والله أعلم | فضيلة الدكتور على جمعة يتحدث عن حقيقة نزول القرآن الكريم متفرقا | الحلقة الكاملة
- •القرآن عند أهل السنة يطلق حقيقة على الكلام المتلو بألسنة البشر الدال على صفة من صفات الله تعالى.
- •كلام الله سبحانه وتعالى القائم بذاته يمكن أن ينزل على البشر بأي لغة، وقد نزل القرآن باللغة العربية على صدر النبي.
- •الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا هو القرآن حقيقة، والمدلول هو صفة من صفات الله القديم.
- •الفرق بين نزول القرآن والكتب السابقة أنه نزل مفرقًا ومنجمًا لحكم عديدة منها تثبيت فؤاد النبي والتدرج في التشريع.
- •العقيدة في الإسلام بدأت مكتملة منذ البداية، بينما التشريع تدرج شيئًا فشيئًا.
- •القرآن متحرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ولذلك هو صالح لكل زمان ومكان.
- •العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فأحداث النزول يُستأنس بها ولا يعتمد عليها.
- •القرآن منهج حياة وبرنامج عمل وليس مجرد مرجع، فالصحابة كانوا يتعلمون الآيات ويطبقونها.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وطرح موضوع نزول القرآن
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله بادئ كل خير ورأس كل أمر ذي بال، بإسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك.
أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا ودومًا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنواصل هذه القراءة المتأنية والعميقة في منهجه للتجديد والإصلاح؛ مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: اسمح لنا يا مولانا في هذه الحلقة أن نجيب على بعض التساؤلات حول نزول القرآن الكريم، وما معنى أنه أُنزل في ليلة القدر؟ وما معنى أنه نزل منجّمًا ومفرّقًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا؟
مفهوم القرآن عند أهل السنة والفرق بين الدال والمدلول في كلام الله
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،
القرآن عند أهل السنة يُطلق حقيقةً على الكلام المتلو بألسنة البشر والدال على صفة من صفات الله تعالى، وهي صفة قائمة بذاته قديمة، وهي كلام الله؛ فالله سبحانه وتعالى من صفته أنه متكلم وله كلام، فالكلام صفة من صفات الله.
ولكن مثل أننا نُطلق في اللغة كلمة "الله" على هذه الذات الجليلة التي تخلق ، تحيي ، تُميت و ترزق، نُطلق أيضًا هذه العبارات المرتبة ذات الحروف المتتالية التي أنزلها الله على قلب رسوله الكريم.
نزول كلام الله على الأنبياء بلغات مختلفة والمدلول واحد
هذا الكلام لله سبحانه وتعالى القائم بذاته يمكن أن ينزل على البشر بأي لغة؛ فنزلت صحف إبراهيم بلغته وكان ينطق بالكلدانية، ونزلت صحف موسى المسماه بالتوراة بالعبرية، ونزلت كلمات الإنجيل على قلب سيدنا عيسى بالسريانية أو الآرامية [وهي لهجة من لهجات السريانية]، ونزل القرآن الكريم باللغة العربية على صدر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
لكن كلام الله هو المدلول و هو واحد، مثل ما نسمي الله سبحانه وتعالى: الله جل جلاله، أو "god" باللغة بالإنجليزية أو "dieu" باللغة الفرنسية أو "khoday" باللغة الفارسية، أي بلغات مختلفة لكنه ذات واحدة وحقيقة واحدة.
نظرية الدال والمدلول وحل إشكالية حلول كلام الله في الإنسان
وله سبحانه وتعالى ملك السماوات والأرض؛
فمعني دال ومدلول مثل اسمي وأنا في ذاتي، اسمي لو احترق أو تغير أو نحو ذلك أنا لا أُضار، ولكن هذا دال وهذا مدلول.
فأهل السنة يُطلقون كلمة القرآن حقيقةً علي هذا الدال الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ونسمعه بآذاننا ونقرؤه في صلاتنا، أما المدلول فهو صفة من صفات الله القديم وهي كلام الله؛ ثم يُطلقون القرآن مجازًا على كلام الله، ويُطلقون كلام الله مجازًا على القرآن.
