والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على ادعاء المتطرفين بعدم مشروعية الديمقراطية| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يرد على ادعاء المتطرفين بعدم مشروعية الديمقراطية| الحلقة الكاملة

44 دقيقة
  • الديمقراطية نظام تطور لفصل شخص الحاكم عن مؤسسة الدولة، بينما الشورى مبدأ إسلامي أساسي.
  • الدولة في الإسلام مدنية وليست دينية، فالدولة الدينية انتهت بختم النبوة، والمجتهدون ليسوا معصومين.
  • الديمقراطية تقوم على فصل السلطات الثلاث والتداول والمشاركة، وهذه المبادئ لا تتعارض مع الإسلام.
  • الدولة المدنية في مصر تتميز بوجود سقف دستوري هو مبادئ الشريعة الإسلامية، وهذا تطوير للديمقراطية.
  • الحريات في الإسلام مكفولة مثل حرية الاعتقاد والعمل والانتقال، وتشمل مستويات: حرية الرأي وحرية الخدمات وحرية المعلومات.
  • أهل الحل والعقد في العصر الحديث هم البرلمان الذي يمثل مختلف طوائف الشعب.
  • المنهج الصحيح في التعامل مع الفكر الغربي هو التأصيل وليس الانتقاء أو المقاربات أو الرفض المطلق.
  • التأصيل يعني الاستناد إلى العدل والمصلحة والمقاصد الشرعية مع الانفتاح على الآخرين.
محتويات الفيديو(47 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يقول:

«لا تحقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»[صحيح مسلم]

صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ما أجمل أن تكون باسمًا في وجه الناس! هكذا يريدنا سيدنا صلى الله عليه وسلم لنكون عناوين مهمة جدًا، وعناوين رائعة لإسلامنا الجميل.

أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من والله أعلم، نسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

سؤال حول مشروعية الديمقراطية في الإسلام والفرق بينها وبين الشورى

[المذيع]: مولانا، نقف عند هذه الدعاوى المغلوطة التي يطلقها المتشددون كثيرًا، ويستند عليها أطراف أخرى للتذرع بالعداء أو بمناصبة الإسلام العداء، حول مشروعية الديمقراطية. وهل هناك فرق بين الشورى والديمقراطية؟ وكيف نفهم هذه الأمور وهذه القضايا التي أثارت كثيرًا من الجدل؟ فهل الديمقراطية من الإسلام؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الديمقراطية نظام التجأت إليه الدولة الحديثة عندما أرادت أن تفصل بين شخص الحاكم وبين مؤسسة الدولة التي تبقى بعد بقائه، والتي تنفصل انفصالًا تامًا عنه، عن مصالحه، عن شهواته وعن رغباته، بل إنها تريد مصلحة البلاد والعباد.

الديمقراطية نظام متطور يختلف عبر العصور والحضارات

فالديمقراطية نظام من النظم يتطور ويتعمق ويتغير، وديمقراطيات الغرب في نشأتها تطورت أيضًا. كان قديمًا عندما بدأت هذه اللفظة في الشيوع في العصر الروماني، وديمقراطيات أثينا وروما تختلف اختلافًا كليًا عن ديمقراطيات أمريكا وبريطانيا.

فهذه نُظم تتطور، ولكن في النهاية هو نظام علينا أن نتأمله ونأخذ منه كله أو بعضه بحيث ننفع البلاد والعباد.

الفرق الجوهري بين الشورى كمبدأ والديمقراطية كنظام

هذا أمر يُعد من النُظم، أما الشورى فليست نظامًا، [بل هي] مبدأ وليس نظامًا. ولذلك ليس من اللطيف أن نقارن بين أمرين لا تجمعهما قاعدة مشتركة إلا قضية أن الحاكم ليس ديكتاتورًا.

هل الشورى نظام؟ [لا]، هذا مبدأ. الشورى مبدأ يقول فيه الله سبحانه وتعالى:

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]

فهذا مبدأ. ما هو النظام الديمقراطي إذن؟

الديمقراطية كنظام قائم على الفصل بين السلطات الثلاث

تقول إن الديمقراطية نظام وليست مبدأ. الديمقراطية نظام نقول فيه: يجب علينا أن نفصل بين سلطات ثلاث: السلطة القضائية، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية.

فالفصل بين هذه [السلطات] هو الخطوة الأولى في بناء الديمقراطية. والسؤال: هل وجود هذه السلطات الثلاثة في الدولة المسلمة مقبول أو منهي عنه؟ الإجابة أنه مقبول.

أركان الديمقراطية الثلاثة: تداول السلطة والمساءلة والمشاركة

[الشيخ]: الخطوة الثانية تتمثل في أركان ثلاثة أيضًا بخلاف السلطات الثلاث. هذه الأركان الثلاثة تقول أنه لا بد من تداول السلطة.

فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة. ومن أجل هذا، وحتى نفهم حقيقة أخرى وهي أن السلطة والمسئولية وجهان لعملة واحدة. ولذلك إذا أردت تُسائل أحدهم فلا بد أن تمنحه سلطة القرار وسلطة الفعل وسلطة التصرف وسلطة القيادة، ثم تُسائله قائلًا: هل نجحت أم فشلت؟

[المذيع]: لأنك كنت مسئولًا.

