والله أعلم| فضيلة الدكتورعلي جمعة يتحدث عن ثقافة الموت عند المتطرفين| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتورعلي جمعة يتحدث عن ثقافة الموت عند المتطرفين| الحلقة الكاملة

32 دقيقة
  • يناقش النص العلاقة بين مفهوم الرحمة في الإسلام وفكر التطرف الذي يدعو لثقافة الموت.
  • يشرح أن التطرف نتج عن ما أسماه "الهرم المقلوب" حيث جعل المتطرفون آيات القتال قاعدة فهمهم وأخّروا مفاهيم الرحمة.
  • يؤكد أن الإسلام بدأ بالرحمة في "بسم الله الرحمن الرحيم" وقوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
  • يوضح أن العلماء المسلمين تشبعوا بالرحمة واتخذوها أساساً للعلوم المختلفة، وكان أول حديث يُعلَّم للطلاب هو حديث الرحمة.
  • يبين أن الإسلام يدعو إلى حب الحياتين الدنيا والآخرة، وليس الموت الذي اعتبره القرآن مصيبة.
  • يشير إلى أن الحياة مزرعة للآخرة وأن المطلوب هو التوازن بين الحياتين وعمارة الأرض.
  • يؤكد أن المفهوم الصحيح للإسلام هو عيش الحياة بفرح لعبادة الله وعمارة الأرض، لا التركيز على الموت.
محتويات الفيديو(36 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وسؤال عن ثقافة الموت عند المتطرفين

[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يقول:

«إنما أنا رحمة مُهداة»

صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول شاعرنا:

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم *** إلا على صنم قد هام في صنم وماذا حدث لهذا العالَم بعد مجيئه *** يا رب هبت شعوب من منيتها واستيقظت أمم من رقدة العدم

نشر نبينا الرحمة والتراحم بين الناس، نشر نبينا صلى الله عليه وسلم الرفق في كل شيء في هذه الحياة، فهذا هو نبينا وهذا هو رسولنا وهذا هو ديننا.

أهلًا بكم في "والله أعلم" لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة، مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، مولانا الإمام أهلًا بفضيلتك.

[الشيخ]: أهلًا مرحبًا بكم.

[المذيع]: إذا كان نبينا وسيدنا، وإذا كان علماؤنا الأكابر، وإذا كنتم أصحاب الفضيلة دائمًا تنشرون بيننا ثقافة الرحمة والتراحم، يأتي المتطرفون ليؤكدوا دائمًا على ثقافة الموت، ويرفعون هذا الشعار: "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا"، كيف نرد عليهم؟ كيف فهموا هذا الدين؟

نظرية الهرم المقلوب وأسباب انحراف فهم المتطرفين للدين

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. حتى نعلم الإجابة على السؤال الأول، نجيب على السؤال الثاني وهو: ما الذي حدث لهم حتى يفهموا هذا؟

هذه نظرية بعد دراسة لكل ما كتبوه والأدبيات وتتبعها وتاريخهم، ابتداءً من سنة ألف تسعمائة ثمانية وعشرين، ثم ما تتالى من أجيال متتالية بعد ذلك في شأنهم، تبين أن هناك ما يسمى بالهرم المقلوب، هو السبب الذي تسأل عنه.

البسملة بين الرحمة والجمال وتساؤل عن أصل انحراف المتطرفين

ما الذي حدث؟ إذا كان الله سبحانه وتعالى يبدأ ويقول:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

لم يقل "الرحمن المنتقم"، ولو قال لقلنا إنه هذا بين الترغيب والترهيب، جائز، لكنه قال "الرحمن الرحيم"، أي جمالًا في جمال.

إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وصفه ربه فقال:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

و[إلا] هذه، أسلوب اسمه القصر والحصر، ولم يقل "للمسلمين" ولا "للمؤمنين"، وإنما للعالمين.

