والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح حقيقة الضرورات التي تبيح المحظورات| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح حقيقة الضرورات التي تبيح المحظورات| الحلقة الكاملة

31 دقيقة
  • الضرورات تبيح المحظورات من المبادئ القرآنية المهمة، والضرورة هي ما إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.
  • تناول الإنسان للأشياء على مراتب: الضرورة، الحاجة، التحسينات، الزينة، الفضول.
  • الضرورات فقط تبيح المحظورات، أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة.
  • يختلف هذا المبدأ عن مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" في ترتيب الأولويات، فالإسلام يقدم المبادئ على المصالح.
  • الشخص الاعتباري كالمؤسسات والشركات أيضاً يجوز له التمتع بهذا المبدأ للحفاظ على استمراريته.
  • توسع البعض في استخدام هذا المبدأ يأتي من اعتبار التحسينات أو الزينة أو الفضول من الضرورات.
  • حفظ النفس من المقاصد الكلية للشريعة مع حفظ العقل والدين والعرض والمال.
  • الضرورة تقدر بقدرها، والتوسع في فهمها يؤدي إلى استباحة المحرمات بدون وجه حق.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

مقدمة البرنامج وتقديم موضوع الضرورات تبيح المحظورات

[المذيع حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم، وقل رب زدني علمًا، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح لنا فتوح العارفين بك.

أهلًا بكم في هذا البرنامج الجديد، حلقة جديدة من والله أعلم، لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنناقشه في أحد أهم المبادئ القرآنية وهو الضرورات تبيح المحظورات، وكيف نفهم هذا المبدأ على كل أبعاده ومحاوره؟

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

تعريف الضرورة في الشريعة الإسلامية ومعنى الهلاك أو مقاربته

[المذيع]: مولانا الإمام، يعني المبادئ القرآنية هذه التي نقف حيالها لنفهمها، نقف عند هذا المبدأ: ما معنى الضرورات تبيح المحظورات؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. تناول الإنسان للأشياء يكون على مراتب، أول هذه المراتب ما يُسمى بمرتبة الضرورة، وقد عرّفوها بأنه إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.

إذن، فهذا هو معنى الضرورة، وينبغي أن نتذكر هذا بأنه إذا لم يتناولها الإنسان هلك، ثم بعد ذلك يلحق به ما لو كان الهلاك متأخرًا لكنه متيقنًا، فيقول: هلك أو قارب على الهلاك.

أمثلة على الضرورات من الأكل والشرب وحدود تحمل الإنسان

[الشيخ]: فهذه هي الضرورات؛ فإذا نظرنا إلى الضرورات في هذه المرتبة، والتي إذا لم يفعلها الإنسان أو لم يتناولها هلك أو قرب من الهلاك، لوجدنا الأكل ووجدنا الشرب فعلًا.

الإنسان عندما - وأقصى إنسان استطاع أن يمتنع عن الشرب - امتنع ثلاثة أيام، بعد الثلاثة أيام يدخل فيه [الهلاك] وهو لم يشرب أبدًا، يعني لم يشرب أي سائل. هذا أقصى ما سجلته التسجيلات إلى الآن.

وامتنع عن الأكل مع الشرب - يشرب دائمًا ودائمًا - يعني نحو أربعين يومًا، ثم يبدأ جسده في المرض المؤدي في كثير من الأحيان إلى الموت والوفاة والهلاك. إذن فالأكل والشرب من هذا الذي إذا لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك.

قدرة الإنسان على تحمل الحرارة وتوصيات الأمم المتحدة بشأنها

[الشيخ]: كذلك الإنسان يهلك إذا أُلقي في النار مثلًا، وغاية ما استطاع الإنسان أن يتحمله - وهذا من عجائب خلق الله سبحانه وتعالى - مائتان وستون درجة مئوية، أي أنها تعني غليان الماء عند المائة، لكن هذا وصل إلى مائتين وستين.

ومن رحمة الله بالإنسان أنه يستطيع أن يتحمل الحر حوله أو الحرارة حوله إلى هذه الدرجة المتأخرة، ولكن الأمم المتحدة قالت إنه إذا ارتفعت الحرارة الجوية عن خمسين [درجة مئوية] فيجب على الدولة أن تمنح الموظفين إجازة في هذا اليوم؛ لأجل أن يتصرف كل واحد في كيفية اتقاء هذا الحر الذي زاد عن حده بأرقام عادة لا يستطيعها الإنسان.

