والله أعلم|  الدكتور علي جمعة يتحدث عن مبدأ الحب والكراهية في ضوء القرآن الكريم| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم| الدكتور علي جمعة يتحدث عن مبدأ الحب والكراهية في ضوء القرآن الكريم| الحلقة الكاملة

30 دقيقة
  • السلام هو الأصل في حياة البشرية، حيث حرم الله القتال بين بني آدم، وكان ابن آدم الذي ابتدع فكرة القتل قد ارتكب مصيبة تبقى آثامها في رقبته إلى يوم الدين.
  • القتل مرفوض من الله تعالى، وقد اضطررنا اضطراراً إلى القتل بحق (القصاص) لضرورة العقوبة، والقتال دفاعاً عن الأوطان والنفس خلاف الأصل.
  • الحب معنى إيجابي والكراهية معنى سلبي، وقد رسم الله لنا طريق الحب: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
  • الله يحب القلوب الضارعة له، ويكره القلوب الغافلة التي طُبع عليها.
  • الحب الحقيقي هو العطاء بلا مقابل كحب الأم لأبنائها، فهو معيار الحب الذي يُقاس عليه.
  • علينا ألا نقف عند ظاهر الحب والكراهية، بل نسعى إلى حقائق الأشياء، فقد نكره شيئاً وهو خير لنا، وقد نحب شيئاً وهو شر لنا.
  • ينبغي أن نحب الدنيا والآخرة معاً، فمن أحب الدنيا فقط فهو أعرج، ومن أحب الآخرة فقط فهو أعور.
  • نتمتع بجمال الدنيا
محتويات الفيديو(35 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة لمناقشة مبدأ الحب والكره في القرآن

[المذيع - الأستاذ حسن الشاذلي]: بسم الله الرحمن الرحيم،

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

صدق الله العظيم، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك.

أهلًا بكم في «والله أعلم»، لنسعد دائمًا بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلاً وسهلاً بكم.

[المذيع]: مولانا الإمام،ونحن نسير في فهم المبادئ القرآنية، نقف عند هذا المبدأ: مبدأ الحب والكره في القرآن الكريم، وكيف نفهم حقيقة الحب والكره في ضوء «عسى أن تحبوا وعسى أن تكرهوا»؟ ففي البداية، **كيف نفهم هذه الآية وكيف نصحح أوضاعنا دائمًا من خلالها.

السلام هو الأصل في حياة البشرية وتحريم القتل منذ خلق آدم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

السلام هو الأصل في حياة البشرية، هو الأصل من ناحية أن الله سبحانه وتعالى لمّا خلق آدم وأبناءه في الدنيا، حرِّم عليهم القتال وحرِّم عليهم القتل.

ولذلك كان ابن آدم الذي ابتدع هذه الفكرة - أن يقتل الإنسان أخاه - ارتكب مصيبة فتحت على البشرية شرًا عظيمًا، تبقى آثامه في رقبته إلى يوم الدين.

حديث النبي في إثم من سنّ القتل وخطورة السنن السيئة على البشرية

[المذيع]: ومن يقوم بفعله يا مولانا

[الشيخ]: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تُقتَلُ نَفسٌ ظُلمًا إلَّا كانَ على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفلٌ مِن إثمها»

لأنه هو الذي جعل هذا المعنى يخطر على بال البشر، والنبي صلى الله عليه وسلم ينبه إلى هذا المعنى فيقول:

«من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين»

فربما إنسان يأتي ببدعة؛ أو يأتي بانحراف أو بكفريات أو بجريمة مثل هذه الجريمة الشنعاء، خالفت مراد الله من خلقه، ونظام الله في أمره ونهيه، ويقلده الناس.

