكذا، والباقي "فيَقتُلون ويُقتَلون"، لكنه قال "فيُقتَلون ويَقتُلون" رواية واحدة فقط، وبقية الرواة كما هم.

سؤال المذيع عن عدد أوجه الاختلاف في المواضع الألف ومائتين وخمسين

[الشيخ]: هل هناك دائرة من الدوائر التي وضعناها - التي تشمل ألفًا ومائتين وخمسين كلمة - اختلفوا فيها على عشرة أوجه؟

سنعلق الإجابة على هذا السؤال المهم جدًا لنخرج إلى هذا الفاصل، ثم نعود ونجيب هذا السؤال، وأيضًا ثمة تساؤلات أخرى حول ما إذا كانت هذه القراءات توقيفية ومدى ارتباط الأحكام بها.

سؤال عن تحرير القراءات العشر في كلمة أفٍّ وتنوع قراءاتها

[المذيع]: مولانا الإمام، إذا كانت هناك أسئلة كثيرة حول هذه القراءات وتنوعها وتعددها في القرآن الكريم وارتباطها بالأحكام، ولكن هناك سؤال: هل هناك مواضع من هذه المواضع تحررت فيها القراءات العشر ؟

[الشيخ]:

﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]

فكلمة أُفٍّ بها ستة وثلاثون قراءة! تكون فيها: أفٍّ، أفًّا، أفٌّ، أفَّ، أفِّ لكم وهكذا، لكن هناك امثلة قليلة من هذا القبيل.

تنوع قراءات كلمة أفٍّ وأن أغلب المواضع فيها وجهان أو ثلاثة فقط

"فلا تقل لهما أفْ ولا تَنْهَرْهُمَا"، "أُفَّا ولا تَنْهَرْهُمَا"، "أُفٍّ ولاتَنْهَرْهُمَا"، وهكذا يوجد فيها قراءات كثيرة.

لكن هذا ليس ديدن الألف ومائتين وخمسين موضع، في هذه المواضع ستجد أنه في كل كلمة منهم راوي واحد خالف، اثنان خالفوا، ثلاثة خالفوا، أربعة خالفوا، والباقي لا.

وتجد أنها قُرئت بالوجه الأول أو الثاني أو الثالث، أي أنهم وجهان أو ثلاثة على الأكثر في الألف ومائتين وخمسين موضعا.

نسبة القراءة إلى القارئ كنسبة المذهب الفقهي إلى الإمام المجتهد

[المذيع]: مولانا الإمام، هذه القراءة نُسبت للقارئ، إذا كانت قراءة توقيفية بالأصل؟ [الشيخ]: هي توقيفية بالطبع، ولكننا نسبناها إلى القارئ كما نسبنا النحو إلى سيبويه، وكما نسبنا الفقه إلى الشافعي

كل ما قاله الشافعي في الرسالة أرجعه بالسند المتصل الخطيب البغدادي في كتابه [الفقيه والمتفقه] إلى حال الصحابة: كل شيء هو مروي.

ولكن لماذا سُمي هذا المذهب بالشافعي؟ ولماذا سُميت القراءة قراءة نافع أو عاصم؟ لأنهم بلغوا من العلم ومن الإتقان ومن الأداء، الحفظ، التصدر ومن الدراسة إلى منتهاه، إلى منتهى هذه الدرجات، فكانت القراءة تُنسب إليهم.

نافع وقراءة أهل المدينة وتلميذاه قالون وورش وانتشار قراءتهما

ولذلك نافع هو الذي قرأ قراءة أهل المدينة، لديه تلميذه الذي أخذ عنه وهو قالون و الآن أهل ليبيا يقرؤون بقراءة قالون عن نافع.

أما قراءة ورش المصري؛ ورش يعني جميل؛ يقرأ بها أهل المغرب أي يقرؤون بقراءة ورش عن نافع.

ابن مجاهد واختياره للقراءات السبع وسبب اكتفائه بها دون العشر

وبعد ذلك وجدنا شخصًا مثل ابن مجاهد وقال: أنا سأكتفي بسبعة قراءات فقط فقلنا له: لماذا تنكر الثلاثة؟ قال: حاشا وكلا، لست أنكر الثلاثة، إنما الخلافات بينهم قليلة جدًا.

يعني قراءة أبي جعفر المدني تكاد تنطبق على قراءة قالون، أي شبيهة بها جدًا إلا في أربعة مواضع فقط.

و تعرف من الكتب هذه الأربعة المواضع التي تفرد بها أبو جعفر خلافًا لقالون؛ لكن ورش بينه وبين أبي جعفر خلافات كثيرة.

سبب اختيار القراءات السبع والعلاقة بين القراء العشرة والثلاثة المتممين

فالقراءات هكذا؛ **فاصبحوا سبع قراءات ** لأنه قالوا : يعقوب يكفينا الكسائي وخلف يكفينا حمزة وأبو جعفر يكفينا قالون فاختاروا السبعة من دون هؤلاء الثلاثة فأصبح هناك ثلاثة وهم التتمة، وأصبح هناك السبعة الأساسيون التي هي أغلب الخلافات أصولًا وفرشًا تكون فيهم.