نظرية الدال والمدلول حلّت لنا كثيرًا من مشكلات قضية الحلول والاتحاد، كيف أني أحفظ كلام الله في داخل جوفي؟ لا، الذي تحفظه هو دالٌّ على كلام الله وليس هو ذات صفة كلام الله؛ الله سبحانه وتعالى لم يحلّ بك لا بصفاته ولا بذاته، حاشاه؛ لأنه سبحانه وتعالى مفارق للأكوان سبحانه وتعالى؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
استعمال لفظ القرآن بين الحقيقة والمجاز وحقيقة القرآن الكريم بين أيدينا
إذن فالذي معنا حقيقة هو القرآن، والذي نحفظه هو القرآن حقيقة، لكن قد نستعمل في بعض الاستعمالات كلمة القرآن نريد بها المدلول، وهذا مجاز مقبول في اللغة أن تستعمل الشيء وتريد مدلوله وليس تريد ذات الدال.
هذا هو القرآن الكريم. القرآن الكريم الذي بين أيدينا هو كلمات وحروف وعبارات وصياغة من عند الله سبحانه وتعالى، حتى تعبر هذه الصياغة عما في نفس الله سبحانه وتعالى من كلام قائم. هذا هو خطاب الله.
مفهوم الخطاب الإلهي ونزول الوحي على الأنبياء لتبليغ مراد الله
ولذلك خطاب الله مدلول عليه بالقرآن ومدلول عليه بالسنة النبوية الشريفة، فالنبي عليه الصلاة والسلام دلّنا على خطاب الله، الذي نقول إنه هو الخطاب الإلهي، خطاب إلهي معناه توجيه الكلام و لكن ممن؟ لمَن؟ من الرب إلى العبد.
فالله سبحانه وتعالى عن طريق الوحي لأنبيائه خاطب الناس، فيفهموا ماذا يريد الله ، فهو يريد منا سبحانه وتعالى الصلاة، ويريد منا الزكاة، ويريد منا فعل الخير.
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61]
دعاء للجيش المصري والشرطة والشعب في مواجهة الإرهاب
وبمناسبة السلم ندعو في هذه الحلقة للجيش المصري وقوات الأمن من الشرطة وأيضًا الشعب الكريم الذي أعلن هذه الحرب المقدسة ضد أولئك الأنجاس الإرهابيين من الداخل ومن الخارج حتى نستأصل شأفتهم، ثم نلتفت لبناء حضارتنا كما فعل الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
رسالة إلى الجيش والشرطة والشعب ودعوة الإرهابيين إلى التوبة
فهذه الرسالة إلى الجيش المصري، أولئك الفرسان النبلاء، إلى الشرطة المصرية وقوات إنفاذ القانون وإلى الشعب الكريم الذي يقف ظهيرًا لكل هذا.
﴿وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]
نحن ندعو الله سبحانه وتعالى لهم بالنصرة العاجلة، وأن يُحقق الله فيهم وعده، وأن يُرينا فيهم نصره.
﴿سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]
﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]
قتلانا شهداء وهم في الجنة، وقتلاهم كلاب النار كما أخبر رسول الله وهو الصادق المصدوق.
رسالة للإرهابيين بالتوبة قبل الفوات وبيان ضلالهم
وعلى ذلك فرسالة أخرى لأولئك الإرهابيين: توبوا قبل الفوت والموت فإنكم على ضلالة بعضكم من المغضوب عليهم لأنه يعرف الحق ويحيد عنه، وكثير منكم ضالون،
ولكن الله لا يظلم أحدًا، وما دام قد قُدِّر عليك هذا الموقف فاعلم أنك في ضلال مبين وبعيد وأن الله قد حكم عليك بهذا لِما قد علمه سبحانه وتعالى في قلبك من غلٍّ وحقدٍ وجهلٍ وغباوةٍ؛ ولذلك فتوبوا إلى الله جميعًا.
تلاحم الشعب المصري مع الجيش ومدح النبي لمصر وجيشها
[المذيع]: حينما يشير السيد الرئيس، أننا أصبحنا على قلب رجلٍ واحدٍ، بمعنى أن القلوب في الشارع أصبحت متناغمة ومرتبطة ارتباطًا روحيًا مع أبناء الجيش المصري.
[الشيخ]: مدح رسول الله مصر وأهل مصر، ومدح الجيش الغربي، ونحن الجيش الغربي لأننا كنا في غرب المدينة المنورة، مدحه مدحًا كبيرًا وصدق رسول الله، فقد رأينا هذه الانتصارات في الجيش المصري، وكيف يتلاحم المصريون ضد كل عدوان وبغي، وكيف يدحرون أعداءهم بشكل عجيب.