إذا كان الله سبحانه وتعالى يجعل رسوله يقول:

«إنما أنا رحمة مهداة»

إذا كان الأمر كذلك، فما الذي حدث؟ ما الذي أخرج لنا هؤلاء الناس بهذه القسوة، بهذا التخلف، بهذه الهمجية، بهذه المفاهيم المغلوطة ولماذا؟

كيف اصطاد التطرف أتباعه عبر الهرم المقلوب وآية القتال

لماذا؟ لأنهم ظنوا أن هذا الأمر الذي هم عليه إنما هو ذاته صحيح الدين، وهو الذي سيدخلهم الجنة. وكيف فهموا هذا؟ بالهرم المقلوب

عندما اصطادهم الصياد عن طريق الإنترنت و الإنضمام لجماعات، وما إلى ذلك، وقعوا في هذا الشرك، حيث درسوا مقولة:

واقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم

وأصبحت هذه [المقولة السابقة] هي قاعدة الهرم عندهم. بعد ذلك قلبوا الأمور، فتكون "بسم الله الرحمن الرحيم" في قمة الهرم، ويصبح لها معنى آخر، ما هو؟ شيء غير أساسي!

دراسة البسملة في العلم الشرعي ومدخلها لكل العلوم الإسلامية

إذن، ما الشيء المهم عندهم؟ الرحمة بأنفسهم و أبنائهم فقط.، وهو شيئ لا يُبنى عليه العالم. ماذا حدث لنا [أي: علماء الأزهر]؟

في بداية الدراسة، قضينا سنة ندرس في "بسم الله الرحمن الرحيم" في العلم حتى مَلَّ بعضنا. ومن خلال "بسم الله الرحمن الرحيم" عرفنا:

1.البلاغة.

2.العقيدة.

3.المنطق.

4.الأصول.

5.الفقه

6.النحو

7.والصرف

8.اللغة العربية

قصة الإمام محمد عبده مع دراسة البسملة وفراره من الأزهر

ونحن نقرأ وجدنا محمد عبده رضي الله تعالى عنه ورحمه جاء ليدرس فمكث في دراسة "بسم الله الرحمن الرحيم" ستة أشهر، فملّ وفرّ من الأزهر.

هرب من الأزهر إلى خاله وكان رجلًا متنورًا وأحد علماء الأزهر. وشكى الشيخ محمد عبده لخاله أنه يدرس "بسم الله الرحمن الرحيم" منذ ستة أشهر وأن هنالك علوم متعلقة بها، ولا يستطيع فهمها.

وبدأ [خاله] يشرح له أن البسملة هي مدخل لكيفية إدخال العلوم.

كتاب الشيخ محمد عليش في شرح البسملة ومدخلها للعلوم الشرعية

كان زملاء الشيخ محمد عبده، يشكون أيضا. فألف الشيخ محمد عليش كتابًا اسمه [حِكم البديع في شرح بسم الله الرحمن الرحيم]، يتناول العلوم المختلفة. وذكر:

*علم المنطق

*علم الأصول

*علم الفقه

وعلوم أخرى يشرح فيها فقط معنى "بسم الله الرحمن الرحيم".

[الشيخ]: هكذا جعلها [أي: البسملة] المسلمون مدخلا لكل العلوم عندما فهموها. وهم الذين أسسوا هذه العلوم وجعلوا منطلقها "بسم الله الرحمن الرحيم". هذا هو الفرق.

خطورة الاستهانة بدراسة البسملة وعلاقتها بظهور التطرف والإرهاب

من يستهين بهذه المدة الدراسية ويقول: لماذا ستة أشهر [أي: لدراسة البسملة]؟ سينتِج لنا داعش وجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، إلى آخر هذه الفوضى التي نحن فيها.

فنحن تعلمنا أن قاعدة الهرم هي الرحمة التي تأتينا من الأساس. فعندما نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 190]

سنفهمها بشكل صحيح وسنكون مستنيرين.

الفرق بين وقاتلوا واقتلوا وأهمية فهم اللغة العربية في تفسير القرآن

لأن الشخص المتعصب يقرؤها فيفهم منها على البداهة، ومتسرعًا مخطئًا، القتل. لكن أنا سأفهم من البسملة أن كل حرف له معنى، فأصبحت لدي ملكة أن أقول:

"وقاتلوا"، ليست "واقتلوا"! لقد عرفتها وتنبهت للفارق هناك [أي: في الأزهر].