النهي عن كون المسلم إمّعة والتأكيد على اتباع هدي الله لا أهواء الناس

بعض الناس ضعيف الشخصية يقول: لم لا؟ ويقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت. والنبي يقول لنا:

«وطِّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا»

[المذيع]: لا يكون الإنسان إمّعة يا مولانا؟

[الشيخ]: صحيح، لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس، بل لا بد أن نسير على هدي الله حتى لو خالفنا الناس جميعًا.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا أن الرجال تُعرف بالحق، لا أن الحق يُعرف بالرجال. يقول: ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد، فهذا نبي مرسل من عند الله وليس حوله أحد يؤمن به.

الكثرة لا تعني الحق والآيات القرآنية الدالة على ضلال الأكثرية

والله قال في شأن نوح:

﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُٓ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]

وقال سبحانه وتعالى:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]

وقال تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

[المذيع]:

﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]

[الشيخ]: وهكذا فإننا أمام حقيقة أن الكثرة لا تعني شيئًا، وأن الحق أبلج والباطل لجلج ولو كان أتباعه قلة.

عصمة أمة الإسلام من الاجتماع على ضلالة ووجوب اتباع السواد الأعظم

وبالرغم من ذلك فإن الله سبحانه وتعالى عصم أمة الإسلام من أن تضل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«لا تجتمع أمتي على ضلالة»

وكان ابن مسعود - لأنه تربّى في المدرسة النبوية - يقول:

[ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن]

ولذلك عفا الله سبحانه وتعالى عن هذه الأمة، وجعل أنها لا يمكن أن تتبع غير سبيل المؤمنين في مجملها، فقال صلى الله عليه وسلم:

« فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار ».

هذا خاص بأمة النبي، وهذا كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم تميزنا بها عن سائر الأمم.

كراهية الله للقتل وتجلياته من القصاص والقتال المشروع كخلاف للأصل

وعلى ذلك فإن الله سبحانه وتعالى كره هذه الانحرافات وهذه المعاصي، وكان القتل واحدًا منها. القتل له تجليات، هذه التجليات بعد القتل الأول الذي قتل فيه قابيلُ هابيلَ.

بعد القتل الأول هذا - وطبعًا ليست عندنا هذه الأسماء، فقد استفدناها من كتب من سبقنا.

[المذيع]: أسماء هابيل وقابيل؟

**[الشيخ]:**صحيح،

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: 27]

لم يقل هابيل ولا قابيل ولا شيء.

[المذيع]: من أين تأتي هذه الأسماء؟

[الشيخ]: - اهتمت الكتب السابقة بتفصيلات.

منهج القرآن في القصص التركيز على المبادئ والقيم لا على التفاصيل الدرامية

هذه التفصيلات نحن في القرآن لا نراها؛ لأن الله يريد أن يلفتنا إلى ذات القصة وليست إلى دراما سننشئها من القصة، إنما إلى مسألة نستنبط منها المبادئ، والقيم، وبرنامج الحياة إلى آخره.

ولذلك لم يهتم إطلاقًا بما اسم كلب أهل الكهف، وما عددهم، وما أسماؤهم، وفي أي عصر من عصور الملوك كانوا، وما اسم ذلك الملك؟

وهكذا لم يهتم النقل بهذه الدراما، ولكنه اهتم بالمبادئ والقيم والمواقف والبرامج والعبرة إلى آخره.

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]

﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [يوسف: 111]

كراهية الله للقتل وتولّد القتال والقصاص عنه اضطرارًا لا أصلًا

فإذن، أنا أمام القتل الذي هو مرفوض من عند الله سبحانه وتعالى، وكره الله انبعاثهم، وكره الله سبحانه وتعالى القتل.

ولذلك كان القتال قد تولّد عن القتل، والقتل بسلطان وبحق تولّد عن القتل. يعني عندما ارتكب هذا [القتل الأول] فأردنا [أن نضع عقوبة رادعة]:

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

لأنه:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]

فمن أجل هذا اضطررنا اضطرارًا إلى القتل، ولكنه الذي هو بحق.