انظر ما حدث مع التتار، الصليبيين، الحملة الفرنسية، و الإنجليز، انظر ما حدث مع كل هذه الطوائف التي اعتدت علينا، فإنهم رجعوا خاسئين والحمد لله رب العالمين، وسينصرنا الله سبحانه وتعالى، ومن ينصره الله فلا غالب له.
سؤال المذيع عن الجمع بين نزول القرآن في ليلة القدر ونزوله منجماً
[المذيع]: مولانا الإمام، نرجع لبعض التساؤلات التي تُثار حول ما قاله ربنا في القرآن الكريم، الكتاب المعجز الذي يأتي متوازيًا تمامًا مع كتاب الله المنظور؛
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾[القدر:1]
ونزل منجّمًا ومفرّقًا على مدار ثلاثة وعشرين عامًا، كيف أفهم ذلك؟ البعض يقول: هل ثمة تناقض بين هذين المعنيين؟
[الشيخ]: لا،
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ﴾ [القدر: 1]
أي ولو بعضه، لأنه عندما قال "إنا أنزلناه"، لم يقل أننا أنزلناه هكذا دفعة واحدة.
﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]
نزّلناه تنزيلًا، يعني شيئًا فشيئًا.
معنى إنزال القرآن في ليلة القدر وبداية الوحي في الليل
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]
يعني أننا بدأناه في ليلة القدر.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: 3-5]
فعندما يقول الله سبحانه و تعالي "إنا أنزلناه في ليلة القدر"، و"إنا أنزلناه في ليلة مباركة"، فهذا يعني أنها البداية [بداية نزول الوحي]، و البداية كانت في الليل، ولذلك هناك سر ما بين القرآن و الليل.
السر بين القرآن والليل في النزول والتلاوة وقيام الليل
[المذيع]: ما السر بين القرآن والليل يا مولانا؟
[الشيخ]: نزوله في الليل وتلاوته في الليل فيها شيء.
فقد قال الله:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
يعني يرشده إلى الليل لتلاوة القرآن؛
و في قوله عز وجل:
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]
ما هذا الرابط العجيب بين القرآن وبين الليل أو الفجر أي التوقيت الزمني!
سر العلاقة بين القرآن والليل وتذوق العابدين لها
يعني أن نزول القرآن كان ليلًا و القيام كان ليلًا، والفجر أيضًا ما زال الضياء لم يطلع بعد.
فإذن هناك سر، لماذا نقول سر؟ لأنه يختلف من عبد لعبد لآخر ومن عابد لآخر، و سيُدرك في لذته وتذوقه؛ العابدون عندما يقومون الليل إلا قليلًا وعندما يقرؤون القرآن بالليل، فهناك علاقة ما بين الليل والقرآن.
رأي بعض العلماء في نزول القرآن من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة
فإذن الإنزال إنما هو كان الإنزال المبدئي، بعض العلماء لكي يخرج من هذه المسألة يقول: لا، إنا نزّلناه كله.
حسنًا، هو نزل من اللوح المحفوظ إلى الكتاب المعمور في ليلة القدر، أي نزل كاملًا مرة واحدة، و فرقناه بعد ذلك على الناس لتقرأه على مهل، فرقناه أي جعلناه منجّمًا.
[المذيع]: نعم، منجّمًا يعني مفرّقًا يا مولانا؟
[الشيخ]: منجّمًا يعني مفرّقًا، نزل القرآن منجّمًا على مدى ثلاث وعشرين سنة التي هي مدة الوحي للنبي عليه الصلاة والسلام، أي بدأ الوحي وهو عنده أربعون سنة، وبعدها مكث ثلاثًا وعشرين سنة، فانتقل وهو عنده ثلاث وستون سنة.
فاصل قصير والعودة لسؤال الكفار عن نزول القرآن جملة واحدة
المذيع: مولانا، يقول ربنا في كتابه الحكيم:
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَٰحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]
هل في سياق هذه الآية الكريمة تتضح لنا الحكمة من أنه نزل على هذا النحو؟ [أي أنه لم ينزل دفعة واحدة]؟
[الشيخ]: عندما نزلت التوراة على موسى في صورة ألواح، وكان المشركون يتسامعون هذه الحقائق وتلك الأخبار من اليهود ومن النصارى في نجران وفي اليمن.