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 190]

أي ليست "وقاتلوا" فقط، بل لابد أن يكون "في سبيل الله" [قِيد]. أَخْرجْ وأدخل. ما معنى قِيد وما معنى أَخْرجْ؟ لقد تعلمتها هناك [بالأزهر] وأنا أتعلم: "بسم الله الرحمن الرحيم".

القتال في الإسلام دفاعي وليس عدوانياً والفرق بين الدفاع والاعتداء

﴿ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190]

إذن، هم الذين يأتون للقتال، و للإعتداء على الذات، فربنا أذن لى الدفاع عن النفس. ولكن لا أعتدي من نفسي على المسيحيين والآيزيديين وغيرهم.

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا﴾ [البقرة: 190]

لم ينتبه [المتعصبون] لذلك وقالوا: أن هم الذين اعتدوا علينا. كيف ذلك؟ قالوا لقد استُعمرنا أجيالًا. في حين أن هذا الاستعمار كان في القرن التاسع عشر.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

الفرق بين قاعدة الهرم الصحيحة والمقلوبة وأثره على فهم النصوص

فمن أين أتت كل هذه الفوضى؟ من قاعدة الهرم. ما هي قاعدة الهرم؟ أهي "واقتلوا" أم "بسم الله الرحمن الرحيم"؟

فهنا نشأ الفرق بين: النص ومفهوم النص، و النص و الواقع، الفرق بين النص و الواقع مع الوصل بينهما. أصبح العالِم شيء والمتعصب شيء آخر.

[المذيع]: إذن الهرم المقلوب أورث فكرًا مغلوطًا تكفيريًا تفجيريًا، ثقافة الموت.

البسملة أساس العلوم والحديث المسلسل بالأولية ودوره في نشر ثقافة الرحمة

[المذيع]: مولانا الإمام، اذا كنت أكدت لنا هل "بسم الله الرحمن الرحيم" كانت المدخل لكل هذه العلوم والاساس الذى بنى عليه العلماء وايضا "بسم الله الرحمن الرحيم" هي التي عرفتكم الحديث المسلسل بالأولية، وهل كان في البدء أيضًا في التعليم الأزهري؟

[الشيخ]: تشبع المسلمون عامةً والأزهر خاصةً بمراد الله الذي ظهر في القرآن، وفي الحديث، وفي تفكير المجتهدين، وفي التطبيق، تشبعوا به.

فعندما أرادوا [أي: المسلمون] اختيار حديث ليجعلوه أولًا يبدؤون به الكلام، بدؤوا بحديث الرحمة.

حديث الرحمة المسلسل بالأولية وسنده من المشايخ إلى رسول الله

فأصبح كل شيخ حينما يجلس في الدرس ويريد أن يعطي السند لتلاميذه، يبدأ بحديث الرحمة. فسمى المسلسل بالأولية.

[المذيع]: لماذا سمي بذلك؟

[الشيخ]: لأن شيخي أول ما علمني قال لي هذا الحديث ، وشيخ شيخي أول ما علمه قال له هذا الحديث [حديث الرحمة]. إن بيننا وبين رسول الله سلسلة، في هذه السلسلة اثنان وعشرون شخصًا.

فأنا رويت الحديث المسلسل من مشايخي، وكم عدد مشايخي هؤلاء؟ أنا عددت منهم خمسة وعشرين شيخًا.

رواية حديث الرحمة عن السيد عبد الله الغماري وأولوية الرحمة في التعليم

منهم السيد عبد الله بن الصديق الغماري، وأول شيء قاله لي ونحن في درس الحديث.

ليس حديث:

«إنما الأعمال بالنيات»"،

ولا

"كل أمر لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر"

وليس حديث حديث جبريل الذي جاء ليعلم الأمة الإيمان والإسلام والإحسان.

بل علمني حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم مَن في السماء»

بسكون الميم "يرحمْكم من فى السماء"، بضم الميم، أول حديث.

سفيان بن عيينة وابتكار المسلسل بالأولية وبداية الحضارة الإسلامية

من بدأ الأولية؟ إنه سفيان بن عيينة.

