والله أعلم | الدكتور على جمعة يتحدث عن مرحلة جمع القرآن الكريم وحقيقة التعديلات | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | الدكتور على جمعة يتحدث عن مرحلة جمع القرآن الكريم وحقيقة التعديلات | الحلقة الكاملة

34 دقيقة
  • القرآن الكريم اعتمد في حفظه على القراءة والتلقي الشفهي من الشيوخ، وكانت كتابته للإثبات وليس للتوثيق.
  • كانت هناك نسخ متعددة للقرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكنها لم تكن معتمدة رسمياً.
  • تأخر جمع القرآن في مصحف واحد إلى ما بعد وفاة النبي بسبب الاعتماد على الحفظ، وظهرت الحاجة إليه بعد استشهاد سبعين من القراء.
  • جمع أبو بكر القرآن في مصحف واحد بلجنة علمية، ثم انتقل إلى عمر ثم حفصة.
  • قام عثمان باستعارة مصحف حفصة وإعداد ست أو سبع نسخ وتوزيعها على الأمصار.
  • اهتم المسلمون بضبط القرآن وتنقيطه وتشكيله بعد دخول غير العرب في الإسلام.
  • نشأت علوم خاصة بالقرآن منها رسم القرآن وضبط القرآن.
  • يحفظ القرآن اليوم ملايين المسلمين في مختلف أنحاء العالم، حتى من لا يتحدثون العربية.
  • القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي بلغ هذا المستوى من الحفظ والإتقان على مر التاريخ.
محتويات الفيديو(36 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن وجود مصاحف في عهد النبي

[المذيع أ.حسن الشاذلى]: بسم الله الرحمن الرحيم، باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك. ما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.

وأهلًا بكم في هذا اللقاء، وما أسعدنا دائمًا بصاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

[المذيع]: واسمح لنا في تواصلنا المستمر أن نلحق الإجابات التي سألنا فيها أسئلة كثيرة حول المصحف الشريف، كيف خرج من الصدور إلى السطور، ومراحل جمع المصحف الكريم. مولانا الإمام، هل كان هناك أكثر من مصحف في أيام سيدنا صلى الله عليه وسلم وفي حياته؟

القرآن كتاب مقروء يعتمد على التلقي من الشيخ للتلميذ لا على الكتابة

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، [صلى الله عليه وسلم]

النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا أن هذا الكتاب إنما هو القرآن، والقرآن يعني الاعتماد فيه على القراءة، وأن تسجيله على الأوراق أو الجلود أو سعف النخل أو شيء من هذا القبيل إنما كان هو للإثبات وليس للتوثيق.

فالتوثيق إنما يأتي عن طريق نقل الشيخ للتلميذ؛ لأن القرآن ليس فقط هو هذا المكتوب، بل هو طريقة للتلاوة تختص بهذا المكتوب. ولذلك حفظه الصحابة الكرام وأتموا حفظه، وهناك كان من الكبار كـأُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود، وهكذا. وكان هناك قرّاء آخرون حتى إنهم يقولون أنهم كانوا يدخلون المسجد فيسمعون صوتًا كدوي النحل من التلاوة ومن الاسترجاع.

قصة فاطمة بنت الخطاب ووجود نسخ مكتوبة من القرآن في مكة

فإذن قضية أن يكون للإنسان مصحف خاص، فهذا ما وجدناه مع فاطمة بنت الخطاب عندما دخل عليها عمر قبل إسلامه يبحث، فأتت له بأوراق مكتوب فيها سورة طه فقرأها عمر وكان قارئًا، فبسببها أسلم.

إذن هذه فاطمة بنت الخطاب في مكة قديمًا كان عندها شيء من المصحف كان مكتوبًا، وعندها تتلوه، وعندها تقدمه لأخيها عندما يضيق عليها بعد سماعه أنها هي قد أسلمت وزوجها أيضًا. فبعد هذا السماع أتى، وكذا إلى آخره.

القصص هذه نأخذ منها مثل هذا الوجود، نستطيع أن نقول إنها كانت نُسَخًا لكنها ليست نُسَخًا معتمدة، ليست نُسَخًا مراجعة من مجمع البحوث الإسلامية. فهناك مصاحف موجودة في السوق لم تأخذ إذنًا من مجمع البحوث الإسلامية؛ المصحف الموجود قام الرجل بجمعه وطباعته، ولكنه ليس معتمدًا.

