والله اعلم | كيفية تحقيق الثقة الزوجية والابتعاد عن الامور المحققة للشك بين الزوجين | الحلقة الكاملة - والله أعلم

والله اعلم | كيفية تحقيق الثقة الزوجية والابتعاد عن الامور المحققة للشك بين الزوجين | الحلقة الكاملة

48 دقيقة
  • الغيرة شعور إنساني فطري يتولد من الخوف أو القلق أو الحب، بينما الشك مرض وآفة تدمر الأسر.
  • تُعدّ الغيرة أمراً مقبولاً إذا كانت معتدلة، وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم مع سيدنا عمر.
  • الغيرة المحمودة تحفظ الكون وتدفع للتنافس الإيجابي، أما عند تجاوزها الحد فتتحول إلى الشك المذموم.
  • يجب اعتبار الجهات الأربع عند الحكم على الأمور: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • من أهم أسباب المشكلات الزوجية اليوم سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك.
  • العلاقة الزوجية السليمة تقوم على الحب والثقة والستر وحسن الظن.
  • الستر والحفاظ على الأعراض من قيم الإسلام العظيمة، وعدم التسرع في اتهام الآخرين.
  • ضرورة العودة إلى القيم الأصيلة التي كانت في "الزمن الجميل" والتي تقوم على العلاقات الإنسانية المحبة والمتسامحة.
  • الاختيار الصحيح والقرب من الله والصراحة والوضوح أسس مهمة لاستقرار الحياة الزوجية.
محتويات الفيديو(50 أقسام)

افتتاح الحلقة واستكمال الحديث عن الغيرة والشك في البيت

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله، بسم الله بدء كل خير ورأس كل أمر ذي بال. ما أجمل أن نستفتح كل حياتنا ببسم الله الرحمن الرحيم، اللهم ارزقنا بركاتها يا رب العالمين.

أهلًا بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج والله أعلم، لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف.

ونكمل معه ما بدأنا الحديث فيه بالأمس حول هذه الأسباب التي تسبب الغيرة والشك في البيت، وكيف نستطيع أن نتلافى ونتخلص من كل هذه الأسباب، ونقيم هذه الأسرة السليمة لتكون النواة الحقيقية لمجتمع حقيقي وسليم تربيةً وتنشئةً. مولانا الإمام أهلًا بفضيلتكم.

[الشيخ]: أهلًا مرحبًا بكم مولانا.

هل يحق للزوجة أن تغار وما الفرق بين الغيرة المحمودة والشك

[الشيخ]: طيب، الآن ونحن نتحدث معكم، أول ما انتهت الحلقة بالأمس وردت أسئلة كثيرة، ربما السؤال الأساسي فيها: هل يحق للزوجة أن تغار على زوجها؟ وإذا كانت هناك غيرة، فهل توجد ما تسمى بالغيرة المحمودة؟ وما هي الشعرة الفاصلة بين الغيرة والشك؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بدون شك، الذي حدث بالأمس كان عن الشك، يعني الحلقة كلها تقريبًا كانت تتناول موضوع الشك غير المقبول ما بين الطرفين، خاصةً شك الرجل في زوجته.

وقلنا إن هذا يؤدي إلى عدم الاحترام، ويؤدي إلى عدم الثقة في النفس، ويؤدي إلى مشكلات تدمر الأسرة. أنا عند ظن عبدي بي، حسن الظن من حسن العبادة، إلى آخر ما ذكرناه بالأمس. وكان يمكن أن نسمي عنوان الأمس الشك، ثم جاءت الغيرة في الحاشية.

الغيرة شعور إنساني فطري يختلف عن الشك الذي هو مرض

[الشيخ]: واليوم، لأن الغيرة هذا شعور إنساني، لكن الشك ليس شعورًا إنسانيًا، الشك مرض. لكن الغيرة هذه شعورٌ إنسانيٌ قد يتولد من الخوف، وقد يتولد من القلق، وقد يتولد أيضًا من الحب، وقد يتولد أيضًا من حب التملك، وقد يتولد من العادة، وقد يتولد من أسباب كثيرة تسبب الغيرة.

قصة النبي ﷺ مع سيدنا عمر وإقراره لغيرته في المنام

[الشيخ]: كان سيدنا عمر غيورًا، ومرة شاهده النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أنه في الجنة بجوار قصر عمر، فقال فيما معناه: غضضت بصري؟ أنني لم أنظر داخل قصر عمر الذي في الجنة في المنام.

سيدنا النبي هو الذي يقول لعمر هكذا في الصباح: إنني رأيت الرؤيا اليوم، أنني أرى قصرك في الجنة وكنت أمشي بجواره أو ما شابه ذلك، ثم وجهت وجهي نحو الثانية وغضضت بصري لما أعلمه منك من غيرتك.

يعني فسيدنا عمر كما تقول ضحك وقال له: أمنك أغار يا رسول الله؟ يعني أنت فوق رؤوسنا جميعًا ولا نغار منك.

منام النبي ﷺ ويقظة قلبه وتضرعه الدائم لله سبحانه وتعالى

[الشيخ]: لكن ما معنى ذلك؟ معناه أن حتى سيدنا رسول الله في حالة المنام، ومنامه كان كيقظته، عندما كانت الملائكة تقف عند رأس رسول الله تقول: هذا رجل تنام عيناه ولا ينام قلبه.

فهو في حالة يقظة مع ربه سبحانه وتعالى، وإن كانت العينان تنامان على سبيل البشرية أو لإثبات البشرية، وهو كان بشرًا:

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ [الكهف: 110]

لكن مقتضى الوحي ومقتضى الضراعة ومقتضى الكمال ومقتضى الإنسان الكامل الذي أراده الله في نبينا صلى الله عليه وسلم جعله معلق القلب بالله، متضرعًا في حالة يقظته وفي حالة منامه. إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين.

إقرار النبي ﷺ لغيرة عمر والغيرة شعور فطري ليس مذموماً في ذاته

[الشيخ]: المهم، فانظر كيف أقرّ [النبي ﷺ] غيرة عمر بل واحترمها. صحيح، يعني فعل الله هذا، علينا أن نتوقف عنده قليلًا. فهو قد احترم هذه الغيرة، نعم، لأنها شعور إنساني مثل الحب شعور إنساني، مثل أيضًا أحب التملك.

