والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يكشف محاولات تحريف القرآن.. وكيف تم مواجهتها؟| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يكشف محاولات تحريف القرآن.. وكيف تم مواجهتها؟| الحلقة الكاملة

26 دقيقة
  • تناول الإمام علي جمعة اهتمام أوروبا بطباعة المصحف الشريف، موضحاً أن هذا الاهتمام بدأ لدراسة اللغة العربية والإسلام لأغراض التبشير والاستعمار.
  • سعت الكنيسة لمنع انتشار الإسلام في أوروبا، حتى أن أحد البابوات أمر بترجمة محرفة للقرآن باللاتينية بهدف التشكيك فيه.
  • وضح الإمام أن العلاقة بين التبشير والاستعمار كانت وثيقة، فهما وجهان لعملة واحدة، السلطة الدينية تهتم بالتبشير والسلطة السياسية تهتم بالاستعمار.
  • ظهر من المستشرقين فريقان: منصفون كوليام لين، وآخرون متحيزون كجولدستهير.
  • تحدث الإمام عن محاولات تحريف القرآن وتقليده عبر التاريخ، منها محاولات ابن المقفع والراوندي ومسيلمة الكذاب وسجاح وأنيس شروش، وجميعها باءت بالفشل.
  • أشاد بجهود الأزهر في دراسة علوم القرآن وافتتاح كلية خاصة له، وتصدي علمائه للشبهات والأفكار المنحرفة.
محتويات الفيديو(32 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

بسم الله الرحمن الرحيم، وقل رب زدني علمًا، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك.

[المذيع]: أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا، فتتجدد به حياتنا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنقرأ معه هذه القراءة المتأنية لنكتسب هذا الوعي الذي يأتي من بعده السعي، من خلال هذه العقلية الفارقة التي تحكم على الأمور الآن، ونستشرف به هذا المستقبل إن شاء الله.

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

سؤال عن اهتمام أوروبا بطباعة المصحف ومحاولات التحريف

[المذيع]: مولانا، اسمح لنا ونحن نتعرف على حضرتك، كيف سخّر الله الناس والعالمين لكتابة وطباعة المصحف الشريف؟ هل ظهرت محاولات لتحريف القرآن الكريم؟ ولكن قبل هذا السؤال، ثمة سؤال: هل اهتمت أوروبا بطباعة المصحف في البدايات؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ابتداءً، تكلمنا قبل هذا في حلقة بالتفصيل عن محاولات فرنسا والبندقية في طباعة المصحف، الذي تبيّن فيما بعد أنه كان مجرد تجربة ابتدائية، التي نسميها "بروفة"، ولم يُطبع. ثم بعد ذلك طُبع في ألمانيا، وطُبع بعد ذلك في إيطاليا.

أهداف أوروبا من طباعة المصحف بين تعلم العربية ودراسة الإسلام

ولكن كل هذه المحاولات كانت محاولة للاطلاع أولًا على اللغة العربية، وثانيًا على الإسلام؛ لأن اهتمام الغرب بالإسلام بعد الحروب الصليبية بالعلوم الحديثة جاء مع عصر النهضة.

وهناك بدأ صراع بين العلم وبين الكنيسة؛ فالكنيسة تريد ألّا ينتشر الإسلام في أوروبا، وكانت تحظر هذا الحظر لدرجة أن أحد البابوات، ربما أوربان الثاني أو شيء من هذا القبيل، أمر بترجمة المصحف ترجمة محرّفة إلى اللاتينية، حتى يُقرأ فيُضحك منه، وجعلها مرفوضة تمامًا.

وصف المحاولات الأوروبية المبكرة بالابتعاد عن الحق والعلم والغباء في السلوك

إلى هذا الحد من الترتيب وإلى هذا الحد من التاريخ غير المشرف، الحقيقة لهذه المحاولات: أولًا التي تبتعد عن الحق، ثانيًا التي تبتعد أيضًا عن العلم، وثالثًا التي تشتمل على غباء في السلوك إن صح التعبير؛ أن تنقل نقلًا محرّفًا كذبًا وتكذب على الناس من أجل أن تصد عن سبيل الله بغير علم.