من هو سفيان بن عيينة ؟ إنه من الأئمة المجتهدين أصحاب المذاهب. [سفيان بن عيينة] و[سفيان الثوري] يُسمَّيان "السفيانان"، وما معنى أصحاب المذاهب؟ أي مثل الشافعي لكنه [أي: سفيان] كان سابقًا عليه، و مثل مالك ولكن كان بعده.

رأى سفيان الثوري أبا حنيفة وسفيان بن عيينة، فهؤلاء هم الذين ابتكروا هذه المسألة [أي حديث الأولية]. ومتى ابتكروها؟ عندما تشبعوا بالإسلام وفهموه وأدركوا الواقع وعرفوا كيف يصلون وبنوا حضارة الإسلام.

بداية الحضارة الإسلامية بعد القضاء على الخوارج وتاريخ ظهورهم

بدأت الحضارة الإسلامية بعد أن قضوا [أي: المسلمون] على الخوارج. ظللنا نهاجم الخوارج ويهاجموننا منذ سنة سبع وثلاثين هجرية إلى سنة اثنتين وثمانين هجرية.

بعد اثنتين وثمانين هجريا، بدأت الحضارة تظهر:

  • العمارة

  • والفنون

  • والآداب

  • والخط العربي

  • العلوم

  • الكونيات

أتعلم لو كنا ظللنا في أسر فكر الخوارج ولم نقض عليهم؟ لم تكن هناك حضارة وكانت هذه الدنيا ستزول.

تاريخ تهميش الخوارج وعودة ظهورهم حتى ظهور الجماعات الإرهابية المعاصرة

واستمر تهميش الخوارج حتى القرن الرابع، حيث ظهرت مجموعة منهم في المغرب فقضوا [أي: المغاربة] عليهم. فظلت [أي: تلك المجموعة من الخوارج] موجودة حتى القرن الثاني عشر و الثالث عشر، ثم ظهرت بوادر لوجود الخوارج هنا وهناك.

فقام عليهم العلماء حتى قضوا عليهم عسكريًا، وانتهت هذه الفتن. وبقينا على هذا الحال من القرن الثاني عشر حتى ظهور الجماعة الإرهابية في سنة ثمانية وعشرين [1928م]، ونحن بدون خوارج.

إذن ماذا حدث منذ سنة اثنتين وثمانين [هجريا] حتى ظهور الخوارج أصحاب الجماعة الإرهابية؟ كانت هذه الفترة خالية من الخوارج، ظهر رأس هنا وقُضي عليه، وظهر رأس هناك وقُضي عليه في لحظة وإنتهى الأمر.

نظرية الأجيال المتتالية وتدهور الفكر المتطرف جيلاً بعد جيل

ثم عادت الخوارج والنابتة، وظهرت الأجيال المتتالية منهم حتى ظهر داعش وأمثالهم من هذه الجماعات.

  • النظرية الثانية هي الأجيال المتتالية ذكرنا النظرية الأولى وهي:

  • الهرم المقلوب.

إن كل جيل [من الخوارج] يأتي أخس وأنكد وأمر من الجيل الذي قبله.

[المذيع]: لم يتعلموا ممن الذين قبلهم يا مولانا.

[الشيخ]: بل يتعلمون الأشد؛ لأن عمى البصيرة يشتد عندهم. إلى أن وصلنا الآن إلى شخص يسأل ويقول: هل رسول الله صحيح أفضل الخلق؟ هل وصلنا إلى هذا المستوى المتدني!

أفضل الخلق هذا باتفاق المسلمين، هذا باتفاق الجن والإنسان، أول الخلق، أول الخلق. أتنتبه كيف؟ فلماذا يفعل هذا؟

تشكيك المتطرفين في العلماء واللغة وأصول الفقه واعتبارها طاغوتاً

لقد شككوهم في كل شيء، جعلوهم لا يلجأون إلا إلى مصدرهم هم فما صححوه فيكون هو الصحيحً، وما دون ذلك يكون ضعيفًا، وكأنهم مصدر الدين.

وماذا عن العلماء واللغة و الأصول؟ أحد كبرائهم يقول إن أصول الفقه طاغوت يُعبد من دون الله!