القتال المفروض خلاف الأصل وقراءة السلمي في معنى الكره والإكراه

[المذيع]: الذي هو القصاص يا مولانا، أى العقوبة كما أشرت آنفًا؟

[الشيخ]: نعم، والقتال دفاعًا عن الأوطان وعن النفس وعن الذات. فهذا خلاف الأصل، ولكن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]

وبادر إلى ذلك بقوله:

﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]

وكان السلمي - وهو أحد نقلة القرآن الكريم - يقول: «وهو كَرّهٌ لكم»

[المذيع]: وليس «كُرْهً لكم»؟

[الشيخ]: الكلمتان واردتان: كُرْهٌ لكم وكَرّهٌ لكم، وهو كُرْهٌ لكم أي وأنتم مُكرَهين.

القتال مكروه لمخالفته الفطرة السليمة والشخصية المستقيمة ترفض قتل الإنسان

لماذا أنتم مُكرَهين؟ لأن الله لا يريدنا في معركة دامية، لأن [القتل] خلاف الأصل؛ لأنك إما أن تكون قد أُكرهت عليه إكراهًا ودُفعت إليه دفعًا - قراءة السلمي - وإما أن تكون تكرهه وتأباه.

لأن الفطرة السليمة ولأن الشخصية المستقيمة ترفض هذا؛ لأن قتل الإنسان مخالف لخلقة النفس البشرية التي خلق الله الناس عليها.

[المذيع]: وتعلمنا فضيلة مولانا قبل أن نخرج إلى هذا الفاصل، أن القصاص هو عقوبة استوفت شروطها. فسنذهب إلى هذا الفاصل ثم نعود إلى سؤال مُلحّ جدًا سوف نسأله بعد الفاصل، ابقوا معنا.

الرد على شبهة أننا أبناء القاتل قابيل وبيان بعدها عن المنهج العلمي

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، يقول البعض: بما أن آدم ولديه هابيل وقابيل، وقابيل قتل هابيل، فنحن أبناء القاتل، ولذلك القتل موجود في السلسلة البشرية طالما عاشت هذه السلسلة.

[الشيخ]: هذا كلام تضحك منه الثكلى [التي فقدت زوجها ]، و تسقط منه الحبلى من شدة الضحك، ويشيب منه الأقرع من شدة الضحك.

هو في الحقيقة هذا كلام، إن دل، فإنه يدل على البعد عن المنهج العلمي الرصين. ربنا يقول:

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]

نقد الاستدلال بنظرية التطور والخلط بين المنهج التجريبي والنقلي

هل هم شاهدوا السماوات العُلى؟ هم يقولون أن العلم أن ترى ، وعليه، فهل داروين و أتباعه، رأوا قردًا صار إنسانًا؟ هذه مسألة غير علمية.

هل رأيت أننا أبناء القاتل، وبعد ذلك أنت خلطت بين المنهجين: لم تر قاتلًا، وصدقت الأخبار الواردة من المتدينين في كتبهم.

حسنًا، المتدينين في كتبهم يقولون أن ابن آدم الكبير كان شيث، وأن شيثًا أُرسل إليه فكان رسولًا من أبناء آدم.

حواء كانت تلد توائم وشريعة آدم في تحريم زواج التوائم

هل تظن أن آدم لم ينجب غير هابيل وقابيل؟ لا، فقد كانت حواء عليها السلام تلد في كل بطن توأمًا: ولدًا وبنتًا.

فكان الولد من البطن الأولى يتزوج البنت من البطن الثانية، والبنت من البطن الأولى تتزوج الولد من البطن الثانية في العام الثاني.

فالذي حُرِّم في شريعة آدم زواج التوائم؛ لأنه لا بد من أن هؤلاء الناس يتزوجون، فما العلة في عمود النسب؟ التوأم. فالتوأمية كانت هي التي تحرم ما بينهم.