كثير من فرسان الحروب الصليبية رجعوا مسلمين إلى أوروبا، فتخوّفت القيادتان الزمنية والدينية من هذه الحركة، وحاولوا في القرن الرابع عشر القضاء عليها، ولكن ابتداءً من القرن السادس عشر بدأ هذا الصراع، وبدأت عمليات دراسة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي من أجل التبشير.

دور المبشرين الفرنسيين في دراسة مصر والتمهيد للحملة الفرنسية

بدأ المبشرون، خاصة الفرنسيون منهم، في إجراء الدراسة المتأنية والعميقة، لدرجة أنه كان يأتي هنا كثير جدًا من الفرنسيين الذين نتج عن بعضهم اقتراح غزو مصر [الحملة الفرنسية] التي جاءت بعد ذلك، حيث وجدوا الأوراق في خزائن لويس جاهزة بشأن غزو مصر.

وهذا من نابليون أيضًا، نعم بالطبع، نابليون وجد فقط الأوراق عندما استولى على قصر فرساي واللوفر وغيرهما، أي أنه وجد هذه المستندات ووجد خرائط تفصيلية للإسكندرية ومخططات وما إلى ذلك.

الجبرتي واستقبال الطلبة الفرنسيين والشيخ المهدي العباسي ونابليون

وكان الجبرتي يتحدث أن والده، أي حسن الجبرتي والد عبد الرحمن، كان يستقبل الطلبة الفرنسيين لتدريسهم. وعندما دخل نابليون مصر كان كثير من الطلبة العلماء يتحدثون الفرنسية، واستخدمهم في الترجمة وما إلى ذلك.

وكان سيدنا الشيخ المهدي العباسي الكبير يتحدث الفرنسية بطلاقة، فأحبه نابليون كثيرًا وقرّبه ووضعه في الاحتفالات المهمة.

أغراض طباعة المصحف في أوروبا بين التبشير والاستعمار وعلاقتهما الوثيقة

الحاصل أن هذه المحاولات لطباعة المصحف كان الغرض منها أمران: الغرض الأول اللغة العربية، والغرض الثاني الدراسة للديانة الإسلامية، ابتغاء قضيتين: القضية الأولى هي قضية التبشير، والقضية الثانية قضية الاستعمار.

ولذلك عمر فروخ رحمه الله تعالى ألّف الكتاب الماتع الذي قال فيه العلاقة بين التبشير والاستعمار؛ فكانت هناك علاقة وثيقة. لماذا؟ لأنهما وجهان لعملة واحدة.

أما السياسة والحكومة الزمنية فهي تهتم بالاستعمار من أجل الموارد ومن أجل السيطرة السياسية، أما السلطة الدينية فتهتم بنشر المسيحية في أوساط المسلمين. ومن هنا كان التبشير والاستعمار وجهان لعملة واحدة، ليس معنى ذلك أنهما متساويان، بل معناه أنهما متلازمان، كانا معًا كوجهين لعملة واحدة، ولكن هذا كان مصدره الزمني وذاك كان مصدره الديني.

سؤال عن إنصاف المستشرقين في التعامل مع طباعة المصحف الشريف

فهذه كانت الإجابة على سؤالك: لماذا يهتمون بهذا في هذا الوقت؟

[المذيع]: حسنًا، كيف استمرت يا مولانا معاملة أوروبا وما تلا هذه الفترة من مستشرقين في التعامل مع المصحف الشريف ومع طباعة المصحف الشريف؟ هل كان من المستشرقين المنصف أو غير المنصف؟

سنخرج إلى فاصل ونعود لنجيب على هذه التساؤلات التي لدينا الكثير منها في هذه الحلقة، ابقوا معنا.