حتى يعنى أن هذا الشيء ملكي أنا، وأنت تتطفل عليّ لماذا؟ أو أيها الآخر لماذا تريد ما ليس لك؟ فهذا شعور مثل الشعور الفطري أو الطبيعي وليس مذمومًا في ذاته.

فالغيرة ليست مذمومة في ذاتها، ولكن هذه الغيرة إذا زاد كل شيء عن حده انقلب إلى ضده.

الغيرة قد تكون سبباً في الشك المذموم إذا زادت عن حدها

[الشيخ]: هذه الغيرة قد تكون سببًا في الشك، وهو ما جعلنا نذكرها بالأمس أنها مذكورة عَرَضًا باعتبارها سببًا من أسباب الشك الذي نقاومه، والذي ندعو الناس إلى الترفع عنه وإلى عدم جعله أساسًا للحياة فيما بيننا؛ لأن عدم الثقة في الطرف الآخر نقص وليس كمالًا.

إنما الغيرة معناها أن قلبي يغار عليه، فالأم تغار على ابنها وعلى زوجها، نغار على ما ننتسب إليه، نغار عليه، أجل نغار عليه باختصار.

الغيرة المحمودة في الرياضة والصناعة وتمني الخير كما ورد عن النبي ﷺ

[الشيخ]: عندما أجد حتى من يشجع فريق كرة أو أي شيء، وإذا كان الفريق المنافس يتدرب جيدًا جدًا ويتقن عمله، يبدأ بالغيرة ويقول: لماذا؟ لماذا هذا ليس عندنا؟ فيقول: يا ليته كان عندنا، يا ليته كان عندنا. إن هذا ناتج من الغيرة المحمودة يا مولانا.

المحمودة، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام فيما ورد في الدلائل السمعية كان يحب أن نكون أهل الصناعة، لكننا لسنا أهل الصناعة. العرب الذين في الحجاز أهل التجارة، فمر وأمسك سيفًا هكذا، هو نظر إلى السيف وقال: هذا السيف مصنوع إما في اليمن أو في الهند أو لا أعرف أين، ويُسمى المهند اليماني، هكذا الأسماء.

فقال: وددت أن يُصنع هذا هنا. واستدل بهذا بعضهم، وهي رواية نادرة. وددت لو - يعني لماذا لا نكون أهل صناعة كما نحن أهل زراعة كما في المدينة والنخيل وما شابه ذلك، أو أهل تجارة أيضًا نقلب الأرزاق.

أهمية الصناعة عند الصحابة وملابسهم من قباطي مصر

[الشيخ]: لكن الصناعة مهمة، ولذلك كانت الصحابة ليس لديهم ملابس خاصة. لماذا لم يكن لديهم ملابس خاصة؟ لأنها كانت تُلبس من قباطي مصر. أهل مصر أهل صناعة، يصنعون النسيج ويرسلونه فيلبسون الملابس الخاصة بمصر.

هل تنتبه؟ وكذلك البُرْد الآن أو وهكذا. فأنا أريد أن أقول لحضرتك أن الغَيرة أمر فطري، ولذلك سيكون منها المحمود ومنها المذموم.

الحب والغيرة بين الإفراط والتفريط وأثرهما على الرؤية

[الشيخ]: لماذا؟ لأن الحب هكذا، حبك للشيء يعمي ويصم، يجعلك وعين الرضا عن كل عيب كليلة، وعين السخط تُبدي المساوئ والعيوب. أي أنها تُظهر المساوئ والعيوب؛ لأنه وقف له على الوحدة.

لكن الثاني: الأم وهي ترى ابنها يخطئ تقول لك: لا، هو ليس مخطئًا في شيء، بل هو فتى صالح وما إلى ذلك. تتغاضى عن خطئه. [الشيخ ذكر مثلًا شعبيًا ليستدل عن مفهوم الغيرة]. تتغاضى عن خطئه، بينما عدوك يتمنى لك الخطأ.

الغيرة والحب والشجاعة إذا زادت عن حدها انقلبت إلى ضدها

[الشيخ]: هذه الغيرة إذا زادت عن حدها، والحب إذا زاد عن حده، والحرص إذا زاد عن حده، ستتحول إلى بخل. الشجاعة لو زادت عن حدها تتحول إلى تهور.

يعني الشيء في غير مكانه لا يصلح. لابد من استخدام الكلمة المناسبة في الوقت المناسب في المكان المناسب للشخص المناسب بالحالة المناسبة.

إذا أي غيرة لم تراعِ هذه العناصر الأربعة: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وزادت عن حدها، فستتحول إلى ضرر لا نفع فيه.

الغيرة الفطرية لحفظ الكون والتنافس المحمود بين العباد

[الشيخ]: أما الغيرة في حد ذاتها فهي فطرية، ومن الأشياء التي خلق الله الناس عليها لحفظ الكون، لحفظ الكون أن يكون فيه:

﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]

ما هي أصلًا غيرة. فهناك غيرة محمودة، وهذه الغيرة حتى تكلم عنها أهل الله، يقولون لك: إنه قد حصلت له غيرة. هذه الغيرة حالة من الحالات التي تكتنف العابد وتدفعه إلى التحيز والتعصب وما إلى ذلك.

لكنها عندما كانت في نطاق العبادة وفي نطاق حب الله ورسوله وحب الالتزام بالفعل الطيب، يعني ماذا؟ تقبلوها.

الغيرة قد تولّد الحب وليست دائماً ضده كما في حال سيد المحبين ﷺ

[الشيخ]: ثم يقول لك إنه عنده غيرة، وهذا هو ما قاله سيدنا محمد لأبي ذر الغفاري عندما قال له: تعيش وحيدًا وتموت وحيدًا وتُبعث يوم القيامة وحيدًا.

فكانت الغيرة أيضًا، أريد أن أقول لك إنها أحيانًا تُولّد الحب، تُولّد الحب، نعم. ليست ضد الحب ولا ملازمة للحب، قد تُولّد الحب وقد تكون نتيجة عن الحب، وليست نتيجة عن البغض ولا شيء.