[المذيع]: يعني سيقع ضرر على الإنسان؟

[الشيخ]: إما مُيَقَّنًا وإما قريبًا، فهذا هو معنى الضرورة.

الضرورة تبيح أكل الميتة والخنزير وتناول الخمر بنص القرآن

[الشيخ]:

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

فهذا هو معنى الضرورة، وهذه الضرورة تبيح المحظور؛ لأنها تبيح أكل الميتة والميتة محرمة، وتبيح أكل الخنزير والخنزير محرم، وتبيح تناول الخمر والخمر محرمة باتفاق، لكنها تبيح هذا المحظور.

المرتبة الثانية من تناول الأشياء وهي مرتبة الحاجة كالسكن

[الشيخ]: المرتبة الثانية - لأننا قلنا خمسة [مراتب]، قلنا إن فيه مراتب، أولها ماذا؟ الضرورة - المرتبة الثانية هي مرتبة الحاجة. والحاجة إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة.

ومثل هذه الحاجة: الحاجة إلى السكن، تخيل أن إنسانًا بلا مأوى، الوضع يبقيه حيًّا، ولكنها حالة سيئة جدًا، يعني شخص ليس له سكن يكون متأذيًا أذىً مستمرًا.

فهذه يسمونها الحاجة؛ إذا لم يتناولها الإنسان، إذا لم يكن له سكن فإنه تصيبه مشقة وعناء وعنت وجهد وتعب. هذه هي المرتبة الثانية من مراتب تناول الإنسان للأشياء، هكذا يتكلم العلماء ويفصل هذا السيوطي في الأشباه والنظائر وغيره في غيره.

المرتبة الثالثة التحسينات والمرتبة الرابعة الزينة في تناول الأشياء

[الشيخ]: المرتبة الثالثة هي مرتبة التحسينات، والتحسينات إذا لم يتناولها الإنسان فإنه يشعر بشيء من النقص. مثلًا، لا يوجد ملح في الطعام، هذه تحسينات. لا يوجد طعام، هذه ضرورة، لكن لا يوجد ملح في الطعام هذه مجرد رتوش، ولكن أيضًا تضايقه أنه لا يوجد لديه هذا النوع الذي ينضج به الطعام.

فمثلًا لا توجد نار ينضج بها الطعام، فيضطر أن يأكل الكوسة وهي نيئة، وهذا أمر مقرف بعض الشيء، يعني لا يكون مبتهجًا بذلك، يسمونها مرتبة التحسين.

المرتبة الرابعة هي مرتبة الزينة؛ يريد أن يأكل وجبة كاملة. كان العرب يبدؤون بالفاكهة وهذا صحيح، وبعد ذلك يأكلون، والأكلة ينبغي أن تكون مشتملة على المجاميع الخمس من المجاميع الغذائية، وبعدها يتناول الحلوى بعد الطعام. نعم، هذا زينة.

المرتبة الخامسة الفضول وبيان أن المراتب الخمس كلها مباحة

[المذيع]: هذه رفاهية؟

[الشيخ]: يعني لم ندخل بعد في الرفاهية؛ لأن الرفاهية هذه ستُطلق على ما بعد ذلك، الخامس نعم. الذي بعد ذلك وهو الفضول. هذا الفضول يشبه ماذا؟ الكعكة عندما نصنعها، هذا هو أصلها هكذا، لكن عندما نضع عليها الكريمة، هذا يعني زينة، أما إذا وضعنا على الكريمة الكريزة، هذه مرتبة أعلى، هذا فضول.

هذه هي الخمسة [مراتب تناول الإنسان للأشياء]، وهذه الخمسة كلها مباحة، فيجوز للإنسان أن يكون له قطعة جاتوه عليها كريمة حلوة هكذا، وأيضًا مزينة بماذا؟ بكريزة حلوة المذاق. فالقضية هنا هي التناول، انظر الفرق بينها.

الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة وأثرها في إباحة المحظور

[الشيخ]: إذن ما الذي يبيح المحظور؟ الضرورة فقط؟ قالوا: لا، أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، حاجة - هذه هي الدرجة الثانية [من تناول الإنسان للأشياء] - قريبة جدًا من الضرورة، فتنزل منزلتها نفسها.

