والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على تمسك المتطرفين بمصطلح إسلامي| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على تمسك المتطرفين بمصطلح إسلامي| الحلقة الكاملة

34 دقيقة
  • الجماعات المتطرفة تحاول التفريق بين مصطلحي "مسلم" و"إسلامي"، وهي تفرقة لم ترد في التراث الإسلامي.
  • ورد في النصوص الشرعية كلمة "مسلم" فقط، بينما ظهرت النسبة "إسلامي" متأخراً في أدبيات العلماء بعد القرن العاشر الهجري.
  • المتطرفون يصفون أنفسهم بأنهم "إسلاميون" ليميزوا أنفسهم عن عامة المسلمين، ويدّعون أنهم يمثلون الإسلام الحقيقي.
  • هذا التلاعب بالمصطلحات يشبه تسمية الخمر بغير اسمها، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم.
  • حذر سيدنا عمر من الشِلَل والتجمعات المنغلقة بقوله: "أفيضوا بينكم مجالسكم".
  • الإسلام دين منفتح يرفض التصنيفات والتمييز، ويدعو للوحدة والتعاون.
  • ما انتشر الإسلام في العالم إلا لأنه نسق مفتوح في القلب والعقل، ولم يكن نظاماً منغلقاً أو متعصباً.
محتويات الفيديو(32 أقسام)

تقديم البرنامج والترحيب بفضيلة الدكتور علي جمعة

[المذيع]: ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير. أهلًا بكم في والله أعلم لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: مولانا، الجماعات المتطرفة - خوارج العصر - يقفون دائمًا ليفرقوا ما بين كلمتين: «مسلم» و«إسلامي»، وهم يصرون دائمًا على هذا المعنى. فلماذا هذه التفرقة؟ وهل ثمة فرق ما بين أن أكون مسلمًا، أو أن أنسب هذا العمل إلى كونه إسلاميًا؟

أصل كلمة مسلم في النصوص الشرعية وظهور كلمة إسلامي متأخراً

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الذي ورد في النصوص الشرعية هو استعمال كلمة «مسلم»، أما النسبة إلى الإسلام [أي كلمة «إسلامي»] فقد ظهرت في أدبيات العلماء متأخرًا؛ لم نحصل على نص في حد علمنا قبل القرن العاشر الهجري ينسب ويقول «إسلامي».

بحثنا كثيرًا عن أن يكون هذا الاستعمال قد ورد، لكننا لم نجد، خاصةً قبل القرن العاشر. أما بعد القرن العاشر، فقد وجدنا بعض الكاتبين في علم المنطق.

علم المنطق وتطوره في الحضارة الإسلامية من أرسطو إلى علوم الآلة

ومعروف أننا قد استفدنا من أرسطو في الأرجانون الأعظم، عندما سطر فيه ما يُسمى بالمنطق، وجعله على تسعة أجزاء: التصور، والتصديق، والخطابة، والجدل، والشعر، وكذا إلى آخره على تسعة أقسام.

فلما نقلناه إلى العربية، اقتصرنا فيه على التصور والتصديق فقط، الذي هو إدراك النسبة وإدراك المفرد، وأضفنا له ما يتواءم مع اللغة العربية مما يُقال له دلالات الألفاظ، ومما يُقال له الموجهات.

فأصبح علمًا وكأنه علم جديد، ولكنه علم مستقل، استعملناه في الصياغة الدقيقة للفقه وللأصول وللحديث ولسائر العلوم.

[المذيع]: من علوم الآلة؟ يا مولانا، يُعتبر من علوم الآلة هكذا؟

[الشيخ]: وصار علمًا من علوم الآلة أو علمًا من علوم الوسائل.

تطور المنطق إلى أدب البحث والمناظرة والحكمة العالية وعلاقته بالشريعة

وهذا المنطق أيضًا طُور إلى ما يُسمى بـأدب البحث والمناظرة، وطُور بما يُسمى أيضًا الحكمة العالية التي تتحدث عن الموجود والعدم، كل هذه الأشياء بدأ يتحدث عنها.

فهل هذا ورد في شريعتنا؟ شخص يسأل هكذا، فقال: «هذا إسلامي»، يعني ظهر في العصور المنسوبة إلى الإسلام. إسلامي ؛ يعني نسبةً إلى الإسلام.