وقد تكون سيد المحبين عندنا صلى الله عليه وسلم، فكنت سأقول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثال الحب عندنا الذي نضربه بيننا وبين بعضنا هكذا سيدنا بلال.

قصة سيدنا بلال وحبه الشديد للنبي ﷺ وعجزه عن الأذان بعد وفاته

[الشيخ]: سيدنا بلال كان يحب النبي كثيرًا جدًا، فعندما توفي سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع أن يؤذن، لم يستطع. ماذا ستفعل له؟ حسنًا، هذا من الحب.

فربما عندما تأتي لتحلل الكلام تجد أنه يعني أنه غير قادر. لماذا؟ إنه غيور، من أن يؤذن لغير النبي. غير قادر لدرجة أنه أخذ متاعه وسافر إلى الشام وإلى العراق أيضًا؛ لأنه كان في المنطقة السوداء وكذا.

وبصعوبة بالغة رجع. قالوا له: لا، نتركك، نحن نريد أن نعيش أجواء سيدنا رسول الله. لقد ذكّرتنا بالحبيب الغالي، يجب أن تؤذن. فأذّن أذانًا واحدًا أبكى أهل المدينة. انظر إلى الحب!

حب بلال الشامل للنبي ﷺ وحب المدينة وجبل أحد

[الشيخ]: بلال له مواقف كثيرة هكذا، سنعمل عليها حلقة منفصلة في الحب لله. كان بلال محبًا حبًا عاطفيًا قلبيًا عقليًا روحيًا جسديًا، كل جسده يحب المدينة.

يحب إلى أن سيدنا الرسول قال لنا في هذا المعنى:

قال رسول الله ﷺ: «أُحُدٌ جبل يحبنا ونحبه»

[المذيع]: اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارك على سيدنا محمد، صلوا عليه وسلموا تسليمًا. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.

آراء المواطنين حول تأثير الفيسبوك ووسائل التواصل على الأسرة والطلاق

[تقرير إعلامي]: [المراسلة تسأل سؤالًا والمواطنون يجاوبون]

هل ترى أن الفيسبوك وغرف الدردشة يمكن أن تكون سببًا من أسباب الطلاق؟

هي ليست سببًا من أسباب الطلاق فقط بل أيضًا سببًا في تفكك الأسرة كلها، وليس مجرد طلاق فحسب، بل تفكك الأسرة بأكملها. وأصبحنا الآن نعاني من فقدان كل ترابط بين الأسر جميعًا.

ومن أحد أسباب انهيار الزواج هو الفيسبوك وكذلك جميع برامج التواصل هذه إذا استُخدمت بطريقة غير صحيحة. إذا كانت هناك علاقة قوية بين الزوجين أعتقد يعني لا هذه الوسائل ولا الوسائل التي تأتي يمكن أن تكون سببًا في الطلاق أو الشك.

اليوم الفيسبوك أصبح يؤدي إلى انحدار أخلاقي، انحدار أخلاقي بمعنى أنك قد تجد فتى تنكّر في صورة فتاة. مواقع التواصل الاجتماعي تكون سببًا في أن يصبح بين الزوجين شيء ما، أي أنها تؤدي مثلًا إلى أنه يعجب بشيء، وهي تعجب بشيء أيضًا، فيكون هناك شد وجذب، لكن لا يصل الأمر إلى الطلاق.

ليس كل ما نسمعه أو نصدقه على الفيسبوك صحيحًا، فهناك كلام مغشوش وأفكار فاسدة تؤدي إلى التطرف وإلى الطلاق، وتؤدي إلى أن الشباب لا تكون لديهم قيم وأخلاق.

آراء المواطنين حول سوء الظن والثقة بين الزوجين وعلاقتهما بالشك

هل سوء الظن عند الشخص هو المسؤول عن مرض الشك بين الزوجين؟

نعم، سوء الظن طالما أنه غير مبني على واقع فهو مرض بالطبع ويؤدي إلى الدمار بالطبع. هناك أفعال يجب أن تكون هي التي توحي بذلك، يعني عندما يوجد سوء ظن من غير أفعال فهذا غير مبرر بالطبع.

إذا كان الشخص يعاني من داخله بالوسواس أو أن الشخص لا يستطيع أن يشعر بالثقة في الناس، فسيكون بالتأكيد هو لن يستطيع أن يثق في شريك حياته.

بالطبع لا بد أن تكون هناك ثقة بين الطرفين؛ لأنه كيف ستكون الثقة موجودة إذا كان أحد الطرفين من طبيعته الشك فيمن حوله؟ إذا كانت هناك صراحة بين الزوجين، فلن يكون هناك شك إطلاقًا.

من أسباب الشك وجود الكذب وأشياء مثل ذلك وما شابه، وبالتالي ستكون هناك مشكلة إذا لم يكن هناك ثقة واحترام بينهم. بالتأكيد ستنعدم الثقة. طالما تُحسِن ظنك بالله سبحانه وتعالى وظنك بمن حولك أنهم لن يخونوك أو لن يخدعك أحد منهم، فإنه لن يفعلها أحد معك.

تعليق الشيخ على التقرير والفرق بين إعلام الإثارة وإعلام الإنارة

[المذيع]: أهلًا بحضراتكم. مولانا الإمام، ما رأي فضيلتكم في التعليقات أو ردود السادة الذين جاؤوا في التقرير على السؤال؟ وعلى كيفية تلاشي، أو هل سوء الظن وعدم الثقة وعدم الاحترام والإفراط في الاستماع إلى الآخرين، كل هذا يولد الشك؟

[الشيخ]: هناك شيء أعمق من ذلك بكثير يؤخذ من التعليقات التي استمعنا إليها الآن، وهي فيها وجهة نظر فلسفية قليلًا، وأحب أن نستمع إليها لأنها في غاية الأهمية.

[المذيع]: ما هي؟

[الشيخ]: ما هي؟ أنا لا أحب إطلاقًا إعلام الإثارة، وأحب وأقدّر وأعتز بإعلام الإنارة. ولكن وجدت أن كثيرًا جدًا، خاصة كان في فترة من الثمانينات حتى اليوم، عندما يقوم شخص بإصدار صحيفة جديدة يريد أن يجعلها مليئة بالإثارة والتشويق، فيملؤها بالفضائح أو الكذب أو المنشورات المغرضة التي تخدع القارئ إلى آخره، وفي النهاية لا نجد حقيقة إطلاقًا لهذا الوضع.