لكن حمزة هذا هو هو مثل خلف، فهو أحد الرواة من حمزة،

ضبط قواعد القراءات وإثبات حفظ القرآن عشرين مرة

وقد وضعوا لهم قواعد وضبطوا المسألة فيقال لك: إذا أردت أن تهرب من حمزة فلا تقف له على همزة.

فهذا علم يثبت أن الله حفظ القرآن ليس مرة واحدة ولا مرتين ولا عشرة بل حفظه عشرين مرة! وهذا شيء يجعل الإنسان

موقف الشيخ ممن ينكر القراءات أو يدعي تعدد القرآن وقول الشافعي في مجادلة الجاهل

يندهش، لكن عندما اجد شخصًا لا يفهم ويجلس يتحدث بجهل عن القراءات أو ينكرها او يقول لي: هذا ليس قرآنًا واحدًا بل أكثر من قرآن، فأنا من شدة الانبهار أسكت.

فكان الشافعي دائمًا يقول هكذا:

«لو جادلني عالم غلبته، ولو جادلني جاهل غلبني»

لماذا ؟ لانه لا توجد لغة وأيضًا فاقد الرؤية الشاملة للمسألة، فكيف سأفهمه إذا كان هو متظاهرًا بأنه فهيم جدًا وعارف بكل شيء؟ فانقطعت اللغة بيني وبينه.

لماذا لا يرد العلماء على بعض الشبهات وأهمية الفهم قبل الرد

لذلك أحيانًا يسألنا كثير من الناس: لماذا لا تردون؟ هي ليست مسألة ردّ بل مسألة فهم أولًا.

وعندما يأتي شخص ويقول لي مثلًا: إن القرآن الكريم مكتوب بالآرامية، فكيف أتحدث معه بعد ذلك؟ ثم يقول: إن أحد المستشرقين الكبار قال... فتجدني أنظر إليه هكذا في نوعٍ من أنواع الذهول فهو يهذي ويتحدث بكلامٍ غير مترابط من أي جهة.

الرد على من يدعي أن القرآن مكتوب بالآرامية بمثال طريف

[المذيع]: أي أن توضيح الواضحات من المشكلات يا مولانا؟

[الشيخ]: نعم، هذا صحيحًا، فعندما كنا صغارًا في المرحلة الثانوية وما إلى ذلك، ويقول أحدهم مثلًا "زمان"، فيرد عليه الآخر: "لا، ذا وومن" [the woman] هل انتبهت أنه حوّل كلمة "زمان" إلى "the man" الكلمة الإنجليزية؟

فكذلك حال من يقول أن القرآن نزل بالآرامية، فيكون مثل الماحي في جميع النواحي.

سؤال عن ارتباط تنوع القراءات بالأحكام الشرعية المستنبطة من الآيات

[المذيع]: هل الأحكام تنوعت مع تنوع وتعدد هذه القراءات؛ أي ارتبط هذا التنوع والتعدد بالأحكام أيضًا التي تُستنبط من هذه الآيات؟

[الشيخ]: نعم بالطبع، كثيرأ جدًا، الاحكام عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا أخذوها من هذه القراءات؛ فالقراءات ليست فقط [لإثبات الحفظ]، لكن الجزء الأهم منها هو إثبات حفظ القرآن على مستويات مذهلة.

اختلاف الفقهاء والمفسرين في استنباط الأحكام من القراءات المختلفة

لكن في ذاتها[الاحكام] اختلف الفقهاء و اللغويون واختلف أهل الأصول و المفسرون في هذه القراءات، وكيف تُستنبط منها الأحكام، وكيف أن القراءة تختلف عن قراءة في بناء الحكم الشرعي الصحيح عليها.

ونحن في العصر الحديث أُنجزت فيها العديد من رسائل الدكتوراة والماجستير ؛ فالبعض يقول مثلًا: أريد أن أرى أثر القراءات في الأحكام الشرعية في تفسير القرطبي ، أو في تفسير الرازي، أو عند مثلًا أبي الثناء الآلوسي فقط و هكذا.

ويرى ما هو موضع الخلاف بين الحنفية والشافعية فيما ترتب على القراءات المختلفة، وأين يكمن هذا الخلاف وهكذا فهذا العلم واسعًا كالبحر لأن جزئياته كثيرة لا تتناهى.

القراءات تعطي التنوع والسعة لاستيعاب مليارات البشر إلى يوم القيامة

لكن اختلفت الأمة؛ فأصبحت القراءات تعطيني شيئًا ثالثًا غير اختلاف الأحكام، وهو ما الحد الأدنى والحد الأقصى فتعطيني التنوع ذلك لأن هذا الدين سوف يشمل مليارات من البشر، فنحتاج إلى هذه السعة، وهذا التنوع؛ لأننا نقول إن الدين باقٍ إلى يوم القيامة، وأنه[القرآن] خاتم النبيين فهو فعلًا نبيًا مقيمًا يجيب على كل الأسئلة مهما حدثت؛ هذه القراءات أيضًا أعطتني أسقفًا معرفية مختلفة، ولذلك أصبح ليس هناك أي تعارض بين الدين عندنا وبين ما يصل إليه من يصل في العلم.