بالنسبة للتعريف هما شيئان، لكن بالنسبة للأثر يصبحان شيئًا واحدًا. مثل السكن هذا الذي ضربناه مثالًا [عدم وجود سكن]، هذه حاجة أساسية جدًا، هذا قد يُصاب بالبرد وقد يقتله البرد.

شيء سيء جدًا أن لا تكون لديه ملابس، شيء سيء جدًا أن يستمر في عدم الاستحمام مثلًا، هذا شيء سيء جدًا. ولذلك كل هذه من الأشياء التي تنزل منزلة الضرورة، صحيح أنه إذا لم يتناولها لم يهلك، نعم، لكنه تصيبه مشقة بليغة يخاف على حياته منها.

ظاهرة أطفال الشوارع والحاجة إلى القضاء على أسبابها لا أعراضها فقط

[الشيخ]: وهذا الذي كنا نقوله عندما نجد أطفالًا بلا مأوى، هذه ظاهرة - الحمد لله - قضينا عليها، قضينا عليها، ولكننا ما زلنا لم نقضِ على أسبابها، يعني فجأة ممكن أن تعود.

ولذلك نحن نعمل باستمرار، لماذا؟ ليس لأن نقضي على هذه الظاهرة - هذه خطوة أولى وكأنها معجزة [القضاء على هذه الظاهرة] - لكن الخطوة الثانية هي أن نقضي على أسباب الظاهرة.

[المذيع]: لكي لا تعود.

[الشيخ]: لكي لا تعود؛ لأن السكن من ضمن الحاجات التي تُنَزَّل منزلة الضرورة.

الفرق بين الضرورات تبيح المحظورات والغاية تبرر الوسيلة عند ميكيافيلي

[المذيع]: مولانا الإمام، في ذلك جملة نسمعها ودائمًا توضع موضع الانتقاد: الغاية تبرر الوسيلة، كما أشار ميكافيلي أو بيسمارك. نحن لدينا نقول: الضرورات تبيح المحظورات. البعض يتساءل: ما الفرق بين هذا وذاك إذا كان يتصور من الظاهر أن هذا معنى ذاك؟

[الشيخ]: ترتيب الأولويات هو الفرق بين هذا وذاك. فعندما أرتب الأولويات أقول: حسنًا، ارتكاب أخف الضررين واجب. أنا الآن محرم عليّ الميتة، وبعد ذلك آتي وأقول أنا سآكلها، لماذا؟ لأنني في ميزان له كفتان: كفة أضع فيها حياة الإنسان، وكفة أضع فيها أكل الميتة.

والسؤال: هل هاتان الكفتان متساويتان؟ ترتيب الأولويات يقول لي: لا، الحفاظ على النفس البشرية مقدم على أكلة من الأكلات سواء كانت محرمة أو مكروهة.

ترتيب الأولويات يفرق بين تقديم المبادئ وتقديم المصالح الخاصة

[الشيخ]: ولذلك فترتيب الأولويات هو الذي يفرق ما بيّن أن الضرورات تبيح المحظورات وبين كلام ميكيافيلي؛ لأنه يقدم المصلحة الخاصة بالأمير على كل شيء، فيكون إذن ترتيب الأولويات هناك مختلًّا، نعم، لكن ترتيب الأولويات عندي منطقي منضبط.

فإذن أنا عندي صورة من ذلك، ولذلك أنا أدق لأن هذه غير هذه. الغاية تبرر الوسيلة يعني: الذي تكسبه العبه [مثل مصري بمعنى: ما يربحك ويساعدك استخدمه]، لكن لا، الذي تكسبه العبه ماذا فعل؟ قدم المصالح على المبادئ.

لكن أنا في الضرورات تبيح المحظورات ماذا فعلت؟ قدمت المبادئ على المصالح، ولكن حتى أحافظ على المبدأ فلا بد من تحصيل هذا المبدأ، وفي المبدأ مصلحة. فلما اشتبهت هذه المصلحة بالمصالح التي قُدِّمت على المبادئ، هنا اشتبه عليهم الأمر.

والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك، هذه أوضح من الواضحات وأجلى من البينات، فالفارق بينهما ترتيب الأولويات.