نشأة صحافة الفضائح الصفراء في أمريكا منذ عام ألف وثمانمائة وثلاثين

[الشيخ]: وهذا الأمر جعلنا نبحث عن صحافة الإثارة، وهذا الكلام له علاقة بما نتحدث فيه الآن. فوجدنا أن صحافة الفضائح مثلًا في أمريكا بدأت سنة ألف وثمانمائة وثلاثين. انظر منذ متى هذا!

[المذيع]: منذ الكساد الكبير.

[الشيخ]: لا ألف وثمانمائة.

[المذيع]: عفوًا ألف وثمانمائة وثلاثين.

[الشيخ]: ليس ألف وثمانمائة وتسعمائة تسعة وعشرين وثلاثين، لا، هذا ألف وثمانمائة.

[المذيع]: هذا مبكر جدًا.

[الشيخ]: مبكر جدًا. بدأت الصحيفة وكانت على وراء أصفر فسُميت الصحافة الصفراء، وكانت عن صحافة الفضائح والأكاذيب وهكذا. فنجحت نجاحًا هائلًا وشدّت الجماهير، مما جعل ثاني صحيفة للفضائح [تصدر عام] ألف وثمانمائة وواحد وثلاثين، وتاريخ طويل من ذلك.

الإعلام بين الإثارة والإنارة وضرورة بناء رؤية مستقلة تنطلق من قيمنا

[الشيخ]: فكنت أسأل أساتذتنا في الإعلام: حسنًا، إذا كانت مادة الإعلام هذه مادة مهمة جدًا، والإعلام هذا هو الوسيلة التي بيننا وبين الجماهير، وهو الوسيلة لتوصيل كل خير للجمهور، والإعلام هذا ينبغي أن نضعه في المقام الأول، هل لا توجد فائدة في أن يكون إعلامنا كله من قلبه إعلام إنارة؟

فتلقيت جوابًا لم أفهمه، لكنه سيجيب لنا على كل ما نحن فيه. قال لنا الأستاذ الكبير: أساسًا ليس نحن الذين اخترعنا الكاميرا؟ لسنا نحن الذين اخترعنا هذا الإعلام.

وماذا يعني ذلك؟ يعني أننا مقلدون لمن اخترع. هم الذين اخترعوا الكاميرا واخترعوا الصحافة واخترعوا التلفزيون واخترعوا الفيسبوك واخترعوا الإنترنت واخترعوا كذا إلى آخره، فنحن نسير خلفهم.

إذا أردت أن تستقل، فيجب عليك أن تفهم هذا الكلام، أن لك قيمك عقيدتك ولك وجهة نظرك في الكون والإنسان والحياة، فيجب ألا تترك نفسك نهبًا وراء هذا التيار الذي بدأ منذ ألف وثمانمائة وثلاثين، وتجعل الإثارة قبل الإنارة.

ضرورة التأصيل والتفكير قبل استعمال وسائل التواصل وفهم واقعنا وقيمنا

[الشيخ]: يجب عليك أن تجلس وتفكر قبل أن تنشط، ويجب عليك أن تبني تأصيلًا. وهل معنى ذلك أننا نغلق صحافتنا؟ لا، ليس معنى ذلك، بل معنى ذلك أن نفهم قيمنا ونفهم واقعنا ونفهم كيف سنستغل واقعنا هذا في قيمنا.

عندما دخل الفيسبوك وشاعت وذاعت ثقافة الفيسبوك، لم تكن لدينا ثقافة الفيسبوك، الثقافة الموجودة في أمريكا نحن لا نعرفها. ولذلك يشك الرجل في زوجته التي تضع إعجابًا على شيء ليس من ثقافته. هذه مسألة دخيلة ليست من ثقافته.

وتكتشف المرأة أنه يفعل الشيء نفسه مع الثانية، فما الذي يميزها؟ فهذا ليس من ثقافتها؟ وتبدأ المشكلة.

مشكلات واقعية بسبب الفيسبوك والإعجابات وغياب ثقافة التعامل معها

[الشيخ]: حتى أنني رأيت أمورًا غريبة جدًا، فالرجل اكتشف زوجته وهي تضع إعجابًا (لايك)، فقال لها: لماذا تفعلين ذلك؟ لماذا تضعين إعجابًا؟ هذا يعني أن عليكِ علامة استفهام! قالت: ليس عليّ علامات استفهام ولا شيء.

وهذا الأمر قد انتهى أو كان كذلك وتعتذر، ثم لا تمسحها. فيدخل عليها مرة أخرى فيجدها ما زالت موجودة، فيسألها: لماذا لم تمسحيها؟ فيقول لها: لماذا لم تمسحيها؟ إذن قلبك متعلق، والفتاة ليس هذا من فكرها وهكذا.

ونقع في مشكلة عجيبة غريبة، حتى عندما تأتي تُعرض عليّ بوصفي رجلًا يحل المشكلات، ومع ذلك تبدو غريبة عليّ. يعني عندما أمسك الفتاة وأسألها: لماذا لم تمسحها؟ تقول لي هكذا، يعني هذه ليست من ثقافتنا، وأيضًا ليست ثقافة الفيسبوك الموجودة في الخارج.

الدعوة للتفكير قبل استعمال الفيسبوك وإنشاء ثقافة تقينا مشكلاته

[الشيخ]: فإذا كنا غير معتادين حتى على العمل بهذه السكين، فكيف إذن؟ لذلك نجرح أيدينا. فحضرتك هذه ليست دعوة لإغلاق الفيسبوك، وإنما دعوة لنا كي نفكر قليلًا أو نفكر كثيرًا قبل أن نستعمل الأشياء، وننشئ ثقافة لنا تقينا مثل هذه الأشياء.

حسنًا، مهمة من هذه؟ إنها مهمة علماء الاجتماع، لديهم تلاميذ كثيرون يحصلون على الماجستير والدكتوراه، يجب عليهم أن يتناولوا هذه النقطة ويبحثوا القصة التي تكمن في المشكلات الواقعية التي يقع فيها الناس بسبب الفيسبوك، والتي تؤدي إلى الشك وتؤدي إلى دمار الأسرة، والتي تؤدي كما سمعنا الآن إلى الإرهاب.