أهلًا بحضراتكم من خلال هذه القراءة الكونية والقراءة الموسوعية لصاحب الفضيلة مولانا الإمام، ويتضح لنا أن الاستعمار والتبشير هما وجهان لعملة واحدة. إذن، هل اهتم المستشرقون أيضًا بطباعة المصحف الشريف، وهل كان هناك منهم المنصف وغير المنصف يا مولانا؟

وليام لين نموذج المستشرق المنصف الذي درس في الأزهر وترجم القاموس المحيط

[الشيخ]: هناك من المنصفين كثيرون، وكان بعضهم يدرسون من أجل المعرفة، من أجل أن يكونوا علماء. يعني وليام لين عندما جاء إلى القاهرة كان كأنه مخلص؛ لأنه درس القاهرة وترجم ألف ليلة وليلة إلى الإنجليزية، وترجم أيضًا القاموس المحيط إلى الإنجليزية، وكانت ترجمته كالسهل الممتنع.

وجاء هنا ودرس على أيدي مشايخ الأزهر والتحق بهم وعاش معهم. ثم لم تُطبع كتبه في حياته، ولكنه ترك تراثًا، فجاءت الملكة فيكتوريا وطبعت تراثه؛ لأنها وجدته أنه علم رصين. فهو عمل هكذا لوجه الله.

يعني وليام لين هذا لا تشعر بأنه مثل المعتدي أو كأنه يحرّف أو يخرّف أو ما شابه ذلك. فبالقطع يوجد من المستشرقين من كان على هذا النمط من الخلق، وهو الدقة والمنهج العلمي.

رينيه جينو المستشرق الذي أسلم وأصناف المستشرقين بين الإنصاف والإساءة

ولكن بعضهم أيضًا أسلم، يعني اعتنق الإسلام. منهم رينيه جينو؛ رينيه جينو من أكابر من كتبوا في الفلسفة الفرنسية، وعليه الآن أكثر من مائتي رسالة علمية في السوربون لدراسة فكر رينيه جينو. عبد الواحد يحيى هو أسلم وسمّى نفسه عبد الواحد.

ففي هذا وفي هذا، ولكن فيمن درس اللغة العربية وتعمّق فيها ولكنه لم يسلم وكان منصفًا، أو لم يسلم وكان مسيئًا، أو في القلب شيء، يعني هو قادم وهو متعالٍ على هذه اللغة وهذا الشعب وهذا الدين وهذا إلى آخره. وكل هؤلاء حسيبهم ربهم.

جولدستيهر المستشرق المتعمق الذي درس في الأزهر تحت اسم الشيخ الذهبي

ولكن شخص مثل جولدستيهر، شخص مثل جولدستيهر كان يدرس في الأزهر تحت اسم الشيخ الذهبي؛ لأن شعره ذهبي. هل تلاحظ كيف كان ذلك؟ وكان متعمقًا جدًا، أي رصينًا ومتعمقًا.

ولكن بالرغم من ذلك لم يكن منصفًا إطلاقًا، وكان يتلمّس أي شيء يحاول من خلاله الفرار، أي يثير المشكلات.

مما يُروى لنا شفويًا من مشايخنا عن الأكابر من مشايخهم أن جولدستيهر، وهو الشيخ الذهبي هذا، كان في حضرة الشيخ الشوني. والشيخ الشوني ارتج عليه مرة مسألة في الميراث، يعني تأمّل هكذا واضطرب فيها، ارتج عليه، فحلّها له جولدستيهر، الشيخ الذهبي هذا.

منهج جولدستيهر في التشكيك والكذب المختلق رغم تعمقه العلمي

لكن عندما تأتي لتقرأ [كتاباته]، لا، هناك فجوات ضخمة يصل فيها إلى التعمّد والكذب المختلق الذي ليس له أصل، أو المنهج منهج الرفض ومنهج التشكيك.

وليس المقصود بالتشكيك هنا الحيرة، وليس التشكيك العلمي والتشكيك المنهجي [بل التشكيك المغرض].