[الشيخ]: تعال لنسألك: ما هي المسئولية؟ ومن هو المسئول؟ وكذلك هذا الشخص مسئول، ماذا يعني مسئول؟ المسئول يعني سيُحاسب ويُسأل: ماذا فعلت؟ ماذا أنجزت؟

المساءلة وتداول السلطة كركيزتين أساسيتين في النظام الإسلامي

هل فشلتَ أو نجحتَ؟ هل حققتَ الهدف أم لم تحققه؟ فلا بد من وجود مُساءلة. ومعنى المساءلة أن هناك سلطة ستُعطى. إذن البداية هي المُساءلة [هي الركن الأول].

القضية الثانية وهي تداول السلطة، حتى نُسائل، فلا بد من وجود مراحل، فما الذي سنسائل عليه؟ إننا سنسائل بتداول، الدُّولة هذه:

﴿كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]

يبقى تداول الأموال نحن مأمورون به، وتداول السلطة نحن مأمورون به.

نموذج سيدنا عمر في تداول السلطة وعزل خالد بن الوليد

ولذلك يعلمنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، وهو ممن يرشدنا رسول الله أن نأخذ ديننا منه، فيقول:

قال النبي ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»[سنن الترمذي، وأبي داود]

فيعزل خالد بن الوليد من الجيش في الشام، فيصير خالد بعد ما كان قائدًا يصير جنديًا، فيلتزم بهذه الآداب العسكرية العليا للفارس النبيل؛ لأنه لا يهتم بأن يكون قائدًا أو مَقودًا، هو يهتم بأن يؤدي رسالة لهذا العسكري النبيل أو لهذا الفارس النبيل.

ويُعيَّن فلان ويَترك فلان ويُزيح فلان ويُغيِّر فلان، ويضع أبا موسى [الأشعري] على مكان ما في العراق، ويضع فلان أبا عبيدة بن الجراح بدلًا [من] سيدنا خالد. وهكذا إذن يكون التداول.

إقرار الإسلام لأركان الديمقراطية والمشاركة كركن ثالث

والسؤال هو: هل هذا التداول يقره الإسلام أم أنه منهي عنه في الإسلام؟

[المذيع]: هل هذه الأركان تتوافق مع السلطات الثلاث؟ هل يقرهم الإسلام أم لا؟

[الشيخ]: نعم، يقرهم الإسلام، والأمثلة كثيرة، والتطبيق واضح وجلي. القضية الثالثة في هذا المجال، نحن قلنا: التداول والمسئولية، ويصبح رقم ثلاثة: المشاركة. هذه المشاركة يأتي ويقول لي: نريد أن نفكر معًا، نريد أن نفكر معًا. هل عندكم جائز أم غير جائز؟ هل يصلح أم لا يصلح؟ هل تصطدم مع الحقائق الشرعية؟

قلت له: هذه هي الشورى، الشورى، هي أن نفكر مع بعضنا:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159]

فهذا هو الذي نفعله، يعني المشاركة ليس فيها شيء [يتعارض مع الإسلام].

نموذج سيدنا عمر في المشاركة وحبس الصحابة للتشاور

قلت له: لا، فسيدنا عمر [بن الخطاب] حبس الصحابة في المدينة وقال لهم: احذروا أن يغادر أحد منكم.

[المذيع]: لماذا؟

[الشيخ]: لأنه كان يكون منهم برلمان ليعرض عليهم الأمر، حتى لا يفكر وحده، بل يفكر مع الناس الذين تشبعوا بفهم الشريعة وتشبعوا بالتقوى والالتزام بها.

ليقدموا رأيهم في الحوادث التي ليس لدينا مثال سابق لها، فيجلسون ليفكروا، ولكل عقل ولكل عين نظرة. وهذا:

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]

فإذن أنا أمام مشاركة حقيقية في النص كمبدأ وفي التطبيق كنظام.

العلاقة بين المبدأ والنظام كعلاقة الروح بالجسد

أنت تقول لي: ما الفرق الدقيق بين النظام والمبدأ؟ المبدأ هذا نظري، لكن تطبيقه أصبح له تجليات في النظام. المبدأ هو الروح، لكن النظام هو الجسد، فالروح تحل في الجسد، يتحرك المعنى والمبنى.

فيصبح أنا عندي الديمقراطية هذا نظام. فلماذا تنطقها هكذا؟ بضغط يسمونه عندنا في التجويد النبر، كأنها يعني شيء تافه. لماذا؟ قال لأنه يتغير.

الدعوة إلى ما بعد الديمقراطية وتطوير النظام السياسي

نحن ندعو الآن الغرب إلى ما بعد الديمقراطية، وهم مهتمون جدًا بدراستها الآن. لماذا لا تتغير الديمقراطية ويصبح هناك شيء ما، نظام أيضًا ومتطور عن حصر تفكيرك في السلطات الثلاث والشروط الثلاثة والقضايا الثلاث والمبادئ الثلاثة؟ لماذا لا نزيدهم ونجعلهم أربعة؟ كيف؟ فلتفكروا.