خاتمة الجزء الأول والتأكيد على عظمة الدين الإسلامي

[المذيع]: لذلك دائمًا نقول: هذا هو ديننا، هذا هو إسلامنا، هذا هو نبينا، فصلوا عليه وسلموا تسليمًا. فاصل ونعود إليكم.

هل تنطبق الضرورة على الشخص الاعتباري كما تنطبق على الشخص الطبيعي

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، إمامنا، إذن وفق هذه الضرورة تتحقق هذه المصلحة التي يحققها الإسلام من خلال الحفاظ على المبدأ. إذن، هل هذه الضرورة وتتحقق هذه المصلحة بالنسبة للشخص الطبيعي فقط أم بالنسبة للشخص الاعتباري أيضًا؟

[الشيخ]: لا، أولًا الشخص الاعتباري هو موجود في الفقه الإسلامي على غير ما يظن بعض القاصرين ممن اطلعوا ولم يلحظوا أن الشخص الاعتباري موجود في صورة الدولة، والشخص الاعتباري في الفقه الإسلامي موجود في صورة الديوان، والشخص الاعتباري موجود في صورة بيت المال أو بيت مال الزكاة وبيت مال المسلمين، وأيضًا موجود في المسجد، وهكذا.

فالشخصية الاعتبارية موجودة ولها أحكامها التي قد تختلف؛ لأن أكثر أحكامها تتفق مع الشخص الطبيعي من أن لها ذمة، لكن هذا الشخص الاعتباري لا يموت. الفرق بينه وبين الشخص الطبيعي أن البنك لا يموت، لكنه ليس له نفس ناطقة.

الفرق بين كفالة الشخص الطبيعي وكفالة الشخص الاعتباري كالبنك

[الشيخ]: فيُخشى على البشر مثلًا في العقود مثل الدناءة، فيحرم الشرع بعض الأشياء مثل أخذ الأجر على الكفالة. مثلًا يقول لك: هذا من باب رفع الضيق عن الصديق، ولكن عندما تأخذ على الشهامة مالًا، فهذا لا يصح؛ لأن لك نفسًا ناطقة.

أما البنك فهذه أعمال، هذا عمل تجاري [بيزنس] لا علاقة له بالنفس الناطقة. مدير البنك ليست له علاقة بأموال البنك لأنه ليس مالكًا لها، وهو عندما يُصدر خطاب ضمان يأخذ عليه أجرًا.

حسنًا، أليست هذه كفالة؟ نعم، لنفترض أنها كفالة، لكن الكفالة الصادرة من الشخص الطبيعي تختلف عن الكفالة الصادرة من الشخص المعنوي [الاعتباري].

جواز تطبيق قاعدة الضرورة على الشخص الاعتباري كالشركات والمؤسسات

[الشيخ]: حسنًا، لنفترض أن هذا البنك أو هذه الشركة أو هذا الكيان الذي استقل عن أصحابه مثل الشركات المساهمة مُعَرَّضة للإفلاس، نعم، إنه معرضة للهلاك، أي إذا كانت معرضة لأن يضيع المال بحاله، هي معرضة للإغلاق، هي معرضة لخراب البيوت وجلوس الموظفين والعمال في البيوت، يعني ستساهم عند إغلاقها في رفع نِسَب البطالة.

نعم، يجوز لها إذن من التصرفات ما كنا نحذره عليها أولًا، إذا كانت هذه التصرفات قلنا نحظرها عليها لأنها ممنوعة شرعًا. فيجوز إذن للشخص الاعتباري أيضًا كالشخص الطبيعي أن يتمتع بقوله تعالى:

﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]

ويجوز له أن ينقذ حياة المؤسسة بشيء يرتكبه ارتكابًا مؤقتًا حتى تزول الغمة ويذهب هجوم الكارثة، ويعود مرة أخرى.

المضطر يركب الصعب وغاية الحفاظ على المصالح والمبادئ

[الشيخ]: تمامًا مثل ما حدث في عام الرمادة، وتمامًا مثل ما يحدث عند المضطر؛ لأنه كما قالوا في الأمثال: المضطر يركب الصعب.

والصعب هذا هو ما حرمه الله سبحانه وتعالى ولم يبارك فيه، لكن هذا سيكون بلا إثم؛ لأن له غاية أعلى وهي غاية الحفاظ على كل هذه المصالح وكل هذه المبادئ وكل هذه الحياة لتلك المؤسسة.

