والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر| الحلقة الكاملة - فتاوي, والله أعلم

والله أعلم| فضيلة الدكتور علي جمعة يتحدث عن حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر| الحلقة الكاملة

35 دقيقة
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المبادئ القرآنية الأساسية التي تميزت بها الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم.
  • تكمن خيرية الأمة في ثلاثة مستويات: عبادة الله، وعمارة الأرض، وتزكية النفس.
  • لم تكن الأمم السابقة مكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كمنظومة متكاملة، بل كان يكفي أن يقوم الكهنة أو رجال الدين بهذا الدور.
  • تميزت الأمة الإسلامية بكونها خاتمة الأمم مع خاتم الرسل، فاحتاجت إلى نظام رقابي يحفظ المجتمع.
  • تطور مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليشمل المؤسسات الرقابية في مختلف المجالات كالاقتصاد والإدارة والأمن.
  • الدين النصيحة هو الدائرة الأوسع التي يندرج ضمنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • الوحدة في الإسلام (وحدة القبلة، والصلاة، والنبي، والقرآن) تتكامل مع مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالإمام الدكتور علي جمعة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، بِاسمِكَ اللهم نمضي على طريقك، فثبت اللهم أقدامنا على طريقك.

أهلًا بكم في هذا اللقاء الذي يتجدد دائمًا ودومًا مع صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنتعرف معه ومنه دائمًا على هذه المبادئ القرآنية وكيف تنتشر في ربوع حياتنا وفي نواحيها المختلفة، لكي نصلح هذه الدنيا بهذا الدين. يقول ربنا:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]

لماذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المبادئ القرآنية؟

تساؤل أهل الكتاب عن جديد الإسلام وأم الكتاب

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

عندما نزل القرآن، تساءل اليهود ومن كان حاضرًا من أتباع الديانات السابقة في محيط المدينة ومكة وما إلى ذلك: ما الذي أتى به محمد من جديد؟ إنه يتحدث عن آدم وقد تحدثنا عنه، ويتحدث عن موسى وقد تحدثنا عنه، ويتحدث عن إبراهيم وقد تكلّمنا عنه، فما الجديد الذي جاء به هذا الدين؟

وكأنّهم يقولون أن كل دين يجب أن يكون هناك باعث له، يجب أن يكون هناك حافز، يجب أن يكون هناك سببًا لإتيانه، فما السبب في إتيان هذا [الدين الجديد]؟ وهذا كالناموس الذي نزل على موسى من حلالٍ وحرامٍ وتشريعٍ وكل هذا.

أم الكتاب والمحكمات والمتشابهات في سورة آل عمران

فبيَّن لهم الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران أن هناك أم الكتاب، وأم الكتاب

﴿مِنْهُ ءَايَٰتٌ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ﴾[آل عمران:7]،

لكن هناك أخر متشابهات.

أم الكتاب هي سبب هذه البعثة، هي سبب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه بُعث بأم الكتاب، لكنه لما كان في موكب الرسل الكرام من آدم إلى خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أتى أيضًا بما يشبه ما أتى به [الأنبياء السابقون] وأخر متشابهات.

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]

الجديد في الإسلام فرض العين على كل مسلم في العبادة والصلاة والصيام

إذن فهناك أم الكتاب، وهو الجديد في المسألة؛ أم الكتاب هناك تشريع جديد لم يكن من قبل.

من ضمن هذه التشريعات الجديدة التي لم تكن من قبل: أن يُكلَّف كل مسلم كبيرًا كان أو صغيرًا، رجلًا كان أو امرأةً، بأن يسجد لله عددًا من السجدات كل يوم، وأن يركع لله عددًا من الركعات كل يوم، وأن يصوم شهرًا.

في الأمم السابقة كان يكفي أن يقوم الكهنة أو أن يقوم ما يسمى برجال الدين أو العبّاد عن الأمة بهذا الدور، يقومون بهذا الدور نيابة عنهم؛ يعني كأنه فرض كفاية - هذا يسمى في شريعتنا فرض كفاية - ، لكن هذا أصبح هناك فرض عين.