فها هو السادات، إننا نحن المصريين سابقون غيرنا. بالطبع دعك من كل هذه الضوضاء المحيطة بنا والاستغراب الذي أضاع الناس وشتتهم.

عبقرية الدولة المدنية في مصر ووضع سقف تشريعي من مبادئ الشريعة

لكننا سبقنا غيرنا في وضع سقف للمجلس التشريعي. هذا السقف للمجلس التشريعي، الحقيقة أنها فكرة عبقرية، فأنشأت ما يُسمى بالدولة المدنية وليست الدولة العلمانية.

أي أن المدنية هنا في مقابل العلمانية، العلمانية: لا سقف لها فهي متفلتة، لكن المدنية لها سقف تلتزم به. من العبقرية أن في كل دساتير مصر تنص على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

هذه عبقرية، هذه العبقرية بدأت منذ أيام ما قبل وجود الدستور، منذ أيام [الخديوي] إسماعيل. هذه العبقرية صنعها مجلس شورى النواب في الماضي، هؤلاء المصريون كانوا عباقرة.

الفرق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية في المفهوم الغربي

ولذلك عندما تأتي وتتحدث معهم [مع الغربيين] ويترجمون لك مثلًا الدولة المدنية، يبتسم الأمريكي هكذا؛ لأنه لم يسمع أبدًا بمصطلح دولة مدنية، لكن قاموسه يشير إلى أين؟ إلى الدولة العلمانية.

نقول له: لا، المدنية غير العلمانية. فيرد: لكن لا يوجد شيء اسمه مدنية لدينا، ما لم نسمعها من قبل. أنت لا تقرأ، فاقرأ واعرف أن المدنية غير العلمانية. ما ذنبي أنك لا تقرأ؟ فالدولة المدنية هذه دولة مهمة جدًا. نحن دولة مدنية. ماذا تعني مدنية؟ تعني أن برلماننا له سقف، هو حر ويشرع ما شاء في إطار محدد: سقف مبادئ الشريعة الإسلامية، لا يُضرب هذا السقف أبدًا ولا يُرفع.

سقف الشريعة يمنع تشريع ما يخالف الثوابت الدينية والأخلاقية

لن يأتي يوم ويقول لي أن الانتحار حلال ويجوز، أو أن القتل الرحيم يجوز، أو أن الإجهاض يجوز، أو أن العلاقة الشاذة بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة تجوز. لماذا؟ لأن هذا مخالف لمبادئ الشريعة الإسلامية ولكل الديانات.[فإن حدثت مثلا مخالفة] إلى أين ستذهب؟ سأذهب لأشكوه إلى حضرة المحكمة الدستورية العليا، والدستورية العليا فيها مجتهدون يدرسون المسألة وينظرون فيها إن كانت هذه مخالفة حقًا أم أنها تصلح. فإن وجدوها تصلح يقولون: هذه تصلح، وإن كانت لا تصلح، يُبطل القانون.

دور المحكمة الدستورية العليا كتطوير للنظام الديمقراطي

في يده سلطة أن يبطل القانون. ألم نقل هناك فصل بين السلطات؟ قلنا: نعم، وهذا تطوير للنظام. المحكمة الدستورية العليا هي تطوير للنظام أنه يُبطل القانون فيرجع مرة أخرى فيلتزم به البرلمان.

إذن وجود سقف هو تطوير للديمقراطية، ووجود محكمة دستورية عليا هو تطبيق وتطوير للديمقراطية، ووجود الصفة للبلاد وللعباد في الهوية.

هوية مصر الحضارية قائمة على الحضارة الإسلامية واللغة العربية

ما هي هذه الهوية؟ إنها هوية حضارية، هذا تطوير للديمقراطية. ما هي هوية مصر؟ هوية مصر تتمثل في أمرين: الحضارة وليست الديانة.

[المذيع]: نعم، كان هذا سؤالي القادم.

[الشيخ]: الحضارة الإسلامية مضافًا إليها اللغة العربية. لماذا ليست الديانة؟ لأن فيها ديانات متعددة منها: المسيحية ومنها اليهودية. فإذن هي الحضارة الإسلامية موافق عليها من الجميع، فهي إذن التي تحقق الهوية. واللغة العربية؟ هي أيضًا تحقق الهوية. فنحن إذن أمام هوية يجب الحفاظ عليها.

تطوير الديمقراطية وعلاقة المبدأ بالنظام في الشورى والديمقراطية

إذن، أنا أمام تطوير للديمقراطية فيما بعد الديمقراطية، فبالطبع هناك أمور كثيرة لا تصلح في هذا الوقت الضيق الذي نحن فيه في البرنامج، فأنا الآن أمام نظام، والشورى عبارة عن مبدأ، والمبدأ هو المعنى وهو الروح، والنظام هو المبنى وهو الجسد.

[المذيع]: مولانا الإمام، إذن نفهم من أن الدولة في الإسلام في الحضارة الإسلامية دولة مدنية بهذا الشكل وبهذا الفهم؟

الإسلام أنهى مفهوم الدولة الدينية بختم النبوة

[المذيع]: يأتي البعض ليكون صوتُا زاعقًا ويقول: أنتم تتحدثون الآن عن دولة دينية.