الضرورة تقدر بقدرها وعلم القواعد الفقهية والأشباه والنظائر

[المذيع]: مولانا الإمام، يعني نسمع من فضيلتكم دائمًا: الضرورة تقدر بقدرها، فهل ثَمَّة أنواع لهذه الضرورة؟

[الشيخ]: نعم، وهذا هو محل ما ضبطه علم سُمي بعلم القواعد الفقهية، وأيضًا ما ضبطه ذات نفس العلم الذي سُمي أيضًا في تجليات أخرى بـالأشباه والنظائر.

ألّف فيه ابن الوكيل، وألّف فيه ابن السبكي، وألّف فيه ابن نجيم، وألّف فيه طبعًا السيوطي - هو أبو هذا الباب - وألف فيه علماء المسلمين وبذلوا فيه - مثل الإمام الكرخي والإمام الدباس - مجهودًا هائلًا يعني يُذكر فيُشكر، من التتبع للفروع الفقهية وتجريدها واستنباط القواعد المرعية منها، ثم العودة لتطبيقها مرة أخرى تخريجًا وتطبيقًا.

القواعد الفقهية مثلت هوية الإسلام بضوابطها واستثناءاتها ومخالفاتها

[الشيخ]: وهذه القواعد مثلت هوية الإسلام، فجعلوا لكل شيء من هذا ضوابطه وشروطه، وأصبحت المسألة جلية. وجعلوا كل قاعدة لها استثناءات؛ لأنها من فروع القاعدة لكنها خارجة عنها.

وجعلوا لكل قاعدة مخالفات ليست استثناءات، يشتبه عليّ وأنا طالب علم في البداية أنها مندرجة وليست مندرجة، لماذا؟ لوجود فرق، فنشأ علم اسمه علم الفروق.

[المذيع]: بين ماذا وبين ماذا يا مولانا؟

[الشيخ]: بين هذا الفرع الذي ظننته مندرجًا تحت القاعدة، وبين حقيقته وأنه ليس من فروع القاعدة بل هو خارج عنها أصلًا. فهناك فرق بين ما كان من فروع القاعدة واستُثني منها، وهناك فرق بين ما لم يدخل أصلًا تحت فروع القاعدة فهو في الخارج منها.

معنى الإشراف على العلوم الإسلامية وتمكن الفقيه من الفهم والتقعيد والتطبيق

[الشيخ]: هذا الكلام واسع وهو الذي يُنشئ الفقيه ويُنشئ المفتي ويُنشئ العالم الحق؛ لأنه يجعله مشرفًا. ماذا يعني مشرفًا؟ مشرفًا على العلوم الإسلامية ومشرفًا على الإدراك والفهم العميق للأحكام الشرعية.

ما معنى مشرف؟ أي واقف في الشرفة، واقف في الشرفة (البلكونة).

[المذيع]: أي على حافة.

[الشيخ]: فيرى كل ما تحته، يرى المنظر كله. فرؤيته للمنظر بأكمله هذه تجعله يُقال عنه إنه مشرف. ولذلك عندما ابن المنذر جاء يؤلف كتابًا أسماه الإشراف على مذاهب الخلاف، يعني هو واقف في الشرفة هكذا ومذاهب الخلاف كلها أمامه هكذا، هو يرى ويشاهد.

فيرى هذا المذهب ما بدايته وما نهايته، وإلى أين يتجه ومن أين أتى، ويرى المذهب الآخر ما بدايته وما نهايته، وإلى أين يتجه ومن أين أتى.

الرؤية الكلية تمكن الفقيه من التقعيد والتخريج والتطبيق بعقلية فارقة

[الشيخ]: وهذه الرؤية الكلية تجعله متمكنًا من الفهم، ومتمكنًا من التقعيد، ومتمكنًا من التخريج على هذا التقعيد، ثم متمكنًا بعد ذلك من التطبيق بعقلية فارقة تفرق بين ما هو مندرج وما هو مستثنى وما هو خارج.

