والله أعلم | فضيلة الدكتور علي جمعة يوضح كيفية الوقاية من المعاصي في رمضان | الحلقة الكاملة
- •تحدث الدكتور علي جمعة عن المعاصي في رمضان، موضحاً أنها تأتي من النفس الأمارة بالسوء وليس من الشيطان وحده، فالشياطين تُصفد في رمضان.
- •الدنيا والشيطان والنفس والهوى أربعة مصادر للمعاصي، والدنيا هي البيئة المحيطة بالفتنة وفيها ما يلهي عن ذكر الله.
- •مراتب التناول في الدنيا ثلاث: الضرورات كالأكل والشرب، والحاجات كالسكن والملابس، والزينات كالفواكه والترفيه.
- •يكشف رمضان النفس البشرية أمام ذاتها بعد رفع العامل الخارجي (الشيطان)، ليعلم الإنسان أن العيب منه.
- •أربع سلوكيات تجعل الإنسان أكثر شفافية: قلة الطعام، قلة المنام، قلة الكلام، قلة الأنام (الخلوة).
- •رمضان فرصة للتدريب العملي على هذه السلوكيات ليستمر عليها طوال العام.
- •للوقاية من المعاصي: المبادرة بالتوبة فور المعصية، وإتباع السيئة بالحسنة لمحوها.
- •ينبغي التعبد برفق حسب الطاقة تجنباً للملل، لأن "المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
مقدمة البرنامج والترحيب بالدكتور علي جمعة وطرح موضوع الوقاية من المعاصي في رمضان
بسم الله الرحمن الرحيم،
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، يا أرحم الراحمين، افتح علينا فتوح العارفين بك.
[المذيع]: وهذا هو الوعي الذي يسبق السعي، الذي تعلمناه من علمائنا ومن صاحب الفضيلة الذي نلتقي به دائمًا في برنامج "والله أعلم" لنسعد بصحبته، الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.
لنقف معه اليوم عن كيفية الوقاية التي هي خير من العلاج؛ كيف نقي أنفسنا من المعاصي في شهر الصوم، في شهر رمضان؟ عندما تُسلسل الشياطين وتُصفَّد، من أين تأتي المعاصي؟ من أين تأتي الأعمال السيئة التي يجب أن نتجنبها تمامًا في شهر الصوم مولانا؟
الترحيب المتبادل وبيان أن الشيطان ليس وحده من يشن الهجوم على الإنسان
[الشيخ]: أهلًا بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم، كل عام وأنتم بخير، كل لحظة، كل سنة وحضرتك طيب، الله يكرمك مولانا طيب.
في شهر الصوم، في شهر رمضان تُصفَّد الشياطين وتُسلسل وتُقيَّد بالسلاسل، وبعد ذلك نجد الإنسان يقع في آثام، وتحصل بعض المعاصي، فلماذا وكيف؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.
إن الذي يشن الهجوم على الإنسان ليس الشيطان وحده، إذن ما السبب؟ ومن هو؟ إنها النفس الأمارة.
معنى النفس الأمارة بالسوء وأعداء الإنسان الأربعة: الدنيا والشيطان والنفس والهوى
كلمة "أمّارة" انظر إلى صيغتها، يسمونها عندنا صيغة مبالغة، أي ليست النفس الأمارة هي الآمرة بالسوء [فحسب]، بل النفس ماذا يعني أنها تأمرك فتقول لها: لا، فتأمرك ثانية بالسوء فتقول لها: لا، فتأمرك ثالثة بالسوء وتلحّ عليك؟
فيصبح إذن الدنيا والشيطان والنفس والهوى أربعة:
- الدنيا هي البيئة الخاصة بهذه الفتنة، الدنيا فيها ما يُلهي.
- النفس الأمارة بالسوء.
- الهوى والرغبات.
- الشيطان.
وهذه الملهيات التي فيها هي التي تسبب الغفلة عن ذكر الله. كيف تسبب الغفلة عن ذكر الله؟ ما هو أصلها؟ فيها مراتب للتناول.