خطورة الفيسبوك في تجنيد الشباب لداعش وطرق التنظيمات الإرهابية

[الشيخ]: هذا الفيسبوك جعل الشباب ينضمون إلى داعش من أوروبا وأمريكا، وهم في دول لديهم ثقافة التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا هذه، فغزوا الناس عبر الإنترنت من خلال أشياء غريبة.

تقول المخابرات الفرنسية في تقاريرها أن ذلك يتم عن طريق المواقع الجنسية وعن طريق مواقع الأطفال وعن طريق المواقع الرياضية. إنه أمر غريب جدًا، أصبحت الرسائل تُنقل بين تنظيم داعش بهذه الطريقة.

البشارة بتحرير الموصل والدعاء بزوال الخوارج ونصر الجيوش المؤمنة

[الشيخ]: والحمد لله، أبشرك اليوم بأن الموصل قد عادت إلى العراق وقُضي على الخوارج في هذا المكان. طبعًا، هذا لا يعني القضاء على الخوارج في العالم كله، كما قُضيَ على الخوارج قديمًا سنة اثنتين وثمانين، وهو ما نرجو أن يكون سريعًا.

ولكن لمّا يسقط المسجد في يد القوات المسلمة وفي يد القوات المؤمنة بدلًا من الخوارج الذي خطب عليه...

[المذيع]: الجيش الوطني.

[الشيخ]: الجيش الوطني بدلًا من الذي خطب عليه الخليفة المزعوم.

[المذيع]: أبو بكر البغدادي.

[الشيخ]: نحن لا نريد أن نذكر اسمه حتى تتنزل الرحمات، نعم؛ لأن هؤلاء أناس عند ذكرهم تتنزل الظلمات.

هزيمة الإرهاب وانتصار جيش مصر والدعوة للفرح بالشهداء

[الشيخ]: ها هي الإرهابية تُهزم، تلك الإرهابية التي تخصنا. لقد كانوا يؤيدونهم وهم الذين أحضروهم إلى سيناء لكي يقتلوا أبناءنا، ولكن الحمد لله جيش مصر ينتصر، والجيش الذي هناك أيضًا فيه نفحة مصرية، انتبه جيدًا.

والجيش الليبي الذي مع النبي ينتصر، وكل شيء سيزول. هؤلاء الخوارج كما زالوا منذ سنة سبع وثلاثين إلى اثنتين وثمانين، وسيُهزم الجمع ويولون الأدبار، وسنرى فيهم يومًا.

وأم الشهيد التي أرسلنا إليها تحية بالأمس، ودعونا الله سبحانه وتعالى أن يثبت فؤادها. أنا أقول لها: لا، نحن نريد أن نفعل شيئًا قد يكون غريبًا: إذا وصلنا خبر شهيد سنزغرد ونقيم فرحًا؛ لأنه سبقنا إلى الله على أكرم ما يكون وعلى أحلى ما يكون وعلى أعلى ما يكون، إلى أن ننتهي من هذه الفوضى والاضطراب الذي نعيش فيه هو من هؤلاء الجماعات المنحلة المنحرفة.

سؤال المذيع عن معنى الجهات الأربع في الحكمة وضبط سلوك الغيرة

[المذيع]: مولانا الإمام، ومع البشارة التي تحملها لنا وأيضًا هذا كله يصب في النهاية إلى مجتمع سليم، مجتمع خالٍ من الأمراض، بيت سليم، تنشئة سليمة.

أرجع لفضيلتك، قلت قبل الفاصل في المرة الماضية، وفي حلقة اليوم تقول: الحكمة والجهات الأربع، الغيرة، كيف نحكم. ما معنى الجهات الأربع التي فضيلتكم تتفضلون بها؟ وهذا عنوان خاص لحضرتكم. ما هي الجهات الأربعة وكيف أحكم كل سلوك الغيرة مثلًا؟ هذه العلاقات كيف أحكمها بالجهات الأربع لكي تكون حكمة؟

الحكمة في القرآن وقول الإمام علي في مراعاة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

[الشيخ]: قال تعالى:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

ليس خيرًا فقط بل خيرًا كثيرًا.

﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]

سيدنا الإمام علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه كان يقول: ليس كل كلام حضر أهله، ولا كل ما حضر أهله آن أوانه، ولا كل ما آن أوانه كان مكانه، ولا كل ما كان مكانه جاء حاله.

وهكذا، ماذا يقول بذلك؟ يقول إن المرء لا يتكلف، فليست المسألة أداء واجب أو إثبات حالة. يجب عليّ أن أتحدث الآن؟ لا يا سيدي، أرجوك. إن الكلام له وقت مناسب في مكان محدد مع أشخاص محددين بطريقة محددة.

الجهات الأربعة عند الإمام القرافي وتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

[الشيخ]: وهذه هي الجهات التي نسميها الجهات الأربعة التي نلجأ إليها في الفقه كثيرًا عند تغير الأحكام. ماذا يعني هذا؟ يعني أن ننظر: هل الزمان هو نفسه أم تغير، الحال كما هو أم قد تغير، والأشخاص كما هم أم قد تغيروا؟

وعلى هذه الأربعة التي سماها الإمام القرافي الجهات الأربعة، على هذه الأربعة نواحٍ - سمها كما تشاء - الجهات، يختلف الحكم فيها.

فمثلًا الشخصية الاعتبارية غير الشخصية الطبيعية، فيكون ما أقوله حرامًا في حق الشخص وحلالًا للبنك. لماذا؟ لأن البنك شخصية اعتبارية وصاحبنا هذا شخصية طبيعية.

الفرق بين الشخصية الاعتبارية والطبيعية وأثره في اختلاف الأحكام الفقهية

[الشيخ]: ماذا يعني الفرق بينهما؟ البنك هذا ليس نفسًا ناطقة، أي سيُؤاخذ، وتُنسب إليه صفة عدم الشهامة والمروءة وما إلى ذلك. ولذلك هو شخصية اعتبارية، أي جهة.