الرد على دعوى أننا من نسل القاتل بأن شيثًا هو الابن الأكبر لآدم

ونحن أتينا بذلك من الكتب المقدسة التي نؤمن بها.

فهل أنت تؤمن بها [مخاطباً من يقولون أننا أبناء القاتل] أيها الأبعد؟فأنت لا تؤمن بها! فلا هذا علم تجريبي مرئي، ولا انت تؤمن بالخبر المروي، فكيف نكون نحن أولاد قاتل!؟

قابيل وهابيل هما اثنان من بني آدم. فكان قابيل يريد أن يتزوج البنت توأمه مخالفًا للشريعة، وكان هابيل هو المرشح للزواج منها.

[المذيع]: البنت من البطن الثانية؟

[الشيخ]: نعم، فإذن هابيل على حق وتجوز له تلك البنت لأنها ليست توأمه، وقابيل على باطل لأنه وضع عينيه فيما ليس له شرعًا.

قصة هابيل وقابيل وهوى التملك والعشق المحرم الذي دفع إلى القتل

فكان هابيل رجلًا طيبًا وملتزمًا ومتدينًا، ولم يستطع أن يخالف الشرع. أما الآخر [قابيل] فقد اتبع شهوته ورغبته وهواه: هوى التملك بأن قال: إنها توأمي، وأنا أحق بها. والأمر الثاني هو هوى العشق المحرم ، حيث قال: أنا أحبها أكثر منك.

فقال له الآخر [هابيل]:

﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28]

** هابيل رجل تقيّ** لا يريد عداءً، يقول له: حتى إذا جئت لتقتلني فلن أستطيع أن أمد يدي عليك؛ لأن قابيل هدده بأنه سيقتله لكي ينتهي من هذا الأمر.

ندم قابيل بعد القتل وبيان أن أبناء آدم لم يكونوا هابيل وقابيل فقط

وقتله، وبعد ذلك ندم على ما فعله، ورأى الغراب وهو يحفر في الأرض، وهكذا إلى آخر القصة الموجودة في سورة المائدة.

فهؤلاء الأولاد لم يكونوا هم الوحيدين حتى يقول لي: أنت من نسل القاتل الذي عاش. حسنًا، هذه نقطة أولى.

النقطة الثانية: من الذي أخبرك أن هابيل لم يكن متزوجًا؟ وربما كان لديه أولاد أيضًا؟ من الممكن أنه تزوج وأنجب؛ لأنه في ذلك الوقت لم يكن هناك بأس بتعدد الزوجات، فمن الممكن أن يتزوج؛ من البطن الثانية والثالثة والرابعة والخامسة يتزوجوا، لماذا؟ لأن الأولاد الذين لهم[البطون]؛ ماتوا فتصبح النساء أكثر من الرجال، إلى آخر ما هنالك من احتمالات.

شيث هو الابن الأكبر لآدم وهو الذي نُبِّئ بالرسالة بعده

ولكن؛ نطمئن صاحبنا هذا أنه طبقًا للروايات فإن شيث هو الكبير، وهو الذي حتى نُبِّئ بالرسالة بعد سيدنا آدم عليه السلام.

[المذيع]: مولانا الإمام، تكلمت فضيلتك عن واحدة من تجليات ما نكره وفُرِض علينا كالقتال. حسنا، الحب: وحُبِّب إليكم الإيمان وزيِّنه في قلوبكم، كيف نقر هذا المبدأ - الحب - كيف نفهم هذا المعنى لكي نفهم ما نحب وما نكره؟

صفات الحب والكراهية في القرآن بين القلوب الضارعة والقلوب الغافلة

[الشيخ]: موجود في القرآن:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ﴾

و:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾

فيوجد أيضًا «إن الله يحب» و«الله يحب»، يُحب ماذا؟ المتقين والمحسنين، هناك صفات هكذا.

عندما نجمع هذه الصفات نجدها هي صفات القلوب الضارعة لله. ملخصها هكذا: أن القلب الضارع لله ربنا يحبه.