مراتب تناول الدنيا: الضرورة والحاجة وأمثلة على كل منهما
أول هذه المراتب هي الضرورة. ما معنى الضرورة؟ يعني إذا لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. مثل ماذا؟ مثل الأكل والشرب والنوم والإخراج مثلًا؛ إخراج الإنسان في الحمام أكرمك الله. لماذا هكذا؟ لأن هذه الأشياء لو لم يتناولها الإنسان فيموت أو يهلك أو يقترب من الهلاك، فهذه من الدنيا، أي أن الطعام والشراب وما شابه من الدنيا، إذن الدنيا فتّانة يمكن أن تضغط عليه.
(رقم اثنين): وهي الحاجة التي إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة. مثل ماذا؟ مثل السكن، مثل الملابس؛ تخيل الإنسان وهو بدون ملابس يبرد ويتحرر، تخيل الإنسان وهو ليس له بيت، تخيل ذلك في نفسك أننا ليس لدينا بيت، تخيل الإنسان وهو ليس معه وسيلة للانتقال، تخيل ذلك، ماذا! ستكون الحياة شاقة جدًا، هل تنتبه؟
تخيل الإنسان وهو وحده بنفسه، سيكون عليه أن يزرع لنفسه ويصنع لنفسه ويصيد لنفسه، إنها حياة مرهقة.
الفرق بين الضرورة والحاجة وأثر ذلك على حياة الإنسان
فإذن الحاجة، لكن افترض أنني بتُّ في الشارع، لن أموت، ولكن افترض أنني لم آكل، سأموت. افترض أنني لم ألبس، لن أموت، ولكن تصيبني مشقة بالغة من البرد ومن الحر، ويمكن أن تحدث لي أمراض إلى آخره.
افترض أنني لم أتعالج، أصابتني الحاجة وصبرت على نفسي هكذا، هو لم آخذ دواءً، يصيبني بمشقة بالغة من الألم ومن الصداع ومن كذا والتعب.
النمرة ثلاثة: الزينة، يعني ليس فيها ضرورة وليس فيها حاجة، ولكن فيها ماذا يعني ماذا؟ ترفُّه. يعني أنا آكل وبعد ذلك آخذ فاكهة بعد الأكل، ها! وعندما ندخل نحن، يقومون بسقينا أولًا كوبًا من الشاي قبل القصة، هذه هي الزينة.
أهمية الفاكهة والزينة في حياة الإنسان والمراتب الثلاث للدنيا
فما هو الطعام الضروري؟ الطعام الضروري هو الذي يقوم به البدن. إذن ما شأن الفاكهة؟ هذه الفاكهة تمنع فقر الدم (الأنيميا)، وتمنع مرض الإسقربوط والأمراض الجلدية، وتوفر الفيتامينات، أي تقوي المناعة، تقوي المناعة، وأشياء كهذه.
فإذن، هناك ثلاث درجات، هم خمسة لكن دعني أخبرك هؤلاء الثلاثة لكي نعمل عليهم. يصبح كل هذا دنيا، هذه الدنيا تضغط عليّ.
يأتي العلماء ليقولوا لك: والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، يعني أحيانًا تكون هناك أشياء تبلغ المشقة فيها درجة يمكن أن تميتني، كما ضربت لك مثلًا الآن بالسكن وبالملابس، هذه حاجة نعم، لكنها تنزل منزلة الضرورة.
قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وتطبيقها في الإسلام
والضرورات أصبحت، الضرورات تبيح المحظورات، نعم، الضرورات تبيح المحظورات. آه، الحرام؟ نعم، كيف؟ الله!
ليس لا، آكل وأمامك عشرة أرغفة فأقول لك بطريقة سياسية هكذا: أعطني الرغيف لكي لا أموت. قلت لي: لا. في هذه الحالة يجوز أن آخذه منك، سأهلك.
لكن في هذه الحالة انظر إلى الضرورات التي لو لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك. هذا هو الدين الإسلامي الذي يرعى والذي يقول لا.