أما أن يُقال هذا مسلم وهذا إسلامي، فهذه التفرقة هي تفرقة للنابتة في عصرنا الحادث[الحاضر]، ولا أثر لها فيما تركه لنا السلف الصالح؛ رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

كلمة مسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية وأركان الإسلام الخمسة

الذي ورد في الكتاب، والذي ورد في السنة كلمة «مسلم»:

﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [الحج: 78]

فإذن أنا عندي هنا مسلم، وهو الذي يُطلَق على مَن اتَّبَعَ رسولَ الله ﷺ فصدَّقه، وآمن به وكذا إلى آخره.

وعندما نزل جبريل يُعلِّم الأمة أمرَ دينها، فإنه سأله: ما الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله»، فيكون إذن المسلم هو من فعل هذه الخمسة: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا. قال: صدقت».

الفرق بين مسلم وإسلامي وظهور كلمة إسلامي بعد القرن العاشر في سياق المنطق

إذن المسلم موجودًا في الكتاب والسنة، والمسلم ورد به ونطق به الدين الحنيف.

أما كلمة «إسلامي» فقد وردت بعد القرن العاشر في الرد على من يسأل: هل هذا أمر ورد في الديانة؟ لأن صاحب [كتاب] السُّلَّم ماذا يقول في سبيل بيان حكم المنطق؟ فيقول: وابن الصلاح والنواوي حرَّما المنطق.

طبعًا المنطق الذي حرَّماه؛ إنما هو ذلك المنطق الذي يرجع إلى أرسطو، الذي فيه الشغب وفيه الشعر وفيه الجدل، ومن الأقسام التسعة الخليط بـفلسفة اليونان الوثنية، والتي كانت ترى الله سبحانه وتعالى وكأنه قضاء مبهم لا صفات له.

موقف أرسطو من الله وتحريم ابن الصلاح والنواوي للمنطق وإجازة غيرهم له

يقول أرسطو أن هذا القضاء - كان يسميه القضاء - كأنه لا صفات له، فهو لا مريد ولا غير مريد، لا عليم أو قدير أو غير عليم وغير قدير، مبهم بالنسبة لي. وقد استغرق هذا في كتاب الأرجانون نصف صفحة فقط في الحديث عن الله.

شكرًا لك يا أرسطو؛ على أنك لم تُفْرط في الشيء الذي لا تعرفه، ولم تتكلف فيه.

لكن الحمد لله،

فابن الصلاح والنواوي حرما ... وقال قوم ينبغي أن يعلما

والقولة المشهورة الصحيحة ... جوازه لكامل القَريحة

ممارس السنة والكتاب ... ليهتدي به إلى الصواب

هذا كلام [كتاب] السُّلَّم للأخضري.

المنطق وعلاقته باللغة العربية وإمكانية الاستغناء عنه لمن تبحّر فيها

ماذا يعني [كلام السُّلَّم]؟ أننا نسير في ظلال الكتاب والسنة، والكتاب والسنة وردا بماذا؟ باللغة العربية.

وأبو حيان في [كتاب] المقابسات له أشياء لطيفة جدًا في معرفة أن هذا المنطق؛ إنما يمكن الاستغناء عنه لمن تبحّر في اللغة العربية؛ ولذلك سُمي منطق، أي شيء متعلق باللغة.

وهذا باب طويل، وكبير لا دخل لنا به الآن. نعود مرة أخرى إلى المسلم والإسلامي.

ندرة استخدام كلمة إسلامي في التراث وتحريف معناها عند الجماعات المتطرفة

«إسلامي» نشأت في الأدبيات على استحياء، لم نجدها إلا مرة واحدة.

[المذيع]: لم نُفرط في استخدامها أيضًا؟

[الشيخ]: لا، بل هي مرة واحدة فقط في شرح أحد الكتب [وهو شرح] الملاوي في المنطق على السُّلَّم.

بعد ذلك أصبح يقال: لا، مسلم يصلي ويصوم، ويشير بيده هكذا.

وماذا عنإسلامي؟ لا، هو رجل واعٍ، رجل يجول ويدور، رجل مرن، رجل يريد الحكم، رجل يريد أن يسيطر على النقابات، ويسيطر على البرلمان وعلى التجمعات العمالية. يسيطر عليها لماذا؟ لأجل أن يقيم كلمة الله.