هذا أمر بديع، وهو أن بعض الناس من غير الفقهاء عندما يُدرك هذه الهيئة يقول: ما هذا؟ هذا رياضة! ولذلك برتراند راسل عندما وضع المنطق الرياضي؛ لأنه لاحظ تماثلًا بين المنطق في صوره المعقولة والتفكير المستقيم وبين الرياضيات.

في أن الرياضيات لا تخطئ إلا إذا كانت تشتمل على خطأ خفي وليس خطأً ظاهرًا، وبمثل هذه المقارنات استطاع أن ينشئ علمًا آخر اسمه المنطق الرياضي.

التوسع في استخدام مبدأ الضرورات والخلط بين الضرورة والتحسينات

[المذيع]: مولانا الإمام، وهذا سنناقشه بعد الفاصل: هل توسع البعض في استخدام هذا المبدأ؟ وما محددات العمل بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات؟ فاصل وأعود إليكم، ابقوا معنا.

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، مبدأ الضرورات تبيح المحظورات، هل توسع فيه البعض للحد الذي تم وضع فيه محددات لاستخدام هذا المبدأ بشكل سليم وحقيقي؟

[الشيخ]: هو الذي يحدث عادة عند غير الفقيه وغير المتخصص أن يتعامل مع كلمة الضرورات على أساس أنها التحسينات، يعني يأتي للأمور التي يعدها الفقيه في التعريف.

ولذلك يقول لك: هذا بالتعريف، التعريف يُخرج أشياء ويُدخل أشياء ويحدد الأشياء، يعني كل ما تطلبه الآن من شروط ومحددات هو موجود في التعريف.

الفرق بين الضرورة الحقيقية والاستخدام العامي لكلمة ضروري

[الشيخ]: فالتعريف الخاص بالضرورات كما قلنا: ما لم يتناوله الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. فيأتي ويقول لي: لا، أنا عندي حالة ضرورية، مثلما يقول لك في الهاتف: ضروري أن أراك، ضروري أن أراك، يعني شيء مرغوب فيه، أو يعني شيء مهم.

حسنًا، وإذا لم تراني، هل ستنتقل إلى رحمة الله تعالى؟ قد تكون هناك حالة كهذه، حالة استدعاء الطبيب في الطوارئ، نعم، إذا لم يأتِ الطبيب الآن سيهلك المصاب.

فهل "من الضروري أن أراك"، ما معنى ذلك؟ هو يفهم أنه يعني من المهم جدًا هذا الأمر، فيقول لكَ: أصل أن الضرورات تبيح المحظورات. ومن هنا تكلمنا في هذه القضية يا جماعة، الذي تعدونه كله من الضروريات، إذا لم يتناولها الإنسان ولا تصيبه مشقة، ولا حتى أن يفكر في هلاك ولا أي شيء، فلو امتنع عنها لكان أحسن.

الرفاهة ليست من الضرورات والتفريق بين طريق الحلال والحرام

[الشيخ]: فعندما يأتي شخص ويعتبر أن الرفاهة من الضرورات، نقول له: لا، الرفاهة ليست من الضرورات. تخوشنوا فإن النعمة لا تدوم.

نحن نسعى إلى إيجاد الرفاهة، لكن لا نتوغل فيها بحيث إنها تتقدم على الحلال والحرام، لا. إذا جاءت من طريق الحلال نسعى إليها وننشرها ونقبلها، لكن لو جاءت من طريق حرام فنحن لا نقبلها.

والضرورات التي تبيح المحظورات هي التي إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. فكل المحددات موجودة في هذا التعريف البسيط الذي لا يتجاوز السطر.

المخالفات الشائعة في تطبيق قاعدة الضرورات وعدّ غير الضروري ضرورة

[الشيخ]: وكل المخالفات جاءت من أنهم يخالفون هذا التعريف مخالفة صريحة واضحة بأنهم يعدون لنا ما بين السماء والأرض من الضرورات، لماذا؟ لأنه يتضايق من غير ذلك.

أعني، هذه من التحسينيات لأنه قد اعتاد على هذا. حسنًا، هذا من الزينة لأنه لا يرى في ذلك بأسًا. حسنًا، لكن هذا من الفضول [ليس ضروريًّا]. ولذلك هذا هو الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس.

[المذيع]: التوسع في هذا المبدأ في أن الضرورة تبيح المحظور من الوقوع في الحرام أحيانًا يا مولانا؟

[الشيخ]: طبعًا، هو يقع في الحرام قطعًا عندما لا يُطبق هذا المبدأ سواء بالسلب أو الإيجاب.