ولذلك سيدنا عمر [بن الخطاب] عندما أتوه بشخص سارق في عام المجاعة (الرمادة)، قال: لا، ليس هناك في عام المجاعة قطع [لليد] ولا أي حدود. لماذا؟ قال: لا، هذه ضرورة.
قصة فيكتور هيجو في رواية البؤساء ومقارنتها بالنظرة الإنسانية في الإسلام
هذا هو فيكتور هيجو لو كنت تتذكر في رواية البؤساء، كيف بُنيت كل الحكاية على أن هذه النظرة الإنسانية فُقدت من حضرة القاضي؟ فلأجل أن سرق الرجل رغيف الخبز ليأكله، قاموا بسجنه.
لا، عندنا [في الإسلام] لم يكونوا ليسجنوه أبدًا، لدرجة أنه لا يُسجن هذا الرجل، بل قد يُحاسب صاحب الخبز ويقال له: الله حسنًا، أنت لماذا لم تعطه إياه؟ لماذا جعلته يضطر لاختطافه منك؟
قال له: حضرتك هذا الخبز ملكي وأنا حر فيه. يضعه في السجن؟ يضع صاحب الخبز في السجن لأنه لا يملك إنسانية.
عظمة التشريع الإسلامي في حماية حق الجائع ورأي ابن حزم الظاهري
نحن لا نستطيع أن نقرأ ما لدينا، ما لدينا جميل جدًا وإنساني جدًا وراقٍ جدًا، ولكننا لا نستطيع أن نقرأها. فهنا لا يقول أحد أن هذه جريمة، إنه فكر غير إنساني تمامًا.
لدرجة أن ابن حزم الظاهري يقول لك: إذا طلب منه فمنعه - أنا الآن جائع وطلبت منك الخبز فمنعتني - قال: فله أن يقاتله عليه.
من الذي يقاتل؟ الذي سأسجنه؟ الفقير هو الذي سيقاتله؟ قال له: أقول لك ابعد عن هذا الخبز، أنا لن أعطيك منه. لا، كن مستقيمًا على الدوام.
قال رسول الله ﷺ: «اتقِ النار ولو بشقّ تمرة»
يطلق عليها اسم الدنيا.
الضغوط الأربعة على الإنسان ودور رمضان في كشف النفس أمام ذاتها
أريد أن أقول لسيادتك إن الدنيا تضغط على الإنسان، النفس الأمارة بالسوء تضغط على الإنسان وتلحّ عليه، وكذلك الشهوات والهوى والرغبات الخاصة بي تضغط عليّ، كذلك الشيطان.
فالشيطان نصيبه الربع، وبالتالي ما زال هناك ثلاثة أرباع أخرى. سيأتي في رمضان ويكشفك أمام نفسك، هل أنت منتبه؟
يقول لك: أنت تنسب كل شيء إلى الشيطان، حسنًا، فقد تم تصفيد الشيطان، قم بنفسك الآن. حسنًا، فالذي يذنب في رمضان، هذا من عند نفسه وليس من الشيطان، الشيطان مُقيَّد.
حسنًا، ولماذا تفعل أنت ذلك الإثم؟ لأن الضاغطة عليك ليس الشيطان وحده، ولا تظلموا الشيطان، الشيطان هذا نكرهه، والشيطان هذا رجيم، لكنه ليس هو وحده السبب، فلن نظلمه، ليس هو المسؤول فقط.
رمضان كاشف للنفس البشرية وشعور المسلمين بالبركة والسكينة فيه
ولذلك جاء رمضان هنا كاشفًا للنفس البشرية أمام نفسها، أنكِ يا نفسُ يا بشريةُ انتبهي، فالعيب منكِ أيضًا.
ولكن الحقيقة أننا في رمضان نشعر بمشاعر قد لا يشعر بها غير المسلمين، لا يشعرون بها في الحقيقة. أنه شهر بركة، الحقيقة أن فيه معونة للخير، الحقيقة أن فيه هدوءًا نفسيًا وسكينة عجيبة.