وعندما نجمع الكراهية نجدها هي القلب الغافل. هذه الكراهية في أكثر من عشر صفات موجودة في القرآن، أوصاف لهذا:

﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ [سورة التوبة: 93]

﴿بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾ [المطففين: 14]

﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: 88]

﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: 16]

تعد قرابة اثني عشر موضعًا.

برنامج الحب والابتعاد عن الكراهية وجعل الحب معنى إيجابيًا في حياة المسلم

فهذا هو الأمر الذي ينبغي علينا أن نبتعد عنه [صفات القلوب الغافلة]، وهذه هي الأمور التي ينبغي علينا أن نقترب منها [صفات القلوب الضارعة].

إنه برنامج للحب، برنامج للابتعاد عن الكراهية؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحب معنىً إيجابيًا وجعل الكراهية معنىً سلبيًا.

وعندما أراد ربنا أن يشرح لنا هذا الأمر، أمرنا بأن نحب الحياة وأخبرنا أن الحياة الحقيقية الدائمة الخالدة التي لا تكليف ولا نكد ولا كدر فيها هي الحياة الآخرة:

﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]

حب الدنيا والآخرة معًا والتحذير من الغفلة عن الآخرة

ولكن الدنيا نحبها أيضًا؛ لأنها مزرعة الآخرة:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

لكن لا نقتصر على واحدة ونقول إنها الدنيا فقط. هؤلاء الذين لاموا علينا إننا وهم عن الآخرة هم عنها غافلون:

﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]

هذا الذي نهانا عنه: أن نترك الأدوم والأخلد والأبقى والأعلى والأغلى ونتمسك بالأدنى والزائل. والتمسك بالزائل أمر غير عقلاني.

تشبيه الغزالي لمن يترك الآخرة بمن يختار الفخار ويترك الذهب

ويشبه ذلك الإمام الغزالي بقوله: هذا كمثل من أراد الفخار وترك الذهب، أي ترك إبريقًا من الذهب.

ونقول له: هذا الفخار لايساوي ثلاثة قروش وقابل للكسر، لكن إبريق من الذهب هذا فيه اثنان أو ثلاثة كيلو من الذهب، وهو لا يُكسر. فهنا تكمن الغفلة، أما الحب؛ ربنا سبحانه وتعالى رسم لنا طريقًا له:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

يحببكم الله، أي أن الله سبحانه وتعالى سيحبنا.

عناصر الحب الإلهي في الأسماء الحسنى وقاعدة التخلق بأخلاق الله

الله سبحانه وتعالى سيكرمنا، والحب عطاء. من الرزاق؟ من المحيي؟ من الكريم؟ من الواسع؟ هو الله سبحانه وتعالى.

كل عناصر الحب متوفرة في الصفات الحسنى والأسماء الحسنى لله رب العالمين؛ لأنه يعطي، لأنه يمنح، لأنه يُحيي، لأنه يرزق، لأنه كريم، لأنه جواد سبحانه وتعالى.

ربنا وضَّح لنا أسماءه بهذه الطريقة لكي نتبع القاعدة الشهيرة وتخلَّقوا بأخلاق الله.

ولذلك نجد سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام، ربنا يقول له ماذا؟ يقول له:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

النبي رحمة مهداة وجوده في رمضان تخلقًا بأخلاق الله الرحمن الرحيم

نجد أول كلمة: بسم الله الرحمن الرحيم. فما هي الأوامر إذن؟

«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

[المذيع]: المسلسل بالأولية يا مولانا؟

[الشيخ]: صحيح، فسيدنا النبي هذا رحمة، وكان يقول عن نفسه:

«إنما أنا رحمة مُهداة»

لأن الله رحمن رحيم كريم جواد. يقول:

«وكان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» صلى الله عليه وسلم، «فإذا أتى رمضان كأنه الريح المرسلة»

لأنه يريد أن يتخلق بأخلاق الله سبحانه وتعالى. الدنيا في يده وليست في قلبه.