أسباب عدم اعتماد المصاحف في عهد النبي وغياب النقط وأسماء السور

فنجد فيه خطأً في ترتيب الصفحات، نجد فيه ملزمة ناقصة؛ لأنهم حين يجمعون الملازم ينسون ملزمة، نجد فيها أشياء من هذا القبيل. ولذلك نستطيع القول إن المصحف المعتمد هو الذي اعتمدته في عصرنا هذا، حتى اعتمدته الجهة المرجعية التي نرجع إليها للاعتماد.

فالمصاحف التي كانت موجودة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن معتمدة. ما الذي كان فيها يجعلها غير معتمدة؟

  • لم يكن فيها نقط، ولا مصحف عثمان كان فيه نقط.

  • لم يكن فيها أسماء السور.

  • ولكن الأهم أنهم كانوا يفسرون ما يريدون تفسيره ويقيدون ما يريدون تقييده في ذات النسخة نفسها.

كتابة التفسير في هوامش المصحف وقول ابن مسعود جردوا القرآن

[المذيع]: في الهامش يا مولانا؟

[الشيخ]: في الهامش، فوق الكلمة وما بين السطور وهكذا. ويعرفون بدلًا عندنا من علامات الترقيم الحديثة نضعها بين قوسين.

فكانوا هم يعملون أشياء من هذا القبيل. فكان سيدنا عبد الله بن مسعود بعد ذلك يقول: جرّدوا القرآن. جرّدوا القرآن يعني ماذا؟ يعني لا تكتبوا فيه شيئًا لا بالزيادة ولا بالنقص.

عندما تأتي مثلًا السيدة عائشة تتحدث عن:

﴿حَـٰفِظُوا عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: 238]

فكانت هي تكتب لكي لا تنسى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال عن الصلاة الوسطى هذه أنها صلاة العصر، فتكتب فوقها [الآية]: صلاة العصر.

الفرق بين نص القرآن والتفسير المكتوب في الهوامش وتطور طباعة التفاسير

ابن مسعود لا يحب أن تُكتب صلاة العصر [على ورق المصحف] لتتذكر أنها صلاة العصر في التفسير. صلاة العصر غير موجودة في المصحف، وهي غير موجودة في المقروء، وغير موجودة في الكتاب المُنَزَّل في هذا النص؛ هذا تفسير للنص.

فلم يكن هناك هذا التطور الذي حدث بعد ذلك في عصرنا أصبحنا نجعل القرآن وحوله تفسيره. ** مثل تفسير محمد فريد وجدي، مثل تفسير الشيخ الزحيلي رحمه الله، مثل تفسير الشيخ عبد الجليل عيسى؛ تجد المصحف هكذا وحوله تفسيره. لم يكن هذا التطور قد تم، فكان ابن مسعود يغضب عندما يجد هذه الأشياء [الكتابه على المصحف].

شبهات المستشرقين حول تعديلات القرآن وشك الحيرة لا الشك المنهجي

إذن، فيقول [ابن مسعود]: جرّدوا القرآن. بعض المستشرقين لأنهم ليسوا من أهل العربية، كما أن هؤلاء المستشرقين المساكين في ورطة كبيرة في الحقيقة، لم يجدوا شيئًا في الإسلام.

[المذيع]: هل شكّوا في موضوع الهوامش والتفصيل هذا على أنه ربما تكون هناك تعديلات دخلت على القرآن؟ هل هذا هو فكر المستشرقين؟

[الشيخ]: هو يريد أن يرى شيئًا فيتشكك بها[ذريعة] شك الحيرة، وهذا ليس شكًّا منهجيًّا. فهو يتساءل: ماذا يعني هذا الكلام؟هل يعني أن الإسلام سليم مئة بالمئة؟ فإذا كان سليمًا مئة بالمئة، سيسبب لي مشكلة؟ وهو سؤال سيتبادر إلى ذهن المخلص: لماذا لا أُسلم أنا أيضا ؟ لماذا لست مسلمًا؟ أنا لا أريد أن أكون مسلمًا، أنا غاضب منهم، وكما دائما ربونا [وعلمونا في مدارسنا و ثقافتنا] يجب أن أجد في الإسلام شيئًا؟

