والله أعلم | الدكتور علي جمعة يتحدث عن طباعة المصحف الشريف وأدق طبعات القرآن | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | الدكتور علي جمعة يتحدث عن طباعة المصحف الشريف وأدق طبعات القرآن | الحلقة الكاملة

35 دقيقة
  • استعرض الإمام علي جمعة تاريخ كتابة المصحف وطباعته، حيث بدأت الكتابة بالخط العربي الذي طوّره ابن مقلة بنسب إلهية جميلة، ثم تطور على يد ابن البواب والمستعصمي وغيرهم.
  • كان كتابة المصحف شهادة عليا للخطاطين، حيث لا يُعتبر الخطاط متميزًا إلا إذا كتب المصحف.
  • بدأت محاولات طباعة المصحف في فلورنسا عام 1537م، لكنها كانت مجرد بروفة لم تكتمل.
  • طُبع أول مصحف كامل في هامبورغ عام 1694م على يد المستشرق الألماني هينكلمان.
  • تعددت الطبعات بعد ذلك في إيطاليا وروسيا وتركيا وإيران والهند.
  • حاول محمد علي باشا طباعة المصحف في مصر حوالي 1830م، وكانت به أخطاء كثيرة فأصلحها العلماء بأيديهم.
  • ظهرت المطابع المصرية كمطبعة البابي الحلبي ومطبعة محمد أبو زيد الذي أصدر مصحفًا متميزًا.
  • اعتمد ضبط المصحف على مقدمة الشيخ رضوان المخللاتي التي ما زالت معتمدة حتى اليوم.
محتويات الفيديو(35 أقسام)

مقدمة الحلقة واستئناف الحوار حول رحلة كتابة المصحف وطباعته

[المذيع/ الأستاذ حسن الشافعي]: بسم الله الرحمن الرحيم، وما أجمل أن نستفتح بها كل حياتنا، اللهم ارزقنا أسرارها وبركاتها يا رب العالمين.

نستأنف هذا الحوار المفتوح دائمًا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنفهم هذه الإجابات على تلك الأسئلة الصعبة والملحة:

  • سؤال التجديد
  • وسؤال الإصلاح.

نواصل الحديث عن:

  • خروج كتابة وطباعة المصحف، بدءًا من خروجه من الصدور حتى وصوله إلى السطور.

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم.

سؤال المذيع عن تفنن المسلمين في كتابة المصحف وأول طبعة له

[المذيع]: كيف تفنن المسلمون في كتابة المصحف و طباعته؟ و متى ظهرت أول طبعة للمصحف الشريف؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كتب المسلمون المصاحف وشاع ذلك فيهم، حتى جاء ابن مقلة الوزير وسدَّس لهم الخط وأنشأ خطًا جديدًا فيه نسبة إلهية فاضلة، وهي واحد وستة من عشرة، ستمائة وثمانية عشر من ألف.

نسبة إلهية موجودة خلقها الله سبحانه وتعالى، ليس فقط في المنظور بل أيضًا في المسموع، أي أن جمال السمع يتفق مع جمال الرؤية.

الجمال في الكون دليل على وجود الخالق الحكيم وإرباك الملاحدة

ولذلك فإن كثير جدًا من كبار العلماء الرياضيين والفلكيين، كانوا يؤمنون عندما يرون هذا [الجمال والنسبة الإلهية] في الكون؛ لأنه لا يمكن أن يكون هذا وبتلك الدقة وبهذا الانتشار والتقعيد والتجريد إلا أن يكون وراءه حكيم مدبر خالق موجد يكون أعظم من كل هذه المعاني ومن كل هذه الأشياء.

ولا يستطيع إطلاقًا بالجمال أن يرد الملاحدة. الملاحدة يقفون موقفًا مرعوبًا من الجمال؛ لأن الجمال يهدم كل الحجج التي أتى بها أو الشبهات التي يذكرها أهل الإلحاد. إذا كان ليس هناك ثمة خالق فلم الجمال؟ لم يعرفوا أن يجيبوا على [هذا السؤال] إلى الآن.