الحب عطاء والأم معيار الحب الحقيقي بلا مقابل

ومن هذا المعنى يأتي الحب؛ لأن الحب عطاء. فإذا أحببت أن تكون حبيبًا، إذن كن كريمًا وأعطِ.

مَن الذي يعطي بلا ثمن؟ إنها الأم. ولذلك الأم هي معيار الحب.

الحنان والأمان والرعاية والعناية والعطاء بلا مقابل تأتي منها.

وهناك القصة المشهورة عن الرجل الذي كان يطوف بأمه حول الكعبة وهي كبيرة في السن، ثم قيل له: أرأيت أني قد وفيتها حقها؟ قال: لا، إنك تطوف بها وتخدمها وفي قلبك تتمنى زوالها لكي ترتاح، ولكنها خدمتك وهي تتمنى بقاءك، بل وتضحي بحياتها من أجلك.

حب الأم لأبنائها هو المقياس الحقيقي للحب والكراهية بخلافه

فمهما تفعل لن تعرف أن توفي حقّها عليك، لا، هل تستطيع أن تحمل بها؟ هل ستتمكن من ولادتها؟ هل ستتمكن من العناية بها؟

هذا هو الحب الحقيقي. الحب الحقيقي هو أنها تحب أبناءها حتى -كما يقول المصريون- لما نطلع فيهم القطط الفاطسة [أي مهما بلغت عيوبهم] تقول: أحبهم على أية حال هم عليها، وتدافع عنهم إلى آخر قطرة وآخر نَفَس في حياتها.

هذا هو الحب الذي يُقاس عليه، حب الأم لأبنائها هو الحب المقياس الذي يُعدّ معيارًا للحب، والكراهية بخلافه.

سؤال المذيع عن تحقيق سعادة الدارين في ضوء فهم الحب والكره في القرآن

[المذيع]: إذن في ضوء هذا المنهج الإصلاحي والتجديدي في فهم الكره والحب في القرآن الكريم وفي إسلامنا الجميل، كيف نحقق ما يدعو إليه دائمًا فضيلة مولانا بسعادة الدارين، فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

مداخلات المشاهدين حول تطبيق تحذير القرآن من حب أشياء هي في حقيقتها شر

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، وأجدد الترحيب بصاحب الفضيلة مولانا الإمام. اسمح لي أن أقرأ بعض المداخلات حول سؤالنا على فيسبوك وهو: برأيك كيف تطبق تحذير القرآن من حب أشياء هي في حقيقتها شر لنا؟

يقول الأستاذ هشام بدوي: بأن نرضى بما قسمه الله لنا حتى لو كان في ظاهره شرًا لنا.

الأستاذ أحمد يقول: من خلال النظر إلى تجارب مَن قاموا بتلك الأعمال.

الأستاذة ميرفت: بدوام التذكير، دمتم لنا قدوة، وجعلكم الله من أصدق التابعين.

الأستاذة سحر أحمد هاشم تقول: بالتسليم التام والرضا. أرجو إبلاغ سلامي لمولانا الإمام وأسأله الدعاء.

[الشيخ]: ربنا يشرح صدورهم جميعًا ويشرح صدرها، ويغفر ذنبها، ويحشرنا جميعًا مع سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في عِلِّيِّين.

التفريق بين الحب والكره الظاهر والحقيقي في ضوء آيات القرآن الكريم

والحقيقة أنه:

﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]

ولكن:

﴿ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾‏ [سورة النساء: 19]

فقد يكون هناك كراهية وهناك حب، منه ما هو ظاهر ومنه ما هو حقيقي. فلو كان ظاهرًا فقط فهو يقول: لا تعتمد عليه كثيرًا في الحب والكره، ولو كان حقيقيًا فهذا هو المعتمد عليه.