قاعدة مطلق الاحتمال العقلي لا يقدح في قطعية الدليل والرد على أوهام المستشرقين

ابن مسعود يقول: جرّدوا القرآن. دعنا نقف [المستشرقين] معه قليلًا هكذا ونجعل "جرّدوا القرآن" تعني أن القرآن دخلت فيه تعديلات. الأوهام ستبدأ في العمل، فيمكن أن القرآن قد أُدخلت عليه تعديلات. فابن مسعود قال لهم: لا يا إخواننا، دعونا من التعديلات. الكلام الذي تقوله يا حضرة المستشرق هو من عندك، هو من عقلك. فيقول [المستشرق] هل هو احتمال أم ليس باحتمال؟ فأخرجنا له حينها قاعدة اتفق عليها العقلاء أن مطلق الاحتمال العقلي لا يقدح في قطعية الدليل.

[مثال]هل هناك احتمال واحد في المليون إذا ضاعت منى سبحة أثناء الطواف أن أجدها مرة أخرى؟

قصة السبحة الضائعة في الطواف كمثال على الاحتمال البعيد الذي لا يقدح في اليقين

بالطبع هناك احتمال. كنا مرة مع سيدنا الشيخ، ثم وجدنا شخصًا داخلًا يسلم: السلام عليكم. فقال له سيدنا الشيخ: الله! هذه السبحة وجدتها في الطواف سنة كذا من عشر سنوات مضت. فقال له: نعم.

ماذا يا مولانا؟ قال له: هذه خاصتي. وكان قد علّمها بأن الحبة الثانية فيها مكسورة كسرة معينة، فقال له [الشخص الذي وجد السبحة]: نعم، حدث أنني وجدتها في الطواف.

كم مرة تتكرر هذه الحادثة؟ واحد في العشرة ملايين تتكرر هذه الحادثة، أن يضيع مني شيء في المطاف، وبعد عشر سنوات أجد شخصًا يأتي إلي بها. هذا وارد وممكن.

مطلق الاحتمال العقلي لا يقدح في قطعية الدليل وبناء العلوم على هذه القاعدة

لكن هل هذا يعني أنه يقطع في ضياع الشيء؟ عندما يضيع شيء، فقد ضاع الشيء في مكان فيه اثنان مليون، ثلاثة ملايين، أربعة ملايين، من يأخذها سيمضي أو الذي سيتركها ستُجمع مع المهملات أو كذا. مطلق الاحتمال العقلي هذا لا يقدح في قطعية الدليل. وعليه بُنيت:

  • الهندسة.
  • القضاء.
  • المواريث.
  • الاجتماع البشري.

هل نسبة حدوثه هي الواحد في المليون أم العشرة في المليون؟ نعم من الممكن أن يحدث ولكنه بعيد المنال.

أصل القرآن مقروء وليس مكتوبًا وشهادة شاهدين على كل آية مع السند الجُمَلي

عندما يتأكد لي أن هذه السبحة ذهبت إلى الهند وامتلكها مالك فباعها، يصبح من المستحيل أن ترجع. كذلك عندنا "جرّدوا القرآن"، وهي معناها كان هكذا، فيحتمل احتمالًا بعيدًا جدًّا فيها. ولكن الذي حدث أن القرآن مقروء وليس مكتوب. فكل آية من آيات القرآن الكريم شهد عليها شاهدان مع السند الجُمَلي لعموم الناس. أي أن اثنين من الشهود شهدوا عليها. وماذا عن البقية؟ البقية سكتوا، بمعنى أنه لا يوجد أحد منهم لديه ما يخالف هذا.

استحالة تحريف القرآن رياضيًّا وبلوغ مبلغ اليقين في نقله

في كم آية ؟ ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية بقراءاتها العشر. فهذا يعني استحالة [تحريفها]؛ لأن واحد على ما لا نهاية من هذه الاحتمالات يساوي صفرًا.