وسائل الجماعات المتطرفة المحرمة في سعيها للسلطة وخيبتها المستمرة

حسنًا، لا بأس، وماذا سيستخدم ليفعل ذلك؟ ما هي وسيلته؟ كل وسيلة، التقية والنفاق والأيمان الغموس والمداهنة، وكل ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه لتربية الإنسان السوي، هو سيرتكب عكسها.

لأن الله عندما قال وعلّمنا:

﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]

إذن هذه هي القضية: أنه يُؤتي المُلكَ مَن يشاء، [لكنهم] يقولون: لا، نحن سنأخذ المُلك، ولذلك [هم] خائبون من ذلك الوقت حتى الآن.

ادعاء الجماعات المتطرفة تمثيل الإسلام بوصف أنفسهم إسلاميين وخطورة سرقة المصطلح

[المذيع]: إذن ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أنهم أصبحوا هم الذين يمثلون الإسلام، بقولهم أنهم إسلاميون.

[فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا]

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مولانا الإمام. هم دائمًا يسرقون المصطلح ويحتلونه ويُحدثون به هذا الخلل. إذن ذهبوا إلى ما هو بعد ذلك، أنهم وصفوا أنفسهم بأنهم الإسلاميون الذين يمثلون الإسلام، فما الخطورة في هذا التوصيف، وفي هذا التصنيف؟

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم حذّرنا من التلاعب بالأسماء الشرعية؛ فالشريعة تأتي وتضع اسمًا للأشياء، واسمًا للطوائف واسمًا للأشخاص.

التحذير النبوي من التلاعب بالأسماء الشرعية وتسمية الخمر بغير اسمها

فهناك أسماء تضعها اللغة، وهناك أسماء تضعها الشريعة؛ لأنها رتّبت عليها أحكامًا تختلف باختلاف حقائقها.

فقال [النبي ﷺ] في حديث مهم:

«سيأتي على أمتي زمان يستحلون فيه الخمر يسمونها بغير اسمها»

هي اسمها خمرًا، فيسمونها ويسكي، يسمونها بيرة، يسمونها شامبانيا.

وبعد ذلك ورد أن الصحفي الخاص بـ[الملك] فاروق عندما قالوا له: هل كان الملك يشرب شيئًا؟ قال: لا، كان يقول أنا ملك مسلم لا أشرب الخمر. قالوا له: إذن، لم يكن يشرب؟ قال لهم: إلا الشامبانيا فقط. المسكين يظن أن الشامبانيا ليست خمرًا! لأنه مَلِكٌ مسلم هو يعتقد هكذا، وقد تربى على ذلك، ويفهم هكذا، أنه لا يشرب الخمر يشرب الشامبانيا فقط.

قصة القهوة وتحريمها أربعمائة سنة بسبب التلاعب بالمصطلحات

فهذا الأمر وقع فيه المسلمون، فترتبت عليه أمور من المضحكات المبكيات، وهو أن تسمي الشيء بغير اسمه.

سأضرب لك مثالين فقط لضيق الوقت: عندما ظهر البن، اكتشفه واحد من أهل اليمن اسمه أبو الحسن الشاذلي - غير سيدنا أبو الحسن الشاذلي الذي لدينا في حميثرا؛ المتوفى سنة ستمائة وستة وخمسين هجرية - لا، هو غيره، كان في سبعمائة وكذا وخمسين، يعني بعده بمائة سنة، قرن كامل.

أثناء سيره وجد بعض الحبوب سقطت من شجرة، والماء المغلي الذي يُعدّه لكي يتوضأ به في الصباح أو عند قيام الليل عندما يكون الجو باردًا، فشرب منه ثم استفاق وتعجب قائلًا: ما هذا؟ أهذه قهوة الصالحين؟ أم ماذا؟ هذه قهوة الأتقياء؛ لقد جعلتني أقوم الليل وأنا متيقظ، وذهني حاضر مركّز. فسمّاها قهوة أو قهوة الصالحين، فانتشر اسمها أنها قهوة الشاذلية.

تحريم القهوة بسبب اسمها ثم إباحتها بالتجربة العلمية في الأزهر

وبعد ذلك بعدما شاعت كلمة قهوة هذه، ما معناها في اللغة العربية؟ معناها خمر!