التفاوت في الجمال بين المخلوقات دليل على الحكمة الإلهية ورد على الإلحاد

إن كان لا يوجد إله و هذا الخلق [موجود] من تلقاء نفسه؟ لماذا يوجد إنسان جميل وآخر غير جميل؟ لماذا توجد شجرة، أو منظر أو مسموع جميل، ولا يوجد هذا الشيء في الآخر من نفس النوع؟

لو لم يكن هناك إله حكيم مدبر خالق عليم، لكنا مثل الروبوت، أي لأصبحنا جميعًا بشكل واحد ونمط واحد؛ لأننا نأتي من نفس القانون، ولما كان هناك جمال ولا تفاوت.

قضية الجمال وقضية التفاوت وقضية النسبة أمر أرهق الملاحدة ولا يستطيعون الرد عليه، ولكن لأن معناه خفي فإن كثيرًا من الناس لا يعرفون كيف يردون على الملاحدة به.

حجة الملحد الواهية والإيمان بالعالم غير المنظور وراء المنظور

ماذا يقول الملحد؟ يقول: هي هكذا. هذا يعني أنه ليس لديه كلام منطقي ولا حجة ولا برهان.

ونحن نقول له: إن جملة [هي هكذا] هي التي جعلتنا نؤمن؛ لأن وراء هذا المنظور عالم غير منظور، ولأن وراء هذا العالم غير المنظور عالمٌ حكيمٌ قديرٌ خالقٌ سبحانه وتعالى لم يتركنا عبثًا، وإنما أرسل الرسل وأنزل الكتب وبيّن دلائل وجوده وأخبر الرسل بما لا يمكن أن يدركه إلا هو سبحانه وتعالى.

فعرفنا أنهم على الحق، ونحن في طمأنينة وأنتم [أي الملاحدة] في شك دائم.

تطور الخط العربي من ابن مقلة إلى ابن البواب ومصحف السلطان شعبان

فابن مقلة عندما جاء كانت قضية أخرى.

وكتب الخطاطون المصاحف للسلاطين. ومنهم:

  • ابن مقلة.

  • ابن البواب.

  • كبار الخطاطين مثل المستعصمي وغيره.

على سبيل المثال، مصحف يُسمى مصحف السلطان شعبان. وهو أخو السلطان حسن صاحب مسجد السلطان حسنو يقول المؤرخون إنه من أبدع مساجد الإسلام.

ولأن السلطان حسن قُتل وغُيبت جثته [أي اختفت] ولم يُدفن، فيقال أن المدفون في ضريح مسجده هو أخوه السلطان شعبان بن قلاوون.

ومصحف السلطان شعبان، هو مصحف بديع يوجد في دار الكتب المصرية من المصاحف التي يفتخر العالم الإسلامي بها في زخرفتها وخطها وتذهيبها وتجليدها.

ظهور المطبعة في أوروبا ودخولها إلى الشرق وتأسيس المطبعة الأميرية

وفي أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، ظهرت المطبعة في ألمانيا، وتحولت الأمور من الكتابة إلى الطباعة.

أول مطبعة دخلت لدينا هنا في الشرق، كانت في بلدة من بلدان لبنان في القرن السابع عشر، سنة ألف وستمائة ثم جاءت المطبعة هنا [مصر]. ولما جاء نابليون أحضر معه أيضًا مطبعة عربية، لكنه أخذها معه عندما رحل.

وجاء محمد علي في سنة ألف وثمانمائة وعشرين تقريبًا وفتح المطبعة الأميرية في مصر، وتأخر صدور المصحف من هذه المطبعة ربما أكثر من عشر سنوات.

كتابة المصحف كانت بمثابة شهادة الدكتوراه للخطاطين عبر التاريخ

وكان هناك أمر مهم جدًا ومنذ عصر ابن مقلة إلى ما بعده، كان الخطاط لا يصل إلى مصاف الخطاطين الكبار، إلا إذا كتب المصحف الشريف، فكانت هذه بمثابة شهادة الدكتوراه.

فكانوا يقولون له [الخطاط]خطك وجميل، ولكن هل كتبت المصحف؟ فيقول لهم: لا. فيقولون له: ما زال أمامك الكثير. أما إن كان كتبه، فكأنه أخذ الشهادة.

فكان سلب تلك الشهادة منهم [بعد ظهور المطبعة] أمرًا عزيزًا على قلوب العلماء والخطاطين وأهل الجماعة العلمية.