ربما العلمانيون أو الماديون يأتون ويقولون لك مثلًا: والله هذه مشاعركم وثقافتكم وتربيتكم فقط. فليكن، لكننا نقول لك ما نحسّ به، ما نحسّ به أنه شهر مبارك.
الذي نحن نشعر به، أنا لا شأن لي الآن بتحليلك أنت أيها المادي أو أيها الذي ترى العالم فقط، نحن من وراء هذا العالم المنظور في عالم غير منظور، هذا هو الفرق الذي بيني وبينك.
المعونة الإلهية والمجتمعية في رمضان وأثرها على العبادة والذكر
لكن على كل حال أنا إنسان ولي مشاعر، أنا أشعر أن هناك فرقًا، وأقول لك مشاعري من ناحية، وأقول لك مشاعر أن ما يحدث ليس عندي فقط بل عند كل المسلمين.
صحيح هناك معونة، كيف هناك معونة؟ ماذا أقول لك؟ نلتقي بعد الإفطار يا شيخ حسن، بعد الإفطار؟ الله! لقد صار الإفطار شخصًا، نعم، ها! أيكون قبل الإفطار أم بعد الإفطار؟ أصبح الشهر فيه معونة، يعني أنك كأنك ستنتظرني حتى أفطر وأنا سأنتظرك حتى تفطر، وهكذا.
الحركة التي نجدها هذه، ومنذ زمن بعيد كان الناس يقفون بالبلح، يوزعون البلح وعرق السوس والمياه وأشياء كهذه على الناس في السيارات؛ لأن الإشارة تأخرت أو ما شابه ذلك إلى آخره.
المعونة الغيبية والمجتمعية في رمضان وحزن المسلمين على انتهائه
الروح هذه فيها معونة، وهذا صحيح. ألم تلاحظ أنني عندما جئت وقت المغرب لم أجد شربة ماء، والطريق كان مزدحمًا ولم يكن سهلًا معي، لكن هنا توجد معونة، توجد معونة للعبادة، توجد معونة للذكر، توجد معونة عندما يدخل عليّ أحد ويجدني أقرأ وردي أو ما شابه، فلا يعترض، وهكذا.
إذن معونة من جهة تصفيد الشياطين وهذا أمر غيبي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعونة من نفس المجتمع الذي يؤذّن والذي يوقظ الناس في السحور، والذي أذهب فأجد المحلات جاهزة مفتوحة من أجل السحور، وبعد السحور تغلق.
فكل هذه معونة، فنحن والحمد لله نحمد ربنا أن نحن في هذه المعونة ونؤدي الفرض.
حب المسلمين لرمضان وحزنهم على فراقه والسكينة التي يجدونها فيه
إلى درجة أننا عندما يأتي آخر رمضان يصبح حزنًا شديدًا ونتمنى أن يكون العام كله رمضان، ويبدؤون بالغناء له: "أوحش الله منك يا شهر الصيام" مثلًا، وأنت ستتركنا وتذهب، إلى أين ذهبت وهكذا.
لماذا؟ لأن الناس أحبته حبًا شديدًا. ما الذي أحبته الناس؟ الناس أحبت فيه السكينة هذه، فإن فيه سكينة وفيه عجب.
وإن كان طبعًا الإنسان من تلقاء نفسه هكذا يخطئ، نعم طبعًا يخطئ، لكن هذا من عند نفسه. يرتكب المعصية، طبعًا يرتكب معصية، نعم، ولكن هذا من عند نفسه.
ولذلك يجب على الإنسان أن يفهم أن هذه رسالة ربانية إلهية تقول له: انتبه لنفسك، فقد انكشفت أمام ذاتك؛ لأننا رفعنا عنك العامل الخارجي [وهو الشيطان]، وبقي عليك ما أنت فيه من النفس الأمارة بالسوء ومن الشهوات والرغبات والدنيا.
