والله أعلم | الدكتور علي جمعة يوضح حدود رفع الحرج عن الإنسان في الدين| الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله أعلم | الدكتور علي جمعة يوضح حدود رفع الحرج عن الإنسان في الدين| الحلقة الكاملة

34 دقيقة
  • يتحدث الدكتور علي جمعة عن مبدأ رفع الحرج في الإسلام من خلال أربع جهات: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • رفع الحرج في المكان يظهر في تخصيص أحكام خاصة لمكة المكرمة مثل الإحرام، وفي تيسير الأحكام عند السفر لبلاد غير المسلمين.
  • رفع الحرج للأشخاص يشمل حالات النائم والمغمى عليه والمكره والساهي، فلا مؤاخذة على ما لم يكن بقصد.
  • رفع الحرج في الأحوال يتجلى في اختلاف الأحكام بين السلم والحرب، والسفر والإقامة، والرخاء والمجاعة.
  • الإسلام يميز بين الخطأ والخطيئة، فالخطأ غير مقصود ويرفع إثمه، لكن حقوق الناس المتعلقة به لا تسقط مثل الدية في القتل الخطأ.
  • مبدأ التيسير ورفع الحرج أصيل في الإسلام ويظهر في قوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها"، وفي الحديث "بعثت بالحنيفية السمحاء".
  • هذا المبدأ يجب أن يطبق في كل مناحي الحياة: الاقتصاد والسياسة والتعليم، وليس فقط في العبادات.
محتويات الفيديو(35 أقسام)

تقديم البرنامج والترحيب بالدكتور علي جمعة لشرح المبادئ القرآنية

[المذيع]: ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، أهلًا بكم في "والله أعلم".

نسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، لنقرأ معه ونفهم أكثر وأكثر ما معنى المبادئ القرآنية، وكيف تكون في حياتنا في كل هذه المناحي، وفي كل عناصر حياتنا.

مولانا، أهلًا بفضيلتك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

لا يكلف الله هذه النفس البشرية إلا ما تطيق في هذه الحياة، وتكلمنا عن مظاهر وتجليات رفع الحرج عن المكلف، وقلنا إنها تشكل أربع جهات، تكلمنا فيها عن الزمان.

الجهات الأربع لرفع الحرج وأهمية دراسة الواقع عند علماء المسلمين

[المذيع]: فما الجهات الأخرى التي دائمًا تضعون الأُطر من خلالها لهذه المعاني وهذه المبادئ؟

[الشيخ]: بسم الله، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

لقد اهتم علماء المسلمين بدراسة الواقع دراسةً متأنيةً متعمقة؛ فمما توصلوا إليه - وهو بعض ما توصل إليه علماء الاجتماع فيما بعد - أن الواقع حتى ندركه فإننا يجب أن ندرس فيه:

  • جانب الزمان
  • جانب المكان
  • جانب الأشخاص
  • جانب الأحوال

هذه [الجهات] طبقًا لبعض الأهمية في بعض العناصر؛ بمعنى أنها في الحقيقة الجهات الأربعة هذه هي جهات واحدة ومتساوية في قدر الاهتمام بها.

رفع الحرج في المكان ومكة المكرمة أم القرى وأحكامها الخاصة

تكلمنا عن الزمان وكيف أن الله قد رفع الحرج في الزمان كذلك، الله سبحانه وتعالى عنده رفع الحرج وتأكيد للرخصة في المكان؛ فإذا كان المكان على حدٍّ معين فإنه سبحانه وتعالى يضع لنا التكليف المناسب لهذا المكان.

مثل مكة حرم الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى جعل لها أحكامًا خاصة ليست موجودة في القاهرة، ليست موجودة في لندن، ليست موجودة في أي مدينة كانت أو في أي قرية كانت؛ لأن الله سبحانه وتعالى رتّب هذه الأماكن وجعل مكة أم القرى.

أم القرى معناها أنها على رأس هذه القرى، وأنها إمام هذه القرى، وإنما الإمام ليُؤتم به؛ فجعل مكة رأس هذه القرى، فجعل لها أوضاعًا خاصة لا توجد للمدينة ولا للقدس.