لقد أصبحت أصول الفقه الذي أتى به الإمام الشافعي المنوَّر صاحب القرآن وناصر السنة، طاغوتًا والعياذ بالله تعالى!

هذا هو الفهم العفن الذي تردى إليه هؤلاء الناس، جعلهم يزهدون في العلم فزهدوا.

حصانة الأزهر من التطرف وقلة عدد المنحرفين من خريجيه

لم نرهم في مساجدنا ولا رأيناهم في معاهدنا. يدرس بالأزهر مثلًا اثنان مليون شخص، خمسمائة ألف في الجامعة ومليون ونصف في المعاهد.

كم واحد منهم ضلّ الطريق؟ واحد لأنه لم يذاكر جيدًا أو لم يحضر درس "بسم الله الرحمن الرحيم".

عندما قبضوا على الجماعات الإسلامية والأحداث التي وقعت في أيام المرحوم أنور السادات، قبضوا على ستة عشر ألف شخص، منهم ثمانون شخصًا فقط من الأزهر.

ثمانون على ستة عشر ألف، يكون ثمانية على ألف وست مئة، أي واحد في المئتين. ذاك الواحد في المئتين، يعني نصف في المئة.

عبد الله عزام الاستثناء الوحيد من الأزهر وقصة مناقشته مع الشيخ السايس

كم واحد من الثمانين أمسك السلاح؟ ولا واحد. من ضمن هذه الطوائف الإرهابية هناك عمر عبد الرحمن ويوسف القرضاوي أيضًا، لكن لم يمسكا السلاح.

كم خريج أزهري أمسك بالسلاح؟ عبد الله عزام واحد فقط من بين الملايين تلك، وهو يمثل الاستثناء الذي يثبت القاعدة.

من هو عبد الله عزام ؟ إنه شاب من الأردن جاء ليحصل على الدكتوراة من مصر. فمن الذي ناقشه؟ ناقشه الشيخ السايس رحمه الله.

قال الشيخ السايس له: أتعلم يا عبد الله، أنت في رسالتك هذه ماذا فعلت؟ كنت كمن قلنا له اقرأ الفاتحة، فقرأ:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1]

هكذا فعلت يا بني!

خلل الفهم عند عبد الله عزام وتفرده كاستثناء بين خريجي الأزهر

فالرجل [الشيخ السايس] قال له: اقرأ الفاتحة، و معنى ذلك أن عبد الله [عزام] عنده خلل في الفهم. باحث جيد، جمع معلومات ورتبها، لكن خرجت "قل أعوذ برب الناس" ولم تخرج المطلوب [أي أنه شذ عن العلم الذي درسه].

كم شخص مثله ؟ لا أحد.

هناك القرضاوي وعمر عبد الرحمن وعبد الله عزام - ثلاثة. لن تجد ثانيًا.

والثمانون [ المتهمون في أحداث فوضى أيام الرئيس السادات] كلهم رجعوا.

قدرة خريجي الأزهر على الخروج من نظرية الهرم المقلوب بفضل تعليمهم

الذين نقول عنهم هؤلاء ، هم شيء يجب علينا أن نحلله؛ لأنهم استطاعوا بما لديهم من حس نقلوه عن مشايخهم أن يخرجوا من نظرية الهرم المقلوب، وأن يخرجوا من نظرية الأجيال المتتالية.

سؤال المذيع عن كتاب فقه حب الحياة في مواجهة ثقافة الموت

[المذيع]: سنعود إلى سيدنا صلى الله عليه وسلم لنتعرف أكثر وأكثر، ونعرف من مولانا الإمام حقيقة الحب الذي أراده سيدنا في هذه الحياة لننشر السلام في ربوع العالم.

أهلًا بحضراتكم مولانا، إذا كانت هذه الجماعات المتطرفة تؤكد على أنه لا بد وأن تربي الأجيال على هذه الثقافة، ثقافة أن تموت في سبيل الله، وإذا صرفنا أنظارنا تجاه هذه المكتبة القيمة [للدكتور علي جمعة] نجد عنوانًا لكتاب منيف، لكتاب رائق مكتوب عليه "فقه حب الحياة" لمولانا الإمام.