سؤال المذيع عن السلوكيات التي تجعل الإنسان أكثر شفافية في رمضان
[المذيع]: علّمنا مولانا أن هناك سلوكيات لو اتبعناها أصبحنا أكثر شفافية: السهر والجوع والصمت والخلوة، فهل بإمكاننا أن تكون هذه السلوكيات أكثر اتساقًا مع النفس في رمضان؟
فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بكم متابعينا المشاهدين. مولانا الإمام، ربما فضيلتكم تفضلتم علينا في الحلقة السابقة وذكرتم أن هناك عناصر أو سلوكيات تجعل الإنسان أكثر شفافية: الصمت، الجوع، السهر، الخلوة. هل هذه السلوكيات في رمضان يمكن أن تقينا أو تقينا بشكل مؤكد من المعاصي والإثم والذنوب؟
رمضان مصمم لتحقيق معالم الطريق إلى الله: قلة الطعام والمنام والأنام والكلام
[الشيخ]: هذا هو رمضان، مصمم لهذا الغرض. فرمضان كله يتلخص في هذه الثلاثة أو الأربعة التي نسميها معالم الطريق، معالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
ما هي معالمه؟ أن تستعد يا حبيبي لأن يكون هناك:
- قلة في الطعام.
- قلة في المنام.
- قلة الأنام [أي قلة مخالطة الناس].
- قلة الكلام.
فيصبح هؤلاء الأربعة هم معالم الطريق إلى الله في كل حين ووقت.
رمضان تجربة عملية فرضية للتدريب على معالم الطريق إلى الله طوال العام
يأتي رمضان كأنه التجربة العملية الفرضية. ماذا يعني الفرضية؟ فرض الله عليّ؛ لأن كل هذه الأشياء يمكنني أن أفعلها ويمكن ألا أفعلها. لا، إنني أفعلها تمامًا في رمضان، يعطيني فرصة للتدريب العملي.
لماذا؟ لكي أستلذّ بها وأرى السكينة الخاصة بها وما إلى آخره، فيطبقها طوال السنة. فيكون رمضان هو الشرارة الأولى، هو المبدأ الأول للانطلاق سائر العام.
والعام معناه من رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما. فرمضان هو منتهى أم هو مبتدأ؟ نعم، هل انتبهت؟ فهو منتهى لعام قد مضى ومبتدأ لعام قد جاء، فهو مبتدأ ومنتهى.
أريد أن أقول لسيادتك أن هؤلاء الأربعة كأننا نأتي بهم من رمضان.
قيام الليل وتلاوة القرآن في رمضان وغيره والعلاقة العضوية بين القرآن والليل ورمضان
فنحن طبعًا هذه الشريعة كلها مبنية على ذلك:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]
هذا في رمضان وفي غير رمضان.
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]
هذا في رمضان وغير رمضان.
﴿نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 3-4]
في رمضان وغير رمضان، في رمضان وغير رمضان. لكن رمضان له خاصية:
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]
التي هي في رمضان.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]
إن رمضان والليل لهما علاقة عضوية مع القرآن، في سرّ ما بين القرآن وبين الليل.
الجمع بين القرآن وليل رمضان وليلة القدر المباركة
فعندما تأتي وتجمع القرآن مع ليل رمضان، ياه، هذا يصبح شيئًا رائعًا، يعني أمرًا استثنائيًا؛ سهر مع خلوة.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الدخان: 3-6]
ما هذا؟ هذا أنزلناه في ليلة مباركة وهي ليلة القدر التي تكون في العشر.
قال رسول الله ﷺ: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان»
هو شهر قلة الطعام.
النهي عن الإسراف في الطعام في رمضان وهدي النبي في الصيام والوصال
وكان أخونا، رحمه الله، فؤاد المهندس قد صنع أغنية بهذا المعنى، حيث إنه يأمر الناس فيها بعدم الإسراف في رمضان.
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
قال رسول الله ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه»
فالأغنية مصنوعة لهذا السبب وتقول ذلك، أنه بعد صيامه يريد أن تصنع له كل شيء، حيث إن لقمتين من الفول تشبعانه؛ لأنه ليس للإنسان في بطنه إلا ما استوعب، يعني المائة والثمانين سنتيمتر، أي أنهم فعلًا ربع رغيف أو ثلثه.