موقف الجماعة العلمية من طباعة المصحف وتمسكهم بفن الخط كدرجة علمية

عندما قالوا للجماعة العلمية سنصنع لكم مطبعة، قالوا: هذا شيء جيد ولكن ما رأيكم أن تطبعوا فيها الأمور العسكرية و الزراعية والطبية؟ فبدأت المطبعة بطباعة هذه المجالات.

لماذا؟ لأنهم كانوا يعتبرون فن الخط نوعًا من أنواع الشهادات العليا التي يُمنحها طالب العلم حتى يدخل في مصاف أخرى؛ ويحصل على شهادة ثانية.

[المذيع]: أي تشريف وتكليف في نفس الوقت.

وهل الأمر لم يكن مقبولًا في البداية أن أطبع المصحف بالمطبعة؟

[الشيخ]: نعم، لأجل ذلك.

إشاعات العوام حول المطبعة ورفض العلماء لطباعة المصحف لأسباب علمية

أطلق بعض الناس إشاعات عن أن الأسطوانة [الخاصة بالطباعة]، مصنوعة من لحم خنزير. فعندما رأى العوام أن العلماء يرفضون [طباعة المصحف بالمطبعة] تخيلوا أنه ذلك بسبب أنها نجسة، إذ لم يكن ليرفضها العلماء إن لم تكن كذلك. أو لأن هذا الحبر لا يجوز أن يُكتب به القرآن.

هذه إشاعات.

بينما الحقيقة، أن الجماعة العلمية كانت تعد من كتب المصحف أنه في الطبقة العليا من العلماء.

الشيخ ملا علي بن سلطان القاري وكتابة المصحف سنويًا كعبادة ودرجة علمية

المصحف بالذات. كان الشيخ ملا علي بن سلطان القاري، شيخ القراء في مكة. ولم صار شيخًا للقراء في مكة؟ لأنه كان يكتب مصحفًا كل عام، ويرسله هدية إلى الخليفة في إسطنبول.

كان يعمل في كتابة المصحف طوال السنة، فتكون هذه عبادة و درجة علمية.

وتوجد في مكتبات إسطنبول الآن، كثير جدًا من المصاحف التي أرسلها علي سلطان القاري إلى حضرة الخليفة في إسطنبول.

ابتكار نظام بداية الصفحة بآية ونهايتها بآية وأصل نظام در كنار

هذا الرجل [الشيخ ملا علي بن سلطان القاري] جعل المصحف بدايته آية ونهايته آية.

هذه الفكرة أخذها من خطاط تركي قديم اسمه الأستاذ حامد، وكان قبل الإمام سلطان علي القاري في القرن السابع عشر. وقد ربطوا تلك الفكرة بكيفية حفظ القرآن، وهو أن تبدأ الصفحة بآية وتنتهي بآية.

وفي كل جزء عشرون صفحة، وعلى ذلك فالقرآن ستمائة صفحة؛ لأننا لدينا ثلاثين جزءًا في القرآن].

تجد [المصحف به] ستمائة وأربع صفحات لأجل الفاتحة وتقدمة البقرة، ولأجل خواتيم السور من [سورة] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى آخر القرآن، التي تأخذ صفحة زائدة تقريبًا. فهذان اثنان وهذان اثنان يصير ستمائة وأربع صفحات، لكن كل جزء عشرون صفحة، عند الصفحة العشرين ينتهي الجزء الأول، وفي الصفحة الواحدة والعشرين يبدأ الجزء الثاني.

معنى در كنار ونظام خمسة عشر سطرًا في الصفحة وطريقة الحفظ

فهذا يسمونه در كنار باللغة الفارسية، [در] أي في، وكنار تعني الإطار. يقال كنار الجلباب أو كنار اللوحة، إذن، در كنار تعني، داخل الإطار.

ماذا بداخل الإطار؟ خمسة عشر سطرًا. لماذا؟ لِما أخرجه البيهقي:

«من حفظ القرآن خمسة خمسة لم ينسَ».

فتصبح[ الصفحة] خمسة عشر سطرًا: سطورها مقسمة خمس خمس، تحفظهم فكأنك حفظت صفحة. وكانت لديهم طريقة عجيبة في الحفظ.

بداية طباعة المصحف وتمسك العلماء بالدرجة العلمية لفن الخط

ورغم بدء الطباعات، إلا أنهم [العلماء] لم يرضوا أن يتخلوا عن هذه الدرجة العلمية، فلم يفرحوا بالطباعة لأن الخط كان درجة علمية يتمسك بها العلماء، بغض النظر عن انتشار المصحف، إذ كان شائعًا وذائعًا.