وهذه الجهة عندما تُصدر خطاب ضمان تأخذ مقابله أموالًا. فهل يجوز لي أن أضمن شخصًا مقابل أموال؟ لا. حسنًا، ولماذا أجزتها للبنك ولم تجزها لغيره؟ لأن البنك اعتباري وأنت طبيعي. أنت يُطلب منك الشهامة والحب والمودة والكرم، لكن هذه أعمال تجارية.

لذلك هذا يختلف كثيرًا، ولذلك الأحكام المتعلقة بالمسجد والوقف والجيش والحكومة والدواوين والمؤسسات والشركات تختلف تمامًا عن تلك التي للأفراد. فهذا مثلًا اختلاف الأشخاص مختلفون.

اختلاف الزمان والمكان وأثره في تطبيق الأحكام الشرعية كالأذان والوضوء

[الشيخ]: باختلاف الزمان قال له: يا أخي فلكل عصر أوانه. صحيح:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

إذن الزمن له دخل هنا. في دار الإسلام، دار عندنا هنا، نعيش رمضانًا جميلًا، ونقضي الأيام الخمسة الجميلة، ونفعل كذا وكذا. ذهبت إلى دار غير المسلمين، فهل لابد أن أؤذن ليشكوني في الشرطة؟ هل أنت منتبه يا أخي؟ أذن بينك وبين روحك يا أخي، أقم بينك وبين نفسك.

في أمريكا، الحوض مصمم لكي يُملأ بالماء ثم يغطس المرء وجهه فيه، ثم تأتي أنت وترفع رجلك لتغسل مكان ما يغسل وجهه، فيغضب منك وينزعج، وتصبح القضية سيئة جدًا بالنسبة له.

فلنفعل ماذا؟ لا يا أخي، امسح على الجرموق أو على الجورب وأنت في أمريكا، ولا تجلس. قم بتحسين صورة الإسلام عند الناس.

مراعاة المكان في العبادات وجواز المسح على الجوربين في بلاد غير المسلمين

[الشيخ]: لن تجلس أنت لتشرح له أنك تغسل قدمك فرضًا ولا أعرف ماذا وما إلى ذلك. اغسل قدمك في بيتكم، وعندما تخرج لا تجعلها معلقة هكذا، وامسح الشراب؛ لأنه هذا جائز عند فقه المسلمين.

واحذر أن تضع قدمك في الحوض أمام شخص أمريكي. فالناس يجب أن تدرك الزمان والمكان، ويجب أن تدرك الأشخاص والأحوال.

الشجاعة والكرم إذا زادا عن حدهما والفضيلة وسط بين رذيلتين

[الشيخ]: لأننا عندما نأتي إلى المعاني مثل الشجاعة، نعم، الشجاعة إذا زادت عن حدها تصبح تهورًا، والكرم إذا زاد عن حده يصبح إسرافًا.

إذا كان لديك مال إذن فلا تبخل، وإن لم يكن لديك مال فلا تستلف، لكن كن كريمًا فينقلب إلى إسراف وما إلى ذلك.

هذه هي التي نقول عنها دائمًا: الفضيلة وسط بين رذيلتين.

فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.

سؤال المذيع عن كيفية التعامل مع من يخبرك بخيانة شريك حياتك

[المذيع]: مولانا الإمام، ونحن نتحدث أيضًا نستفيد من كل هذه الأمور والخطوط العريضة في حياتنا. في البيت عندما يقول أحدهم للزوجة إن زوجك يخونك أو العكس، كيف نتعامل مع مثل هذه الأمور؟ أي بمعنى ما الذي نستمع إليه وما الذي لا نستمع إليه؟

النهي عن النميمة والهمز واللمز وحرمة أعراض المسلمين

[الشيخ]:

﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 10-11]

نعم، فهذا مشّاء بالنميم. يعني ليس لكم علاقة، إذا كان زوجي يخونني أو لا يخونني، هذا ليس شأنكم وليس لكم علاقة به. أرأيت الشمس؟ فعلى مثلها فأشهد.

فالناس الذين يستنتجون بالنميمة وهكذا إلى آخره، كل هذا ضد أخلاق الإسلام. الهمز واللمز والمشي بالنميمة، كل هذه أشياء يُعاقب عليها الإنسان.

اشتراط أربعة شهود لإثبات جريمة الخيانة وأن الأصل في الأعراض الستر

[الشيخ]: وعندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يُثبت جريمة الخيانة، جعل فيها شيئًا عجيبًا غريبًا، وهو أنه لا بد من أربعة شهود يرون الواقعة بأعينهم. ما هذا؟! كيف يعني؟ هل هو على الطريق العام يعني؟

لا، هو يقول لي إذن: فأعراض المسلمين محفوظة والأصل فيها الستر. ولذلك يجب على من رأى شيئًا من ذلك أن يستره، وأن ينكر الفعلة، وأن يرحم الفاعل.

هو أخطأ ووقع في المصيبة، ولكن علينا أن نرحم هذا الفاعل وندعو له بالتوبة والرجوع وما إلى ذلك. لكن مَن سَتَرَ وسَتَرَ على ماذا؟ على عيبٍ لازمٍ أو على معصيةٍ أو نحو ذلك. طبعًا ولو أنك تستر أخاك بطرف ثوبك، يعني تغطي عليه بطرف ثوبه.

معاملة العاصي كالابن بالستر والنصيحة والرحمة لا بالفضيحة

[المذيع]: إلى هذه الدرجة يا مولانا!

[الشيخ]: إلى هذه الدرجة! معناها أنه اعتبر هذا العاصي وهو في مخالفته، اعتبره يا أخي أخًا لك، لا بل اعتبره ابنك. أتفعل هذا مع ابنك؟ أبدًا.

أم إنك تجلس تستره وتنهره بينك وبينه، وكلما سألك الناس عنه مدحته وما إلى ذلك، وسترت عيبه؟ اجعل الناس هكذا، أحب الناس إلى هذه الدرجة من الحب كالوالد لولده.

قال رسول الله ﷺ: «أنا منكم مثل الوالد للولد»

فهذه هي القضية، هي أنه إذا كان هناك حب، ستسير كل الأمور سليمة مئة في المئة. إذا لم يكن هناك حب، فستكون هناك فضيحة، ويأتي من يقول له: زوجك يخونك أو زوجتك تخونك.