فإذن أريد أن أقول لسيادتك إن قلة الطعام موجودة في رمضان في صورة الصيام وفي صورة عدم الإسراف.
وكان سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم قال:
«إني لست كهيئة أحدكم، إنما أبيت عند ربي يطعمني ويسقين»
فكان يواصل [الصيام] ولم يكن يفطر، كان يصوم يومًا ويُتبعه يومًا آخر أيضًا من قلة الطعام.
محاولة الصحابة الوصال في الصيام ونهي النبي لهم وقلة المنام في رمضان
حاول الصحابة أن يفعلوا ذلك [الوصال في الصيام]، فقال لهم: لا، لستُ كهيئة أحدكم. قالوا: لا يا رسول الله، نريد أن نفعل. فعادوا مرة أخرى إلى وقت الظهر من اليوم التالي، مرّ عليهم ستة وثلاثون ساعة لم يأكلوا، فأصبحوا يسقطون مغشيًا عليهم وهو يضحك؛ لأنه قال لهم ونبّههم صلى الله عليه وسلم.
ما رأيكم في قلة الطعام؟ وقلة المنام؟ طبعًا التراويح، وطبعًا ثلث الليل الأخير، وطبعًا قضية التهجد. وطبعًا هذه الأشياء أسماء وضعناها هكذا؛ التهجد يعني القيام بالليل.
صلاة التراويح عشرون ركعة منذ عهد عمر بن الخطاب وتاريخها في المساجد الكبرى
فيكون هناك التراويح - عشرون ركعة، بعض الناس يفضلون أداءها ثمان ركعات، لكن المسلمون منذ عهد عمر بن الخطاب وعلى مر العصور يؤدونها عشرين ركعة.
وفي المساجد الكبرى أيضًا عندنا يؤدونها عشرين ركعة، وفي الكعبة وفي غيرها يؤدونها عشرين ركعة.
وبعد ذلك يذهبون ليستريحوا قليلًا وينامون، ثم يقومون بأداء ما يُسمى بـالتهجد، خاصةً في العشر الأواخر. هذا التهجد يفعلون فيه ثمانية، حسنًا، وهذا جائز، نعم بالطبع.
قصة زيادة التراويح إلى ست وثلاثين ركعة في المدينة في عهد الإمام مالك
عندما جاء عصر الإمام مالك أصبحوا في الكعبة يصلون عشرين ركعة كما أوصانا سيدنا عمر، لكنهم كانوا يفعلون ما يلي: بعد كل أربع ركعات يقومون ويطوفون سبعة أشواط حول البيت، ثم يصلون عشرين ركعة.
فقال أهل المدينة: حسنًا، نحن ليس لدينا كعبة، وبهذا يكون المكي يعبد الله أكثر من المدني. لذا أرادوا لاحقًا أن يزيدوا، فزادوا ستة عشر ركعة في التراويح، وأصبحت التراويح في المدينة ستةً وثلاثين ركعة.
عشرين ركعة ومكان كل طواف من الأطوفة السبعة - يعني سبعة - قد أدى أربع ركعات. ففي العشرين ركعة كم مجموعة من أربع ركعات؟ خمسة. وبين هذه المجموعات الخمس كم فاصلًا من أربع ركعات؟ أربعة، هل انتبهت لي؟
يعني صليت أربع ركعات، صلى أربعة، صليت أربعة، وهكذا. ستجد أربعة أربعات، تلك الأربعة أربعات بكم؟ بستة عشر. ستة عشر نضيفهم إلى العشرين يصبحوا ستة وثلاثين.
وظل الإمام مالك يصلي التراويح ستة وثلاثين ركعة.
الإكثار من العبادة ليس بدعة والجمع بين قلة الطعام والنوم والاعتكاف وقلة الكلام
كل هذا لأن الإكثار من العبادة ليس ببدعة. هذا يأخذ الليل كله، هل تدرك أن لك في النهار وقتًا طويلًا للعمل؟
عندما تضيف قلة الطعام مع قلة النوم مع الاعتكاف الذي سنّه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر، قلة الأنام [أي قلة مخالطة الناس] مع أنك جالس تتلو القرآن وتدعو وتذكر وغير ذلك، يكون معه أيضًا قلة الكلام.