وفرض العين كان في السابق في الترك، يترك:

  • السرقة
  • الزنا
  • القتل
  • الكذب
  • شهادة الزور

لكن أصبحنا هنا في الأفعال أيضًا وهي واجبة على كل أحد وليست على سبيل النافلة.

تفرد الإسلام بإلزام كل الأمة بالصلاة وخمس صلوات يومياً

ليس هناك دين في الأرض يسجد لله الآن [بهذه الصفة الجماعية الإلزامية]، كل الناس هكذا تسجد لله؛ من الممكن أن عابدًا من العباد في معبد من المعابد يسجد لله، هذا وارد وموجود في الأمم السابقة، واللاحقة.

ولكن كل الناس هكذا يكون عليها خمس صلوات في اليوم والليلة، تكون لها شروط لهذه الصلاة، ومن ضمن هذه الشروط وضوء ونقض وضوء وغير ذلك إلى آخره.

ليس هناك أمة تسجد لله في الأرض الآن إلا هذه الأمة الخيرية المرحومة، وهذا في أم الكتاب لم يكن من قبل.

كيف يهدي الله سبحانه وتعالى لهذا الدين الذي فيه تلك الصعوبة وربنا يقول:

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

إذن فهو [الله سبحانه وتعالى] أراد أن تكون أمة من الناس، هذه الأمة خاشعة له سبحانه وتعالى، وأن هذه الأمة هي أمة سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أم الكتاب وتميز الإسلام بدين الجماعة

من ضمن هذه الأشياء التي في أم الكتاب التي ألزم بها الأمة [الإسلامية]: الدين النصيحة.

قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»

من ضمن هذا الذي هو في أم الكتاب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أمر فريد عجيب غريب؛ كان يُكتفى في السابقين أن يؤمنوا بالله وأن يكفي خيره شره، وأن يعيش منفردًا ينظر، ولكنه لا شأن له بأحد، في عزلته.

هذا أمر فيه سلام نفسي، وهو موجود عندنا أيضًا، ولكن عند من عجز عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إذن فهذا دين جماعة وليس دين فرد؛ هذا ما ورد في أم الكتاب، لأن كل الشرائع التي كانت قبلنا هي دين فردي وليس دينًا جماعيًا ينظر إلى جماعة الأمة وينظر إلى جماعة المسلمين ويجعلهم كالجسد الواحد.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزء لا يتجزأ من نفسية المسلم

إذا تداعى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وفي رواية أخرى بالسهر والحمى.

هذا شيء غريب عجيب، ولذلك هذا في أم الكتاب. ماذا تعني أم الكتاب؟ تعني تفرد به الإسلام وجعل المسلم صاحب شخصية متميزة، وجعل من ضمنها ما تسأل عنه الآن [من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] في ضمن أشياء كثيرة، كما رأينا من الصلاة ومن الشعور بالجماعة.

قال النبي ﷺ: «ولينوا في أيدي إخوانكم، وأن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»

وهكذا جعل منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتمضي الأيام ويصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءًا لا يتجزأ من نفسية المسلم، حيث يخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم في العصر الأول وفي الخطاب الأول فيقول له - أي لكل مسلم -:

قال النبي ﷺ: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطنَّ الله عليكم»

إذن لا بد منا أن نقوم بهذا الدور، نقوم بهذا الدور عبادةً لله سبحانه وتعالى.

تحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مؤسسات رقابية في العلوم الحديثة

وتمر الأيام وتذهب وتجيء، وإذا بالأمم وإذا بالعلوم التي تعالج الاجتماع البشري، وعلى رأسها علم الإدارة وعلى رأسها علم القانون وعلى رأسها علم الاجتماع وعلى رأسها علم الاقتصاد، يحولون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أرشد إليه الله إلى مؤسسات.

مؤسسات [رقابية]، [من] هذه المؤسسات:

  • وزارة التموين
  • وزارة الداخلية
  • الجهاز المركزي للإدارة
  • الجهاز المركزي للمحاسبات
  • الجهاز المركزي للرقابة الإدارية.

الله، ما هذا؟ ما كل هذا؟ كل هذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ قسم للمرور يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيأمرك بالوقوف عندما تكون الإشارة حمراء، ويأمرك بالانطلاق عندما تكون الإشارة خضراء، ويأمرك بالاستعداد عندما تكون الإشارة تبقى صفراء.

وهو نفسه الذي يراقب على الأسواق، وهي نفس الفكرة التي بها الحسبة، وهي نفس الفكرة التي بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجال الاجتماع البشري أو في مجال الأسواق والاقتصاد.

الرقابة ركيزة الإدارة الناجحة وارتباط الأمر بالمعروف بخيرية الأمة

كل هذا من الرقابة، والرقابة جزء لا يتجزأ وخطوة أساسية في الإدارة الناجحة، والإدارة من غير رقابة ومتابعة فاشلة، وإدارة تُودي بروح المؤسسات وحياتها.

[المذيع]: لكل هذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبطًا بخيرية الأمة، أو هذه الأمور من تجليات الخيرية لهذه الأمة الباقية حتى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

مقومات خيرية الأمة وعلاقتها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا، حينما نتحدث عن خيرية هذه الأمة ومدى ارتباطها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما هي مقومات هذه الخيرية؟ لنقف عند هذا المعنى، وأن هذا المبدأ القرآني يحقق هذه الخيرية.

[الشيخ]: لو أن الإنسان انشغل بعبادة الله وحده منعزلًا في شاهق جبل لكان حسنًا، لكن هناك ما هو أحسن من هذا الحسن؛ فهو حسن لأنه يعبد الله، وهناك ما هو أحسن: أنه يعبد الله ويعمر الكون، وهناك ما هو أحسن: أن يعبد الله وأن يعمر الكون مع تزكية النفس.

فتصبح هناك درجات ثلاث:

  1. الدرجة الأولى: عبادة الله

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

الدرجات الثلاث: العبادة والعمارة والتزكية وأثرها في الفرد والمجتمع

عبادة الله هي المطالب بها جميع الخلق: العاجز والقادر، والقوي والضعيف، الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، الرجل والمرأة، كلهم خُلقوا لذلك.

ولكن أيضًا الخلق مأمورون أن يعمروا هذه الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

أي طلب منكم عمارتها، الألف والسين والتاء تدخل للطلب.

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

والله يحيي ويميت، يخلق ويفني. إذن هو جعل هناك في الأرض خليفة له يزرع ويحصد، الزرع فيه إيجاد والحصاد فيه إفناء، هذا يتخلق هكذا بأخلاق الله ولكن في العمار وليس في الدمار.

ولذلك الإنسان بنيان الرب، ملعون من هدمه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني.

إذن فهناك درجة ثانية أعلى وأبر، وهي أنه مع عبادة الله نُعمِّر هذه الأكوان، نجعل للإنسان احتياجاته ورفاهيته وسعادته.

ولكن هناك ما هو أعلى من هذا وهو أن أزكي نفسي:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

فهذه هي الدرجات الثلاث.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجمع العبادة والعمارة والتزكية في منظومة متكاملة

فلما جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جعل هذه الأمة تهتم بالفرد العابد كاهتمامها بالمعمّر من خلال المؤسسات والتجمعات البشرية، ومن خلال المنظومة التي تجاوزت الأشخاص وارتقت إلى حد المطلق، المنظومة الأخلاقية القيمية التي تتمثل في التزكية.

إذن فـالعبادة والعمارة والتزكية هي درجات ثلاث تؤدي في النهاية إلى الفرد والمجتمع والعالم القيّم.

هذه المنظومة جعلت هذه الأمة التي قد فُرض عليها - ألم يكن من قبل هكذا؟ - قد فُرض عليها،على الأمة كلها بأفرادها ومجموعها، ولم يكن ذلك من قبل.

ما من أحد هكذا، لم نرَ من قبل مع دراستنا المتوسعة أن أحدًا من الأمم السابقة قد خاطب المجموعة هذا الخطاب:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]

لا، لم نرَ هكذا.

أسس الاجتماع البشري: الأمر بالمعروف والعبادة والتزكية في منظومة شبكية

ما هو أساس الاجتماع البشري؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ما هو أساس العبادة؟ مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

أساس التزكية: التخلي والتحلي.

وهكذا، إذن أمرنا الله سبحانه وتعالى بهذه المنظومة، بهذه الشبكة، وليس بأمر خطي: افعل كذا، صلِّ فقط، ويكفيك أن تصلي.

لما جاءت بعض الأديان الوضعية التي جاءت بعد ذلك. هناك أديان وضعية وُضعت كثيرًا بعد الإسلام، ليست إبراهيمية ولا غير إبراهيمية.

[هذه الديانات مجرد] شعورات ، فرجعوا إلى الخطية، لم يستطيعوا عمل منظومة، فرجعوا إلى الخطية.

مثال ديانة يابانية وضعية وقصورها مقارنة بالمنظومة الإسلامية المتكاملة

فهناك ديانة في اليابان نشأت سنة ألف وتسع مئة وستة وثلاثين، ماذا تقول هذه الديانة؟ تقول في الحقيقة: نحن نريد الصفاء، والصفاء من أين يأتي؟ قالوا من النار، لأن النار صافية هكذا وفيها دفء ونور.

وهكذا قالوا: حسنًا، ماذا نفعل؟ قال: لا شيء، يوم نجتمع في السنة ونشعل النار هكذا ونطوف حولها ونغني لها.

فبعد أن طبقوا هذا وجدوا أنهم - يا للمساكين - لم يفعلوا شيئًا، فبدؤوا يطرقون على الديانات الأخرى قائلين: تعالوا خذوا أولادنا لينتسبوا إليكم، وتسمحوا لهم في يوم من أيام السنة أن يأتوا ليلقوا وقود النار في النار ويغنّوا للنار: يا نار يا حلوة يا طيبة يا ذات الحرارة يا صاحبة النور وما إلى ذلك.

فعندما تأتي لتقارن بين هذا وبين هذه الأنظمة المعقدة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على صدر النبي [صلى الله عليه وسلم]، يعني يحصل شيء من الانبهار، يحصل شيء من السكوت حتى أنك تسكت ولا تعرف [أن تعبر].

سؤال المذيع عن معنى الأنظمة المعقدة في الإسلام وتحولها إلى مؤسسات رقابية

[المذيع]: هنا، ما الذي تعنيه بالمعقد يا مولانا؟ إذا كنت تقول أنظمة معقدة.

[الشيخ]: فنظام الميراث مثلًا نظام معقد للغاية، صحيح، وكذلك نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة وما كُتب فيها نظام معقد للغاية، فهذا له:

  • شروط
  • واجبات
  • محرمات
  • مكروهات
  • مندوبات
  • طريقة
  • أنواع وله...

فهو نظام معقدًا، وهذا ما أقوله لك: تحول بعد ذلك إلى مؤسسات، لدينا حوالي عشرين أو ثلاثين مؤسسة تُسمى المؤسسات الرقابية.

أناسٌ يراقبون الأمن، وأناسٌ يراقبون الأسواق، وأناسٌ يراقبون التربية، وأناسٌ يراقبون القانون، وأناسٌ يراقبون هذا وذاك بالتفصيل.

ومن هنا ومن هذا المعنى، أصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وهو أساس الرقابة وأساس الجزء الأهم في الإدارة - أصبح مبدأً، لماذا؟ لأنه ينفع ويدخل ويسري في كل هذه المجالات.

الرقابة المالية والبنك المركزي تجليات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كأنه [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] قانون، كأنه تربية، أو كأنه اقتصاد.

نحن نسمّي البنك المركزي أبا البنوك، ماذا يفعل؟ يراقب البنوك. ماذا يعني أنه يراقب البنوك؟ يعني أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

ماذا يعني أن البنك المركزي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ هم يظنون أن الأمر بالمعروف أنه الواحد يقول له صلِّ، والنهي عن المنكر يقول له لا تشرب الخمر. لا يا حبيبي، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعمق من ذلك بكثير.

على فكرة، الذي سيقول صلِّ ونحو ذلك، هي عملية مختصة بالتربية ومختصة بتطبيق الدين في حياة الناس حتى يسعد الإنسان وينال سعادة الدارين، لك لها تجليات كبيرة.

البنك المركزي هذا يراقب، فلدينا شيء يسمى الرقابة المالية، هذه الرقابة المالية ماذا تفعل؟ تراقب البورصة وتراقب الشركات وتقول لهم: لا، هذا خطأ، إياك أن تفعل كذا، لا، هذا تلاعب، لا، هذا سيضيع أموال الناس، لا، إياك أن تفعل هذا لأن فيه مخاطرة، افعل هذه لأن فيها مكسب، وتعمل ليلًا ونهارًا.

اسمها الرقابة، الرقابة تعني ماذا؟ تعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقِس على هذا في جميع مناحي الحياة.

سؤال المذيع عن ترتيب الإيمان بالله في الآية وعلاقته بخيرية الأمة

[المذيع]: مولانا، الإيمان، الترتيب، النهي، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الإيمان بالله. لماذا جاء الإيمان بالله بهذا الترتيب [متأخرًا في الآية]؟

[الشيخ]: الإيمان بالله مشترك بيني وبين غيري من الأمم. أما الذي تميزت به فجعلني في الخيرية ليس هو الإيمان بالله، لأن الإيمان بالله هذا هو الأساس .

اليهودية أيضًا فيها إيمان بالله، والمسيحية فيها إيمان بالله، وعلى فكرة توجد أديان أخرى كلها فيها إيمان بالله، توجد أديان ما ليس فيها إيمان بالله، هم لا يريدونه.

لكن لا، القضية هنا قضية أن الإيمان بالله يُؤخَّر لأنه مشترك؛ يعني نحن دائمًا نبدأ بماذا؟ بالأخص فالخاص فالأعم. ما هو الأعم الذي بيني وبينه؟ ما هو المشترك الذي بيني وبينه؟ ما هي الدائرة الكبيرة التي تجمعني معه؟ هو الإيمان بالله.

وماذا عن النظم الخاصة؟ إن كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جزءًا لا يتجزأ من حياة المسلم هو الذي جعلنا أصحاب خيرية إذا فعلناه.

الخروج من الخيرية بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وإذا لم نفعله [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] خرجنا من الخيرية أو أخرجنا أنفسنا من الخيرية؛ يعني الله سبحانه وتعالى يريد لنا الخيرية وأنا لا أريد الخيرية لنفسي.

[المذيع]: فضيلتك وضّحت لنا، ولكن نريد توضيح أكثر، ولكن بعد الفاصل حول لماذا اختصت أمة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر، فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

سبب اختصاص أمة النبي بالأمر بالمعروف: الخاتمية ومبدأ الوحدة العضوية

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم، لماذا اختصت يا مولانا أمة سيدنا صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]؟

[الشيخ]: لأنها خاتمة، لأنه مبدأ الوحدة، هو مبدأ نسميه المبدأ العضوي في الديانة الإسلامية.

مسلمون جميعهم لهم:

  • قبلة واحدة
  • شهر واحد يصومونه
  • نبي واحد.

نعم، هذا هو الإجابة على هذا السؤال: هو أن لهم نبيًا واحدًا.

تخيل أن الله سبحانه وتعالى بعث على رأس كل مائة عام نبيًا، ماذا سيحدث؟ بعض الناس ستؤمن به وبعض الناس ستكفر، يكون هناك مسلم أول ومسلم ثانٍ، فالذي آمن بهذا النبي [الجديد] هو مسلم ثانٍ لأنه مؤمن بسيدنا النبي [الأول] وبالنبي الجديد الذي لا بد أن يؤمن به لأنه من عند الله.

خطر تعدد الأنبياء على وحدة الأمة وتكفير بعضها بعضاً

وبعد مائة سنة، يصبح هناك مسلم أول ومسلم ثانٍ، لأن بعض المسلمين من النوع الثاني سيؤمن وبعضهم لن يؤمن، فيصبح هناك ما يسمى بمسلم ثالث، وفي بعضهم سيؤمن بالنبي ويؤمن بالنبي [الثالث]، لكن الذي في الوسط سيسقط منه وسنكفر بعضنا بعضًا.

[المذيع]: تصور مستحيل يا مولانا.