طبعة فلوجل للمصحف وصناعة المعجم المفهرس لخدمة المبشرين

فهكذا كانت طباعة المصحف. طبعة فلوجل، لقد طبع فلوجل المصحف من أجل أن يصنع عليه المعجم المفهرس، حتى يكون بين أيدي المبشرين ليستطيعوا أن يصلوا إلى الكلمة من أقرب طريق؛ لأنهم لا يحفظون القرآن.

فكان حتى عندما قام محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة بترجمة كلام في الفهرسة وضبط معجم المفهرس للقرآن، قال المشايخ: وما فائدة هذا؟ نحن نعرفه ونحفظه! يعني كتاب يقول أن القرآن فيه كم مرة "علماء" وكم مرة لا أعرف ماذا وكم مرة... تحصيل حاصل بالنسبة لنا، تحصيل حاصل ومحفوظ.

موقف علماء الأزهر من المعجم المفهرس وامتحانات معهد القراءات

وبعض المشايخ كان يرى أن هذا يساعد على نسيان القرآن. نحن دائمًا نتلو القرآن، لماذا؟ أنت عندما تسألني أقول لك هكذا: كم مرة قال كذا وكم مرة قال كذا.

وكانت امتحانات معهد القراءات: يقول لك إن الله تعالى يحب - والله يحب - أخبرني كم مرة قال هكذا؟ فيأتي الطفل مجيبًا لأنه حافظ: كم مرة قال "يحب"، وكم مرة قال "يكره".

أغراض المستشرقين من طباعة المصحف بين العلم والتبشير والاستعمار

المهم أن المستشرقين طبعوا هذه الطبعات: جزء منها للعلم، وجزء آخر للتهيئة للتبشير، وجزء منها تهيئة للاستعمار.

ففي مرة كانت هناك - أي المواد التي أُنتجت في القرن التاسع عشر من كتب وأبحاث ومجلات وما إلى ذلك - بلغت عشرة آلاف عنوان في المكتبة الإنجليزية وحدها حول الديانة الإسلامية واللغة العربية وتاريخ المنطقة وجغرافيتها وما إلى ذلك، وطبائع البلاد والعباد، سواء كان المناخ أو العادات والتقاليد، وكل ذلك تهيئة للتبشير والاستعجال في الهيمنة والفروق بالنفوذ، سواء سلطة زمنية أو سلطة دينية.

على كل حال، فهذا هو الذي حصل والذي حدث هكذا، وهم لا ينكرون هذا.

سؤال عن ظهور محاولات لتحريف القرآن في الطبعات الأوروبية

[المذيع]: مولانا الإمام، ربما أيضًا سيأتي سؤال، وحضرتك تفضلت في البداية وقلت: كانوا يريدون أول طبعة للمصحف، أو من في البداية عندما قام الأوروبيون بترجمة منحرفة نوعًا ما. هل ظهرت بعد ذلك محاولة لتحريف القرآن في أوروبا وفي طبعات المصحف؟ يعني هل قاموا بتحريف الترجمات؟

التحريف في ترجمات القرآن ومحاولات تقليد القرآن الفاشلة عبر التاريخ

[الشيخ]: نعم، هناك تحريف في الترجمات، أما أن يكون التحريف متعمدًا فلا، هذا غير موجود. ولكن توجد محاولات أخرى، وهي قليلة جدًا حتى في التاريخ كله، محاولات، والتي هي محاولة تقليد القرآن.

يعني أنه يريد أن يتحدى أن يأتي بسورة من مثله أو أن يأتي بآية من مثله أو ما شابه ذلك إلى آخره، فيحاول هذه المحاولات.

يرصد منها مصطفى الرافعي في كتابه تحت راية القرآن محاولات، منها محاولات ابن المقفع مثلًا، ومنها محاولات في الغايات في الفصول والغايات، ومنها محاولات ابن الراوندي الفاسق، ومنها محاولات مسيلمة الكذاب، ومنها محاولات المتنبئة - هذه امرأة متنبئة ظهرت - محاولات يعني سجاح.