فرياضيًّا، نحن قد بلغنا مبلغ اليقين، وأزحنا [الشكوك]. فهذا ليس مجرد مبلغ اليقين، بل هو مبلغ اليقين الخالص.

إن ما حدث أن هذا [القرآن] كتاب مقروء تلقيناه من أفواه المشايخ كما هو وبأدائه، يعني في غاية الإتقان.

دقة التلقي في القراءات القرآنية وضبط مخارج الحروف عند الشيوخ

فعندما آتي لأقرأ على سيدنا الشيخ، وأقول: "والضحى"، فيقول [شيخ القرآن] لى: غلط؟ فأقول له: أنا لم أفعل شيئًا. فيقول لي: لا، "والضحى" هكذا رَقِّقْ. إذا أردت ترقيق الحرف اجعل شفتيك بجانب أذنيك، وإذا أردت تفخيم الصوت، اجعل شفتيك كالقُبلة. كانوا يقولون لنا هكذا ونحن صغار، ونحفظ إلى هذا الحد بوضوح. هذه حاء وهذه حاء أيضًا [لكن النطق مختلف] فهذا شيء معجز؛ ليس كل ما تقرأ أو تقول مقبول وحسب، بل بالحرف والتلقي. فهذا التلقي ثَبَتَ في القراءات.

القرآن محفوظ مقروءًا في الصدور والسطور والفرق بين القراءة الشاذة والمتواترة

وبعد ذلك يأتي شخص ويخطئ فالمصحف ليس فيه نقاط.

﴿عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ [الأعراف: 156]

فيقول "عذابي أصيب به من أساء"؟ يقول له: لا، هذا خطأ، "من أشاء". أين النقاط الثلاث؟ فهُم لم يضعوها بعد، لكنه محفوظ أيضًا.

وهذا الفرق بين القراءة الشاذة التي هي عبارة عن خطأ مخطئ من:

  • عدم الضبط.
  • عدم التخصص.
  • التسرع.
  • صغر السن.

قصة الطفل حمزة الذي قرأ لا زيت فيه بدلًا من لا ريب فيه وفشل المستشرقين

كان سيدنا حمزة والده يعمل زيّاتًا. رأى الولد وهو طفل عنده تسع سنوات، الزيت داخل والزيت خارج في مخازن والده. فجاء يقرأ القرآن فقال:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]

سيدنا حمزه "لا زيت فيه"! فقال له[والده]: لا يا بني، اسمها "لا ريب فيه". الولد ربط في ذهنه الريب بالزيت، فلما وجد هذه التركيبة هكذا قرأها "زيت".

هذا يحدث، ولكن على سبيل الخطأ. ولذلك فتّشوا هم في التاريخ وفشلوا.

[المذيع]: من هم يا مولانا؟

[الشيخ]: المستشرقون ومن أراد التشكيك في صحة الكتاب المبين.

إعجاز نقل القرآن وعجز أي كتاب آخر عن بلوغ هذا الحد من التوثيق

لأن صحة الكتاب هذه معجزة وصلت إلى حد يقين اليقين. ولذلك هم لا يعرفون ماذا يفعلون معه؛ لأنه في المقابل لم يصل كتاب قط في الدنيا إلى هذا الحد.

ولذلك يغارون، ولذلك مستاؤون ومتعبون، ولذلك يقول لك: لماذا كتبنا ليست حجة؟ لماذا هذا الكتاب [القرآن] بالذات هو الحجة؟ لمَ لا تغيرونه؟

الكتاب الوحيد الذي في العالم الذي نُقِل هذا النقل البديع، وبعد ذلك هذا النقل أصبح مستمرًّا حتى يومنا هذا، مستمر لا يستطيع أحد أن يفعل معه شيئًا؛ لأنه منضبط جدًّا، ولأنه مضبوط بالحرف، ولأنه محفوظ عشر مرات لا مرة واحدة. شئ مذهل.

القرآن أمر محسوم ومن ينكر ذلك ينكر المحسوس كمن يدّعي انتصار المهزوم

شيء قد حُسم تمامًا وضرب ضربة قاضية وانتهى الأمر. والذي ينكر ذلك فهو ينكر المحسوس، أي كمن رأى ملاكمًا يضرب أخاه بضربة قاضية والآخر سقط، ثم قال: الذي سقط مضروبا هو الذي انتصر. فعندما تسقط على الأرض، فأنت مهزوم حتماً ولا نقاش في ذلك [بمعنى لا يريدون الإعتراف بمعجزة القرآن رغم انعدام الأدلة ضده].