اعتراض المشركين على عدم نزول القرآن جملة واحدة كالتوراة والإنجيل
فكان عندهم معرفة بهذا، أي هذا شخص كما تقول مثقف قريش أو ما شابه ذلك، فهو يقول له: إذا كانت التوراة نزلت جملة واحدة و الإنجيل نزل جملة واحدة، فلماذا لم يأتك القرآن جملة واحدة؟
يعني يريد أن يقول له أن السنة المطّردة الماضية هي نزول الوحي جملة واحدة، فلماذا لم ينزل عليك جملة واحدة؟
فكانت الإجابة هذه الآيات البينات في أكثر من موطن:
﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَـٰهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]
"لتقرأه على الناس على مُكث"، أي يُعطيك التدريج في الشريعة التي أخذوا منها كلمة التدرج في التشريع.
التدرج في التشريع بدءاً بالعقيدة في مكة ثم العبادات
جاءهم وهم في جاهلية عمياء، فبدأ بالعقيدة حتى إذا ما تحررت العقيدة من الوثنيات ومن ما هو شبيه بالوثنيات أو ما يؤدي إلىها، انتقل إلى ترجمة هذه البرامج شيئًا فشيئًا إلى عبادات.
[المذيع]: هل هذا هو نموذج مكة في البداية [تثبيت العقيدة] يا مولانا؟
[الشيخ]: الإسلام عندما جاء بدأ بالعقيدة كاملة، أي لم يأتِ بعقيدة متدرجة، بل بالعقيدة كاملة.
أن الله سبحانه وتعالى واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد هكذا مرة واحدة، و أن هناك وحيًا ونبوة ايضا مرة واحدة، و أن هناك أنبياء سابقين وأن أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتدي هكذا مرة واحدة.
اكتمال أركان الإيمان الستة منذ اليوم الأول مع تدرج الشريعة في الاكتمال
أن هناك اليوم الآخر، الذي هو أحد أركان الإيمان الستة التي سأل عنها جبريل النبي، فعلمنا أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هذه الأركان الستة للإيمان كانت منذ أول يوم.
لكن أيضًا من البدايات ومنذ أول يوم كانت هناك شريعة، لكنها شريعة آخذة في الاكتمال.
[المذيع]: نعم، فإذا كانت العقيدة هكذا مكتملة.
[الشيخ]: مكتملة، نعم.
[المذيع]: لا يوجد تدرج ولا مرحلية يا مولانا؟
[الشيخ]: لم يكن هناك مرحلية ولا أي شيء لكن التشريع بدأ [بالتدرج].
قصة عفيف الكندي ومشاهدته للنبي وخديجة وعلي يصلون في بداية الإسلام
عندما قال عفيف: كانت لي تجارة مع العباس، فوجدت شيئًا عجيبًا، وجدت رجلًا يخرج من خبائه ويستقبل البيت [الكعبة]، ثم امرأة تخرج خلفه فتقف خلفه، ثم صبي يخرج بعده فيقف عن يمينه،
فقلت للعباس: ما الذي يجري؟ ماذا يفعل هؤلاء؟
فقال العباس: هذا ابن أخي محمد، يدّعي أنه نزل عليه الوحي.
قال عفيف [و قد رآهم وهم يصلون]: وددت لو أنني أسلمت ذلك اليوم فأكون أول من أسلم؛ أي أن أبو بكر لم يدخل [في الإسلام]، حيث أن عفيف رأيخديجة وعليًا فقط.
دلالة حديث عفيف على بدء التشريع والصلاة من اللحظة الأولى للوحي
إذن أول شئ نعرفه من هذا الحديث أن العباس كان يعرف منذ البداية، فالنبي عليه الصلاة والسلام بمجرد نزول [الوحي] قابل ورقة [بن نوفل]، وقال لخديجة و علي بن ابي طالب و لأبي بكر، فأيضا العباس وأبو طالب علموا بذلك.
ففي السنة الأولى من الوحي أسلم ثمانية، لكن هنا عفيف يتكلم حتى قبل إسلام هؤلاء الثمانية.
[المذيع]: أي في اللحظات الأولى يا مولانا،ماذا نأخذ من ذلك؟
[الشيخ]: نأخذ أن التشريع بدأ من اللحظة الأولى وأن من ضمن هذا التشريع الصلاة.
طبيعة الصلاة في بداية الإسلام وتدرج أحكامها حتى اكتملت
لكن هل هذه الصلاة كان فيها وضوء أوركوع وسجود؟ ربما لا؛ هل كان فيها قراءة؟ ربما لا؛ ربما تكون للذكر أو للدعاء أو لأي نوع من أنواع العبادة.
لكن هذا يدلنا على أن الصلاة شُرعت أولًا لكنها في البداية لم تكن خمس صلوات، ولم تكن سبعة عشر ركعة، ولم يكن فيها شروط مثل شروطنا، و هكذا أخذت الشريعة تكتمل شيئًا فشيئًا.