[المذيع]: وكان فن الخط العربي واحدًا من أهم تجليات الحضارة الإسلامية إضافة إلى العمارة الإسلامية. وكان الأجداد يتشرفون بكتابة القرآن بأيديهم، فاصل ونعود، ابقوا معنا.

تهنئة المذيع للشيخ والسؤال عن أول مصحف مطبوع في عهد محمد علي

[المذيع]: مولانا الإمام، اسمح لي أن أنتهز الفرصة وأقدم لك أجمل التهاني، كل عام وفضيلتك بألف خير، ودمت لنا شيخًا ومربيًا ومرقيًا، ودمت لهذه الأمة مصلحًا ومجددًا.

[الشيخ]: كل عام وأنتم بخير، شكرًا لكم.

[المذيع]: متى قبل أن يطبع أول مصحف يامولانا؟

[الشيخ]: حينما أرغم محمد علي العلماء إرغامًا.

إرغام محمد علي للعلماء على طباعة المصحف وظهور أخطاء كثيرة في الطبعة الأولى

[الشيخ]: وقال [محمد علي] لهم: وإلى متى سنظل متخلفين عن ركب الحضارة؟ لا بد أن نطبع المصحف.

فسكت المشايخ وقالوا له: لقد قلنا ما لدينا، وإن هذه مسألة لا نحبذها. قال [محمد علي] لهم: لا، الكلام لا يدخل عقلي، ولذلك أنا سأطبع المصحف.

قالوا [العلماء]: حسنًا، الأمر لله، أنت ولي الأمر، اطبعه. فطبع حوالي مائتي نسخة من المصحف، فظهرت فيها أخطاء كثيرة جدًا لم تكن موجودة طبعًا عند الكاتب؛ لأن الكاتب يحفظ كيف يكتب [كلمة] السماوات، الأرض وغيره.

لكن عندما جُمِع [المصحف]، وفي بروفة النسخة، وجدت أخطاء ومحاولة تصحيحها كانت تؤدي لمزيد من الأخطاء.

غضب محمد علي واعتذاره للمشايخ وتصحيح المصاحف المطبوعة يدويًا

فغضب محمد علي كثيرًا، وكأنه خجل من المشايخ.

فقال له العلماء: أرأيت؟ ألم نخبرك بذلك؟

فجمع العلماء وقال لهم: أنا آسف، أصلِحوها بأيديكم، وخصص لكل واحد مبلغًا للتصحيح. فقام [العلماء] بتصحيح المصاحف المائتين بأيديهم.

قيمة أجر التصحيح وأسعار العقارات والأراضي في عهد محمد علي

أظن كان [مبلغ التصحيح] اثني عشر قرشًا أو شيئًا من هذا القبيل. طبعًا اثنا عشر قرشًا في حقبة القرن السابع عشر [أي حوالي ألف وثمانمائة وثلاثين]، كان القصر بعشرين جنيهًا،.

وعندما يقوم المرء بتصحيح عَشر نُسخ، يأخذ جنيهًا. الجنيه كان يكفي لشراء شقة. كان فدان الأرض الزراعية في ذلك الوقت بحدود سبعين قرشًا، وفي نهاية القرن ارتفع سعره كثيرًا فأصبح بجنيه أو جنيه ونصف.

وفي آخر القرن باع جدي مائة وعشرين فدانًا بمائة وعشرين جنيهًا، كان في عام ألف وثمانمائة تسعة وتسعين.

توثيق أسعار الأراضي من مستندات العائلة وقيمة الجنيه في تلك الحقبة

هذا من واقع المستندات الخاصة بعائلتنا، أن الفدان كان بجنيه في نهاية القرن.

لكن [في عام] ألف ثمانمائة وثلاثين، كان [سعر الفدان] لا يزال رخيصًا بسبعين قرشًا. كذلك في عام ألف وثمانمائة وكذا وثلاثين، كان القصر يُبنى بعشرين جنيهًا فقط.

إسناد محمد علي مهمة تصحيح المصحف للعلماء والبحث عن النسخ المفقودة

فالمهم الحاصل أن محمد علي باشا عندما طبع المصحف، أسند مهمة التصحيح إليهم [العلماء] فصححوه.