في الحقيقة لا علم ولا أخلاق ولا تقوى عندهم [المستشرقين]؛ لأنه إعجاز القرآن في نقله، لا أقول في أي شيء آخر، إعجاز مذهل.

سبب تأخر كتابة المصحف إلى ما بعد وفاة النبي ودور أبي بكر في جمعه

[المذيع]: مولانا، لماذا تأخرت كتابة المصحف إلى ما بعد وفاة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن صاحب أول بادرة في جمع القرآن الكريم؟ فاصل ونعود إليكم لنجيب على كل هذه التساؤلات.

أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، يعني تتتابع التساؤلات حول جمع المصحف الشريف، ولماذا تأخر جمع المصحف في مصحف واحد أو جمع القرآن في مصحف واحد إلى ما بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

[الشيخ]: ذلك لأنه إثبات وليس توثيقًا، إذ لم نكن في حاجة أصلًا إلى وجود مصحف. وقد اشتدت الحاجة إلى المصحف عندما دخل غير العرب إلى الإسلام.

حكمة كتابة المصحف بعد دخول غير العرب الإسلام ودور أبي بكر وعثمان في الجمع

الحكمة من كتابته في الأساس لأن غير العربي لا يعرف كيف ينطق العربية جيدًا، لأن غير العربي ليس لديه الحافظة التي كانت عند العربي.

وهذا هو الذي دفع أبا بكر لكتابته، وهذا أيضًا هو الذي دفع عثمان لكتابته. لأن الذي دفع أبا بكر لكتابته في مكان واحد وفي مصحف واحد أن أستحر القتل في القراء.

أي أن الموضوع يتعلق بالقراء. فالقراء مات سبعون منهم ضد مسيلمة الكذاب عند ذهاب خالد [ين الوليد] إليه [معركة اليمامة]. فمات سبعون شخصًا، فقال [أبو بكر]: القرآن أصله مقروء، لكن لنفترض أنه لا يوجد أحد يقرأه والحفظُ انتهى [بموت القرّاء]، ماذا نفعل؟ إذن ينبغي علينا أن نُحضرَ الإثبات.

أعداد حفظة القرآن في العالم كدليل على حفظ الله للقرآن الكريم

أين هو الإثبات؟ فقام بجمعه [سيدنا أبى بكر]، فالأصل هو القراءة. وعندما نأتي لنرى كم شخصًا حفظ القرآن الآن، لنرَ مصر على سبيل المثال: أصبح عدد سكان مصر مائة مليون، اثنان مليون منهم حافظون للقرآن.

ليبيا كان عدد سكانها ستة ملايين، وكان اثنان ونصف مليون منهم حافظ للقرآن.

فإذا قلنا إن المائة مليون فيهم اثنان، وإذا كنا مليارًا ونصف، فكم يكون العدد؟ ثلاثمائة مليون حافظين للقرآن.

يعني والله هذا عدد ضخم كبير، حيث إن اثنين في كل مائة يعني عشرين في كل ألف، يصبح عددنا حوالي ثلاثين مليون إنسان حافظاً للقرآن.

حفظ القرآن عند غير العرب ووسيلته في فك الأمية والفكر المستقيم

والغريب في الأمر أن:

  • التركي والماليزي والإفريقي كلهم يحفظونه، حتى لو كانوا لا يعرفون العربية.
  • لا أحد من الذين ترجموا إلى اللغات الأخرى يحفظ الترجمة، بل يحفظ القرآن نفسه.
  • القرآن وسيلة وإلى يومنا هذا لفك الأمية.
  • القرآن وسيلة إلى الفكر المستقيم بحفظ ستة وستين ألف كلمة، والمطلوب حفظ الأطفال عشرين ألفًا فقط.

كل هذه ضربات قاضية، لهذه الأوهام والرغبات. نحن نتعامل مع واقع.