فشل محاولات تقليد القرآن وقصة أبي العلاء المعري وكتاب الفصول والغايات

خائبة، خائبة، سجاح، نعم، خائبة، محاولات خائبة. لماذا؟ إما أن تكون مضحكة، وإما أن تكون لا معنى لها، وإما أن تكون يعني لا علاقة لها بالقرآن.

عندما ألّف أبو العلاء المعري كتاب الفصول والغايات وهو مطبوع موجود بين أيدي الناس، فقالوا: يا أبا العلاء، ما لنا لا نجد حلاوة كحلاوة القرآن؟ يعني عندما نتلو القرآن نجد فيه شيئًا كهذا [الحلاوة والتأثير]. قال: اقرأوه في المحاريب أربع مائة سنة تجدون له حلاوة!

فلا أحد قرأه ولا أحد سيقرؤه، وإذا قرأت الآن الفصول والغايات هذه تضحك ولا تجد فيها أي نوع من أنواع البلاغة. يعني حتى ما اشتهر به أبو العلاء من سعة المعرفة ومن لزوم ما لا يلزم، إلا أنه إذا صح - يعني بعض الناس ينكر ويقول لا، أبو العلاء لا يقول هذه الحكاية، فهو ليس أحمق كي يقول هذا الكلام.

الموقف الموضوعي من محاولات تقليد القرآن وإثبات إعجازه بالمقارنة

[المذيع]: وحتى لو كان قال أو لم يقل تحت وطأة نفسية معينة، تراجعوا عنها يا مولانا؟ أي اعتقد تراجعوا عن هذه المواقف أو هذه الترهات التي تعرضوا لها.

[الشيخ]: نرجو ذلك، نرجو ذلك. لكن القضية ليست هكذا، القضية نحن كموضوعيين ليس لنا علاقة بالأشخاص، وندعو الله سبحانه وتعالى للجميع بالسلامة وما إلى ذلك.

لكن في النهاية تعالوا للفصول والغايات، ها هو موجود أمامكم، قل لجميع العقلاء على وجه الأرض ممن يعرفون أي شيء في اللغة العربية وقارن بينه وبين القرآن، تجد البون شاسعًا، ويثبت ذلك إعجاز القرآن.

محاولة الأمريكي تقليد القرآن بسبعين سورة وفشلها في إثبات إعجاز القرآن

أو مثلًا مثل هذا الرجل المضحك الأمريكي الذي ألّف سبعين سورة. قال: سأقلد القرآن وسأكتب مائة وأربعة عشر سورة، يا له من مسكين! ألّف سبعين سورة فقط.

ولكن عندما ألّف هذه السور السبعين كلها، أدرك أنه يحاول أن يصنع شيئًا مثل القرآن، على نفس نظم وموسيقى القرآن الداخلية. حسنًا، ماذا فعلت [هذه المحاولة] إذن؟ وثانيًا: مكرر وحشو وتكرار وما شابه.

فكل هذه الأشياء تثبت إعجاز القرآن، فالحمد لله رب العالمين. ولكن قرآننا له حلاوة وعليه طلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه.

سؤال عن مصير مصحف الفرقان الذي ألفه أنيس شروش وادعاءاته

[المذيع]: مولانا الإمام، ونحن نواجه كل هذه المحاولات التي رأيناها، وفضيلتك فنّدت هذه المحاولات، واطمأننا من خلال هذه الكلمات وهذا التأمل السليم. يا مولانا، مصحف الفرقان الذي تحدثت فضيلتك عنه منذ قليل، صاحبه ألّف سبعين سورة، حاول أن يصنع ما أسماه بسبعين سورة ولم يكمل. ما مصير هذا الذي أسماه صاحبه بمصحف القرآن؟ إذا كانت أسماء من يكتبون هذا الكلام أسماء من المسلمين؟

[الشيخ]: لا، لم يكن من المسلمين هو الذي نشر حينئذ. وهذه المحاولة كانت من رجل لبناني مقيم في أمريكا كان اسمه أنيس شروش.