الحب الحقيقي الدائم تحت مظلة الله والتعاون على البر والتقوى

متى يكون الحب حقيقيًا؟ عندما يكون دائمًا، عندما يكون تحت مظلة ربنا سبحانه وتعالى. عندما يقول:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ [المائدة: 2]

عندما يقول:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

عندما يقول:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

عندما يقول:

«من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه»

هذا المعنى، معنى العطاء، معنى القلوب الضارعة، معنى التعلق بالله سبحانه وتعالى هو الدائم، ولذلك فهو الحقيقة.

عسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا في الحب والكره

أما كونه قد كره زوجته، فنذكرهُ بقوله:

﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]

﴿فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ‎﴾‏ [سورة النساء: 19]

يُغيِّره ، إلى خير كثير ليس خيرًا بسيطًا. فعلينا باعتماد الحب واعتماد الكراهية أيضًا، اعتمادًا حقيقيًا وليس ظاهريًا. دائمًا لا نقف عند الظاهر، بل لا بد علينا أن نسعى إلى حقائق الأشياء، وحقائق الأشياء ثابتة.

حب الدنيا بين فريقين والموقف الإسلامي الصحيح من حب الدنيا والآخرة معًا

[المذيع]: مولانا، في نقطة، وهو فكرة حب الدنيا. تسبب أزمة عند فريقين: فريق يرى أن الدنيا هي المفترض أن نعيشها كما هي هكذا، وفريق آخر ينبذ الدنيا تمامًا. وما بين هذا وذاك، كيف نقف بهذا المنهج الحقيقي الذي ينظر إلى الإسلام في جوهره وحقيقته لنحقق سعادة الدارين؟

[الشيخ]: الذي تعلمناه من دين الإسلام من آبائنا ومشايخنا ومن العلم عبر القرون، أننا نحب الدنيا ونحب الآخرة وندعو الله سبحانه وتعالى بهما وليس بواحدة منهما.

وأن من أحب الدنيا فقط فهو أعرج، وأن من أحب الآخرة فقط فهو أعور، والذي هو كامل وسليم هو الذي يحب الدنيا والآخرة.

التمتع بالدنيا في رعاية الله والسعادة في ترك المعصية لا في ارتكابها

كيف نحب الدنيا؟ نحبها في رعاية الله سبحانه وتعالى؛ لأن المعصية نكد وهي من شعب الكفر، ولأن الطاعات سعادة وهي من شعب الإيمان.

وعلى ذلك، فتحت ظلال أمر الله سبحانه وتعالى نتمتع بالجمال، ونتمتع بالمسموع، ونتمتع بالمأكول، ونتمتع بكل شيء في الدنيا مع سعادة غامرة؛ لأننا نريد أن ننال سعادة الدارينوليس سعادة دار واحدة.

وذلك بالاعتماد على الحقيقي من الحب ومراد ربنا، والكراهة التي يكرهها ربنا وهي على أضداد ذلك. هذه هي المسألة: المسألة أننا نحب الدنيا وأننا نتمتع بجمالها وحلاوتها ظاهرًا وباطنًا.

خلاصة المنهج الإسلامي في حب الدنيا والآخرة والتمتع بهما دون معصية

لكنه يقول لي شيئًا آخر، أن أعصي الله وإلا لن أشعر بجمال الدنيا؛ لأن جمال الدنيا في المعصية! أنا أقول له: هذا لا يدخل عقلي. الذي يدخل عقلي أن الذي خلق الدنيا جعل السعادة في ترك المعصية، فإن السعادة في ترك المعصية.

أما إننا نترك الدنيا، لا، لن نتركها . أو أن نكرهها، لن نكرهها، ولكننا ندعو:

﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]

[المذيع]: وكُلْ ما شئت، والبس ما شئت، وكن مع الله.

ختام الحلقة والتوديع مع الشيخ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

[المذيع]: مولانا الإمام، فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم دائمًا يا مولانا، دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.