فلما عُرضت على العلماء: يا علماء، ما قولكم - زاد فضلكم - في هذا السائل الجديد الذي بدأ ينتشر المسمى بالقهوة؟ فقالوا له: يا بني، حرام؛ لأن ذهنهم ذهب إلى [معنى] الخمر. حرام، وهو لا يعرف كُنْهَ هذا الجديد ولا التلاعب بهذه المصطلحات.

ونتج منها لمدة أربعمائة سنة يا مولانا، تحريم وتحليل وخناقات إلى آخره. سلطان يأتي ويصدر فرمانًا بالحل، والسلطان الذي بعده يأتي ويصدر فرمانًا بالحرمة، الشرطة تأتي وتطبق في عهد سلطان الحل، وتهجم على البيوت لأنهم يشربون الخمر ويعصون الله تعالى.

إلى أن قام أحد العلماء في الأزهر؛ وجمع الناس واحتجزهم وجمع علماء وطلبة العلم ليبحث بطريقة علمية تجريبية، وأعطاهم هذه القهوة حتى الظهر، فوجدهم مستيقظين، فقال: هذا عكس الخمر، وبدأ الناس يطمئنون إلى أن القهوة ليست خمرًا.

قصة الصورة الفوتوغرافية وتحريمها بسبب الاسم ثم إباحتها بالتحقيق العلمي

كذلك الصورة الفوتوغرافية هذه عندما جاءت إلينا أول مرة، دخلت عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين، ولذلك توجد صورة لـ[الوالي] محمد علي في الديوان، صوّرها شخص إيطالي، الصورة من عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين.

وتُرجمت إلى العربية بكلمة «صورة»، والصورة فيها نهي [في الشريعة]، فبدأ الناس [يتجادلون] الصورة: حلال أم حرام؟

في عام ألف وتسع مائة وعشرين كان موجود عندنا سيدنا الشيخ بخيت المطيعي مفتي الديار، فألّف كتابًا اسمه «الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي»، وقال: هذا ليس صورة، هذا احتباس ظل افهموا. نفس القضية التي تحدث في البنوك، يسمّون العلاقة التي بين البنك وبين الناس قرضًا، فحرموها وقالوا إنها ربا، ويسيرون على هذا حتى الآن لكي يخربوا الاقتصاد.

تسمية الجماعات الإرهابية أنفسها إسلاميين للتمييز عن المسلمين وادعاء التمثيل

فهذه تصرفات مملة. فهذه الجماعة الإرهابية أو النابتة أو الدواعش أو ما شابههم ممن يسمون أنفسهم إسلاميين، لماذا؟ لكي يكون هناك فرق بين المسلم وبين الإسلامي.

وهذا الإسلامي ماذا يكون؟ يكون هو الذي يعيش عصره، والذي يسعى لملك مصره، ويمثل الإسلام، فهذا هو الإسلامي.

إذن، فماذا يكون المسلم؟ لا، إنه رجل جاهل كما يقول سيد قطب، إنكم في جاهلية مطبقة منذ أكثر من ألف سنة. وهو ما شاء الله، أتى فجأة لكي يقول أنه هو الإسلامي.

خطورة قبول الناس لمصطلح الإسلامي دون استغراب والرد على من يقول دعهم وشأنهم

وبدأ هذا الكلام السخيف يؤثر على كثير من الناس، حتى أصبح غير المنتمي إليهم يسمع هذا الكلام ولا يستغربه، يسمع هذا الكلام ولا يثور.

بل بالعكس بعض الناس يقول: يا أخي، دعهم وشأنهم. أدع مَن؟ أتركهم يُفسدون كما أفسدوا؟ أتركهم وهم ليلًا ونهارًا يسعون إلى الفساد في الأرض؟

فذلك الذي يحاول أن يفرّق بين المسلم والإسلامي، أنشأ مصطلحًا جديدًا مثل من حاول أن يصف الخمر بغير اسمها، أو من حاول أن يصف البن بغير اسمه، فيحدث خلل في الأحكام الشرعية وفي الديانة بعمومها.