أئمة التراويح من غير العرب يحفظون القرآن كاملًا وهذا من أعظم المعجزات

هناك ذلك الشخص الذي في تركيا الذي يَؤُمُّ الناس في صلاة التراويح بالقرآن، وهو لا يعرف اللغة العربية. رأينا الشيء نفسه في ماليزيا، و الفلبين، و الهند، و أوروبا.

إنهم يحفظون القرآن كله ويؤمون به في صلاة التراويح وهم لا يعرفون اللغة العربية. أي معجزة هذه، وأي كتاب مثله!

هل حَفِظوا كتب تولستوي أو كتب شكسبير أو الكتب المقدسة؟ لا أحد. ويوم أن يتعاظم أحدهم هكذا ويكون قد حفظ صفحتين، يعدّ نفسه من كبار العلماء.

مقارنة حفظ القرآن بحفظ كتاب الفيدا عند الهندوس واندثار حفظهم

عند الهندوس كتاب اسمه الفيدا، وهذا الفيدا كانوا في الزمن القديم يخصصون عائلة لكل سورة منها. هم عشر سور في الفيدا. فيخصصون العائلة الفلانية لحفظ السورة الأولى، نص واحد فقط، والعائلة الثانية لحفظ السورة الثانية، ويتوارثونها.

وهم يفتخرون بأنهم حافظون للفيدا، ما من أحد حافظ للعشرة، فكل عائلة تحفظ سورة واحدة فقط.

حتى هذه ليست موجودة، لم يعد أحد يحفظ شيئًا الآن. بعدما تُرجم [الفيدا] إلى الإنجليزية في القرن التاسع عشر، لم يعد أحد يحفظ شيئًا على الإطلاق في الفيدا، لا بالسنسكريتية ولا بالإنجليزية.

القرآن ظاهرة فريدة في الحفظ الإلهي وتعدد النسخ غير المعتمدة واعتماد نسخة أبي بكر

فنحن أمام ظاهرة فريدة وحيدة شريدة تتمثل في أن الله سبحانه وتعالى هو الذي حفظ هذا الكتاب، وسيظل كذلك.

هل كانت هناك نسخ متعددة للقرآن؟ نعم، كانت هناك نسخ متعددة للقرآن لكنها غير معتمدة.

هل اهتمت الدولة باعتماد النسخة المعتمدة؟ نعم، حدث هذا بلجنة علمية موثقة في عهد أبي بكر.

إلى أين ذهبت نسخة أبي بكر؟ ذهبت إلى سيدنا عمر.

وإلى أين ذهبت نسخة سيدنا عمر؟ ذهبت إلى حفصة.

استعارة عثمان للمصحف من حفصة وتوزيع النسخ في الأمصار

فلما جاءت لجنة عثمان المصحف لتوحيد الناس على نسخة واحدة ذي القراءات العشر المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستعار من حفصة أم المؤمنين عليها السلام النسخة وراجعها وضبطها حرفًا حرفًا، ثم أعادها إليها.

فلما توفيت حفصة، آلَ المصحف لأخٍ من إخوانها، ثم باعوه لأسرة من أسر الشام، وبعد ذلك اختفى المصحف مع مرور التاريخ.

قام سيدنا عثمان بصنع ستة أو سبعة مصاحف، واختص نفسه بمصحف، ووضع المصاحف الأخرى في الآفاق. أرسلها إلى مكة و الكوفة و البصرة و دمشق و هكذا وزعها في الأمصار.

النسخ المنسوبة للمصحف العثماني وأماكن وجودها في العالم اليوم

هذه النسخ التي وزعها عثمان في كافة الآفاق، منها ما يُظن أنها النسخ الأصلية. فالنسخ الأصلية هذه حوالي ستة. نحن لدينا واحد هنا في المشهد الحسيني ثم نُقل إلى المقام الزينبي للسيدة زينب رضي الله تعالى عنها. وواحد كان في توبكابي في اسطنبول، وواحد في متحف الآثار الإسلامية في اسطنبول.وواحد يسمى الآن مصحف فلادلفيا موجود في طشقند؛ لأنه ناقص بعض الأوراق، وكان قد نُشر أيضًا مرة ثانية بعد نشره الأول في روسيا، ثم نُشر بعد ذلك في فيلادلفيا. حميد الله رحمه الله نشرهُ. فهذه أربع نسخ منسوبة إلى المصحف العثماني.