[الشيخ]: لا، الدولة الدينية عندنا نحن أنهيناها من أيام الرسول. أنهيناها بقوله تعالى:

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ﴾ [الفتح: 29]

بقوله تعالى:

﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]

الدولة الدينية تحتاج لوجود نبيٌّ أو كاهنٌ يخبرنا ما يفكر فيه ربنا، لكننا لدينا:

﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 116]

خاتم النبيين يعني أنه لا يوجد نبي معنا هنا الآن، فلا يمكن أن تكون دينية.

انتهاء الوحي يعني استحالة وجود دولة دينية في الإسلام

الدينية ماذا تعني؟ تعني أنها تسير بأمر الله. وما هو أمر الله؟ اسأله إذن. من الذي يسأل ومن الذي يتكلم مع الله؟ الرسول، النبي. فإذا انتهى الوحي، فلا توجد دولة دينية أصلًا في مفهوم الإسلام.

لا توجد دولة دينية أصلًا؛ لأنها تتعارض مع عقيدة المسلمين؛ لأن وجود دولة دينية يستلزم وجود نبي مقيم مثل أنبياء بني إسرائيل. هكذا، لكن النبوة ختمت وانتهت.

إذن ماذا يبقى؟

«علماء أمتي ورثة الأنبياء».

العلماء ليسوا معصومين ولا يملكون سلطة دينية مطلقة

هؤلاء العلماء يجتهدون. فهل هم معصومون؟ لا، ليسوا معصومين.

[المذيع]: هل يمارسون السلطة يا مولانا، العلماء؟

[الشيخ]: ليس لديهم سلطة، بل هذا اجتهاد. وهذا الاجتهاد قد يخطئ فيأخذ أجرًا، وقد يصيب فيأخذ أجرين. فيكون إذن هذا اجتهاد. فأين تلك القداسة التي تمنع الناس من أن تقول للمخطئ: نحن نرى أن هذا خطأ؛ لأنه يترتب عليه أذى، ولأنه يضيع مصالح، ولأنه يكر على المقاصد بالبطلان، ولأنه يتعارض مع المآلات، ولأنه خارج عن الإجماع. أي شخص في الشريعة الإسلامية يستطيع أن يفعل هذا عندما يكون على علم، يكون عالمًا. عندما يكون عن غير علم فيصبح شغبًا.

الإسلام لا يعرف الكهانة ولا القداسة للمجتهد والدولة فيه مدنية

نحن ليس لدينا كهانة، وليس لدينا قداسة للمجتهد. المجتهد يخطئ فيأخذ أجرًا. لماذا؟ لأنه كان حسن النية، ويصيب فيأخذ أجرين. لماذا؟ من فضل الله تعالى.

فلذلك نحن ليس لدينا أصلًا دولة دينية بأصل الإسلام؛ لأننا ندّعي ونقول ونعتقد اعتقادًا جازمًا أنه خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: إذن الدولة في الإسلام هي دولة مدنية، وعلماؤنا ليسوا قضاة ولكن هداة. فاصل ونعود إليكم. أهلًا بحضراتكم.

مفهوم الحاكمية وعلاقته بسقف الشريعة في التشريع والقوانين

[المذيع]: أهلا بحضراتكم، تأتي أطراف أخرى متشددة ويقولون: إن الحكم إلا لله كما قال الخوارج مع سيدنا علي. هل كل ما نقوله أو ما تفضلتم به مولانا يتفق مع مفهوم الحاكمية؟

[الشيخ]: هو طبعًا كل هذا يتماشى مع الحاكمية؛ لأننا جعلنا هذه الحاكمية سقفًا للاجتهاد، ولأننا جعلنا هذه الحاكمية سقفًا لصياغة القوانين الجارية بين البشر.

بعض الناس يقول: ولماذا تصوغون قوانين ولا تجعلون الأمر بيد القضاة؟ نقول لهم: لا يوجد مانع، ولكن هذا النظام ليس موجودًا الآن، ولو وُجد لكان من الأفضل أن يكون كل القضاة من طبقة المجتهدين.

القضاة المجتهدون في التاريخ الإسلامي وضرورة التعامل مع الواقع

كان شريح [ابن الحارث الكندي] من طبقة المجتهدين، وكان علي [بن أبي طالب] من طبقة المجتهدين، وكان أبو يوسف القاضي من طبقة المجتهدين. كلهم كانوا قضاة وكذلك وكيع كان كذلك. وهكذا.

حضرتك تأتي الآن وتقول لي: نُكلف الناس بما لا يطيقون؟ لا، نحن نتعامل مع الواقع، والواقع أن الاجتهاد قلّ في وقت كثُرت فيه الناس. نحن لدينا في مصر فقط مائة مليون. والذين شهدوا النبي كانوا مائة وأربعة عشر ألفًا في حجة الوداع.