أسباب تميز مكة المكرمة وكونها قبلة المسلمين في العالم

هذه الأوضاع الخاصة [لمكة المكرمة] وذلك لاحتوائها على بيت الله الحرام الذي هو محل نظر الله، وذلك لاحتوائها على البيت الحرام الذي هو أول بيت وُضع للناس، وذلك لاحتوائها على مقصد الحجاج عندما يتوجهون إلى هذه الرحلة المقصودة بالسعي لهذا البيت المبارك الذي هو قبلة المسلمين في العالم.

يلتفون حوله في كل مكان؛ فالذي في الهند وفي مشرق الأرض يتوجه إلى الغرب، والذي في المغرب ومغرب الأرض يتوجه إلى الشرق، حتى نكون جميعًا - ونحن في الجنوب نتوجه إلى الشمال، ونحن في الشمال نتوجه إلى الجنوب - ملتفين بهذا البيت المبارك.

كل هذه المعاني جعلت مكة أم القرى لها أوضاع معينة.

حكم الإحرام عند دخول مكة المكرمة وتميزه عن سائر المدن

من ضمن الأوضاع الخاصة بمكة مثلًا أن الله سبحانه وتعالى أمر المتوجه إليها حاجًا أو معتمرًا أو داخلًا بالإحرام؛ فإذا أردت أن تقصد مكة فلا بد أن تُحرم وتلبس الإحرام، وهذا شيء غريب لا يوجد في سائر المدن.

نحن عندما نتوجه إلى سيدنا رسول الله [في المدينة المنورة]، مع جلالة قدر المدينة وعلو شأنها بوجود النبي ﷺ فيها، إلا أننا لا نُحرم ولا نلبس الإحرام؛ إنما ربنا سبحانه وتعالى جعل هذا الإحرام لتلك المدينة المقدسة التي هي مكة المكرمة.

إذن، فلو كنا في غير مكة فإن الله قد خفف عنا؛ ألا يمكن تصور أن الله كان يأمرنا بالإحرام في كل مدينة ندخلها؟ ألا يمكن؟

جواز التكليف بالإحرام في كل مكان عقلاً ورحمة الله بتخصيصه لمكة فقط

[المذيع]: ممكن طبعًا، وارد، طبعًا كما أشرت فضيلتكم، هذا وارد على وارد عقلًا.

[الشيخ]: نعم وارد عقلًا، وارد عقلًا، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل بعض الزعماء مثل غاندي مثلًا يلبس الإحرام دائمًا لعلة أخرى، وهي - يعني - مقاومة الاحتلال الإنجليزي، ويبين لهم أننا لسنا في حاجة إلى اللانكشاير ولا إلى الصوف الذي يصنعه الإنجليز، هذه المقاومة أتت ثمارها وكان لها وضعها.

ألا يمكن كان الله سبحانه وتعالى يكلف الناس هذا التكليف بأن يجعلهم عندما يسافرون يفعلون طقسًا مثل هذا مثلًا؟ هذا وارد، وكنا سنتصرف حينها تصرفًا آخر، لكن تخيل رحمة الله بنا أنه لم يجعل هذا الحكم إلا لهذا المقدس الفريد الوحيد لأم القرى، لأم القرى فقط؛ فهذا تخفيف من قِبَل المكان.

أحكام العقود الفاسدة في بلاد المسلمين وضرورة اتساق النظام الإسلامي

عندما أكون في بلاد المسلمين، ففي بلاد المسلمين حرّم الله علينا عقودًا وهي كل العقود الفاسدة وكل العقود الباطلة، حرّمها الله علينا؛ لأن النظام الإسلامي يجب أن يتسق بعضه مع بعض، ويجب أن يُبنى على منظومة من القيم والأخلاق، ويجب أن يُبنى على منظومة من القوانين تتسق مع هذا النموذج المعرفي الذي أمرنا الله به سبحانه وتعالى.

لكن عندما نذهب إلى بلاد غير المسلمين كيف نعيش؟ فضرب الله لنا مثلًا بذلك ما حدث مع الصحابة الكرام في الحبشة، وضرب الله لنا مثلًا بذلك عندما مكث النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة في مكة، وضرب الله لنا مثلًا بذلك إلى آخره.

الجهات الأربع لرفع الحرج وهل ميزة التيسير خاصة بالمسلمين

[الشيخ]: فإذا نحن الآن على مشارف رفع الحرج في غير بلاد المسلمين عن المسلمين.