مصحف المسجد الأموي المحترق وإشكالية النقط في المصاحف القديمة

كان هناك مصحف في المسجد الأموي واحترق منذ حوالي مائة سنة أو نحو ذلك. لكن هذه المصاحف حتى بعضها تجد فيه نقطًا.

فقالوا: هل نُقطَ عندما نَقَّطَ المسلمون هكذا وذهبوا فنقَّطوا المصحف الإمام؟ أم أن هذه مصاحف منسوبة إلى ما بعد النقط؟

فالكلام واسع وكثير، لكن في النهاية النسخ غير موجودة. لا يوجد كتاب يمتد في التاريخ إلى هذا الامتداد.

[المذيع]: فالمصحف إذن هو الكتاب الوحيد الذي تحفظه البشرية عن ظهر قلب، وهذا ما يفخر به أو يفتخر به المسلمون دائمًا بأنه حافظ القرآن الكريم. اسمح لي أن أذهب إلى فاصل ونرجع كي نسأل كيف تم تنقيط القرآن الكريم. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

سؤال عن تنقيط القرآن الكريم وتشكيله ومراحل ضبط الكلمة في المصحف

أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، تأتي تساؤلات أخرى ربما حول تنقيط القرآن الكريم، حول ضبط الكلمة في المصحف الشريف الذي هو التشكيل الذي نتحدث عنه. كيف تم تدقيق هذه الكتابة؟ كيف تم تنقيط الكلمات داخل القرآن الكريم ولم يكن منقوطًا من قبل؟

[الشيخ]: مرت بمراحل كثيرة؛ لأنني أقول لك أن هذا للإثبات فقط، فكان مساعدًا. يعني أنا أمامي كلام غير منقوط.

أمثلة على اختلاف القراءات بسبب غياب النقط والتشكيل في المصحف

فـ "يَكذِبون" مثل "يُكَذِّبون" مثل "يُكْذَبون". هي هى

﴿وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: 110]

"وظنوا أنهم قد كُذِّبوا"، فهي من غير نقط ومن غير تشكيل تصلح لهذه القراءة.

﴿فَتَبَيَّنُوٓا﴾ [الحجرات: 6]

و"فتثبتوا" هي نفسها، أي تصلح للقراءة هكذا. لكن هل وردت؟ هل وردت؟ هذا هو الذي كان يُتلقى من الشيخ.

فعندما يقول:

﴿عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ﴾ [الأعراف: 156]

"عذابي أصيب به من أساء"، قراءة الحسن، فيقولون: لا، هذه ليست من المتواترة. "عذابي أصيب به من أشاء".

أخطاء العامة في قراءة القرآن كدليل على ثبات النص المحفوظ

إلى درجة أن بعض الناس يقول؟

﴿فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7]

"فريق في الحبة وفريق في الشعير"! وهو يظن أنها حبة وشعير، بينما هي في الحقيقة "فريق في الجنة وفريق في السعير".

فحدثت، وهذا يدل على حفظ القرآن. لأنه مع كل ما حدث، فإن القرآن ثابت ولا يتزعزع. الله لم يرضَ أن يحرف.

﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16]

"أَمَّرْنا مُترفيها" يعني جعلناهم أمراء، ففسقوا فيها. فيقول لك: لا، كلمة "فأمَّرنا" هي قراءة شاذة لا تُقرأ بها في القرآن أو في الصلاة.

بداية تنقيط المصحف وتشكيله بعد دخول غير العرب في الإسلام ونشأة علم رسم القرآن

فكيف بدأ هذا [تنقيط المصحف]؟ بدأ هذا عندما دخلوا مصر و الشام و إيران و الهند. فوجدوا الناس لا تعرف العربية، فقالوا: لابد أن نزيل هذا اللبس بطريقة التنقيط.

فبدأ النقط، ثم بدأ بعد ذلك الشكل، وأصبح عندنا عِلمين تولدا من خلال هذا وهما: رسم القرآن وضبط القرآن.