و بعد ذلك نزل الوضوء ونزل أن عدد الصلوات خمس؛ وبعد ذلك قالت السيدة عائشة : أن الصلاة قبل الإسراء كانت ركعتين ركعتين، أي يصلي ركعتين في الصبح وركعتين في المساء، فاستقرت كذلك في السفر وزيدت في الحضر.
قصر الصلاة في السفر يرجع إلى الحالة الأولى والتدرج في التشريع بمكة والمدينة
مما يدلنا على أن السفر يُرجع الأمر إلى حالته الأولى التي هي ركعتان؛ الفجر ركعتان ستظل كما هي، ولأن الثلاثة [المغرب] ليس لها نصف ستظل كما هي، ويصبح العصر والظهر والعشاء يصبحون ركعتين.
أي أنه حدث تدرجًا في التشريع؛ في مكة لم يأتِ تشريع عن الخمرة مثلا، ولكن بعد ذلك عندما استقر الرسول في المدينة زاد التشريع وعرفنا أن الحلال بين و الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات.
وعرفنا أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، وعرفنا أن النبي عليه الصلاة والسلام علّمنا أشياء كثيرة منها الأسماء الحسنى ومنها الذكر ومنها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، و هكذا أخذ التشريع يكتمل شيئًا فشيئًا.
حكمة ارتباط نزول القرآن بوقائع معينة وتحرر النص من الزمان والمكان
[المذيع]: مولانا، ما الحكمة أن هناك ربط أو ارتباط بين وقائع معينة في عصر النبوة ونزول القرآن الكريم؟
[الشيخ]: عالج الأصوليون ذلك قالوا إن هذا الدال على كلام الله متحرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الله ما زال متكلمًا أي أن القرآن الذي معك هذا طرفه بيدك وطرفه الآخر عند الله، ولذلك أن الله يخاطبك به الآن؛ لأنه خارج الزمان.
وهذا هو المعنى العميق لأن القرآن ليس بمخلوق فالله خارج الزمان و المكان، الأشخاص و الأحوال، وهو متكلم وهذا كلامه.
القرآن كلام الله الحي الذي يخاطبنا في كل زمان ومكان
فيكون كلامه الآن، الآن الخاص بي أنا؟ إننا في سنة ألفين وثمانية عشر، في سنة عمليات التحرر من الإرهابيين، هذه السنة المباركة ربنا يكلمنا هكذا ويقول:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1-3]
أي أن الله يخاطبنا بذلك الآن؛ فهذا معنى أن القرآن غير مخلوق، فالقرآن صفة من صفات الله، والله خارج الزمن، فيكون القرآن خارج الزمن.
ولا يصح أن نقول بتأريخانية القرآن أو أن نحصره في عصر ما، وليس كما يقول بعض المثقفين المساكين أن القرآن خاص بعصر معين سيدنا محمد فقط.
القرآن متحرر من الزمان والمكان وصالح لكل العصور
فلو كان مخلوقًا لكان كذلك، بالطبع أي أنه لم يغادر هذا الزمن لأن الزمن جزء منه، كيف سيغادره! لكن عندما كان الزمن ليس جزءًا منه، إذن يصلح الآن ويصلح فيما بعد.
أي أن القرآن متحرر من الجهات الأربعة: من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال وما دام متحررًا فيعني أن الله ما زال متكلمًا الآن.
وما دام الأمر كذلك فهذا يعني أنه لا يوجد ارتباط عضوي بأحداث النزول [أسباب النزول] وهي القصة المحيطة.
تسمية أحداث النزول بدلاً من أسباب النزول وقاعدة العبرة بعموم اللفظ
ولذلك أنا اسميتها أحداث النزول وليست اسباب النزول، فهل يعقل أن أسباب النزول كانت دافعًا لأن ينزل الله هكذا؟ لا، إنه ينزل للعالمين في كل العصور فيما يتعلق بمثل هذه الحادثة.
فصاغ الأصوليون قاعدة جليلة جدًا و هي: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ أي كونها نزلت في واقعة ما يجعلها تصلح لكل ما شابهها و كل ما هو مشترك معها في الحكمة والمآل.