بماذا أراد أن يؤكد في هذا الكتاب ليتصدى لهذا الفكر المعوج ولهذا الهرم المقلوب؟

حب الحياتين الدنيا والآخرة هو المراد الإلهي وليس حب إحداهما دون الأخرى

[الشيخ]: قلنا لهم: قال تعالى:

﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]

فهذا ما نحن عليه، نحب الحياة. أتظن أن الحياة هي الحياة الدنيا فقط؟ إنما الحياة أيضًا الحياة الآخرة، وهذه الدنيا مزرعة للآخرة. ولذلك فحب الحياتين هو المؤكد عند الله.

أما الذي أحب الآخرة وكره الحياة الدنيا، وأما الذي أحب الدنيا وكره الآخرة، فليس مستقيمًا ولا مرادًا لله.

﴿فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ﴾ [البقرة: 200]

وبعد ذلك:

﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ * أُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 201-202]

التوازن بين الدنيا والآخرة والاستواء الحياتي في مقابل العرج الفكري

إذن أنا هنا أمام العرج الفكري الذي يؤمن بإحدى الحياتين دون الأخرى، وأمام الاستواء الحياتي الذي يحب الحياتين ويقول:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

وأمام قوله تعالى:

﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]

إذن، أنا أمام توازن، رجل بصير بعينين وليس أعورًا، رجلًا يسير على قدمين وليس فيه عرجٌ يسير على قدم واحدة.

فهذا الذي دعونا إليه في فقه حب الحياة.

الإسلام لم يدعُ إلى قتل النفس بل جعل الأمة أمة رحمة

ما دعا الإسلام أبدا إلى "اقتلوا أنفسكم". هل الله قادر أن يقول اقتلوا أنفسكم هكذا؟ نعم، قادر وقد قالها لمن جعل الأغلال والإصر في أعناقهم [بني إسرائيل].

لكن الله أرادنا أمة رحمةً، وضعَ عنّا الإصر والأغلال التي في أعناقنا، وجعل لنا هذه الحياة نحبها دنيا وآخرة.

والأمر واحد؛ لأن هذه الحياة الدنيا طالت أو قصُرت، لا تساوي عند الله ثلاث دقائق. فكم أعيش؟ لنفترض أعيش مائة سنة، هذه المائة سنة تساوي ثلاث دقائق عند الله.

﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 4-7]

نسبية الزمان في القرآن وقصر الحياة الدنيا مقارنة بيوم القيامة

عندما تقسم خمسين ألف [سنة] على أربعة وعشرين ساعة، تصبح الساعة الواحدة بألفين وقليل. أي أن سيدنا المسيح رُفع من ساعة واحدة فقط.

وعندما تقسم ألفين على ستين [دقيقة]، تصبح الدقيقة الواحدة [في الآخرة] بثلاثة وثلاثين سنة وثلث [في الدنيا]، حاصل ضرب ثلاث وثلاثون في ثلاثة يساوي مائة [سنة] . فهل لو بقيت هنا [في الدنيا] مائة سنة، تكون عند ربنا ثلاث دقائق؟

هذا ما نبّه عليه ربنا:

﴿كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا﴾[المؤمنون: 113]

وبعدما رأوا العدادات مختلة قالوا:

﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ [المؤمنون: 113]

إسأل من يعدّ [أي إسأل الملائكة الذين يحصون ويحسبون أعمال وأعمار الخلق].

قصة عزير وأصحاب الكهف شواهد على نسبية الزمن في القرآن الكريم

هو نفس الشعور الذي أشار إليه مع عزير، فأماته الله مائة عام ثم بعثه:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259]

هو نفس الشعور الذي حكاه عن أصحاب الكهف بعد قيامهم بثلاثمائة وتسع سنين:

﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِمْ ثَلَـٰثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: 25]

﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾[الكهف: 19]

﴿قَالَ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ﴾[الكهف: 19]

إذن، نحن أمام نسبية في الزمان تجعل هذه الحياة الدنيا مع المائة سنة قابلة للصبر.