الحاجة إلى القانون المكتوب في ظل كثرة الناس وقلة المجتهدين

اليوم ثلاثة إلى أربعة ملايين يحضرون الحج، أي أربعين مرة مما كان مع النبي. تخيل أن الناس زادت هذه الزيادة المفجعة، كم يحتاجون من القضاة؟ وكم يحتاجون من الترتيبات؟ فيجب تعليم القاضي وتدريبه وتعميق معرفته.

وكل هذا موجود، فيوجد لدينا وزارة العدل، ولدينا معهد للقضاء، ولدينا ترتيب ومؤسسات، ولدينا كذا وكذا لمساعدة هذا الحاكم كي يقضي بين الناس بالحق وبالعدل.

فهو في جلسته على منصته أحاول أن يكون له طرف من نور السماء نازل على القاضي؛ لأن القاضي منحه الله قوة أن حكمه سينفذ ظاهرًا عند الناس وباطنًا عند الله. فيجب أن يكون رجلًا محترمًا.

استحالة أن يكون كل القضاة مجتهدين وضرورة القانون المساعد

ومن أين أجلب العدد المناسب لكل هؤلاء الناس؟ ثم أُكلِّفه أيضًا أن يكون مجتهدًا. فعدد المجتهدين في التاريخ الإسلامي بطوله وعرضه خمسة وثمانون شخصًا عندما تحسب التابعين وتابعي التابعين.

وأنت تريد هنا الآن ونحن لدينا عشرون ألف قاضٍ أن يكونوا جميعهم مجتهدين! إذن أنا فقدتُ القاضي المجتهد فلا بد من القانون.

[المذيع]: لابد من القانون الحاكم يا مولانا دائمًا.

[الشيخ]: لأنه يرشد القاضي ويوجهه. الناس كثرت شكواها وكثرت دعاواها إلى آخره. اليوم أمامي آلاف مؤلفة من القضايا أمام القاضي، الله يكون في عونه.

العدالة الناجزة والقانون كأداة مساعدة للقاضي في تحقيق العدل

فهل أقول له:كم تأخذ من الوقت في القضية؟ فيقول لي: أجلس في القضية ربما ستة أو سبعة أشهر أدرسها وهكذا. فأطلب منه: أن يجلس ستة أو سبعة سنين. فهل هذا كلام يرضي ربنا؟ [أي: صواب].

إن العدالة المنجزة العدالة الناجزة جزء من العدالة. لكن أطالبه بالدراسة جيدًا والانتظار حتى يبلغ درجة الاجتهاد وهكذا!

ولذلك كل هذه الأشياء هي التي جعلت القانون مساعدًا له. هذا هو النص وأحكم بهذا النص. هذا النص من الذي صنعه؟ لجنة تشريعية وصنعه خبراء في الحقوق وصنعه أناس مختصون بالصياغة، لجنة الصياغة، وظلوا يناقشون فيه حتى وصلوا إلى هذه الصياغة التي يُحكم بها القاضي.

تطور النصوص القانونية عبر الزمان وفقاً للمصالح والمقاصد الشرعية

وأيضًا هذا النص يتطور عبر الزمان طبقًا للعادات والتقاليد والمصالح ولتحقيق المقاصد ولأحوال البلاد والعباد. كل هذه الأشياء ساعدت القاضي على الحكم الصحيح حتى يكون قاضيًا يُرضي الله ويرضى عنه الناس.

فهؤلاء الذين يدعون إلى هذه السذاجة [الاستغناء عن صياغة القوانين وترك الأمر للقضاة]، هم لا يدركون الواقع. وهذا أحد صفات المتطرفين:

  1. فقد إدراك الواقع.
  2. فقد إدراك المآلات.
  3. فقد إدراك المصالح.
  4. فقد إدراك المقاصد الشرعية.

صفات المتطرفين وكيف أصبحوا ألعوبة في يد الأعداء

وهكذا، عدم إدراك: عدم إدراك للواقع، وعدم إدراك للنص، وعدم إدراك للغاية، وعدم إدراك للمصالح، وعدم إدراك للمآلات، وعدم إدراك للمقاصد، وعدم إدراك لأشياء كثيرة، فيفسدون ولا يصلحون.

ولذلك كانوا ألعوبة في يد الأعداء. ولماذا هم ألعوبة في يد الأعداء؟ لأنهم لم يطيعوا سيدنا النبي. قال لك: عندما ترى هذه العلامات انسحب،

«‌كُنْ ‌حِلْسًا ‌مِنْ ‌أَحْلاسِ ‌بَيْتِكَ» [العزلة لابن أبي الدنيا].

فذهب وتصدر بالسلاح وشوّه صورة الإسلام والمسلمين، ولم يصل إلى شيء، في حالة هزيمة دائمة ومستمرة، وتمسُك دائم ومستمر بنطاق الغباء.

[المذيع]: ومصر أنه يُحسن صنعًا وأن هذا هو الإسلام الذي يجب أن يقدمه.

سؤال حول تأكيد الإسلام على حرية الشعوب في بناء الدولة

[الشيخ]: نعم هو كذلك وهو مخطئ.

[المذيع]: مولانا الإمام إذا ما ذهبنا إلى فكرة الحريات، حرية الشعوب، هل يؤكد هذا المبنى والمعنى في بناء الدولة في الإسلام على حرية الشعوب التي تؤكد عليها ما يسمونها بالديمقراطيات الحديثة؟

[الشيخ]: إنهم وهم يحاولون كأفكار لم تكتمل أن يطوروا الديمقراطية -التي دعونا نحن إلى مصطلح ما بعد الديمقراطية- جعلوا الصحافة هي السلطة الرابعة مثلًا.

أنواع الحريات المكفولة في الإسلام: الاعتقاد والعمل والانتقال والسكن

فالقضية هنا قضية الحريات. حريات ماذا؟ نحن لدينا ثلاثة أنواع من الحريات أو بمعنى أدق ثلاثة مستويات من الحريات، ثلاثة مواضيع للحريات. وعندنا أربعة أنواع من الحريات المكفولة:

  • حرية الاعتقاد.
  • حرية العمل: يعني لا يمكن أن تتخرج من كلية الطب ثم تعمل طبيبًا فيأتي أحدهم ويقول لك: لا، سأمنعك من أن تعمل طبيبًا، أو تعمل مهندسًا فيقول لك: سأمنعك من أن تعمل، هذا غير مقبول. حرية العمل.
  • حرية الانتقال: لا يصح أن تقيّد شخصًا في الانتقال، يأتي لينتقل من مكان إلى مكان فتقول له: لا.
  • وحرية السكن: أنا أريد أن أسكن هنا، سأسكن هنا، أنا حر.

فحرية السكن وحرية الانتقال وحرية العقيدة وحرية العمل، هذه أربع حريات مكفولة. وهناك حريات تابعة لهذا مثل حرية التعليم، مثل حرية الاختيار، مثل حرية يعني توجد حريات تابعة.

مستويات الحريات الثلاثة: حرية الرأي وحرية الخدمات وحرية المعلومات

لكن ما هي المستويات؟ أنا أريد حرية، في ماذا؟ ما هي مستوياتها؟ فقال: أولًا تتأتى [أي: تظهر] في حرية الرأي.

حرية الرأي: فيأتي شخص ويقول: لا، أنا سأمنع كلامك هذا، أو سأمنع هذه القصيدة، أو سأصادر هذا الكتاب. فهذا مصادرة لحرية الرأي. قلت له: لكن هذا رأيي أنا وأريد أن أقوله. قال لي: لا، أنا لست موافقًا على هذا، رأيك خاطئ، لا يصلح، سيصطدم معي وسيصطدم مع كذا إلى آخره.

حرية الرأي، لكن الأعمق من حرية الرأي هي حرية المعلومات.

[المذيع]: نعم.

الفرق بين حرية الرأي وحرية المعلومات وأثرها في المجتمعات

يعني حرية الرأي: أحدهم يقول كلامًا ويمكنني الرد عليه بكلام مثله، وتصبح عملية كلامية بين الطرفين. ويقول كلامًا فأفنده له، فأقول كلامًا فيفنده لي، وهي التي يسمونها الفنقلة: فإن قيل قال، فإن قال قيل. وهكذا هذه حرية الرأي.

لكن توجد حرية أخرى هي حرية الخدمات، وتوجد حرية ثالثة وهي أشد وهي حرية المعلومات.

حرية المعلومات: أن المسئول الفلاني نزل بالطائرة وأدخل بضاعة من غير جمارك، فيقوم الصحفي بمعرفة هذه العبارة ويريد نشرها، والصحافة تعمل بشكل صحيح وتمارس حريتها. فهذه ليست رأيًا بل معلومة، وهو متأكد منها وقد صوّر البضاعة وهي داخلة موثقة، الأمر موثق.

حرية المعلومات هي أعلى مستويات الحرية كما في فضيحة ووترجيت

فالحرية الأولى ممكن دولة تصل إليها، لكن لا يكون فيها حرية أيضًا. الحرية الثانية يمكن لدولة أن تصل إليها، لكن أيضًا لم تصل بعد إلى الحريات التي نتحدث عنها في المجتمعات الغربية.

الحرية الثالثة هذه هي أهم شيء، هذه الحريات، الحرية الثالثة هذه هي التي أطاحت بـنيكسون في فضيحة ووترجيت. هذه ووترجيت ماذا فعلت؟ صحفيون حصلوا على معلومات أحرجت الرئيس الأمريكي أمام الهيئة.

وهذا ما يحاولون فعله مع ترامب الآن في قضية المعونة الروسية في تعيينه أو في ترشيحه أو ما شابه ذلك إلى آخره. لو توصلوا إلى شيء، لكن كلها معلومات. هناك حرية وهذه هي الحرية هنا، هي الممارسة الحقيقية، ولا يستطيع رئيس الجمهورية ترامب أن يعترض عليها.

حرية المعلومات أعلى مستوى وصلت إليه البشرية في قضية الحريات

فحرية المعلومات هذه هي المستوى الأعلى الذي وصلت إليه البشرية في هذه القضية: حرية الرأي، حرية الخدمات، وأيضًا حرية معلومات.

[المذيع]: يا مولانا الإمام، اسمح لنا أن نذهب إلى فاصل قصير ثم نعود ونكمل هذا الحوار. ابقوا معنا.