بحثنا كثيرًا عن هذا المصحف الذي تم تصحيحه، لكننا لم نجده إلى الآن. لعله يكون في خزائن دار الكتب، وقد يكون قد حدث له شيء اختفى بموجبه؛ لأننا لا نملك أية نسخة من هذا المصحف الذي طُبع منه مائتا نسخة.

ولم نجده في مكتبات العلماء، ولكن في التاريخ مذكور أنهم قد صححوه بأيديهم.

أول محاولة لطباعة المصحف في فلورنسا عام 1537 وقصة النسخة المفقودة

إذا كنا نبحث عن متى طُبع المصحف، فأول من حاول طباعته كان في فلورنسا. وكانت عائلة لها اتصالات جيدة مع [أطراف في] الدولة العثمانية.

عام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين حاول هذا الرجل في البندقية أن يطبع هذا المصحف، هذا هو المكتوب في التاريخ. ولفترة طويلة، لم نجد هذه النسخة.

فبدأ بعض الناس يؤلفون قصصًا أن البابا سمع بها [نسخة القرآن] فأحرقها، ولم يحدث هذا نهائيًا. وأقول لك الحقيقة قطعًا.

اكتشاف المستشرقة أنجيلا نوفو لنسخة المصحف القديمة في فلورنسا

ثم مرت الأيام، وظهرت واحدة من المستشرقات الإيطاليات، اسمها أنجيلا نوفو.

قالت أنجيلا نوفو: أنها اكتشفت اكتشافًا. ووجدت نسخة من ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين. وهذه النسخة وحيدة فريدة. وكتبت مقالة جيدة فيها، تصفها وتصف ما فيها، وكانت [النسخة] أيضًا كثيرة الأخطاء المطبعية،

بحثنا عن مثيل [لهذه النسخة] بعدما وجدتها أنجيلا نوفو، ولكن لم نجد مثيلًا.

المفاجأة: النسخة المكتشفة مجرد بروفة لم تُطبع وتوفي صاحبها أثناء الإعداد

وظللنا لفترة نظن إننا حصلنا على كنز كبير وهو كنز فعلًا، ولكن أين ذهبت هذه [النسخة]؟ هل تستلمتها السلطات العثمانية فوجدوها فيها أخطاء فأحرقوها مثلًا؟ هل الإشاعة الغبية التي تقول أن البابا أحرقها صحيحة؟

تبين أن كل هذه أشياء غريبة. وقد زارني في مكتبي الدكتور محمود الشيخ، وهو أستاذ كبير للدراسات في جامعة فلورنسا، وتحدثت معه عن هذا الاكتشاف الذي اكتشفته السيدة نوفو.

فالرجل مشكورًا ذهب واطلع على النسخة ودقق فيها، ثم جاءنا بالمفاجأة المدوية: أن هذه النسخة هي البروفة!

[المذيع]: ليست الطبعة النهائية.

[الشيخ]: بل لم تطبع أصلًا، هذه بروفة. ثم إن البروفة توفي صاحبها أثناء الإعداد، فسكتوا عنها.

فهذه كانت قصة الطبعة المفقودة كثيرًا عام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين. ذلك زمن متقدم، لكنها لم تُطبع ولا شيء، ولم يظهر أنها طُبعت، ولم يظهر أنها أي شيء.

طبعة هامبورغ عام 1694 أول طبعة فعلية للمصحف بيد المستشرق هينكلمان

في سنة ألف وستمائة أربعة وتسعين طبعت هامبورغ المصحف أيضًا بطبعة متقدمة نوعًا ما؛ لأننا كنا نظن أن نسخة نوفو - التي سيُكتشف أمرها - هي مجرد نسخة كثيرة الأخطاء، لكنها تبين أنها ليست نسخة ولا شيء، ولم يفعل البابا شيئًا، ولم تُحرق النسخة العثمانية.

[المذيع]: مازلنا نتتبع الطبعة الأولى للمصحف المطبوع، والتي ربما كانت أول طبعة له في نهايات القرن التاسع عشر.

[الشيخ]: لا، بل [القرن] السابع عشر عام ألف وستمائة أربعة وتسعين.

تفاصيل طبعة هينكلمان في هامبورغ وطبعة لودفيكو مراشي الإيطالية

قال المستشرق الألماني هينكلمان بطباعة المصحف في هامبورغ في ألمانيا، وكان هدفه هو التعريف بالعربية وبالإسلام. وهذه النسخة بها أخطاء.