سؤال المذيع عن تصنيف الإسلاميين ومنافاته لخيرية الأمة وعدم اجتماعها على ضلالة

[المذيع]: وبالتالي هذا الخلل في الفهم عندهم مولانا،

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

من تجليات هذه الخيرية أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا. ألم يفهموا هذا المعنى يا مولانا؟ وهل هذا التصنيف الذي دائمًا يصرون عليه ينافي هذه الخيرية؟

[الشيخ]: طبعًا ينافي هذه الخيرية؛ لأن كان سيدنا عمر [رضي الله عنه] بدأ يلاحظ أن أناسًا تشرذموا في ما يشبه الشلل والجماعات، وهذا أخرجه الإمام الطبري في تاريخه؛ في ترجمة سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

موقف عمر بن الخطاب من التمييز بين المسلمين وقولته الشهيرة أفيضوا بينكم مجالسكم

فجاء أحدهم يسأل: أنت تابع لمن؟ إلى من تذهب؟ فتقول: لفلان. فيقول: إذن أنت لست من أتباعنا. فخاف عمر [رضي الله عنه] من هذا التمييز.

هذا خطير جدًا، فقال مقولته الشهيرة التي أصبحت عنوانًا للمسلمين: «أفيضوا بينكم مجالسكم».

[المذيع]: ماذا تعني أفيضوا بينكم مجالسكم؟

نهي عن الشلليَّة، أي: احذر أن تمنع مجلسك من بقية المسلمين، احذر أن تمنعهم من بقية المسلمين وتقصرهم على أبنائك أنت فقط، الشلة الخاصة بك أنت فقط؛ لأنك لو فعلت هكذا تكون مخالفًا للإسلام، مخالفًا لقوله صلى الله عليه وسلم:

«لينوا في أيدي إخوانكم».

أمر النبي باستواء الصفوف ومحبة الله للبنيان المرصوص في الصلاة والقتال والجنازة

استقيموا. انظر إلى الإمام حين يقول: استووا. كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول هكذا فيما أخرجه النسائي، استووا.

لأن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى الصف الأعوج، ولأن الله سبحانه وتعالى يحب الذين يقاتلون في سبيله:

﴿صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]

هو يحب البنيان المرصوص هذا في القتال، وفي الجنازة، ويحبه في الصلاة. يحب هذا النسق والاستقامة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا ألا نختلف، ولذلك أمرنا جميعًا أن نلبس ملابس واحدة في الحج، أُمرنا جميعًا أن نصلي، وأُمرنا جميعًا أن مِنى مُناخ من سبق.

منى مناخ من سبق ومبدأ المساواة في الحج وإذابة الفوارق بين المسلمين

منى مناخ من سبق، في منى أين سنجلس؟ وكيف نقسمها؟ من يسبق يأخذ المكان الخاص به، يكون قريبًا من المرمى وقد يكون بعيدًا، حسب وصولك.

منى مناخ من سبق، مناخ من سبق، أي يُنيخ فيها الإبل الخاصة به ويجلس. هي بالأولوية، ليست حجزًا.

كل هذا يذيب الفوارق بين المسلمين ويفتح النسق المفتوح في الصلاة، وفي الحج، وفي القتال، وفي الجمعة، وفي كل شيء.

ثم آتي أنا وأصنع هذه الشِلَل وأجعل هذا إسلاميًا وذاك مسلمًا متميزًا وهكذا إلى آخره، أو أُشكّل فرقة وأسميها الخوارج، أو [أسمي] فرقة ثانية بالجهمية، أو ثالثة القدرية، أو كذا إلى آخره.

التفرق والبدع في دين الله ومعنى لا تزكوا أنفسكم وعدم وجود جيتو في الإسلام

كل هذا بدعة في دين الله، وكل هذا تقسيم والخروج عن:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

[المذيع]:

﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32]

كيف نفهم هذا المعنى؟

[سنفهمه بعد قليل، ابقوا معنا]

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مولانا، مع فضيلتك نتأمل الصفحات المضيئة في إسلامنا الجميل وكيف نفهم إسلامنا الجميل. أي أنه لا يوجد جيتو في الإسلام، هذا المعنى ﴿فلا تزكوا انفسكم﴾كيف نفهمه؟

[الشيخ]: هي أصلًا، ﴿فلا تزكوا انفسكم﴾ هذه نزلت في طائفة من اليهود، أنهم كانوا يتعالون على المسلمين، فربنا قال لهم: ولا تزكوا انفسكم.