حب الحياة الدنيا لأنها مزرعة للآخرة وقابلة للعمل الصالح

و للعمل الصالح،و لعمارة الأرض، و لعبادة الله، و للالتزام. لا يتذمر أحد ولا يطلب [شيئا] خارج هذا النطاق.

هذا حب الحياة، نحن نحبها وهي سهلٌ علينا؛ لأنها ستستغرق ثلاث دقائق فقط [عند الله]، وهي [أي: الحياة الدنيا] مزرعة للآخرة. ولذلك نحن نحبها لكي نعمل لآخرتنا التي سنكون خالدين فيها أبدًا.

الموت مصيبة في الإسلام وليس غاية يُسعى إليها

هذا هو مفهوم الإسلام الصحيح، وليس أننا نحب الموت. فالله تعالى يقول:

﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]

من يقول نحن نحب الموت؟ والنبي يبكي بعد فراق إبراهيم [ابنه] ويقول:

«إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول ما يُغضب الرب»

تبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

من الذي يحب الموت وقد جعله الله ورسوله مصيبة يستوجب الصبر عليها الجنة؟

الحياة في سبيل الله على أساس المفاهيم الصحيحة لا الموت بفهم ضيق

[المذيع]: هل نحيا في سبيل الله بمثل هذه المفاهيم الحقيقية والأجمل، أم نموت في سبيل الله في إطار هرم مقلوب وفكر معوج؟

[الشيخ]: نحن نتعامل مع الموت باعتباره مصيبة، ونتعامل مع المصائب باعتبار أن ذلك يستوجب الصبر والرضا والتوكل وعدم الإحباط والاستمرار، حبًا في الحياة.

وحبًا في أن نستغل هذه الحياة من أجل رضا الله. ولذلك كان من الدعاء:

«اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر»

سؤال الله السلامة والعافية والمفهوم الصحيح لعمارة الأرض والاستخلاف

أحيانًا يتألم المرء عندما يرى الحبيب والعزيز عليه يتألم من الوجع والمرض، فيتمنى له أن ينتهي هذا البلاء؛ لأن حياته معطلة في داخل هذا الألم و المرض.

فنسأل الله السلامة في أبداننا وعافيتنا وسمعنا وبصرنا، وأن يجعل ذلك كله الوارث منا، وأن نحيا في صحة وفي متاع الله سبحانه وتعالى ونعمته.

فهو الذي:

﴿أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

هذا هو المفهوم الصحيح الذي تلقيناه في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وفي كلام الأكابر من أهل الفكر و أهل الله.

مداخلات المشاهدين حول الرد على ادعاء أن الإسلام يدعو لثقافة الموت

[المذيع]: اسمح لى يامولانا نقرأ بعض المداخلات حول سؤالنا، ما رأيك في الادعاء بأن الإسلام يدعو لثقافة الموت؟

تقول السيدة إيناس أحمد علي: كيف هذا والله تعالى يقول:

﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]

والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو:

«ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»

فالإسلام لم يحرم التمتع بالدنيا وبمتاعها الحسن والمباح وبما لا يخالف شرع الله.

الأستاذة هالة الديب تقول: الإسلام يدعو للحياة:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]

والإسلام يقول: الأبدان مقدمة على الأديان.

الأستاذ حسام أبو السعود ويقول: كيف وقد قال:

﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]

الموت ينهي التكليف والإسلام يدعو للحياة وعمارتها لا للانتحار

[الشيخ]: بالموت ينتهي التكليف، وهذه شريعة تكليف فهي تحتاج إلى استمرار الحياة.

فعندما آتي وأدعو الناس أن يموتوا، فكأنني أدعوهم إلى الانتحار. لماذا حرّم ربنا الانتحار إذن؟ كان يمكن أن يوجب علينا الانتحار لكنه جعل القتل جريمة.

إذن، الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى الحياة وإلى عمارتها و الصبر عليها وإلى أن نحولها إلى بداية الطريق إلى الجنة.

خاتمة الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم وغفر الله ذنبكم دومًا ودائمًا يا مولانا.

[الشيخ]: شكرًا لكم.