جاء [هذا المصحف] في حوالي خمسمائة وستين صفحة، أي قريبة أيضًا من طريقتنا ذات الستمائة صفحة. وكانت غير منتظمة، فكنت تفتح صفحة فتجد فيها سبعة عشر سطرًا، وتجد في الأخرى تسعة عشر سطرًا، فلم تأخذ الطباعة نمط الأسطر التنميط.

دقة التنميط في الطبعات الأميرية المتأخرة ومطابقة الصفحات

أما في الطبعات الأميرية، وعندما تضع [الصفحة] في الضوء هكذا، تجد رقم الصفحة وراءه رقم الصفحة التي قبلها تماما لا تميل يمينًا ولا يسارا.. شيء دقيق جدًا.

كانوا حرفيين. لكن هذا طبعًا بعد مدة؛ لأننا نتحدث الآن عن عام ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين وفي سنة ألف وتسعمائة.

طبعات المصحف في إيطاليا وروسيا والدولة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر

ثمانية وتسعين، لودفيكو مراشي طبع نسخة في إيطاليا.

وفي دار الكتب المصرية، توجد نسخ، منها نسخة هينكلمان.

أما نسخة الرجل الإيطالي لودفيكو مراشي، فأظن أنها ليست لدينا.

في القرن الثامن عشر. سنة ألف وسبعمائة وسبعة وثمانين في روسيا، أشرف رجل مسلم من منطقة قازان المسلمة اسمه مولاي عثمان؛ قام بالإشراف على طباعة هذه النسخة. ولذلك فمشهورة دائمًا بأنها طبعة مولاي عثمان.

طبعة محمد شاكر مرتضى أوغلو الملتزمة بالرسم العثماني وطبعات إيران والهند

في عام ألف وثمانمائة ثمانية وأربعين وقد أصبحنا متأخرين الآن، ظهرت طبعة أخرى [للقرآن] لشخص كان اسمه محمد شاكر مرتضى أوغلو. التزم فيها بالرسم العثماني وليس بالإملائي كما كان في بعض الطبعات هذه، ولم يضع فيها أرقام الآيات.

تنظر في الآية، تجد دائرة فقط، وليس بداخلها رقم.

وكان دقيقًا [أوغلوا]، عمل ملحقًا للأخطاء التي وقع فيها، ذكر فيه في أي كلمة أخطأ، ونبه الناس كي يصلح كل منهم نسخته.

في عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين، أي قبل عامي ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين وألف وثمانمائة وثلاثة وثلاثين، طُبِع المصحف في إيران، وطُبِع بالضبط على ما نحن عليه. ثم دخلت الهند والآستانة في الأمر [طباعة المصحف] عام ألف وثمانمائة وسبعة وثلاثين.

كل طبعات المصحف في القرن التاسع عشر جاءت بعد طبعة محمد علي المفقودة

كل هذا حدث في القرن التاسع عشر، بعد طبعة محمد علي التي لم نجدها، والتي سمعنا عنها في التاريخ فقط، ذات المائتي نسخة تلك.

وبعد ذلك كان لدينا هنا مطبعة [في مصر]، فقد بدأت المطابع تظهر. كانت هناك مكتبة البابي الحلبي وهو رجل شامي جاء ليدرس هنا في الأزهر.

ثم وجد أن نشر هذه الكتب سيكون لها مستقبلا، فافتتح الدار العربية للكتاب أو دار الكتب العربية، والتي أصبحت فيما بعد مصطفى البابي الحلبي وعيسى أخوه البابي الحلبي.

قصة عائلة البابي الحلبي ودورهم في طباعة التراث الإسلامي

أحمد الحلبي رحمه الله لم ينجب، وإنما كان له أبناء أخ: مصطفى وعيسى وبكر.

لم يعمل بكر بهذه الورقيات، ولكن مصطفى وعيسى عملا بها وأصبحت المطبعة ضخمة، طُبع فيها أغلب التراث.

ربما مازالا يعملان بها حتى اليوم، مصطفى وعيسى. أما بكر فقد اختفى، ولم يعمل بمهنة الوراقين، أو قد يكون واحدًا من أولاده اشتغل بها.