[المذيع]: لدينا جهات أربع [الزمان والمكان والأشخاص والأحوال] ونماذج أربع [للتعايش]؟

[الشيخ]: نعم، الجهات الأربعة والنماذج الأربعة، ولكن يعني هو لا علاقة لهذا بذاك.

[المذيع]: نذهب إلى هذا الرفع الحرج يا مولانا، هل هذه الميزة فقط موجودة عندنا نحن المسلمين؟

فطوبى لنا معشر الإسلام، إنّ لنا من العناية ركنًا غير منهدم.

[الشيخ]: نحن لا نعرف على جهة اليقين إذا كانت موجودة في غيرنا أم لا، ولكن الله سبحانه وتعالى أشار أن ذلك من منن الله ونعمه علينا على سبيل الإجمال؛ إنه يضع عنا إصرنا والأغلال التي كانت في أعناقنا.

رفع الإصر والأغلال عن أمة الإسلام مقارنةً بما فُرض على بني إسرائيل

الله سبحانه وتعالى وضع عنا الأغلال التي وضعها على أمم سابقة، ووضع عنا الإصر، والإصر هو المشقة، هو التكليف الشاق.

لقد حُرّم على بني إسرائيل السبت مثلًا، لكن لم يُحرّم علينا يومٌ كما حُرّم يوم السبت. كانت بنو إسرائيل تُحرم عليهم اللحم الذي خالط العظم - يعني الموزة - هذه الموزة الطيبة التي نحبها كانوا لا يأكلونها فهي حرام عليهم.

وقد حُرمت عليهم أشياء غريبة وعجيبة، من ضمنها أنه حُرم عليهم الخنزير، لكن أيضًا حُرم عليهم كل ما تحتويه المركبة التي تنقل خنزيرًا؛ تخيل أن في ثلاجة تحتوي على خنازير وثلاجة فيها طعام طبيعي، فيصبح الكل حرامًا، واسمه الحرام بالمجاورة.

التشدد على النفس سبب لتشديد الله وميزة الإسلام بالحنيفية السمحاء

ما هذه الشدة؟ شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ يقول رسول الله ﷺ:

«إنما بُعثت بالحنيفية السمحاء»

يبين أننا نتميز بـحنيفية سمحاء في الصورة المجملة، لكن في التفاصيل ألم يكن هناك تيسير؟ لا بد أن يكون في الديانات الأخرى، ولكن ليس كمبدأ أساسي عميق في دين الإسلام.

نحن لسنا كذلك، نحن أعمق، نحن أعمق بكثير. لماذا؟ لأنه من هيكل البناء عندنا، من أسس القواعد عندنا:

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]

لم نرَ في الأديان الأخرى هذا المعنى، بل كنا نرى أن كثيرًا من الشدة يكون علامة على التقوى وعلامة على القرب من الله وعلامة على مزيد الأجر والثواب.

حدود طاقة الإنسان في التكليف الشرعي وضابط الوسع الفردي

[المذيع]: مولانا، يعني ما حدود أن يحمل الإنسان نفسه ما لا تطيق؟ وتعلمنا من فضيلتكم، ودائمًا تقولون لنا المشقة تجلب التيسير، ما هي حدود هذه الطاقة في الحقيقة عندنا؟

[الشيخ]: كل حسب قدرته، وهذه الأشياء تُقاس طبقًا لقدرة الإنسان في نفسه؛ ذلك مبلغهم من العلم.

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

وليس وسع النفس البشرية [بشكل عام]، بل وسع تلك النفس [بعينها].

[المذيع]: وهكذا مولانا، اسمح لنا أن نخرج لفاصل قصير ثم نعود لنكمل الحوار حول المبادئ القرآنية في قرآننا الكريم، فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

هل يأثم المسلم إذا كلّف نفسه فوق طاقتها في العبادة كالصيام مع المرض

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مولانا الإمام، طيب، هل معنى ذلك ورفع الحرج عن المكلف إذا فاق الأمر طاقته أو قدرته على التحمل في الحياة؟ هل يأثم المسلم حينما يكلف نفسه فوق طاقته في العبادة؟ مثلًا مريض والطبيب قال له لا تصم وصام.