والكلام المقصود به كلام اللغو:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]
﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]
التنافس في رمضان تنافس بالحب والخير لا بالمكر والضغينة
[المذيع]: مولانا كيف؟ نرفع هذا ليس مجرد شعار بل برنامج عمل ومنهج في رمضان، وبعد ذلك يصبح مفتتحًا لعام قادم.
[الشيخ]: التنافس هنا هو تنافس بالحب وليس تنافسًا بالمكر. التنافس الذي يحدث بين الشركات التجارية يكون بمكر، هذه هي المنافسة، نعم، هذا بمكر.
لماذا هذا المكر؟ فيم يتمثل؟ في أنه يريد أن يكسب ما يكسبه هو ليس بالإضافة إلى [غيره]، لكنني هنا أفرح بأخي الذي سبقني في العبادة، ثم أتنافس معه في الخير.
﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26]
فهو تنافس خير لا تنافس مصلحة، تنافس خير وليس تنافس تضاد أو ضغينة أو ما شابه ذلك، والحمد لله رب العالمين.
كيف نحقق التنافس في الخير بالحب المتبادل بين المسلمين
[المذيع]: كيف نصير هذا؟
[الشيخ]: بالحب. يجب أن نحب، يجب أن نحب بعضنا، ويجب أن يكون التنافس بيننا أو المقارنة والمباراة فيما بيننا في الخير وفي أعمال الخير.
لماذا تشتد وساوس النفس على بعض الناس في رمضان تحديدًا
[المذيع]: مولانا فضيلتك قلت في رمضان أصبح المرء يقف أمام نفسه، فلماذا تشتد وساوس النفس أو تصبح النفس شديدة على صاحبها في رمضان تحديدًا؟
[الشيخ]: لماذا؟ لأنه بمفرده، ما هو عندما يكون بمفرده فقط [دون عامل الشيطان]. وعلى فكرة ليس كل الناس تشتد عليهم هذه الوساوس، هذا لبعض الناس فقط.
لكن هو عندما يُفاجأ من هذا الإنسان، عندما تقول له: على فكرة أنت الذي أخطأت وأنت المذنب، يعني يستكبرها قليلًا على نفسه، فيريد أن يطرد هذا الخاطر.
ولأنه يطرد هذا الخاطر يهجم عليه أكثر؛ كلما حاول أن يتخلص من مسؤوليته عن هذا الخطأ وهذا التقصير وهذا الذنب، كلما يشعر بهذا الوسواس، إلى أن يتغلب على نفسه بإذن الله وتلين له نفسه بعد ذلك.
وخالف النفس والشيطان واعصهما، وإن هما محّضاك النصح فاتّهم، ولا تطع منهما خصمًا ولا حَكَمًا، فأنت تعرف كيد الخصم والحكم.
سؤال المذيع عن كيفية تكفير المعاصي التي تعلق بثوب الصيام الأبيض
[المذيع]: فاصل ونعود. أهلًا بكم أعزائي المشاهدين. مولانا الإمام، في شهر الصيام، في شهر رمضان، كل واحد منّا في هذا التنافس الحميد الرائع الجميل الذي حدّثتنا عنه فضيلتك، يريد أن يكون ثوب الصيام أبيض، لكن إذا حدثت بعض المعاصي وعلقت بهذا الثوب الأبيض، كيف نُكفّر عنها؟
[الشيخ]: ذكّرتني بحديث سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم وهو يقول أن كاتب السيئات في ملكين يكتبان علينا. وطبعًا التقريب ليس ما يحدث بالضبط، لكنه تقريب لما يحدث. التسجيلات الآن، الفيديو الذي نحن فيه هذا يُسجَّل علينا، فهم يسجلون بطريقتهم الربانية، لكنها تقريب إلى الذهن.