هذه هي إطلاقية النص؛ الإطلاق يعني أن القرآن ليس له قيود؛ وهي الأربعة التي تتمثل في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
إطلاقية النص القرآني وصلاحيته لكل زمان ومكان وشخص
فلا يصح تقول أن [آية الظهار] التي نزلت في خولة بنت حكيم، و لا تصلح في زينب بنت محمد؛ فقد نزلت الآية في خولة و في كل امرأة يحدث معها ظهار بهذه الكيفية إلى يوم الدين، أي أن هذه الآية صالحة ومصلحة دائمًا إلى يوم الدين.
فهي غير محددة لزمن محدد أو شخص معينة، هذه الآيات نزلت من أجل حكم معين، من أجل معنى معين، من أجل عقيدة معينة، من أجل قصة معينة فيها العبرة التي تجعلها تصلح لهذا الاعتبار إلى يوم الدين.
إذن القرآن مطلق من كل قيد، إذن القرآن صالح لكل زمان ومكان؛ لأن القرآن خارج الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؛ لأن القرآن إنما هو معبّر عن كلام الله الذي ما زال متكلمًا في نفس اللحظة التي نقرأ فيها.
القرآن نبي مقيم وأسباب النزول يُستأنس بها ولا يُعتمد عليها
فيكون القرآن نبيًا مقيمًا؛ فلا يوجد نبي بعد النبي محمد لكن الله ترك لنا القرآن، نبيًا مقيمًا.
فكل هذه المعاني واضحة في الدلالة على أن القرآن صالح لكل زمان ولذلك أسباب النزول يُستأنس بها ولا يُعتمد عليها لأنها لا تقيّد النص.
الفرق بين مصطلح أسباب النزول وأحداث النزول عند عموم المخاطبين
[المذيع]: ستصبح قيودًا يا مولانا لو قلنا أسباب النزول، ولكن أن نتحول إلى كلمة أحداث النزول هو معنى لطيف.
[الشيخ]: طبعًا هو معنى ألطف من كلمة أسباب النزول، لكن ليس عند العلماء بل عند عموم المخاطبين، فعندما نقول أحداث النزول سيفهمون أكثر وأعمق.
لكن احداث واسباب النزول واحد والتي هي القصص والوقائع والأحداث والأشخاص والأحوال التي نزلت فيها هذه الآية، ولكنها نزلت من أجل أن تعيش و تكون هداية للعالمين إلى يوم الدين.
سؤال عن حكمة نزول القرآن منجماً دون الكتب السابقة وإجابة الشيخ
لأن فضل كلام الله على كلام البشر كفضل الله على البشر.
[المذيع]: مولانا الإمام، في سياق حديث فضيلتك المضيء لكل جوانب حياتنا من خلال هذا الفهم والإدراك الواعي والكبير، البعض ربما يسمع كلمة أن المشركين والكفار قالوا: التوراة نزلت مرة واحدة والإنجيل كذلك، ما الحكمة في أن الإنجيل والتوراة نزلا مرة واحدة ولم ينزلا مثل القرآن منجّمًا ومفرّقًا؟
[الشيخ]: أولًا لأن القرآن سيبقى إلى يوم الدين، وثانيًا لأنه سيحل محل تتابع الأنبياء الذين كان الله يرسلهم؛ لأن الله أذن لمحمد أن يكون خاتمًا للأنبياء والمرسلين.
القرآن برنامج حياة شامل جامع للدنيا والآخرة والجسد والروح
وثالثًا أنه صار برنامج حياة جامع شامل، كنا نجد في عصور سابقة اهتمامًا بالروحانيات أو اهتمامًا بالأمور المادية أو اهتمامًا بالعمارة أو بالعلم أو اهتمامًا بالتزكية، ولكن القرآن جاء شاملًا كاملًا لكل شيء.
﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: 38]
جاء من أجل الدنيا والآخرة، جاء من أجل الجسد والروح، جاء من أجل الرجال والنساء، جاء من أجل كافة شعوب الأرض.
لا يوجد نبي بعث لكافة الناس، لم يُرسل أحد إلى العالمين بهذه الطريقة؛فسيدنا آدم أُرسل إلى العالمين في زمانه، وسيدنا نوح أُرسل إلى العالمين باعتبار أنه المصدر الثاني للبشرية بعد الهلاك أو الطوفان.
رسالة النبي محمد للعالمين وخصوصية رسالات الأنبياء السابقين لأقوامهم
لكن سيدنا محمد أُرسل للعالمين إلى يوم الدين
فسيدنا موسى جاء لبني إسرائيل فقط ولذلك بنو إسرائيل ليس لديهم شأن بدعوة الناس، فعلام سيدعونهم؟ ولأي سبب؟ ولماذا سيدعونهم؟ فهم من أبناء يعقوب، و غيرهم ليسوا من أبناء يعقوب، خلاص ليس لهم شأن بهم.