الإثم في ترك الضرورة الحقيقية والإثم في ادعاء الضرورة الكاذبة

[الشيخ]: يعني لو كانت هناك ضرورة فعلية إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك فلم يفعلها، يكون بذلك آثمًا. إذن، لا بد عليه أن يفعلها.

شخص مثلًا يقول: أنا لا أريد أن آخذ تخديرًا وأريد أن أجري العملية هكذا وأنا مستيقظ، حسنًا أنت قد تموت! فأجرى العملية وهو مستيقظ فمات، هو آثم ويشبه المنتحر.

أو أنه يأتي بما ليس ضروريًّا ويسميه ضروريًّا ليستبيح به الحرام، فيبقى هذا تحايلًا خبيثًا وساذجًا ويُرَد على صاحبه.

المقاصد الخمسة الكلية للشريعة وحفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال

[المذيع]: كل هذا يصب يا مولانا في النهاية أن نعرف العالم ما معنى قيمة النفس في الإسلام، النفس بشكلها المطلق، ليس المسلم فقط، هو الحفاظ والأخذ بهذا المبدأ للحفاظ على هذه النفس؟

[الشيخ]: تتبعوا الشريعة كلها، قرآنًا وسنة، وخرجوا بخمسة مقاصد كلية للشريعة، بل ولكل شريعة، يعني اليهودي كذلك والمسيحي كذلك، كل الشرائع جاءت لأجل هذه الخمسة [المقاصد الخمسة]:

  1. حفظ النفس: بعد أن أحافظ على الذات التي أمامي هذه التي لها التكليف.
  2. حفظ العقل: لأن العقل مناط التكليف، ليس من الممكن أن أفرط في النفس لأنني لو مات الإنسان فقد انتهى الأمر ولا يكون هناك تكليف، وأنا الذي يهمني أن يعمر الأرض من خلال عبادة الله وخلال تزكية النفس.
  3. حفظ الدين: حتى به قوام المجتمعات.
  4. حفظ العرض: الذي يُسمى عندنا في لغتنا وأدبياتنا بـكرامة الإنسان.
  5. حفظ المال: الذي هو عصب الحياة والذي به قوام الدنيا.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ قِيَامًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 5]

المال هذا هو عصب الحياة. بهذه [المقاصد] الخمسة التي اتفقت عليها الشرائع واستنبطها أهل الإسلام وأوضحوها، فصارت هي المقاصد الشرعية المرعية الخمسة التي تحكم كل فتوى والتي تحكم كل تطبيق.

مداخلات المشاهدين حول التوسع في استخدام مبدأ الضرورات تبيح المحظورات

[المذيع]: مولانا الإمام، اسمح لي أن أقرأ بعض مداخلات السادة المشاهدين حول سؤالنا على صفحات الفيسبوك: ما رأيك في من استخدام مبدأ الضرورات تبيح المحظورات؟

  • الأستاذ يوسف العدوي يقول: الضرورة تُقدَّر بقدرها، بل الإنسان على نفسه بصيرة.

  • الأستاذة نَدين تقول: من يتوسع في الضرورات تبيح المحظورات إنما يتبع أيضًا أهواءه إلى حد كبير؛ لأن الأصل في الإسلام الإباحة وليس التحريم.

  • الأستاذة إيناس تقول: من المفروض أن يُطبّق هذا المبدأ في أضيق الحدود باعتبارها ضرورة، لكن التوسع لا أعتقد أنه صحيح ولا يخدم الدين.

  • الأستاذة هالة الديب تقول: لا يصح، وهذا مبدأ من المفترض ألا يعمل به إلا أهل العلم والفتوى حتى لا يتوسع فيه العامة ويقعوا في المحظور بدون داعٍ.

كانت هذه مداخلة السادة المشاهدين يا مولانا.

خاتمة الحلقة وشكر الشيخ علي جمعة على توضيح مبدأ الضرورات

[الشيخ]: يعني السادة المشاهدين الآن يعلمون الحقيقة كما هي.

[المذيع]: مولانا الإمام الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكرًا لله لكم دومًا يا مولانا، شكرًا لكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء. شكرًا للمشاهدة.