[الشيخ]: يعني من ناحية أنه فيه نهي، والنهي قد يكون - كما لا يخفى - يترتب عليه إثم بأن يكون حرامًا، أو قد لا يترتب عليه إثم بأن يكون مكروهًا، لكن على كل حال هو غير مرغوب فيه أن يكلف الإنسان نفسه فوق طاقتها.

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال:

«ومن رغب عن سنتي فليس مني»

فكلمة "من رغب عن سنتي" تعني تخيل أن النبي ﷺ يقول لك: ابتعد عني، أنا لا أحب ذلك.

حكم العبادة بما نهى عنه الله وقول الإمام الغزالي فيمن مات صائماً مريضاً

ماذا يعني هذا؟ فهل هي حرام يا تُرى أم أنني فعلت شيئًا [مخالف]؟ على كل حال، سواء كانت حرامًا أو مكروهة، فهي منهي عنها.

لكن عندما تأتي لتقول: أنا مريض غير قادر وسأصوم، يقول الإمام الغزالي: فلو مات من صيامه هذا مات مفطرًا؛ يعني هو مات وهو ممتنع عن الأكل، وهل يُعَدُّ منتحرًا؟ [فيه] قولان.

ولذلك لا يجوز أن نعبد الله بما نهى عنه، ولذلك قالوا إنه لا يجوز أن نصلي بعد العصر إلى المغرب، وعند الاستواء قبل الظهر بخمس دقائق، وبعد الفجر (بعد صلاة الفجر) إلى الشروق. لماذا؟ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.

قال: ما هو مكروه؟ قال: نعم هو مكروه، لكن لا يجوز أن نعبد الله بما كره الله كره هذا.

حكم التصرف في المال الحرام المجهول صاحبه وقاعدة لا سائبة في الإسلام

ولذلك عندما نقول للناس الذين يمتلكون أموالًا أخذوها من غير حلها ولا يعرفون من أين أتت، لا يعلمون مَن صاحبها، لكنهم يعلمون أنها جاءت من حرام مثل الغش في الميزان أو مثل تجارة المخدرات وما إلى ذلك، فنقول لهم: يخرجها لله.

لاحظ هذه العبارة: يخرجها لله، نحن لا نقول يتصدق؛ لأنها لا تُعدُّ صدقة، وإنما ستُعدُّ نوعًا من أنواع التخلص منها في اتجاه ربنا سبحانه وتعالى لخدمة المجتمع والناس.

حسنًا، وهل هذه ستأخذ عليها أجرًا؟ نتركها لربنا يوم القيامة. حسنًا، وهل هذه صدقة؟

«إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب»

فلماذا حدث هذا التصرف إذن؟ حدث لأنه لا سائبة في الإسلام؛ ليس هناك شيء اسمه مال ليس له صاحب، لا سائبة في الإسلام أبدًا.

تفصيل قاعدة لا سائبة في الإسلام وأنواع الملكية في الفقه الإسلامي

إنها قاعدة فقهية مقررة ومتفق عليها أنه لا سائبة في الإسلام؛ ليس هناك شيء يقال عنه إنه بلا مالك، فإما أن الدولة تملكه، أو مجموع الناس يملكونه، أو شخص ما يملكه.

أنا أملكها، بعدي وورثتي يملكونها، وهكذا بيت المال يملكها، لكن لا يوجد شيء اسمه أنها ليست ملكًا لأحد أبدًا.

حتى عندما قالوا في الوقف إنه خرج من ملكه، قالوا إلى ملك الله؛ معروف أنه نحن الآن الهيئة الاجتماعية التي نطلق عليها المجتمع المدني، فكل هذه الأشياء تُقرر أنه لا سائبة في الإسلام.

ولذلك عندما ننصحه نقول له: اذهب واعملها لوجه الله.

والوجه الذي تُعد اسمها صدقة فنيًا واصطلاحيًا ليس اسمها صدقة؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب.

التصرف في المال الحرام المجهول صاحبه توبةً إلى الله وإخراجاً لوجهه

إذن ما هذا؟ هذا التصرف الذي ألجأنا إليه جهلنا بصاحب هذا المال؛ لأننا لو عرفنا من سرقنا منه أو ارتشينا منه لكنا أرجعنا له المال، لسنا على دراية بكيفية رد الفعل، لكنا أرجعناه.

ولكن [مثلا] عندما لم نعرف صاحب المخدرات هذا باعها لمن؛ يخرج ما عليه توبةً إلى الله سبحانه وتعالى، ولأنه لا سائبة في الإسلام فتتوجه إلى أعمال ظاهرها هكذا أنها من أعمال الخير، لكن كون أنها تُعدّ صدقة لا [ليست صدقة].

«ومن رغب عن سنتي فليس مني»

فليس مني، صعبة جدًا، ولذلك نقول: لا تفعلوا أكثر من طاقتكم، فليعبد أحدكم ربه بقدر طاقته؛ فإنه لا يمل حتى تملوا.

خطورة التشدد في العبادة وعلاقته بظاهرة الخوارج

حسنًا، وأنت تريد أن تمل فربنا يمل منك، هذا كلام صعب جدًا، ولذلك بدون الدخول في ما سيترتب عليه إثم يوم القيامة وأننا سندخل النار وسندخل كذا، لا، بدون هذه القضية؛ يعني يكون غير عاقل من أراد أن يعبد الله بما كرهه الله.

ولذلك يصبح كأنه فيه تجاوز للأدب العالي وتجاوز في العلاقة الطيبة بين العبد وربه، وهذا حال هذا المتشدد مع الله تعالى دائمًا.

ولذلك عندما يزداد هذا التشدد ويصل به إلى أن يكون خارجيًا دائمًا، فإن النبي ﷺ قال:

«كلاب أهل النار»

حديث رفع الخطأ والنسيان والإكراه وتجليات رفع الحرج عن الأشخاص

[المذيع]: نعم مولانا الإمام، يقول سيدنا أن هذا في إطار:

«رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»

هل الحديث هو من تجليات رفع الحرج عن المُكلَّف إذا ضاق عليه الأمر؟

**[الشيخ]: **هذا هو رفع الحرج عن الشخص.

لقد تحدثنا عن الزمان والمكان، وها أنت أدخلتنا الآن في الأشخاص.

فالشخص هذا إذا نام فقد غفل، وإذا أُغمي عليه فقد غفل، وإذا أُعطي مخدرًا لإجراء عملية فقد غفل؛ فتجد أنه رُفع عنه التكليف على سبيل رفع الحرج.

كذلك إذا استُكره على شيء، يعني أُكره أحدهم على شيء، والإكراه جاد ومن أهله، يعني أن هذا الشخص قادر على أن يفعل ما هدد به وأكرهه، فإننا نقول له: خلاص، يبقى هو معذور؛ حيث أنه لا إكراه في الدين إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

رفع التكليف عن النائم والساهي والمكره وحكم الغفلة غير المتعمدة

فمن استُكرهك على شيء يسقط التكليف ويتوقف عند الإكراه، والنائم حتى يستيقظ، والساهي حتى يتذكر.

فالساهي هذا، طالما أنه ليس في ذهنه وهو يظن أنه صلى العصر، ثم اتضح يوم القيامة أنه لم يصلِّ العصر، فإن ربنا لا يؤاخذه عليها ويعفو عنه مباشرةً؛ لأنه ساهٍ.

ساهٍ لا يعتبر متعمدًا إلا ما تعمد عليه قلب الإنسان، وهو الذي يؤاخذ به.

التأمل في خواتيم سورة البقرة ودلالة الدعاء على رفع الإصر والتكليف

[المذيع]: يا مولانا يا مولانا الإمام، أريد أن أتأمل مع فضيلتك هذه الآيات من خواتيم سورة البقرة:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]

ونأخذ في الدعاء حتى قول ربنا:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]

أي إلى أي مدى تحمل هذه الآيات الكريمة هذا الدعاء إلى ربنا ليرفع عنا هذا التكليف، وذلك الإصر؟

[الشيخ]: هو أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا أن ندعوه بما منَّ به علينا، نعم، ندعوه بالنعم التي منَّ الله بها علينا حتى لا ننسى النعمة فتتحول بذلك إلى نقمة.

الأدعية القرآنية تلخص موقف التيسير في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

ولذلك نحن نبتعد عن أن تتحول النعم إلى نقم بمثل هذه الأدعية التي علمنا إياها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.

هذه الأدعية تلخص في النهاية هذا الموقف من التيسير في الأربعة:

  1. الزمان
  2. المكان
  3. الأشخاص
  4. الأحوال

هناك في الأحوال فرقٌ بين الجالس في مدينته وبين المسافر، هناك فرقٌ ما بين السلم وبين الحرب، هناك فرقٌ ما بين الرخاء وبين المجاعة، كل هذا له أحكام.

[المذيع]: هذه أحوال يا مولانا؟

[الشيخ]: نعم، فالحرب حالة، والمجاعة حالة أخرى، والسفر أمرٌ ثالث، وهكذا فكل حالة من هذه الأحوال لها أحكامها وأحكام مخففة في كل شيء.

شمول التيسير الإسلامي لجميع جوانب الحياة والنبي بُعث بالحنيفية السمحة

[هناك أحكام مخففة حسب الحال] في الصلاة وفي الصيام وفي الأكل وفي الشرب وفي العلاقات الاجتماعية وفي البقاء وفي النوم وفي اللباس وفي كل شيء، كله ربنا سبحانه وتعالى يريد أن تمضي الحياة سهلة يسيرة.

والنبي صلى الله عليه وسلم كما وصف نفسه:

«بُعثت بالحنيفية السمحة»

الحلوة الجميلة، ليست كما يصورها المتشددون من أنه بُعث بشيء مختلف، هم يعتبرون أن الناس كلهم قد انحرفوا، ونسوا [هؤلاء المتشددون] الحب والرحمة، وهو الذي يقول:

«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

ويقول:

«إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

ويقول:

«ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به»

تطبيق النبي للسماحة في فتح مكة وقوله يسّروا ولا تعسّروا

ويقول في من لم يكرم ضيفه فهو غير مؤمن، يعني:

«يسِّروا ولا تعسِّروا»

في غاية من الجمال، وأيضًا تطبيق هذا الجمال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال:

«فاذهبوا فأنتم الطلقاء»

[المذيع]: هذا هو سيدنا [محمد] صلى الله عليه وسلم، فصلوا عليه وسلموا تسليمًا.

حدود الخطأ الذي يُرفع به الحرج والفرق بين الخطأ والخطيئة

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مولانا الإمام، طيب، وربما يسأل سائل: ما حدود الخطأ الذي به يُرفع الحرج عنا؟

[الشيخ]: هناك فرق بين الخطأ والخطيئة، والفرق بينهما القصد؛ إذا كان الإنسان صدر منه الفعل من غير قصد فهو خطأ، وإذا كان صدر منه عن قصد فهو خطيئة.

فالخطأ والخطيئة مدارها القصد؛ فالإنسان ما دام فعل شيئًا من غير قصد فهذا نسميه بالخطأ.

انظر إلى شخص أفطر لأنه ظن أن الشمس قد غربت وتبين خطؤه، هو لم يفطر عامدًا متعمدًا في انتهاك حرمة شهر رمضان، بل فعل هذا لأنه ظن وتبين أن ظنه خطأ أن الشمس قد غربت.

أمثلة على الخطأ غير المقصود وأثر القصد في التفريق بين الخطأ والخطيئة

أو مثلًا شخص أخذ يشرب قبل دخول الفجر ظانًا أن الفجر لم يؤذن بعد فبان أنه قد أذن، أو أنه قتل ولكن خطأً، هو لم يكن يقصد هذا إطلاقًا ولم يفعل هذا الفعل من أجل القتل، بل فعله من غير قصد منه ولا مراد.

ومن هنا كان الفرق بين الخطأ وغير الخطأ هو القصد.

تبقى الإجابة على سؤالك الدقيق أن القصد هو الذي يجعل الشيء عند وجود هذا القصد خطيئة، وعدم القصد هو الذي يجعل هذا الفعل خطأً؛ فالخطأ المعفو عنه هو المرفوع الإثم.

الدية والكفارة في القتل الخطأ تعظيماً للروح الإنسانية مع رفع الإثم

انظر إلى القتل الخطأ، ففيه دية وفيه كفارة تعظيمًا للروح الإنسانية، تعظيمًا للروح الإنسانية بالرغم من أنه خطأ ولا يؤاخذ عليه أصلًا، لكنه لا يؤاخذ عليه إثمًا.