أي أصبحت العرقية الإثنية جزءًا لا يتجزأ من العقيدة اليهودية، ولا يمكن أن يدخل أحد في اليهودية بهذا الشكل.
النسب والعرقية في اليهودية مقابل شمولية الإسلام لكل البشر
طبعًا يقال على الإنترنت الآن إنه يتخذ إجراءات كثيرة، مائة وسبعة وستين إجراءً، إلى أن يصبح يهوديًا، ولكن هذا يهودي سياسي، لكنه ليس يهوديًا عقيدةً عند الحاخامات.
ولذلك اليهودي منسوب إلى أمه وليس إلى أبيه؛ أي عندما تتزوج فتاة يهودية مثلًا من شاب غير يهودي، فالأبناء يكونوا يهود، يعني متبعًا للأم التي ستلده، النسب عندهم جزء من الديانة. لكن الإسلام جاء للأحمر والأبيض، وجاء للشرق والغرب، وجاء للسلف والخلف، آتٍ للجميع.
شمولية الإسلام وحكمة نزول القرآن على مكث وتدريج كبرنامج حياة
واعتبر أن كل من في الأرض هم من أمة محمد، هذا شيء منفتح، ومن أجل هذا نزل على تدريب، على مكث حتي يكون فيه ترتيل و يكون فيه أيضًا ليس نوعًا من التلاوة فقط بل نوعٌ من الاندماج معه كمنهج حياة. فالنبي كان قرآنًا يمشي على الأرض [يعني النبي ﷺ كان تطبيقًا حيًا للقرآن]؛ إذن هناك إمكانية لتحويل منهج القرآن إلى شخص يمشي على الأرض، سيدنا [النبي ﷺ] هو النموذج الأتم، لكن أي شخص مسلم يحمل القرآن يصبح نموذجًا قابلًا للتنفيذ.
تقسيم القرآن إلى سور وآيات من أجل التدريب والتطبيق لا المرجعية فقط
ومن أجل هذا كان هذا التدريج، ومن أجل هذا أيضًا كان التقسيم: مائة وأربعة عشر سورة، ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية بحسب قراءة الكوفيين، فقُسم للسور وقُسم للآيات وقُسم في النزول من أجل التدريب.
لأنه لا يمكن أن نأخذ القرآن مرة واحدة فيصبح مرجعًا، فهو ليس مرجعًا بل هو برنامج عمل، ليس مصنوعًا لكي يُحفظ على الرفوف أو تزيّن به الأماكن أبدًا، بل من أجل أن يكون منهج حياة.
[المذيع]: صلوا وسلموا على من استقبل آخر إرسال من السماء إلى أهل الأرض ليبلّغ مراد الحق من الخلق.
الفرق بين القرآن كمرجع وبين القرآن كبرنامج عمل ومنهج حياة
[المذيع]: مولانا الإمام؛ سيدنا محمد كان قرآننا يمشي على الأرض، ومن ثم قلت لنا أن القرآن منهج حياة وبرنامج عمل، و ليس مرجعًا؛ ما الفرق بين المرجع وبين برنامج العمل؟
[الشيخ]: الفرق كبير جدًا؛ المرجع مثل عندما يكون لديك كتاب مثل لسان العرب، و عندما تواجهك صعوبة في كلمة تريد معرفة معناها أو تصريفها، فتقوم بفتح الكتاب على الكلمة لتقرأ بعض الأسطر التي كتبها ابن منظور في هذا المجال.
هل لسان العرب كتاب للتطبيق أو للتدريب أو منهج الحياة؟ الإجابة لا، إنه مرجع.
المرجع كتاب يُرجع إليه أحياناً أما القرآن فمنهج حياة يومي
يمكنني أن أستفيد بأن أنظر فيه إلى أي شيء محدد ألتقطه منه وانتهى الأمر، وبعد سنوات طويلة من مراجعة لسان العرب و هو مكون من عشرون مجلدًا لم نراجع فيه إلا ألفي مادة من أصل ثمانين ألف مادة موجودة به، فهذا هو المرجع و معناه كتاب عندك ترجع إليه في مشكلة معينة وانتهى الأمر.
أما منهج الحياة شئ آخر
﴿وَرَتَّلْنَـٰهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]
ورتّلناه ترتيلًا، هذا يعني أنه يُعمل به.
القرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار كمنهج حياة لا للحفظ فقط
آناء الليل وأطراف النهار، أي يتلوه آناء الليل وأطراف النهار؛ هذا هو منهج الحياة.
لماذا يقرؤه؟ ليس ليحفظه أو ليتعبد به(وإن كان جديرًا بالحفظ، وهو من خير الكلام للتعبد)، ولكن من أجل تطبيقه.
كان الصحابة يذهبون إلى القرآن فيحفظ أحدهم منه خمس آيات، فلا يتجاوزها حتى يعلم حلالها وحرامها و عبرتها وباطنها وظاهرها ويطبقها على نفسه، فيعود فيأخذ خمس أخرى.
فهذا برنامج حياة ليس مرجعًا؛ هذا كتاب من أجل التطبيق.
خذ من القرآن ما شئت لمن شئت في التبرك والاستشفاء والدعاء
[المذيع]: خذ من القرآن ما شئت لما شئت مولانا.
[الشيخ]: هذا فيما يخص التبرك وفي الدعاء وفي الاستشفاء بالقرآن، لكننا نتكلم في أن القرآن برنامج حياة أي اقرأ القرآن والنبي عليه الصلاة والسلام يساعدني في الفهم، مثلا:
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]
تعدل ثلث القرآن فافهم أن القرآن له ثلاثة مناحٍ:
- عبادة الله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
- عمارة الأرض:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
- تزكية النفس:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9]
منظومة أسماء الله الحسنى القيمية في القرآن بين الجمال والجلال والكمال
وبعد ذلك اكتشف في القرآن؛ وهو لا تنتهي عجائبه؛ منظومة قيمية لأسماء الله الحسنى على حد قول القائل: تخلّقوا بأخلاق الله،
فوجدتُ أسماء الله الحسنى وأحصيتُها فوجدتُها فوق المائة وخمسين اسمًا، وبعد ذلك لها جمال وجلال وكمال؛
تدبّروا هكذا:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]
ومن شأن الجمال أن أتخلّق به، ومن شأن الجلال أن أتعلّق به، ومن شأن الكمال أن أصدّق به.
فعرفتُ منظومة أخلاقية متكاملة في أسماء الله الحسنى.
القرآن يأمر بالعبادة والأخلاق والتعاون ويُطبق كمنهج حياة عملي
أذهب مرة أخرى للعبادة فأجده يأمرني بالصلاة ويأمرني أن أبتعد عن السرقة والزنا والخنا والفاحشة والكذب والافتراء والفساد في الأرض وهكذا، أجده يأمرني بالتعاون والخير وعمارة الأرض ومعونة الناس والأخلاق الكريمة.
حينئذٍ آخذ من القرآن منهج حياة أبدأ بالتطبيق أجد نفسي احيانا أستطيع التطبيق تمامًا، و احيانا أخري أستعين بالسنة لكي أعرف كيف أطبقها في هذا الجزء.
ولذلك السنة التي يهاجمها البعض مهمة جدًا؛ لأنها توفر عليّ وقتًا وترشدني ببوصلة إلى الفهم الصحيح المعصوم الوحيد الذي كان للقرآن الكريم وهو سيدنا النبي ﷺ.
هل كان النبي يحفظ القرآن أم كان ينطبع فيه بقدرة الله
[المذيع]: يا مولانا، هل كانت آيات القرآن تنزل على سيدنا النبي بعد أن يحفظ الآية ثم تنزل آيات أخرى؟
[الشيخ]: النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يحفظ القرآن، بل كان ينطبع فيه القرآن فهو لم يكن يعاني في الحفظ.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]
أي عليه سبحانه و تعالي - وليس للنبي عليه الصلاة والسلام، هو يُلقي القرآن في صدره و لا يستطيع نسيانه، قد يتلعثم فيه، لكنه لا يستطيع نسيانه و كان يسمعه جبريل مرة كل سنة.
مداخلات المشاهدين حول حكمة نزول القرآن منجماً وختام الحلقة
[المذيع]: يقول احد المشاهدين اجابة علي سؤال الحلقة: ليسهّل حفظه ويسهّل امتثال أحكامه تدريجيًا وليراعي الظروف المختلفة التي مرت بها الدعوة.
و آخر: استغرق نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم ما يعادل العشرين عامًا، ولم يكن ذلك عبثًا وإنما لكل أمر حكمة وسبب؛ وتعددت أسباب نزوله على هذا النحو.
مولانا الإمام، شكر الله لكم.
[الشيخ]: شكرا لكم
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه
