والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن أنواع الفتن.. وحقيقة فتنة النساء| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن أنواع الفتن.. وحقيقة فتنة النساء| الحلقة الكاملة

39 دقيقة
  • الإسلام دعا للتعامل الراقي مع الدنيا وعدم كراهيتها، فقال تعالى: "ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك".
  • الفتنة ليست في الدنيا ذاتها، بل في الرغبات والشهوات وعدم الرضا بقدر الله، فالله أمرنا بعمارة الأرض واستخلفنا فيها.
  • المال والأولاد والنساء نعم من الله، لكنها تتحول إلى فتن عندما يتعامل معها الإنسان بطريقة تحجبه عن طاعة الله.
  • تتكون الفتنة من ثلاثة أركان: الفاتن (المال أو الأولاد أو النساء)، والمفتون (الإنسان المتلقي)، والفتنة ذاتها.
  • الإسلام وضع ضوابط للتعامل مع هذه النعم كالصوم وغض البصر والزواج، حتى لا تتحول إلى فتن.
  • فتنة المسلمين الحقيقية ليست من الخارج بل من داخلهم، عندما لا يطيعون أوامر النبي ﷺ بالتعاون على البر والتقوى والعدل.
محتويات الفيديو(36 أقسام)

مقدمة الحلقة وتساؤلات حول الفتن في حياة المسلم

[المذيع]: باسمك اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك. أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا ودومًا مع مولانا الإمام صاحب الفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

لنناقش معه هذه المبادئ القرآنية ونكمل الحديث حول الفتن. وما هي الفتن التي نواجهها في هذه الحياة؟ هل حب الأبناء والأموال والنساء نوع من هذه الفتن؟ وكيف نجعل هذه الفتن أو نواجه هذه الفتن بالشكل الذي رسمه لنا إسلامنا الجميل؟

مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم، مرحبًا بكم، أهلًا مولانا. إذا ما كنا نتحدث عن الفتنة ونتحدث عن فتنة الدنيا، فهل هذا يعني أننا لا نحب الحياة ونكره الحياة؟ نكره ما خلقه الله لنا في هذه الدنيا؟

موقف الإسلام من الدنيا بين الاستمتاع بالنعم واتقاء البلاء

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. خلق الله الدنيا وأمرنا بأن نتعامل معها تعاملًا راقيًا، وأرشدنا إلى الدعاء لما فيه خيرها، قال تعالى:

﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]

وقال تعالى:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ * أُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 201-202]

إذن، عندما أرشدنا الله سبحانه وتعالى إلى هذه الدنيا لم يأمرنا بكراهيتها، إنما أمرنا أن نتقي بلاءها وامتحانها واختبارها المتمثل في الرغبات والشهوات وعدم الرضا وعدم التسليم لقدر الله سبحانه وتعالى.

الإسلام يأمر بالفرح بالحياة ويجعل الموت هو المصيبة لا الحياة

أمّا الحياة الدنيا فأمرنا أن نحافظ عليها، ونهانا عن الانتحار وعن إنهاء الحياة. أمرنا أن نفرح بقدومها؛ فأمرنا بأن نحتفل بالطفل فنذبح له عقيقة ونسميه فنحسن تسميته، ونصنع له سبوعًا في اليوم السابع.

قال النبي ﷺ: «كل مولود مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويُدمى ويُسمى»

فرحٌ! فالله سبحانه وتعالى جعل الموت بخلاف ذلك مصيبة، لم يجعل الحياة مصيبة، بل جعل الموت مصيبة:

﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]

الأمر واضح أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بعمارة هذه الحياة الدنيا:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

الاستخلاف في الأرض وتكريم الإنسان وعلاقة الدين بالحياة

أمرنا في هذه الحياة الدنيا أن نكون خلفاء عنه، نصلح ولا نفسد، نأمر بالمعروف ولا نأمر بالمنكر، فقال:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 30-31]

بدأ بتكريمنا وقال:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

بدأ بتكريمنا فأسجد لأبينا ولجنسنا في صُلب أبينا الملائكة:

﴿ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

هذه هي الحياة، عُمر الدين ما كان ضد الحياة، وإنما الدين كان جزءًا من الحياة، منظمًا للحياة.

فتنة المحيا والممات وتركيب الإنسان من جسد وروح ونفس

فتنة المحيا والممات هي فتنة تصيب الإنسان وتُغبش عليه أمر الله سبحانه وتعالى. بعدما خلقنا، ماذا خلق فينا؟ خلق فينا جسدًا، وخلق داخل هذا الجسد روحًا، وخلق داخل هذه الروح نفسًا، وهداه:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 7-10]

الله سبحانه وتعالى ركَّب في هذا الإنسان بكُلِّه الشهوات وزيَّنها له، لكن ابتلاه الله سبحانه وتعالى بالموت والحياة:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الملك: 2]

متاع الحياة الدنيا بين التعامل معه كنعمة أو كحجاب عن طاعة الله

وهناك:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]

كل هذا متاع الحياة الدنيا، ذلك متاع الحياة الدنيا. فماذا نصنع بهذا المتاع؟ نعامله معاملة النعم:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

ولكن لا نُعامله معاملة الحجاب بأن نجعله حاجزًا بيننا وبين أوامر الله، وبيننا وبين اختبار أوامر الله وطاعته. وماذا يعني أن يكون كل هذا المتاع حجابًا عن طاعة الله، وعن الوصول إلى الله، وعن الطريق إلى الله؟

ترك أوامر الله من أجل الدنيا وتضييع الوقت في المعصية

حسنًا، اترك الأوامر وأقع في النواهي، مفضلًا تحصيل هذه الدنيا بمتاعها ونعمها على الأمر الرباني. يعني أنا أمامي أن أصلي وأمامي أن أعصي، فقلت: لا، لا وقت عندي للصلاة، ثم ذهبت لأعصي.

إذا تركت أمر الله من أجل أن أشغل هذا الوقت الذي خلقني فيه الله من أجل طاعته، أشغله في غير طاعته، في المعصية.

أمرنا الله سبحانه وتعالى أن ننزه أنفسنا عن السرقة، ننزه أنفسنا عن الاعتداء على الأعراض، وأُمرنا أن ننزه أنفسنا عن العدوان على المال، وأُمرنا أن ننزه أنفسنا عن الاعتداء على الدين، وأُمرنا أن ننزه أنفسنا عن الاعتداء على الحياة.

الإفساد في الأرض باسم المصالح الدنيوية كما تفعل دولة الصهاينة

فإذا به من أجل الحياة الدنيا، ومن أجل أن يستعمر أرضًا، أو من أجل أن يستغل مصالح، يحتل بلادًا ويطرد منها سكانها ويفسد في الأرض، كما تفسد دولة الصهاينة في الأرض وتظلم الصبيان والشيوخ والرجال والنساء والأطفال والجميع.

إذن هذه معصية لأنها خلاف أمر الله سبحانه وتعالى. أليس الله سبحانه وتعالى هو الذي جعل القتل كبيرة من الكبائر بالنص وواضح الكلام؟ أليس الله سبحانه وتعالى هو الذي حرم المخدرات؟ وحرّم الخمر وحرّم كل ما يُذهِب العقل.

احترام الإسلام للأديان والحرية وحفظ الضروريات الخمس

أليس الله سبحانه وتعالى حتى في احترام الأديان قال:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

ألم يقل الله سبحانه وتعالى:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

ألم يقل الله سبحانه وتعالى:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

ألم يقل الله سبحانه وتعالى:

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

ألم يقل الله سبحانه وتعالى لسيد الخلق:

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]

ألم يقل الله له:

﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]

ألم يقل الله سبحانه وتعالى لرسوله:

﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

بلى، قال.

احترام الله للضروريات الخمس وترتيب أولويات الحياة في الإسلام

إذن فالله قد احترم الدين واحترم العقل واحترم النفس واحترم العرض واحترم الملك والمال:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [النور: 2]

الله سبحانه وتعالى حببنا في الحياة، ولكن هذه الحياة لها ترتيب في الأولويات، أولها:

﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]

أول هذا أننا:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [غافر: 14]

أول هذه الحياة وغايتها:

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

الفرق بين الدعاء بعد الطاعة وتحريم الرهبانية في الإسلام

هناك فارق بين أن أفعل هذا وأدعوه:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]

بعد الطاعة، بعد الطاعة، وبين أن أعادي بين ما أمرني به وبين هذه الحياة الدنيا فأكرّ عليها بالبطلان.

ولذلك حرَّم علينا الرهبانية، وحرَّم علينا أن نسير في الصحراء هكذا مُهملين من غير ماء ولا زاد، وحرَّم علينا أن نتبدّى بعد أن تحضَّرنا، وحرَّم علينا - يعني الرجوع إلى البداوة في الإسلام ممنوع - نهى رسول الله أن يعود من تحضَّر إلى البادية.

قصة سلمة بن الأكوع والفرار من الفتنة وارتكاب أخف الضررين

هل انتبهت كيف؟ فلما قالوا لسلمة بن الأكوع: ألا تذهب فتقاتل مع علي؟ قال: أذهب إلى البادية وأنجو بنفسي من الفتن. قالوا: ألم تسمع رسول الله وهو ينهى عن التبدي بعد التحضر؟ قال: ألم تسمعوه يقول: إلا خوفًا من الفتنة؟

يعني هل فهمت؟ قال له: من كان له أرض فليلحق بأرضه. في هذه الحالة يكون هذا ما نسميه ارتكاب أخف الضررين.

كل هذا يبين لنا أن الحياة هي أمر مرغوب فيه وله ترتيب للأولويات.

رد المفسدين الذين يتهمون الإسلام بمعاداة الحياة

يأتي المفسدون ويريدون أن يقولوا: ما دمتم تركتم فسادنا وما دمتم تركتم شهواتنا وما دمتم تركتم ما زُيِّن لنا فأنتم ضد الحياة.

لا يا أخي، نحن لسنا ضد الحياة، بل نحن الحياة نفسها، نحن نحب الحياة جدًا، ولكن هذه الحياة التي نحبها، وهذا إنما جاءت في الترتيب من خلال أن الله حبّبنا فيها، وليس من خلال هذه التفاهات والأوهام التي تعيشون فيها.

ويا أخي، تركناكم تدخلون النار بحرية، فلم لا تتركونا ندخل الجنة بحرية؟ يا أخي، هذا أمر مزعج لا شيء بعده، هكذا والله ولا بلادة.

ظلم العباد للمؤمنين ومعنى فقه حب الحياة

يعني هو حتى الآن يقول لك:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وأنت غير راضٍ أن تتركني في حالي! هذا أيضًا ظلم من ظلم العباد للمؤمنين.

[المذيع]: إذن، ما معنى هذا المعنى الجميل والعنوان الأجمل والأروع، ما معنى فقه حب الحياة؟ فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

أركان الفتنة الثلاثة: الفاتن والمفتون والفتنة

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، في إطار فقه حب الحياة، كيف نفهم الآية الكريمة:

﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]

[الشيخ]: الفتنة لها أركان: هناك مُفتَتَن وهو المتلقي للفتنة، وهناك فاتن، وهناك فتنة. يعني توجد ثلاثة أشياء ينبغي أن نلتفت إليها حتى نفهم كل النصوص التي تتحدث عن هذا، فلا ننكر نصًا وهو صحيح ولا نفهمه فهمًا غير صحيح.

تحديد الفاتن والمفتون في فتنة النساء والأموال والأولاد

من الفاتن هنا؟ الفاتن هنا الأولاد، والفاتن هنا الأموال، وأيضًا أول فتنة بني إسرائيل النساء. من الفاتن؟ النساء. إذن المرأة فاتنة، والمال فاتن، والأولاد فاتنون.

من المفتون؟ المفتون المقابل: المفتون بالمال هو الغني، والمفتون بالأولاد هو الأب، والمفتون بالنساء هو المنحرف.

نعم، ليس هو الرجل، لا، تصحيح، نعم، هذا هو المنحرف. هذا هو الذي يرتكب الفاحشة، الذي لم يسمع كلام الله سبحانه وتعالى في غض البصر وفي ألا يقع في المعصية في العلاقة بين الرجل والمرأة إلا داخل علاقة الزواج.

الفتنة تقع على المفتون والنصوص تضع له الحل لا للفاتن

فهو أبى، ففُتِن. فعلى من تقع الفتنة؟ تقع على هذا المتلقي، وهذا المتلقي هو الذي تكلمت عنه النصوص أنه مفتون، وهو الذي تكلمت عنه النصوص لتضع له حلًا.

فهل تكلمت النصوص عن الفاتن؟ لا، لم يرد نص عن الفاتن. لم تتكلم النصوص عن الفاتن الذي هو الأولاد، الذي هم الأموال، الذي هن النساء. والمرأة لم تتكلم عنها إطلاقًا. لماذا؟ لأن ليس لهم دعوة [أي ليس لهم ذنب في ذلك].

النعم من المرأة والأولاد والمال كلها رزق من الله وليست شراً

هؤلاء، نعم، نعم، حتى نفهم الآن، نعم، هذا هو الفهم الصحيح. نعم، هذه النعم، هذه نعم بلا حدود. هذه نعمة كون أن الله سبحانه وتعالى رزق للبشرية شيئًا اسمه المرأة، هذه نعمة الله!

كون أن الله سبحانه وتعالى رزقك أولادًا ويهب الناس أولادًا، هذه نعمة الله! كون أن الله سبحانه وتعالى رزق الناس أموالًا، هذه نعمة. كون أن الله سبحانه وتعالى رزق بعض الناس سلطةً، هذه نعمة. كون أن الله سبحانه وتعالى رزق بعضهم علمًا، هذه نعمة. كون أن الله سبحانه وتعالى رزق أحدهم شهادةً في سبيل الله، فهذه نعمة. وكون أن الله سبحانه وتعالى رزق أحدهم صحة، هذه نعمة.

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

الإسلام جاء لإنقاذ البنات من الوأد ولم يأمر بتدمير النعم

ما الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى به إزاء النعم؟ هل قال اجتنبوها؟ أبدًا. هل قال دمروها؟ أبدًا. أحضر لي نصًا يقول يجب عليكم أن توئدوا البنات، مستحيل!

لقد جاء الإسلام من أجل إنقاذ البنات من هذا الظلم؛ لأنه خلل أن نتسلط على النعمة بالهلاك، خلل:

﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: 8-9]

نهانا عن هذا:

﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِٓ﴾ [النحل: 58-59]

وأصبح - يا عزيزي - يعاتبهم بشدة؛ لأنه:

﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]

فالفاتن هي النعم، أما المفتون فقال لي: احذر أن تطغى بالمال الذي رزقتك إياه، والذي هو في الأصل نعمة.

الفرح بالمال والولد فطرة وقصة الرجل الذي أنجب اثني عشر طفلاً

وهو طبعًا أصل النعمة، نعم، ونحن نفرح عند المستقيم، نفرح أول ما يأتينا المال، نعم، صحيح، نفرح ويحصل لنا فرح وحبور. ليس هناك أحد قال له ربنا أول ما أرسل لك مالًا فاعلم أنني غاضب عليك! بالله عليك، أنت رجل مسلم وتربيت في وسط المسلمين وأبوك علمك الإسلام، هل سمعت هذا الكلام من قبل؟ أن يقول لك أحد عندما يصلك مال تكون مغضوبًا عليك؟ أبدًا، بل نقول الحمد لله ونقول:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]

نحن نقول إن هذا المال له وظائف: من ضمنها الزكاة، ومن ضمنها الصدقة، ومن ضمنها الأوقاف، ومن ضمنها الكفارات، ومن ضمنها الإنفاق، ومن ضمن ذلك له وظائف يجب أن أقوم بها وأنا مسرور، وكلما أقول الحمد لله، فأنا الحمد لله ربنا رزقني.

هل هناك في البشرية رزقه الله أن يحدث له عندما يرزقه الله بالولد غم وهم؟ لم يحدث ذلك. مرة كنت أعرف شخصًا كان من النوع الذي يقول: لا، سننجب كثيرًا، فأنجب أحد عشر طفلًا، ثم جاء في حالة يرثى لها.

فقلت له: ما بك تبكي هذا البكاء المر؟ ماذا حدث؟ كفى الله الشر. قال لي اليوم: وُلِدَ لي الولد رقم اثني عشر لكنه مات. قلت له: وأنت حزين عليه وأنت في غاية الفقر وفي غاية الاحتياج؟ وما إلى ذلك، فلا يرد عليّ بل يبكي. ما هذا؟ ما الأمر؟ إنها الفطرة هكذا، أتفهم؟

تنظيم النسل حباً في الولد والمؤمن القوي خير من الضعيف

ونحن نقول للناس: يا جماعة لا تنجبوا؛ لأننا نأمرهم بألا يرتكبوا أعظم الضررين، ونحن نقول لهم هكذا حبًا في الولد؛ لأننا غير قادرين أن نفعل ذلك حتى لا يصبح الأطفال بلا مأوى؛ لأن:

قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»

نعم، هذه معانٍ أخرى غير هذه المعاني البرية [السطحية].

فيكون الفاتن نعمة، نعم، والمفتون له عليه إجراءات. يكون الذي عليه هذه، مَن الذي هو مسؤول الذي عليه هذه؟ إنه المفتون.

إجراءات المفتون تجاه فتنة النساء: الصوم وغض البصر والزواج

نعم، ماذا أفعل إذن في فتنة النساء؟ الفاتن بريء جدًا ونِعْمَ، والمفتون إذن هو الذي سنتحدث عنه الآن. نعم، ما الإجراءات التي يجب أن يخضع لها المفتون؟

يجب عليك يا أستاذ أن تصوم؛ فإن الصوم له وِجاء. فعندما تصوم فصورة المرأة التي قد تجعلك تخرج عن الإطار لا تؤثر حينئذ فيك، وسترى فيها هذا المخلوق البريء، هذا المخلوق الذي كرمنا الله سبحانه وتعالى به، ولن ترى فيها تلك الأنثى التي تريد أن تهجم عليها هجوم الأسد على الشاة، وتفعل ما لا يصح.

هذا الصوم لك وِجاء، يصنع لك حاجزًا هكذا حولك، عمل لك دائرة دقيقة؛ فإن الصوم له وِجاء.

أمرنا بغض البصر، وأمرنا بالزواج:

قال النبي ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة (النفقة) فليتزوج، ومن لم يستطع»

دخلنا في الصوم. أمرنا الله سبحانه وتعالى أن لا نتبع النظرة بالأخرى؛ فهي سهم. صنع لنا برنامجًا من أجل أن نتقي فتنة النساء.

معنى حديث المرأة تقبل في صورة شيطان وأهمية فهم اللغة العربية

وقال إن المرأة إذا خرجت في زي الشيطان، فذهبوا وقالوا: نعم، إنه يقول أن المرأة شيطان! يا أبالسة القوم! لماذا انصرف بهم الفهم إلى هذا المعنى؟

يا مولانا، اللغة العربية لا يعرفونها، لغةً لا يعرفونها، لم يسمعوا اللغة هكذا. لنرجع إلى أربابها وأهلها؛ لأنهم لم يعرفوا اللغة، انتهى الأمر. المشكلة كلها أننا قلنا ستين ألف مرة وسنظل نقول:

اللغة: إن المرأة تُقبل في صورة شيطان. هم يجعلون المرأة هي الشيطان! لا يا جاهل، المرأة ليست هي الشيطان. هي التي تُقبل.

حسنًا، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

قال النبي ﷺ: «إن المرأة تُقبل في صورة شيطان وتُدبر في صورة شيطان»

كيف وقد أعطتني ظهرها؟ إذا هي شيطان حقيقي! هذا كلام ساذج. لا يا حبيبي، هي فاتنة، وهذه الفاتنة نعمة.

الحديث يوجه الحل للمفتون لا للفاتن: فليأت أهله

ماذا قال الحديث بعد ذلك؟

قال النبي ﷺ: «فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه»

ها هو المفتون: رأى أحدكم. من الذي أعجبته؟ أين يكمن العجب؟ في المفتون! فأعجبته، فليأت أهله. ألست متزوجًا؟ اذهب إلى زوجتك يا أخي، فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه.

إذن المشكلة أين هي؟ في المفتون. في التي أقبلت وأدبرت؟ أبدًا. في الشيطان الذي خدعك من خلالها وجعلها مثل طعم لك حتى يوقعك؟ لا.

فأين الفتنة إذن؟ الفتنة في المفتون، عندي أنا. ماذا أفعل يا سيدي؟ حضرتك نظرتَ، حسنًا، ماشٍ، تجاهل. حسنًا، قال: لا، أُعجبت. قال له: حسنًا، أنت متزوج، ارجع إلى زوجتك فإن ذلك يرد ما في نفسك. اكتفِ بزوجتك.

العلاقة بين الرجل والمرأة مباحة في نطاق الزواج والفتنة نعمة

إذن، العلاقة بين الرجل والمرأة ليست محرمة، هي محرمة خارج نطاق الشريعة ونطاق الزواج.

الفتنة نعمة، والمفتون عليه إجراءات. هذا ما نفهمه، وهذه هي اللغة العربية الأصيلة التي نفهم فيها أن المرأة إذا أقبلت في صورة شيطان، يعني الشيطان يستغل هذه المرأة الفاتنة.

حسنًا، ألا يستغل المال أيضًا؟ ألا يستغل الأولاد أيضًا؟ حسنًا، ألا يستغل الصحة كما يستغل العلم؟ ما رأيك؟ ويجعل العالم من هؤلاء، أي يتعلم ليماري به السفهاء ويداري به الناس!

المفتون بالعلم والشهادة والقرآن يُعاقب يوم القيامة إن لم يخلص

الله! أنت تماري به الفقهاء وتداري به السفهاء، إذن ليس لوجه الله. أصبحت مفتونًا بالعلم، فسيُبعث يوم القيامة فيُنادى: أين العالم؟ فيقول له: أنا. فيقول له: لا، إنما فعلته لغير وجه الله، اسحبوه إلى جهنم.

هذا موجود في كل النعم: موجود في تالي القرآن الذي تلاه من غير إخلاص، موجود في العالم الذي جعل علمه لغير وجه الله، موجود في الشهيد الذي ذهب فاستشهد من أجل عصبية أو من أجل أن يجعل هذه الشهادة سمعة. قال: ما أنا ميت، سأذهب لأموت الآن هكذا.

كل هذه الأشياء لا يقبلها الله. لماذا؟ لأنه مفتون. فُتِنَ بماذا؟ فُتِنَ بالنعم. ما هي هذه النعم؟ العلم، الصحة، السلطة، المال، المرأة، الابن، الأولاد، القرآن.

النعمة تتحول إلى فتنة عند عدم اتخاذ الإجراءات الشرعية

فتصبح بذلك فتنة من هذه الناحية، سير النعمة. ما رأيك عندما يأتي شخص ويقول لك: أنا حافظ القرآن يا أستاذ، حسن، تفرح له أم تحزن له؟ إنني لا أفرح له.

حسنًا، عندما نفرح بذلك، فهذا يعني أنها نعمة. بالطبع هذه النعمة يمكن أن تتحول إلى فتنة فيصبح مفتونًا. لماذا؟ لأنه لم يتخذ الإجراءات التي أمرنا بها الشرع الشريف تجاه النعم.

احمد ربنا، واتقِ نفسكَ، التزم بالأوامر والنواهي، رتب الأولويات ترتيبًا يجعلك مقدمًا لأمر الله سبحانه وتعالى ونهيه على كل رغبة وشهوة جامحة عندك.

أبيات الإمام البوصيري في مجاهدة النفس وخلاصة الفاتن والمفتون والفتنة

والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم. فحاذر النفس والشيطان واعصهما، وإن هما محضاك النصح فاتهم، ولا تطع منهما خصمًا ولا حكمًا، فأنت تعلم كيد الخصم والحكم.

إذن يا سيدي، ها هو الفاتن وها هو المفتون وها هي الفتنة، وعسى أن أكون قد وضحت ما هنالك.

وعندما يأتي أن المرأة تُقبل في صورة شيطان، وشخص يقول لك: لا، لا، هذا ليس حديثًا. هل فهمته؟ أنت تنكر ما قد فهمته أن الرسول يصف المرأة بأنها شيطان! الرسول لم يصف المرأة بأنها شيطان، ولم يصف الطفل بأنه شيطان، ولم يصف المال بأنه شيطان، ولم يصف الشهادة أو القرآن أو العلم بأنه شيطان.

الشيطان يستغل النعم ليغيب المفتون عن واجباته تجاه الله

وإنما الشيطان يأخذ بهذه النعم فيغيبك عن واجبات قد أوجبها الله عليك، وعن إجراءات قد أرشدك الله إليها حتى لا تؤديها، فتقع أنت أيها المفتون في الفتنة، ويبقى الفاتن نعمة من نعم الله.

[المذيع]: مولانا، هناك خطاب أكثر من خطاب: المفرط والخطاب المفرط، بين الإفراط والتفريط هم دائمًا يقفون عند هذه المعاني، ويتم تسويق الإسلام بشكل لا يليق بالإسلام: أن المرأة شيطان، أن الأولاد عدو، كل هذه [المفاهيم المغلوطة]، أن الإسلام جاء ليقف دون أو للحيلولة دون أن يتقدم الإنسان في هذه الحياة.

كيف ندافع عن أنفسنا؟ أنا من عامة الناس الآن، وأسمع هذا الخطاب وذاك الخطاب، وهذا الخطاب الحقيقي الصحيح المستنير الذي يوضح كيف يتم الإصلاح والتجديد. كيف أفرق بين هذا وذاك؟ كيف أدرأ عن المجتمع هذين الخطابين؟

أهمية إعادة اللغة العربية إلى المدارس لاستقامة التفكير والفهم

[الشيخ]: كما ذكرنا قبل ذلك، لابد علينا أن نعيد شأن اللغة العربية إلى مدارسنا، وأن نعيدها إلى معاهدنا، وأن نهتم بها اهتمام الثقافة العامة السائدة، وأن نقاوم كل ما يحاول أن يقدح في هذه اللغة حتى يستقيم تفكيرنا.

فكما قلنا مرارًا أن التفكير واللغة وجهان لعملة واحدة، لن نصل إلى التفكير المستقيم ولن تكون عندنا عقلية ناقدة تستطيع أن تقوّم الأشياء وأن تختار الاختيار الصحيح وأن تبني على هذا الاختيار المناسب إلا باللغة.

فإذا تأملنا، انظر، عندما أقرأ هذا النص وأن المرأة تُقبل في صورة شيطان كنص صحفي، ككتابة صحفية، التي هي الكتابة السطحية ذات الفهم المباشر، الفهم البسيط السطحي، أعتقد أنه يسب المرأة. فماذا أفعل؟

الفرق بين صورة الشيطان وكون المرأة شيطاناً وأهمية تحليل النص

هذا يعني أن اللغة غير موجودة، هكذا أنت هكذا افتقدت اللغة. إن المرأة تُقبَل في صورة شيطان، لا تُقبَل وهي شيطان.

نعم، هل هناك فرق بين وهي شيطانًا وبين صورة الشيطان؟ فرق كبير كالفرق بين السماء والأرض.

فأشرح هكذا: الفاتن والفتنة والمفتون والإجراءات وهكذا إلى آخره. كل هذا الكلام أين تعلمناه؟ تعلمناه في تحليل النص، وتحليل النص هذا جزء من ماذا؟ جزء من خصائص العربية.

ولذلك إذا لم يتعلم الناس هذه المبادئ الأولى سيظلون دائمًا في منتهى الهشاشة.

[المذيع]: مولانا، اسمح لنا أن نخرج لهذا الفاصل القصير ثم نعود لنكمل هذا الحوار المهم جدًا، ابقوا معنا.

فتنة المسلمين في دينهم تأتي من الداخل لا من الخارج

[المذيع]: مولانا الإمام، نأتي إلى الفتنة في الدين. هل فتنة المسلمين في دينهم بالضرورة تأتي من خارج المسلمين من أطر أخرى؟ دائمًا يقولون أنهم يتربصون بنا الدوائر.

[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بعكس ذلك تمامًا. أخبرنا أن فتنتنا من داخلنا، وأنه سأل الله سبحانه وتعالى ألا يجعل بأسنا بيننا شديدًا فمنعها؛ فربنا لم يستجب له في هذا الدعاء.

لكن استجاب عندما دعاه ألا يُسلط علينا عدوًا يستأصلنا من خارجنا، فاستجاب الله له.

معجزة بقاء الإسلام رغم تكالب الأعداء عبر التاريخ

ولذلك عبر التاريخ كانت هذه معجزة لسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، أن تكالب علينا واتفق علينا معشر اليهود في خيبر ومعشر الوثنيين المشركين في مكة، وبالرغم من ذلك لم يستطيعوا أن يبيدوا وأن يستأصلوا دولة الإسلام في المدينة.

بعد ذلك اتفقت علينا دولة فارس ودولة الروم، وهما من أكابر وأعاظم القوى العسكرية والمادية والاقتصادية في هذا الوقت، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينهوا مسألة المسلمين.

بعد ذلك تكالبوا علينا واتفقوا في الحروب الصليبية مع المغول الذين سُموا بالتتار، وبالرغم من ذلك من الهمجية الكاسحة التي كان يرتكبها هؤلاء الناس والفظائع البالغة التي كانوا يرتكبونها، إلا أنهم في النهاية لم يستطيعوا القضاء على الإسلام.

محاولات الاستعمار الأوروبي إبادة المسلمين وفشلها عبر التاريخ

وبعد ذلك تكالبت علينا أوروبا كلها في فترة تُسمى الفترة الاستعمارية، وكانت بدايتها الحملة الفرنسية، ثم بعد ذلك تسلط علينا الإيطاليون والفرنسيون والإنجليز، كما تسلط علينا وعلى العالم الإسلامي الهولنديون والبلجيك والأسبان.

يا أخي، سبحان الله! لم يستطيعوا أن - يعني كان المفروض بمقاييس الحساب أن يُباد المسلمون. أرادوا أن يبيدوا المسلمين في صورة لغتهم، أرادوا أن يبيدوا المسلمين في صورة دينهم، أرادوا أن يبيدوا المسلمين في صورة كتابهم، أرادوا أن يبيدوا المسلمين في صورة كعبتهم وقبلتهم، أرادوا أن يبيدوا المسلمين في كل صورة، لكنهم لم يستطيعوا.

الفتنة الحقيقية من الداخل بعدم طاعة أوامر النبي والاعتصام بحبل الله

خرج العالم الإسلامي بعد هذه الغارة التي بدأت عليه بعد انتهاء الحروب الصليبية والحروب التترية المغولية، ثم جاءوا في القرن السابع عشر وبدأوا في غارة شديدة على العالم الإسلامي بالمستشرقين وبالمبشرين وبهذا وذاك إلى آخره، ثم جاء هذا التبشير وهذا الاستشراق مندمجًا أو يعني تاليًا له، يعني سلسلة متصلة الحلقات ودائمة، ويخرج منها الإسلام أقوى والمسلمون أقوى.

ففي الحقيقة الفتنة ليست من الخارج. الخارج دائمًا هو يسعى إلى مصالحه، ولكن الفتنة هي في أننا لا نطيع أوامر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعاون على البر والتقوى، لا نطيع أوامر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل الناجز:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

لا نطيع الاعتصام بحبل الله ورسوله، لا نطيع هذا الأمر بالتدبر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]

إلى آخر ما هنالك.

ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم ورضي الله عنكم دائمًا يا مولانا، أهلًا وسهلًا بكم، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.