أما حقوق الناس فلها شأن آخر؛ فهذا الخطأ في قِبَل الناس ينبغي المؤاخذة عليه، وينبغي أن نقف عنده حتى نعطي كل ذي حق حقه، وحتى نهدئ البال، وحتى نصلح الحال، وهذا هو فائدة الدية.

لكن لا يوجد قصاص؛ فالقتل الخطأ ليس فيه قصاص، لا أحد يستطيع أن يقول هذا معتدٍ وإن هذا الاعتداء يستوجب على جماعة المجتمع أن تقتله أو أن توقع به القصاص حتى يكون عبرة لمن خلفه.

عدم القصاص في القتل الخطأ وإلزام الدية لمصلحة المجتمع مع حفظ حقوق الناس

لا، لماذا؟ لأنه أصل ليس فيه قصد، وعدم القصد يجعله خطأً، وبالرغم من ذلك ألزمناه بالدية لمصلحة الظاهر المجتمعي، وليكن ذلك من قدر الله سبحانه وتعالى، ولكن حقوق الناس لا تضيع.

[المذيع]: مولانا الإمام فضيلتك، دائمًا، ونحن نتكلم عن أحد المبادئ القرآنية نتحدث في ختام كل مبدأ من المبادئ عن كيفية تتجلى هذه المبادئ في حياتنا، وكيف تكون عنصرًا أساسيًا منتشرًا في بنائنا، راسخة في اقتصادنا، في سياستنا، في حياتنا، في بيوتنا، في شوارعنا.

هذا التيسير وهذه السماحة، كيف تكون عنوانًا حقيقيًا فيما نجده في تربيتنا.

[الشيخ]: مفاهيم رفع الحرج والتيسير والمسامحة والسماحة وما إلى ذلك أبدع ما توصل إليه الغرب في النظام الاقتصادي.

مبدأ رفع الحرج والسماحة الإسلامية في الاقتصاد والسياسة والقانون

[هذه المفاهيم] هي أفضل ما توصل إليه النظام الاقتصادي في أمريكا وغرب أوروبا في السنوات الأخيرة؛ أفضل وأروع ما وصلوا إليه؛ هو ما يحل مشكلات البنوك في تعاملها مع المتعثرين، وهو ما يحل الأزمات الاقتصادية أيضًا.

أشياء موجودة، مثلًا: win win [الكل فائز]؛ سياسة فيها المسامحة، مبنيّة على المسامحة، يعني كما قال:

«رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وسمحًا إذا اشترى، وسمحًا إذا تقاضى»

نعم، هذا هو الwin win [الكل فائز]، ولذلك يتعجبون جدًا ويقولون: كيف معكم هذه الكنوز ولا تلتفتون إليها؟

هذا مبدأ رفع الحرج، هذا يفيد في القوانين كما يفيد في الاقتصاد كما يفيد في السياسة.

مانديلا وعهد علي بن أبي طالب نماذج تطبيقية لمبدأ المسامحة الإسلامية

انظر إلى ما فعله مانديلا في جنوب أفريقيا عندما تولى وبعد ذلك قال: عفا الله عما سلف، هو نفس موقف سيدنا [محمد] ﷺ في الفتح إلى آخر ما هنالك.

انظر إلى عهد علي بن أبي طالب إلى مالك بن الأشتر النخعي ولَّاهُ مصر، صحيح هو لم يأتِ لأنه مات في الطريق، لكن انظر إلى العهد، عهد غريب عجيب، يتكلم بكلام عجيب غريب، كله مبني على المسامحة، مبني على هذه المسامحة التي تنطلق من حُب البشر والبشر جميعًا.

[المذيع]: إذن إننا هداة لا قضاة، أي:

«بشِّروا ولا تنفِّروا، يسِّروا ولا تعسِّروا»

ضرورة انتشار مبدأ التيسير والسماحة في الخطاب الثقافي والتعليمي والمتنوع

كل هذه لا بد وأن تكون ليس في مجال الدعوة فقط، ولا على المنابر فقط، ولا في الخطاب الديني فحسب، ولكن لا بد أن يكون في الخطاب الثقافي والخطاب التعليمي والخطاب المتنوع بدوائره المتعددة.