فمصطفى الحلبي وعيسى الحلبي هم أولاد أخ أحمد الحلبي رحمه الله تعالى حيث لم يكن لديه أولاد.

المطبعة البهية ومحمد أبو زيد ومحاولات الوصول إلى تنميط طباعة المصحف في مصر

فالمطبعة البهية أصبحت في ذلك الوقت ملكًا لشخص كان اسمه محمد أبو زيد، الله يرحمه.

[المذيع]: وصلنا الآن لمصر، ومحاولات للوصول إلى التنميط الذي تتحدث فضيلتك عنه. [أي: في طباعة المصحف].

[الشيخ]: لدينا الآن سادة القراء: الشيخ محمد المتولي الكبير، والشيخ رضوان عيد المخللاتي. هؤلاء أناس كانوا من أساطين العالم، الجميع يلجأ إليهم: تركيا، الهند، المغرب؛ لأنهم كانوا بمثابة الأهرامات الرابعة، هم أهرامات مصر الحقيقية.

مصحف أبي زيد ومقدمة الشيخ رضوان المخللاتي في ضبط ورسم القرآن

أما الشيخ محمد المتولي الكبير [فقد كان سنده من الشيخ مصطفى الأزميري]، أما الشيخ رضوان عيد المخللاتي، - رحمه الله - فقد كان مهتمًا بالضبط وبالرسم وإلى آخره.

برز محمد أبو زيد وقام بعمل لطيف جدًا لم يتكرر بعد ذلك، حيث طبع المصحف الذي سُمي مصحف أبي زيد. وكنا نذهب إلى الكُتبية القدماء [المكتبات القديمة] ونقول لهم: نريد نسخة من مصحف أبو زيد، فيقولون: إنه نادر وقليل الوجود. هكذا كان الأمر في السبعينيات مثلًا، أي منذ ثمانية وأربعين سنة.

فالحمد لله عندنا في مكتبتنا مصحف أبي زيد. ماذا فعل أبو زيد؟ لقد وضع مقدمة كتبها رضوان المخللاتي.

مقدمة المخللاتي في رسم وضبط القرآن واعتمادها حتى اليوم

كان رضوان المخللاتي موجودًا في ذلك الزمن، فطبع له رسم وضبط القرآن. فالرسم متعلق بهيكل الكلمة، والضبط متعلق بالشكل وبالنقط وبالكلمة. وهي التي اعتمدنا عليها حتى اليوم في ضبط المصحف الشريف.

كان الشيخ المخللاتي علامة كبيرًا، وعندما تقرأ في كتاب اسمه النشر في القراءات العشر لمحمد بن محمد بن محمد الجزري شمس القراء، المتوفى سنة ثمانمائة وثمانية هجرية، فهو رجع إلى مراجع.

أصول النشر في القراءات العشر والكتب الثمانون التي اعتمد عليها ابن الجزري

هذه المراجع اسمها أصول النشر. يظن بعض الناس أن أصول النشر تعني قواعد نشر الكتب وما شابه. لا، أصول النشر تعني عندنا في الإصطلاح، الكتب التي رجع إليها ابن الجزري ليستقي منها [كتاب] النشر في القراءات العشر.

مجموعة تصل إلى ثمانين كتابًا. طُبِع منها خمسون أو أكثر من أصول النشر. وكان هؤلاء الناس يحفظون كل هذه الكتب وينظمونها ويعرفونها.

مصحف أبي زيد تحفة علمية أسست لمصحف الملك فؤاد بخط الشيخ محمد خلف الحسيني

ولذلك كان مصحف أبي زيد تحفة من التحف العلمية التي اعتُمد عليها أحسن وأدق مصحف صدر بعد وفاة هؤلاء العلماء، ألا وهو مصحف الملك فؤاد رحمه الله تعالى، بخط الشيخ محمد خلف الحسيني شيخ القراء.

[المذيع]: ما أجمل الحديث عن المصحف وعن طباعة المصحف وعن فن المصريين وكيف تفنن المصريون في كتابة المصحف بين الطباعة وبين الخط الجميل.

سوف نكمل كل ما بدأناه غدًا إن شاء الله في الحلقات القادمة. صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. شكر الله لكم ورضي الله عنكم و كل عام وأنتم بخير.

[الشيخ]: كل عام وأنتم بخير.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه وإلى اللقاء.