[الشيخ]: نحن غاضبون من الدواعش كثيرًا جدًا لأنهم يفعلون هكذا، يكفرون المسلمين الذين أمرنا الله أن لا نكفرهم، ويقتلون المسلمين، مع أن الله تعالى قال لنا:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

الوحدة:

  • وحدة القبلة
  • وحدة الشهر
  • وحدة الصلاة (خمس صلوات)
  • وحدة النبي
  • وحدة القرآن.

حفظ الله للقرآن والكعبة والسنة دليل على وحدة الأمة الإسلامية

فحفظهه ربنا، فمحمد [صلى الله عليه وسلم] لم يكن قادرًا على أن يحفظ القرآن بهذا الشكل، إنها أمر من عند الله:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:128]

﴿فَإِذَا قَرَأْنَٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ‎*‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾ [القيامة:18-19]

هذه مسألة أوضح من واضحات القرآن، فكما أن القرآن هو نفسه في الهند والسند والمغرب وجنوب إفريقيا، أي أن القرآن هو القرآن في كل مكان.

أحدث خطأ في بعض الأحيان؟ نعم حدث خطأ فأصبحت تسمى القراءة الشاذة، ألم يحدث هكذا محاولة تلاعب؟ حدث تلاعب فأصبحت خارجه [خارج القرآن] وهناك رقابة وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر.

بيد من ذلك؟ الأمة لا تعرف أن تفعل هكذا.

الله وحده حافظ الكتاب والكعبة والسنة وربط الوحدة بالإيمان

ولا سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع علو قدره وعظمته عند الله وعند الناس: يستطيع أن يفعل هذا [الحفظ]. من فعل؟ الله وحده لا شريك له.

هو الذي حفظ الكتاب وحفظ الكعبة وحفظ قبر نبيه وحفظ أهل نبيه وحفظ سنة نبيه وحفظ كعبة نبيه صلى الله عليه وسلم وحفظ كل شيء، هو الله.

فانظر كيف ترتبط الوحدة بالإيمان، فنحن أمة واحدة وأمة خيرية من هذه الوحدة.

ولأننا خاتم، فلا يوجد نبي بعد ذلك، فهو خاتم النبيين والمرسلين:

﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]

انتهى الأمر، أُغلق الباب، فلا نبي بعدي ولا رسول.

الخاتمية تستوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبقاء المبشرات

حسنًا، وماذا بعد [ختام النبوة]؟ فشق ذلك على الصحابة.

قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:

«وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له».

الرؤيا خير إن شاء الله، أي أننا لا نتلقى منها وحيًا، ولا نتلقى منها توجيهًا وأوامر ونواهي موافقة أو مخالفة لسيدنا النبي [صلى الله عليه وسلم]، بل هي بشرى يطمئن الله بها القلوب، ويدفع بها العباد لكي تستقر أنفسهم معه في عبادته سبحانه وتعالى.

فإذن الإجابة هي: لأننا أمة خاتِمة وخاتَمة؛ يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاتم الرسالة والنبوة فلا نبي بعده ولا رسول.

إذن، وماذا نفعل في ذلك؟ إذن لا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمل المؤسسات، لأن هذا هو الذي يتوافق مع العهد الجديد من بعد إرسال النبي إلى يوم القيامة.

النبي بُعث في عصر الدنيا الأخير والأمر بالمعروف لازم لتحقيق المستويات الثلاثة

وأرسل النبي [صلى الله عليه وسلم] عند العصر، عصر اليوم الذي أذن فيه ربنا لهذه الدنيا.

قال النبي ﷺ: «بُعثت والساعة كهاتين»

هذه الفترة [فترة بعثة النبي إلى يوم القيامة] هي أقل فترة بعد ذلك من الفترات السحيقة التي خُلق فيها العالم وخُلق فيها آدم وخُلقت فيها البشرية هكذا بما نعرفه جميعًا في علم الأنثروبولوجيا وفي الآثار وفي العصور الجيولوجية، هو أقصر فترة في الأخير هكذا.

العهد الأخير يعني في العهد القديم وفي العهد الجديد، هذا هو العهد الأخير.

ففي هذا العهد الأخير، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لازمًا، حتى تتم هذه المستويات الثلاثة:

  1. رقم واحد: عبادة الله
  2. رقم اثنين: عمارة الأرض
  3. رقم ثلاثة: تزكية النفس

فمن أجل هذه الخاتمية اختصت أمة محمد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كجزء لا يتجزأ من أصول الديانة أو من أركان الديانة.