مفهوم أهل الحل والعقد في التراث الإسلامي وما يقابله في الحاضر

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. كنا نسمع دائمًا ونحن نقرأ في تاريخنا وفي حضارتنا هذا العنوان وهو هذا المصطلح أهل الحل والعقد. **فمن هم أهل الحل والعقد؟ وما الذي يمثل هذا المعنى في حاضرنا الآن؟**في المنجز الإسلامي، منجز الحضارة الإسلامية،

[الشيخ]: الحل يعني الفك وضدها العَقد. فمعناها أنه يحل أي يفك، أو أنه يعِقد أي يربط.

فالحل والعقد مثل النقض والإبرام: إما أن ينقض الحكم السابق ويلغيه، وإما أن يبرِمه ويؤكده ويمضيه. فالنقض والإبرام يشبه الحل والعقد.

البرلمان هو التجسيد المعاصر لمفهوم أهل الحل والعقد

والحل والعقد في عصرنا الحاضر هو مؤسسة البرلمان وما يشبهها مثل مجلس للشعب، و مجلس الشورى.

هؤلاء هم أهل الحل والعقد؛ لأن مجلس الشورى هذا له نطاق وله اختصاصات، ومجلس الشعب له اختصاصات. عندما آتي لأضمهم أو أجعل هناك مجلسًا واحدًا وهو مجلس البرلمان، يصبح هذا البرلمان هو أهل الحل والعقد.

فأهل الحل والعقد هؤلاء هم الذين بأيديهم أن يحلوا الأمور؛ لأن هذا المجلس التشريعي مجلس في منتهى القوة والخطورة أيضًا؛ لأنه يضع القانون للقاضي والقانون للناس.

صلاحيات البرلمان في حل المشكلات وعقد الأمور لمصلحة البلاد

لأن القاضي سيطبقه على الناس. فإذن، هو بيده حل المشكلات، وبيده عقد وربط الأمور حتى تتقدم إلى الأمام.

[المذيع]: التي هي السلطة التشريعيةوله الحق في الرقابة السابقة واللاحقة في هذه كذلك.

[الشيخ]: نعم، والنقض والإبرام، فهو ينقض ويبرم ويحل ويعقد ويؤدي هذه المهام كلها لمصلحة البلاد والعباد.

فكرة المشاركة في البرلمان وتمثيل كل طوائف الشعب

ولذلك كان هذا البرلمان فكرته أيضًا وهي فكرة المشاركة، أن يتمثل فيه كل طوائف الشعب. وهنا ثار في الديمقراطيات العريقة سؤال غريب بعض الشيء:

[المذيع]: ما هو؟

[الشيخ]: ما دام كل طائفة يجب أن يكون لها ممثل في البرلمان، هل توافقون أن يكون للمجرمين الأبالسة مندوب في البرلمان؟

[المذيع]: وتم طرح هذا؟

[الشيخ]: بالطبع، وفي الكتب توجد تصورات له وعلاجه وما إلى ذلك بتعمق. أي أنه في الوقت الحالي توجد طائفة تسمى النشالين، وتوجد طائفة تسمى مثلًا الخُطّ [مجرم] الصعيد، وتوجد طائفة المطاريد الذين في الجبل. هؤلاء يريدون أن يشتركوا، أليسوا مشاركين في المجتمع؟

[المذيع]: فهل له محل من الإعراب؟ هذا هو السؤال، أو هذه الجملة: هل لها محل من الإعراب؟

النظام العام والآداب كسقف للحريات في مقابل مبادئ الشريعة

هم يعيشون هذه التصورات كلها. وبدأوا هنا حتى يردوا على هذا التوجه والطرح العجيب الغريب بعض الشيء علينا بفكرة النظام العام والآداب.

فالنظام العام لا ينبغي قَدحُه، ومن هنا سيكون النظام العام والآداب هو سقف أيضًا من أسقف الحريات. فإذا كان سقفنا هو مبادئ الشريعة. أما السقف الذي وضعوه هنا فقال: هو النظام العام والآداب.

وما الفرق؟ النظام العام والآداب يتغير بتغير الزمان والمكان، لكن مبادئ الشريعة لا تتغير بتغير الزمان والمكان. ولذلك إذا كنا نضيف النظام العام والآداب فهذا الذي يمنع أن يأتي شخص ليقول لي: حسنًا لا بأس.

الفرق بين الحرية الشخصية والتفلت وضوابط النظام العام

أنا أريد أن أسب الله في كتاب هكذا وأنشره، فأقول له: يا بُني، أنت تريد سب الله؟ إذا كنت تريد أن تسب الله بينك وبين نفسك، لن نفعل لك شيئًا، أنت حر:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

لكن إذا كنت تريد نشر هذا، فهذا قدح في النظام العام والآداب العامة. وهذه أيضًا جزء من الحريات التي كنت تسأل عنها الآن، وهي الضبط بالنظام العام والآداب. يعني كل شيء ليس مطلقًا، فهناك فرق بين الحرية والتفلت.