تفاصيل كتاب الفرقان لأنيس شروش وادعاؤه ترجمة المفاهيم المسيحية للمسلمين

وأنيس شروش هذا ادّعى أن الفرقان سبعة وسبعين فصلًا، وأن الذي ألّفه شخص يُقال له الصفي الهندي، وأنه هو ترجم هذا الشيء إلى اللغة العربية من أجل تحميل المفاهيم المسيحية حتى يفهمها المسلمون الذين لا يفهمون التعاليم المسيحية.

فأنيس الشروش هذا كان قد وعد سابقًا بأنه سيصنع مائة وأربعة عشر سورة مثل القرآن، فلم يصنع إلا سبعًا وسبعين. يبدو أنه تعب، ويبدو أن التمويل نفد، يبدو أن إسرائيل التي كانت تموّل المسألة ربما رأت أنها لا جدوى لها، أنها لا جدوى، أي أنهم رأوا أن قتل الفلسطينيين ربما يكون أولى من هذه المحاولات، من الظلم والعدوان والإفساد في الأرض. وهكذا.

فشل كتاب الفرقان وعدم تأثيره وباء جميع محاولات تقليد القرآن بالفشل

ولكن عندما أصدر أنيس شروش الكتاب، أصدره تحت اسم "ذا فرقان" أي الفرقان. وهذا الفرقان لم يجد صدىً في الشرق ولا في الغرب، ولم يؤثر في شيء، ولم يحاول أحد أن يتفهمه أو مثلًا يطبعه أو ما شابه ذلك إلى آخره، وأُغلق على هذا.

وأقول لك إن هذه المحاولات في التاريخ كلها باءت بالفشل وبهزيمة صاحبها. مسيلمة عندما فعل ذلك هُزم، سجاح عندما فعلت ذلك هُزمت، ابن المقفع ضاع حتى قُتل في أمر آخر لا علاقة له بذلك إطلاقًا نهائيًا البتة، ابن الراوندي قد ذهب وذهبت كتبه ولم يلتفت إليه أحد.

أبو العلاء، حتى كتاب الفصول والغايات، يبدو أن الرواية متشكك فيها عليه، وانتهى الأمر وخلصنا. فكل شخص يحاول هذه المحاولة [يفشل].

فشل أنيس شروش الذريع في تحدي القرآن وانتهاء محاولته

وذلك لأن أنيس شروش كان متحديًا للمسلمين. حسنًا، تفضل وأرنا ماذا ستفعل وماذا ستقدم، حتى إنك تحمّلها أي محمل، لكنه فشل فشلًا ذريعًا وانتهى الأمر.

[المذيع]: مولانا الإمام، يعني المدهش وفضيلتكم تتفضلون بالتحدث عن الأزهر يفتح بابه حتى للمستشرقين ليأتوا ويدرسوا فيه وأهلًا بهم، وهذا من جمال الأزهر الشريف ومن طبيعة الإسلام السمحة وإتاحة الفرصة لكل الناس ليعرفوا الإسلام.

سؤال عن اهتمام علماء المسلمين بجمع محاولات التحريف والتحذير منها

[المذيع]: طيب، هل اهتم علماؤنا الأكابر بجمع كل هذه الأمور المنحرفة والذين ألّفوا وحاولوا تحريف القرآن الكريم وجمعوها، وكان لديهم من الجرأة أن يعرضوها دائمًا ويحذّروا الطلاب منها؟

[الشيخ]: نعم بالطبع، لقد بلغت الدراسات المتأنية في القرآن غايتها، لدرجة أن الأزهر الشريف افتتح كلية كاملة للقرآن اسمها كلية القرآن الكريم في طنطا. صحيح، فماذا تقول رسائلها العلمية؟

كلية القرآن الكريم بطنطا قلعة علمية شاملة لدراسة كل ما يتعلق بالمصحف

وهكذا هي في هذا المجال، فيتكلمون عن القرآن سواء كان الخط أو الرسم أو النقط والتشكيل أو الورق المكتوب عليه المصحف أو المواد التي كُتب بها المصحف أو القراءات المتواترة أو القراءات الشاذة أو محاولات التحريف وكيف هو وأين هو ومن الذي [قام بها].