رفض الاستماع للنمام والبرهان الحقيقي لإثبات الذنب هو الرؤية بالعين

[الشيخ]: ما شأنك يا أخي؟ انتبه! لا علاقة لك به؛ لأن هذا قول بلا برهان ولا دليل. البرهان والدليل أن يرى الذنب بعيني رأسه، فيذهب ليبلغ، وهو غير مأمور بالستر.

وحضرتك خالفت ولم تستر. فإذا كانت المسألة أمام أربعة من الشهداء [الشهود]، فلهم - وليس واجبًا عليهم - أقول لهم: أنتم هكذا تفعلون الفاحشة كأنها في الشارع، أي في شيوع، فلهم أن يطلبوا العقاب.

قصة سيدنا عمر مع أبي بكرة الثقفي وشهادة الأربعة في قضية اتهام صحابي

[الشيخ]: سيدنا عمر عُرضت عليه قضية أن أحد الصحابة الكرام اتُّهِم بهذا الأمر، وجاء أحد من الصحابة أيضًا، وهو أبو بكرة الثقفي ومعه ثلاثة آخرين.

فقال له: يا أبا بكر، ما الداعي لذلك؟ ألا تستر؟ فقال: لا، ما أنا بساتر، أتيتك وأنت قاضٍ. ولأجل ذلك قال له: حسنًا، تفضل واشهد. فشهد، ثم أتى الثاني فشهد. حسنًا، نحن نصدق الشاهد لأنه صادق، والثالث شهد.

فلما جاء الرابع وكان زيادًا، قال له عمر: أرى وجهك لا يليق بمثله أن يتهم صحابيًا من أصحاب رسول الله. ماذا رأيت؟ قال له: لم أرَ شيئًا، أنا رأيت واحدًا من بعيد هكذا. قال له: أرأيت الفاحشة؟ قال له: لا.

قال لهم: ما رأيكم أنتم الثلاثة؟ لابد أن تكونوا أنتم الثلاثة مفترين؛ لأنه لا يوجد تمام الأربعة. صحيح طبعًا.

رأي الأئمة في حصانة مجلس القضاء وستر الله للصحابي المتهم

[الشيخ]: هنا الأئمة قالوا عكس ما قال به عمر، وهو أنهم في مجلس القضاء ليسوا ممن يفترون على الناس، هم لم يفتروا بل شهدوا في القضاء، فلم يكن يجب رد شهادتهم ولا كان يجب هذه الأمور.

لماذا؟ لأنه في مجلس القضاء، وما دام هؤلاء كانوا في مجلس القضاء فثمة حصانة لمجلس القضاء.

لكن في النهاية الحمد لله، ستر الله الصحابي وانتهت المسألة هكذا. فانظر إلى دقة سيدنا عمر، لم يكن متلهفًا أنه يقيم الحد كما تفعل بعض الجماعات الإرهابية التي تتشدد كثيرًا في إقامة الحدود.

الحدود في الإسلام أساسها منع الجريمة لا الانتقام من العصاة

[الشيخ]: ويستمرون في استحضار مقتطفات من التراث، يقولون لك مثلًا: من أقام حدًا فلا أعلم لماذا [له أجر] سبعين سنة، ومن منع حدًا فكأنه منع المطر سبعين سنة. أشياء مثل ذلك، يعني متشدد في إقامة الحد.

والحدود من عند الله وهي شرع الله سبحانه وتعالى، وأساسها، أساسها المبدئي، هو منع الجريمة وليس الانتقام من العصاة.

يعني هو يقول لي الآن أن حكاية السرقة كبيرة جدًا، حكاية القتل كبيرة جدًا، حكاية الزنا كبيرة جدًا. احذروا أن تفعلوا هذه الأشياء؛ لأن فيها وبإزائها حدودًا كبيرة.

أهمية انتشار آداب الستر والتربية الإسلامية وافتقاد الزمن الجميل

[المذيع]: مولانا، كم سيكون عظيمًا لو انتشرت هذه الآداب وهذه التربية في حياتنا، في كل مكان، في كل زوايا معيشتنا. في الوقت الذي نجد فيه كنا زمان كما يقال لك، هذا فاعل خير، وفاعل الخير هذا يذهب ويتصل بهذا أو ذاك ويقول له، أو يتحدث عن فلان أو علان. كيف تكون حياتنا لو اتبعنا هذه الآداب والتعاليم الرائعة التربوية؟

[الشيخ]: عندما افتقدناها سمينا الزمن التي كانت فيه - وهو زمن قريب عاصرته في طفولتي - الزمن الجميل. ما الذي يجعله زمنًا جميلًا، بالرغم من أننا نملك الآن أكثر من وسائل وأدوات الرفاهية؟

سياراتنا الآن أفضل من سيارات الماضي، والراديو والتلفزيون لدينا أفضل بكثير. نحن نعيش حياة لم يعشها كسرى ولا قيصر. فما هي القصة؟ القصة أنه كان زمنًا جميلًا لأن الإنسان كان موجودًا فيه.

مشهد من ثلاثية نجيب محفوظ يصور العلاقة الإنسانية بين الشيخ والناس

[الشيخ]: تعال معي الآن مع نجيب محفوظ رحمه الله في الثلاثية التي حولوها إلى فيلم. فالسيد أحمد عبد الجواد عائد في الليل فيقابله الشيخ. من الذي يقابله؟ فضيلة الشيخ المسؤول عن المسجد.

فيقول له: أين كنت يا سيد أحمد؟ الله، فإنه هكذا يبحث عنه. هذه هي العلاقة الإنسانية الودودة: كنت أين يا سيد أحمد؟

قال له: انظر، كنت في ساعة أنس. هذا اعترف على نفسه أنه كان في مجلس ليس تمامًا مناسبًا. لماذا؟ لأنه ليس خائفًا من الشيخ، هو يحب الشيخ والشيخ يحبه.

ففي هذا الموقف قال: كنت في ساعة أنس. يعني أولًا لم يكذب، وثانيًا هذا معناه علاقة قوية جدًا بين الشيخ كعالم من علماء الدين وكواعظ وما إلى ذلك وبين الجمهور الذي يحبه.