رسم القرآن يعني رسم هيكل الكلمة، كيف أكتب "الكتاب"؟ فكان يكتبها: ألف لام كاف تاء باء. أين الألف؟ فهذه تُنطق "الكتب". لو أننا نسير على ما هو موجود الآن فهي مكتوبة "الكتاب". هناك حوالي خمسة آلاف ألِف في القرآن بهذا الشكل.

الفرق بين رسم القرآن ونطقه وأمثلة على التاء المفتوحة والمربوطة وإظهار النون

أنا أكتب "الكتب" وأضع عليها كَشيدة هكذا، يعني شرطة هكذا، وفوقها إشارة تدل على أن هناك ألفًا لكنها غير مكتوبة وإنما هي منطوقة.

فأصبح هناك فرق بين الرسم وبين النطق. إذن هذا يحتاج إلى علم. فلماذا وأين نكتب التاء المفتوحة في "رحمت" ونكتب التاء المربوطة في "رحمة"؟

متى نفعل ذلك؟ "إمرأت العزيز" وكتبها بالتاء المفتوحة، "امرأت فرعون" و"امرأة" التي بالتاء المربوطة. متى نكتب "أن لا"؟ متى أُظهر النون ومتى أحذفها؟ "يُنْجِيكَ" ثم أجده "يُنَجِّيكَ"، أهذه نونان أم نون واحدة أم لا نكتب النون الثانية؟، و"السماوات" وهكذا.

فأصبح هناك علم اسمه رسم القرآن، علم أصبح دقيقًا جدًّا وواسعًا جدًّا.

الإمام الداني وتلميذه ابن نجاح ومنزلتهما في علم رسم القرآن

[الشيخ]: الداني ألّف فيه كتابًا، الداني هذا في الرسم مثل سيبويه في النحو، ومثل الخليل بن أحمد. هو مثل من؟ ويشار إلى سيبويه أنه كبير علماء النحو. فمقامه كمقام البخاري في الحديث، ومثل الإمام الشافعي في الفقه. أكبرهم إذن اسمه الداني، وكان له تلميذ اسمه ابن نجاح.

قاعدة تقديم ابن نجاح على الداني عند الاختلاف في رسم القرآن غالبًا

فالعلماء قالوا: إذا اختلف الداني وابن نجاح في حرف أو في دقيقة من الدقائق، فتتبعوا أدلة الداني. هل الداني له أدلة؟ نعم، له أدلة. وتتبعوا أدلة ابن نجاح، فقدموا ابن نجاح، أي قدموا التلميذ، بالرغم من أن الداني هو الأستاذ.

فالتلميذ قد يفوق شيخه! وإذا اختلفا - يقصد الداني وابن نجاح - قُدّم ابن نجاح. وبعد ذلك وجدنا مرة اثنين ثلاثة أربعة مقدمين الداني، فاضطروا أن يقولوا غالبًا.

أهمية كلمة غالبًا في قاعدة تقديم ابن نجاح ودقة نقل علم رسم القرآن

يعني إذا اتفقا ربي لك الحمد. لكن أحيانًا يختلفون، فيُقدم ابن نجاح. لكن في بعض الأحيان بعد تقديم ابن نجاح نرجع إلى الداني أيضًا، فيكون غالبًا أقدم ابن نجاح غالباً.

فلابد أن تقول كلمة "غالبًا"، لكن بعض الناس ينساها وهو يتحدث، فيقول لك: فيُقدم ابن نجاح. وبعد ذلك تجد أنه في عدة مرات يُقدم الداني وهم مختلفون.

لأجل هذا العدد من المرات، يجب أن نستخدم كلمة"غالبا" لكي يكون الكلام دقيقًا إلى هذا الحد.

تم نقل القرآن [بهذه الدقة]، وإلى هذا الحد كانت هناك علوم، وهذا هو علم رسم القرآن، أي الإملاء الخاص بالقرآن.

الإشارة إلى علم ضبط القرآن والختام والتوديع

كما أصبح هناك ضبط القرآن، وهذا علمٌ آخر.

[المذيع]: سنتعرف عليه إن شاء الله في الحلقة القادمة. مولانا الإمام، شكر الله لك ورضي الله عنكم دائمًا يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، إلى اللقاء.