الموقف الإسلامي بين رفض الغرب المطلق وقبوله المطلق

[المذيع]: مولانا الإمام، هناك من يرى، ودائمًا لا بد لكي نصحح أن نقف عند هذين الطرفين: طرفٌ يرفض كل ما يأتي من الغرب رفضًا كاملًا، وطرفٌ آخر يعشق ويُولع بكل ما يأتي من الغرب. السقف المعرفي لدينا نموذج الحضارة الإسلامية. هل يرد كل الرد أم يقبل كل القبول؟

[الشيخ]: لا هذا ولا ذاك. فأصل القضية تأصيلٌ وليس انتقاءً؛ لأنه إما الرفض المطلق، وإما القبول المطلق، وإما الانتقاء العشوائي، فلا يوجد غير ذلك.

التأصيل هو المنهج الصحيح مقابل الانتقاء والمقاربات والمقارنات

هذا كله في حالة الانتقاء: إما أن أجلس لأنتقي وأقول: كله لا يعجبني، أو أقول: كله أعجبني، أو أقول: بعضه فقط أعجبني وبعضه لا، ما هو المعيار؟ هذا الانتقاء بمجرد الهوى.

لكن التأصيل هو أن يكون كل شيء بدليله مع مراعاة مآلاته ومستقبله وما سيترتب عليه من فوائد. في هذه الحالة يكون هذا تأصيلًا، أي له أصول، أي أنه يسير على هدى وبينة. ومن هنا نحن نرفض فكرة الانتقاء. كذلك في فكرة ثالثة وهي المقاربات

[المذيع]: بمعنى.

[الشيخ]: أي كلما يفعلون شيئًا ويعجبنا نقول: على فكرة عندنا مثله. يعملوا ديمقراطية فنقول إن الشورى هكذا. فهذا اسمه المقاربات، كلما يعجبنا شيئ [أي: من نتاج الحضارة الغربية] نقول عندنا مثله، هذه بضاعتنا ردت إلينا.

رفض منهج المقاربات والمقارنات والتأكيد على منهج التأصيل

هذه المقاربات، وفي مقابلها المقارنات. ما شكل المقارنات؟ يقول: انظر، لأنهم فعلوا كذا أصابهم الإيدز. انظر، لأنهم فعلوا كذا، حدث انخفاض في النسل. مقارنات لإظهار أننا الأحسن.

المقارنات والمقاربات هذا منهج مرفوض، إذن، ما الذي ليس مرفوضًا؟ هو التأصيل.

إذن، التأصيل مقابله المقاربات والمقارنات من ناحية، ومقابله الانتقاء من ناحية أخرى، وكلاهما مناهج مرفوضة.

التأصيل هو المنهج الإسلامي الحاكم القائم على الدليل والمآلات

فما هو المقبول إذن؟ ما هو المعيار؟ ما هو الحاكم؟ إنه التأصيل. كل ما تريد أن تفعله أصّله. التأصيل يجعلك تفكر بشكل أفضل، ويجعلك في حالة اختيار وليس مجرد انتقاء عشوائي.

ويجعلك تعرف أصل الشيء ويجعلك تدرك المآل الذي ستصل إليه. فالتأصيل كلمة نطلقها أمام كل هذه المناهج المرفوضة من المقاربات والمقارنات والانتقاء والرفض المطلق والقبول المطلق وأمثال هذه المناهج العجيبة.

المنهج الذي نسير عليه في الإسلام هو التأصيل وليس هو هذا.

التأصيل الإسلامي محكوم بالعدل والمصلحة والمقاصد الشرعية والهوية

حينئذ ماذا يحدث؟ سيأتي لمبادئ موجودة في الشريعة تقول:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

في تأصيلي أنا محكوم بالعدل، في تأصيلي أنا محكوم بالمصلحة والمنفعة، في تأصيلي أنا محكوم بما سيكون ويؤول إليه الأمر [أي المآلات]. بتأصيلي أنا محكوم بهويتي، بتأصيلي أنا محكوم بالمقاصد الشرعية العليا التي تسمى الآن النظام العام والآداب. في تأصيلي أنا محكوم بالمصلحة التي هي والمنفعة هي هي وزنًا ومعنى. هذا ما نحن سائرون فيه، لكن لا الانتقاء ولا المقارنات ولا المقاربات ولا الرفض المطلق ولا التوفيق الذي يصبح تلفيقًا.

خاتمة الحلقة والتأكيد على أن التأصيل هو منهج الإسلام الحافظ للثوابت

ولا أي شيء من هذه المناهج. منهجنا هو التأصيل.

[المذيع]: التأصيل الذي يحافظ على الثوابت وينفتح على الآخرين دائمًا.

[الشيخ]: نعم.

[المذيع]: ولكن مولانا في كلمة أخيرة موجزة: كيف نعطي عنوانًا مهمًا لهذا النموذج وهذا السقف المعرفي في الإسلام وفي الحضارة الإسلامية؟

[الشيخ]: هو التأصيل، هي كلمة التأصيل، هي التي عند شرحها سنقول كل هذا الكلام.

[المذيع]: مولانا فضيلة الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم وغفر الله ذنبكم ورضي الله عنكم دائمًا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه. إلى اللقاء.