نصيحة الشيخ للسيد أحمد عبد الجواد ومشهد الطفل كمال عند سيدنا الحسين

[الشيخ]: فقال له: يا أخي، تبقى في المهزلة التي أنت فيها؟ نعم، فهو ينصحه هكذا يعني بينه وبينه، وهم واقفين في الشارع. تبقى بهذه المهزلة وتترك ابنك عند سيدنا الحسين.

فهو بهذا يدله على كمال، الطفل الصغير الذي كان سببًا في ظلم السيدة أمينة. صاحب التصوير الذي يلتقطه، حصل الرجل [نجيب محفوظ] على جائزة نوبل؛ لأنه يمتلك قدرة على تحويل المعاني العميقة في هذه البساطة التي يمكن للناس مشاهدتها ألف مرة دون أن تتوقف عند هذه المعاني.

فقام السيد أحمد عبد الجواد الذي رجع للتو من مجلس أنس - يعني حرام، يعني فيه الخمر وفيه الراقصات - وذهب إلى سيدنا الحسين.

مشهد الطفل كمال يشكو لسيدنا الحسين وبكاء السيد أحمد وعودة السيدة أمينة

[الشيخ]: الله، فيسمع الولد وهو يقول: يا سيدنا الحسين، أيرضيك ما حدث؟ أمي تأتي لزيارتك فتطلق أمي بسبب ذلك. أيصح هذا الكلام يا سيدنا الحسين؟

فالسيد أحمد يبكي، السيد أحمد يبكي؛ لأن الولد كأنه عزيز عند سيدنا الحسين. ما الذي جعل الرجل [الشيخ] يراه؟ وما الذي جعله يتعرض عليه في الطريق؟ وما الذي جعل السيد أحمد قلبه يقلق على ابنه ويدخل فيسمع هذا الكلام الذي هو الحوار الذي دار بين الولد وبين سيدنا الحسين؟

فيذهب ليأخذه ويحتضنه ويخرج بالعربة ليُحضر السيدة أمينة ليرجعها البيت.

[المذيع]: يرجعها البيت.

قداسة الأسرة وعودة السيدة أمينة إلى بيتها رغم معارضة أمها

[الشيخ]: فالسيدة أمينة أمها تقول لها: لا تخرجي. فقالت لها: لا عليكِ، السلام عليكم. فأصبحت قيمة البيت أعلى من قيمة العلاقة بينها وبين أمها.

شتمتها وقالت لها: يعني هكذا، هو سيتعبك وغير ذلك. لكن البيت والأسرة وقداسة الأسرة، ذهبت إلى بيتها.

فكل هذه المعاني كانت موجودة فعلًا. أنت تقول لي كيف؟ كيف نفعلها؟ لا، نحن لن نفعلها، ليتنا نرجع إليها. كل هذه الأشياء، ها نحن قد أطلنا الحديث فيها، لكنها تبين لك أننا تركنا أشياءً جميلة جدًا. من ماذا إذن؟ ومتى تركناها؟

تأثير الجماعات المتطرفة على العلاقة بين الشيخ والناس والدعوة لعودة الإسلام بالطابع المصري

[الشيخ]: غايته عندما بدأت الجماعات المتطرفة الإرهابية تتحكم في حياتنا، وعندما استمعنا إليهم، كانت هذه هي العلاقة التي بين الشيخ وبين الناس، المشيخة.

نحن رأيناها هكذا. لقد رأيت سيدي الشيخ أحمد مرسي وهو يدخل بيوت الأكابر من الباشوات القدامى ومن البهوات ومن المتصدرين ومن أساتذة الجامعة، وجميعهم يحبونه. أنه حب هذا الشعب لهذا المعنى.

لكن الدخول بالإنسان جلده وعظمه والمراقبة والمحاسبة بهذه الشدة وهذه الغلظة وهذه الكيفية التي جعلت الناس يشك بعضهم في بعض، وجعلت الناس تتعالى بعضهم على بعض، وكل واحد صلى ركعتين يفتخر.

كل هذه الأشياء إن شاء الله تزول مرة أخرى، ويعود إسلامنا بالنكهة المصرية، بالطابع المصري الذي كان عبر القرون.

أسوأ ما فعله المتشددون هو قطع الطريق بيننا وبين مشايخنا الحقيقيين

[المذيع]: ما أود أناقشه مع فضيلتكم مولانا، أن هؤلاء المتشددين كانت أهم شيء فعلوه وأسوأ شيء قاموا به هو إبعاد المسافة أو قطع الطريق على وصولنا لمشايخنا الحقيقيين، وهذا الذي أفسد جزءًا كبيرًا من حياتنا يا مولانا.

تعليقات المشاهدين حول تحقيق الثقة الزوجية بالاختيار الصحيح والقرب من الله والحب

[المذيع]: دعنا نسمح لفضيلتكم بأن نجيب أو نقرأ بعض تعليقات السادة المشاهدين حول سؤالنا: كيف نحقق الثقة الزوجية؟

تقول سحر أحمد هاشم: البداية من الاختيار الصحيح كما علمنا ربنا وسيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك كل شيء يصبح سهلًا.

تقول الأستاذة زهراء: أهم شيء طبعًا أن يكون الاثنان قريبين من الله، وبالتأكيد كلما زاد القرب من الله كلما قلت أخطاء أي منهما، وبذلك سوف يكون هناك ثقة.

يقول الأستاذ ياسر: إن الثقة الزوجية تتحقق إذا تحقق الحب، فالمحب لا يخون.

ويقول الأستاذ ميدو: إن الصراحة والوضوح بين الزوجين وأيضًا وجود توافق فكري بينهما.

تعليق الشيخ على تعليقات المشاهدين وضرورة سد الفجوة التي أحدثها المتطرفون

[المذيع]: فضيلة مولانا، ما تعليق فضيلتكم على كل هذه التعليقات؟

[الشيخ]: بكلمة واحدة جميلة، بكلمة واحدة: كل هذه التعليقات جميلة، وعلينا أن نسد الفجوة التي فعلها المتطرفون مرة أخرى، وعلينا أن نبني الجسور مرة أخرى حتى يعود الداعية والواعظ والشيخ إلى مكانه الصحيح.

[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، شكر الله لكم. شكرًا لكم أعزائي المشاهدين، دمتم في رعاية الله وحفظه، وإلى اللقاء.