آية لا تزكوا أنفسكم خطاب للمسلمين أيضاً والله أعلم بمن اتقى

أي أن هذا خطاب لليهود كما في التفسير، لكن القضية أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر مَن هؤلاء، إنه يخاطبنا نحن، ولذلك الذي أنزله من أجلهم هم المسلمون.

فلا يقولن أحد إننا متعصبون ضد اليهود. لا أحد سيعرف أن هذا يخص اليهود إلا من يقرأ في التفسير فقط، لكن ماذا يقول الكتاب؟ يقول لي أنا:

﴿فَلَا تُزَكُّوٓا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ [النجم: 32]

هذا موجه لي أنا؛ فـ﴿لَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ هذه خوطب بها اليهود وخوطب بها المسلمون أيضًا.

الله يريد من الجميع التخلص من الكبر والفساد والتعاون على البر والتقوى

إذن فالله يريد منّا صفات لمن يحبه الله: سواء أكان يهوديًّا أو مسلمًا أو مسيحيًّا، هو يريدنا هكذا.

لا يريد الكِبر يجب أن نتخلص من الكِبر. يريد تزكية، لا يريد الفساد؛ التطبيق على الكل وعليهم باللجوء إلى هذا.

أما حكاية العقائد والأمور الأخرى، فهذه هداية ربي [عند فقد المربي]، هذا أمر الله. كان يقول النبي ﷺ لـسفانة [بنت حاتم الطائي]: «إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»، فقالت له: أفي الجنة هو يا رسول الله؟ قال: لا. فالجنة والنار هذه مسألة أخرى، لا شأن لنا بها.

قصة حاتم الطائي وابنه عدي وابنته سفانة وموقف النبي من مكارم الأخلاق

لكنه[حاتم الطائي] لم يقل يومًا قط: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. إنّ هذا أمرًا بينه وبين ربنا.

وبالرغم من ذلك كان النبي ﷺ مسرورًا منه بشدة. لماذا؟ لأنه كان كريمًا معطاءً، أي إنه محب للخير، هذا الكرم الزائد من حاتم الطائي.

«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»، ومن هنا أكرم ابنته سفانة، وأكرم ابنه عدي غاية الكرم؛ لأن أباكما كان رجلًا صالحًا،وكان أبوهما صالحًا.

فالأب الصالح هذا أحببناه لأجل مكارم أخلاقه، ولذلك كان يقول:

«خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا».

خيار الجاهلية خيار في الإسلام وقصة ابن جدعان وتبسم النبي عند ذكره

عندما تأتي من الجاهلية، وهي سيئة جدًا، فيها وثنية وفيها وأد بنات وفيها شرب دم، ونجاسات وفيها ظلم وربا وفيها قتل بغير حق، وبلاء كثير.

ولكن الشهامة أحبها، والكرم أحبه كذلك.

وكان إذا ذُكر ابن جدعان تبسّم [النبي ﷺ]، فقالت له عائشة: يا رسول الله، ما لك كلما ذُكر ابن جدعان تبسّمت؟ قال: «كان لديه قصعة يصعد إليها بالسلالم ليثرد فيها الثريد لأهل الحجيج»، يصنع فيها فتة [ثريد]، بالطبع تحتاج إلى؛ لحم وأرز وخبز وما شابه ذلك، فيثرد فيها الثريد بمرق اللحم الذي يصعد إليها بهذه السلالم، وقد وضع فيها عدة ذبائح لكي يُطعم الحجيج.

حوار النبي مع عائشة عن ابن جدعان والفرق بين الإنصاف في الدنيا وأمر الجنة

هل هذا يعني أنك مسرور منه؟ نعم بالطبع أنا مسرور. وبدأ يحكي عنه قليلًا، فقالت عائشة: هل هذا يعني أنه في الجنة؟ قال:

«يا عائشة، دعكِ من الجنة فالأمر ليس بيدي، بل بيد الله، ليس لي شأن في ذلك، أنا فقط مسرور من هذا الرجل».

[المذيع]: هذا هو الإنصاف يا مولانا؟

[الشيخ]: هذا هو الدين؛ يريدني في هذه الدنيا أنا وأخي المسيحي وأخي اليهودي أن نعمرها، يريدنا جميعًا ألا نزكي أنفسنا، وألا نفسد في الأرض، وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نفعل الخير لعلنا نفلح.