هل خطاب خير أمة خاص بالصحابة أم عام لكل المسلمين؟

[المذيع]: مولانا الإمام، إذا ما أشار البعض بأن الخطاب:

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

هذا الخطاب موجه للسادة الصحابة وليس لمن أتى بعدهم، على ما ينقلونه عن سيدنا عمر وعن سيدنا ابن عباس، فهل هذا صحيح؟

[الشيخ]: يعني ما الذي ينقلونه عن ابن عمر وابن عباس؟

أولًا، هو ليس صحيحًا ما يُنقل عن ابن عمر وعن ابن عباس أو عن عمر وعن ابن عباس؛ يعني هو منسوب إلى عمر ومنسوب إلى ابن عباس أنهم [قالوا إن الآية] للصحابة دون سواهم، ولكن النص موهن.

ولكن كنتم هذه مطلقة، اسمها [صيغة مطلقة]، لم يقل كنتم أيها الصحابة ولا كنتم في عصركم هذا ولا كذا إلى آخره.

تفسير النبي للآية بخير القرون وشمول الخيرية لمن حافظ على شروطها

والنبي [صلى الله عليه وسلم] يأتي فيفسر [الآية]، وهي من الآيات القليلة التي فسرها النبي، فيقول:

قال النبي ﷺ: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»

هو يقول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

فإذن كان هذا الكلام [بأن الآية خاصة بالصحابة] لا نقبله، بل هو: كنتم خير أمة ما دمتم محافظين على الشروط التي بها الخيرية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الإيمان بالله واليوم الآخر.

[المذيع]: هل معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الدين النصيحة؟ أو كيف نوفّق إذا ما كان هناك أمر مختلف؟ كيف نوفّق بينهما؟

العلاقة بين الدين النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

[الشيخ]: الدين النصيحة هو الدائرة الأوسع الذي في داخله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن في جزء من النصيحة لا يكون أمرًا بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما يكون على سبيل التوجيه والإرشاد.

يعني عندما آمرك بشيء هو ليس أمرًا لازمًا من ذكر الله سبحانه وتعالى، أو أنه لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله، فهذا من قبيل النصيحة لكنه ليس من قبيل الأمر بالمعروف إلا بالمعنى الأعم.

عندما أنهاك عن تضييع وقتك أو عن اللغو الكثير الذي قد يميت القلب ويذهب بالأوقات وبالجدية، فهذا نصيحة لكنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر بالمعنى الأعم.

وهكذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعروف الذي هو الرقابة والإدارة وما إلى ذلك، هو جزء من النصيحة.

مداخلات المشاهدين حول أسباب كون الأمر بالمعروف من المبادئ القرآنية

[المذيع]: مولانا، اسمح لي أن أقرأ بعض المداخلات على سؤالنا على صفحة الفيسبوك: برأيك لماذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المبادئ القرآنية؟

الأستاذة نادين تقول: لأن الدين النصيحة، والإسلام دين الأخلاق والمبادئ السامية، وهو ربع عبادات والباقي أخلاق، وعندما نرتقي بأخلاقنا نرتقي بديننا ونتبع تعاليم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

تقول الأستاذة هالة الديب: لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

والقرآن والأحاديث ترسخ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الأستاذة منال تقول: لصالح المجتمع المسلم وحتى نكون خير أمة كما قال الله في كتابه العزيز.

الأستاذة نادية: لأن القرآن للإسلام دين وعمل وخلق ومبدأنا ودستورنا في الحياة القرآن والسنة والعمل به بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

[الشيخ]: كل التوجهات والإجابات موفقة وتبين فسيفساء ما ذكرناه من بناءً في هذا المجال.

ختام الحلقة والتحية للإمام الدكتور علي جمعة

[المذيع]: مولانا الإمام، في نهاية هذه الحلقة نتقدم لفضيلتكم بخالص التحية والحب والتقدير، ورضي الله عنكم دائمًا، ونلتقي دائمًا بفضيلتكم على هذا الخير.

[الشيخ]: شكرًا لكم.

[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.