[الشيخ]: هذا صحيح، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى أقوم سبيل، وهذا المبدأ هو فعلًا متغلغل في جميع المناحي، ومن أجل هذا فكان هذا مبدأنا،

[المذيع]: هذا يميز أمتنا عن أي أمة ثانية؟

أصالة السماحة في تراث المسلمين وجريمة الغفلة عن اللغة العربية والحضارة الإسلامية

هذه السماحة وهذا التسامح وهذه المسامحة، [الشيخ]: الأصالة التي وجدناها في تراث المسلمين أصالة مذهلة. وكلما رأينا أن المسلمين قد احتاروا في اختيار النموذج المعرفي من الشرق إلى الغرب إلى كذا، عرفنا أنها جريمة ارتكبت في الغفلة عن اللغة العربية والغفلة عن تراث المسلمين والغفلة عن تلك الحضارة العظيمة التي أرجعت للإنسان إنسانيته بعد هذا الحمق الروماني الذي قضى على الفلسفة اليونانية.

العصر الروماني كان صاحب قوة غاشمة، قوة ظلمت الإنسان وتجبرت وكانت مسرفة في الأرض؛ ذهب الفكر اليوناني بفلاسفته العظام وامتلأ العالم سوادًا، فأرسل الله نبيه الخاتم من أجل أن يخرجه من الظلمات إلى النور، وقد فعل وبنى حضارة إنسانية عجيبة غريبة هي التي كانت سبب هداية العالم.

استمرار نور الحضارة الإسلامية ووجوب تبليغ مبادئها للعالم بكل الوسائل

[المذيع]: وهذه [الحضارة الإسلامية التي انكروها] هي التي انتشر نورها في مشارق الأرض ومغاربها؟

[الشيخ]: ولا زال، ولكن بعض الناس [يصدق فيهم]:

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد، وينكر الفم طعم الماء من سقم.

ولا يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.

[المذيع]: هل علينا نحن المسلمين أن نستخدم وسائل أكثر وأكثر لأن نفهم الآخرين هذه الدعوة السمحة وهذا الدين الحنيف وهذه التربية التي فيها علاج لأمراض البشرية؟

[الشيخ]: هذا واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«بلغوا عني ولو آية»

نحن معنا ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية، نحن معنا أكثر من ثلاثين مبدأ قرآنيًا تقوم على مثلها الفكر المستقيم، يقوم على مثلها حضارات الأمم، يقوم على مثلها تقوم علاقات الدول.

امتلاك الأمة الإسلامية كنزاً من المبادئ القرآنية يجب استخراجه وتطبيقه

ولذلك فنحن نمتلك كنزًا من الكنوز التي سنستمر في محاولة استخراج ما فيه وتطبيقه بين العالمين.

[المذيع]: سيدي، اسمح لي أن أقرأ تعليقات السادة المشاهدين ومداخلات السادة المشاهدين على سؤالنا المطروح على صفحة الفيسبوك: برأيك، هل ينبغي للإنسان عدم تحميل نفسه ما لا تطيق وكيف؟

تعليقات المشاهدين حول عدم تحميل النفس ما لا تطيق وأهمية التوازن في الحياة

تقول الأستاذة نادية: إن كل شخص بحسب قدرته والله رحيم بعباده.

وتقول الأستاذة هالة الديب: نعم نحن مطالبون، ولكي يتحقق ذلك علينا أن نحيا حياة متوازنة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

«إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه»

وتقول زهرة الفردوس: هو غير مطالب؛ لأن ربنا قال:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]

بمعنى أنه على الإنسان الاجتهاد والله موجود.

الأستاذة راندا تقول:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

والله أعلم، ولكن أيضًا إذا حُمِّلت النفس ما لا طاقة لها به كلَّت وضاقت، وأعوذ بالله من الكفر والله أعلم.

ختام البرنامج والثناء على مشاركات المشاهدين وتأكيد رحمة الأمة الإسلامية

[الشيخ]: الحمد لله كل هذه تعليقات ومشاركات طيبة تُبيِّن أن الوعي ينتشر بين الناس انتشارًا كبيرًا، وأن هذه أمة مرحومة.

«ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة»

مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، رضي الله عنكم دائمًا يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم شكرًا لكم.

**[المذيع]: ** دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.