القراءات آية من آيات الله وإعجاز القرآن عبر القرون مع الرسم القرآني

إنه شيء مذهل من كل جوانبه، ولذلك فالقراءات آية من آيات الله سبحانه وتعالى، ولو انضمَّ إليها [الرسم القرآني] لصار القرآن يُعجز كل أحد عبر القرون وإلى يوم الدين.

[المذيع]: مولانا الإمام هل هناك أيضًا خلاف بين السنة والشيعة حول القرآن الكريم وما نتحدث فيه عن قراءات، والقراءات التي ترتبط بها أحكام فقهية؟

اتفاق علماء السنة والشيعة على حفظ القرآن وقراءة جعفر الصادق

[الشيخ]: علماء الشيعة وكذلك الأئمة الكبار للشيعة، سواء كانوا الجعفرية أو الزيدية ليس بينهم أي خلاف إطلاقًا أن هذا القرآن هو من عند الله.

ولكن كان سيدنا جعفر الصادق له قراءة قد ينفرد بها في بعض المواضع القليلة جدًا فعندما قمت بعد هذه المواضع لم تزد عن سبعة أو ثمانية.

أو وفي النهاية تكون اختيارًا بمعنى أنه مرةً يكون مع حفص، ومرةً يكون مع شعبة، ومرةً يكون مع عاصم، ومرةً يكون مع نافع، وهذا تحرير علمي لا علاقة له بالقول بنحو تحريف أو ما شابه ذلك إلى آخره.

مشكلة تسمية الشيعة للقراءات الشاذة بالتحريف وأمثلة على ذلك

لكن هناك مشكلة عند الشيعة أن لديهم مصطلحات ما، هذه المصطلحات آذت فهم الناس لهم، وهم أنهم يسمون القراءات الشاذة بتحريف القرآن يعني يقصدون أن القرآن قد حُرف عن المتواتر.

المذيع: هل كان الأمر على هذا النحو؟ هل حُرف القرآن كما اعتقد الشيعة؟

الشيخ: لقد كانوا يسمون ذلك القراءة الشاذة ، أي أن هذه القراءات الشاذة عندهم هي التحريف.

فسألتهم: لماذا تسمونها [القراءات الشاذة] تحريف؟ قالوا: مخطئون يا سيدي ورجعوا عن هذه التسمية.

أمثلة على القراءات الشاذة وكيف تثبت حفظ القرآن لا تحريفه

هذه التسمية تمت في قرون معينة، أن الكتاب أي القرآن تعرض لقراءات شاذة، امثلة علي ذلك: "عذابي أصيب به من أساء" وليس "من أشاء"، هل انتبهت؟

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

"يخشى اللهُ" بالرفع هكذا، من عباده العلماء، وهي "يخشى اللهَ" [بالفتح] من عباده العلماءُ وأمور مثل هذه التي هي مثل أخطاء حدثت في التلاوة أو غيرها.

وما المشكلة؟ فأنت تعرف أن هذه القراءات ماذا تفعل؟ تزيد إيماننا وثقتنا في القرآن

القراءات الشاذة تثبت حفظ القرآن ووجود معيار المتواتر للتمييز

أي أن القرآن محفوظ لدرجة أنه يقول "أمّرنا مترفيها ففسقوا فيها"، فيقول لي: لا ، لا يوجد عندنا "أمّرنا" في القراءات المتواترة؛

الله! إذا اصبح لدي معيار ألجأ إليه.

لكن إذا أخطأ شخص فقال "أساء" أو قال "أمّرنا" أو قال غير ذلك، مثل هذا قد يحدث، فإن ذلك يزيد من إثبات حفظ القرآن من عند رب العالمين.

فجاءت الشيعة وأخطأت وسمت القراءة الشاذة تحريفًا، فقلنا لهم: لا تسموها هكذا؛ حتي لا يظن غير المسلم أن القرآن تم تحريفه كما تم تحريف كثير من النصوص قبله؛ فرجعوا عن هذا الاعتقاد الفاسد الكاسد بالتسمية.

اتفاق الجميع على حفظ القرآن وختام الحلقة بسؤال عن القراءات الشاذة

أما الجميع فإنهم متفقون على أن القرآن محفوظ من عند الله.

[المذيع]: تعرفنا في هذه الحلقة على القراءات العشر الكبرى، وانتهينا إلى سؤال مهم سوف نجيب عليه في حلقة الغد إن شاء الله: ما القراءات الشاذة؟

مولانا الإمام، شكر الله لكم ورضي الله عنكم دائمًا، شكرًا لكم دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.