قلعة علمية شامخة، قلعة قوية ضخمة رائعة. أي ليس هناك أي كلية مبنية على دراسة كتاب مثل هذه، أي هذا أمر لا مثيل له. كل شيء في كل شيء، كل ما تتصوره مبحوث بدقة عجيبة وعميقة.

جهود عبد الرحمن بدوي في الدفاع عن القرآن ودراسة المستشرقين الألمان

ألّف في هذا من قبل عبد الرحمن بدوي رحمه الله تعالى دفاعًا عن محمد ودفاعًا عن القرآن، ودراسة دقيقة للمستشرقين خاصة المستشرقين الألمان.

فلا يعني هذا الجانب، الحمد لله، مستوفى وبدقائقه وعلومه كلها موجودة.

الرد على ادعاء أن أصل القرآن مكتوب بالآرامية وموقف العلماء المتبحرين

هناك أفكار تنشأ، أي أفكار تشبه أفكارًا غير منضبطة، وتريد أن تضع شيئًا بجوار شيء وما إلى ذلك، مثل من يقول لك إن أصل القرآن مكتوب بالآرامية، أي أشياء من هذا القبيل.

حتى المتبحرين في القرآن يتعجبون من هذه الأفكار العجيبة الغريبة، ويردون أيضًا عليها بدراسات وما إلى ذلك، لكي نبيّن لهم أن لا السرياني ولا الآرامي - طبعًا السريانية لهجة من لهجات الآرامية - ولكن ما يقولون عنه غير صحيح إطلاقًا.

تعليقات المشاهدين حول محاولات تحريف المصحف والتشكيك في القرآن والسنة

[المذيع]: مولانا الإمام، اسمح لي أقرأ تعليقات السادة المشاهدين على سؤالنا على صفحات الفيسبوك: برأيك لماذا كانت هناك محاولات دائمًا لتحريف المصحف؟

الأستاذة علا تقول: محاولات فاشلة من مرتزقة مارقين يحاولون زعزعة عقيدة المسلمين في دينهم، تارةً بالتشكيك في المصحف وآياته، وتارةً أخرى بالتشكيك في السنة النبوية الشريفة وأحاديثها، ولكن هيهات!

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

يقول الأستاذ هشام: إنه الطريق الثاني لضرب الإسلام بعد تشكيك الناس في سنة نبيهم ودينهم، ومن ثم تشكيك الناس في القرآن فيضيع الإسلام، وهذا لن يكون فقد تكفّل الله بحفظه.

تعليقات المشاهدين حول فتنة ضعاف الإيمان وطبيعة البشر في التمرد على الحق

أما الأستاذة هبة فتقول: إنها فتنة من أجل الناس الضعيفة التي ليس لديها إيمان قوي، ولن يقدروا علينا وسندافع عن القرآن الكريم وآياته وأحكامه بكل قوة.

الأستاذة أسماء محمود تقول: لأن البشر من طبعهم التمرد والهروب من الحقائق والواجبات والالتزامات، ولا يريدون أن يكون هناك حد فاصل وثابت يشهد عليهم وعلى جرائمهم وظلمهم، وينبههم وينبه غيرهم بالصلاح والرشاد والهداية.

تعليق الشيخ على فشل جميع محاولات تحريف القرآن عبر التاريخ وثبوت إعجازه

كل هذه التعليقات، لكنني أريد أن أقول تعليقًا على كل هذا: أنه فعلًا ما تم من محاولات خائبة فشلت فعلًا، ليس أنها ستفشل لاحقًا أو أن من سيفعل سيفشل، لا، بل إن كل ما تم عبر التاريخ قد فشل بالفعل.

وأصبح القرآن حقًا واضحًا، والحق أبلج والباطل لجلج، وهذه المحاولات كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

ختام الحلقة والشكر للدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم، رضي الله عنكم دائمًا، شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.