وإذا فعلنا جميعًا هكذا، ماذا سيحدث يوم القيامة؟ من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار؟ أنا أعتقد أنني أنا من سيدخل الجنة. وماذا عن أخيك هذا؟ ربنا [الذي يحكم]، هذا متعلق بالله. ما شأني بهذه الأمور؟ لا شأن لي فيها، ولا تدخل فيها.

واجب المسلم العمل لما يرضي الله والدعوة إليه وصلاح الدنيا بتعاون أهل الأديان

ما لي تدخل فيه هو؛ أن أعمل ما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأدعو الناس إلى هذا العمل. إذا اعتقد كل واحد من أهل الأديان؛ هذا الاعتقاد تصلح الدنيا وتعمر كما كانت عامرة.

فهؤلاء الذين يقولون: أنا إسلامي وأنت مسلم، وكذا، هم أناس يميزون، وهذا التمييز خاطئ، بل هو خطيئة، والغرض منه هو التكبر.

«ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»

سؤال المذيع عن انتشار الإسلام لو فهمه الأولون كما يفهمه المتشددون

[المذيع]: مولانا الإمام، دعني أطرح سؤالًا بشكل مختلف، وهو: لو كان الأولون فهموا الإسلام بهذا المعنى الذي فهمه هؤلاء المتشددون، هل كان الإسلام سينتشر في ربوع الدنيا بهذا الشكل وبهذا الجمال وبهذا الألق؟

[الشيخ]: ما انتشر الإسلام إلا لأنه نسق مفتوح. كان [الإسلام] نَسَقًا مفتوحًا في القلب، كان نَسَقًا مفتوحًا في العقل، كان نَسَقًا مفتوحًا لم يَكرَّ على حضارةٍ من الحضارات بالبطلان ولا بالهدم ولا بالدمار.

الإسلام نسق مفتوح لم يستعبد الشعوب وجعل العبيد حكاماً في فترة المماليك

كان نَسَقًا مفتوحًا فلم يحدث إطلاقًا أن أَسَرَ شعوبًا أو استرقَّ بشرًا، ولذلك ليس هناك نظامٌ في العالم وإلى يوم الناس هذا، بل وإلى يوم الدين، أن صير عبيدنا حكامنا.

لدينا فترة تتجاوز الألف سنة حكامنا فيها عبيدنا، المماليك، تُسمى هذه الفترة بفترة المماليك البحرية والجراكسة، وما قبلها وما بعدها إلى آخره. ما هذا؟ هل يوجد نظام مثل هذا في الهند أو في الصين أو في أمريكا؟

لم يكن في غرب أوروبا ولا في شرقها مَن جعل العبيد حكامًا، أو جعلهم في الطبقات العليا؟ لا. ولماذا ذلك؟ لأنه قدّم الكفاءة، ولأنه نسق مفتوح عقلًا وقلبًا.

الإسلام لم يُبِد شعوباً ولم يستعمر ولم يسترق وتاريخه نظيف مقارنة بالغرب

لم نُبِد شعوبًا مثلما أبادوا الهنود الحمر، ولم نستعمر شعوبًا مثلما استعمرونا مائتي سنة وأكثر، ولم نسترق بشرًا، ولم نفرق بين الرجل والمرأة.

[لم ولم]، تاريخ نظيف على أحسن ما يكون. لو أن هذا التحيز وهذا الضيق حدث من البداية ما انتشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، وكان سيموت في بعض قبائله.

[المذيع]: مولانا اسمح لي أن أتوقف عند بعض مداخلات السادة المشاهدين حول سؤالنا على صفحة الفيسبوك الذي يقول: برأيك، لماذا تدّعي الجماعات بأنها على الإسلام الحق دون غيرها؟

مداخلات المشاهدين حول سبب ادعاء الجماعات المتطرفة تمثيل الإسلام الحق

[المذيع]: يقول السيد أمجد محمد صلاح: لتمكُّن الجهل والكبر من قلوبهم وعقولهم.

وتقول السيدة هالة الديب: كي لا يسمع الناس غيرهم ويتمكنوا من السيطرة عليهم، وبهذا تكون السلطة التي يسعون إليها في أيديهم.

هذه هي مداخلات السادة المشاهدين حول سؤالنا في صفحة الفيسبوك، مولانا.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، خالص التحية والتقدير لفضيلة مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا.

[المذيع]: إلى اللقاء.