كاتب السيئات ينتظر ست ساعات قبل التسجيل والمبادرة بالتوبة والاستغفار
فالذي يسجل السيئات ينتظر ست ساعات بعد المعصية، ورد هكذا في الحديث الصحيح. كاتب السيئات ينتظر ست ساعات لعله أن يتوب فلا يكتبها.
ينبغي للإنسان منا أول ما يرتكب معصية أن يبادر بالتوبة، فهذا أول شيء. اعلم أنه لو قال: أستغفر الله، وتاب إلى الله بعد المعصية التي وقع فيها رغمًا عنه - أو يعني هو طبعًا يقصدها ولكنه تحت ضغط، تحت توتر، تحت كذا - فيبادر على الفور: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر، خلاص.
فصاحبنا هذا هو الكاتب الذي يكتب بالشمال لا يسجل السيئة أصلًا. يعني شيء غريب جدًا، أصبح أنك ستأتي في يوم القيامة وستُعرض الأشياء التي تظن أنك فعلت هذه المعصية ولم تفعلها، ستجدها إذا فكرت فيها جيدًا، لن تجدها.
نعم، الله، لن تجدها لأنها لم تُسجَّل، هل تنتبه؟ لم تُسجَّل.
المبادرة بالاستغفار وإتباع السيئة بالحسنة كمنهج للتعامل مع الذنوب
فهذا الحديث مهم جدًا في كيفية التعامل مع الله سبحانه وتعالى.
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
فِرُّوا ماذا تعني؟ بسرعة.
﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]
يعني بسرعة هكذا. فخلال ست ساعات، رقم واحد: يتوب المرء، وهذه هي رقم واحد.
أما رقم اثنين، فعندما قال تعالى:
قال رسول الله ﷺ: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبِع السيئة الحسنة تمحها»
بعدها؟ وأتبِع السيئة الحسنة تمحها. هذه هي الطريقة مباشرةً: أول ما ترتكب ذنبًا قم وتوضأ، أول ما ترتكب ذنبًا تصدّق، أول ما ترتكب ذنبًا قم صلِّ ركعتين، أول ما ترتكب ذنبًا أمسك السبحة وقل: أستغفر الله مائة مرة أو سبحان الله أو الحمد لله، أول ما ترتكب ذنبًا بادر إلى المصحف واقرأ لك صفحة.
فعل الخير يُكتب بعشر حسنات والمبادرة بالاستغفار تمحو السيئة قبل تسجيلها
هذا فعل خير، يعني تفعل شيئًا من الخير. فصاحبنا هذا [الملَك كاتب الحسنات] يكتبه فورًا بعشرة، ولما قلت: أستغفر الله، صاحبنا هذا [كاتب السيئات] لم يكتبها.
فأصبح نعم، في الظاهر أن أنا أذنبتُ، لكن في الحقيقة أنني - والحمد لله - وجدوا لي فرصة أو أعطوني فرصة لأتوب إلى الله سبحانه وتعالى.
فهذا برنامج جيد جدًا في قضيتين:
- المبادرة [بالاستغفار].
- المسح [بالطاعة].
نبادر بالاستغفار ونمسح بالطاعة.
سؤال المذيع عن كيفية التغلب على الملل من العبادة في رمضان
[المذيع]: حسنًا مولانا الإمام، إن الطاعات جميلة في رمضان جدًا والطاعات كثيرة، فكيف نمنع أنفسنا من ذلك؟ [أي من الملل]
في بعض الحالات، فكرة الملل - البعض يمكن أن يقول لك: أنا مللت من العبادة، أنا يعني حينما أعبد ربنا، شعرت بالملل. كيف أقي نفسي شر الملل أو ظاهرة الملل أو حالة الملل؟
[الشيخ]:
قال رسول الله ﷺ: «إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق»
نعم، بمعنى أنه لا تراكم على روحك العبادات في العشرة الأوائل إلى أن يتعب [الجسد]، أتفهم؟ يعني هذا ليس حكيمًا، لا.
التدرج في العبادة وعدم المبالغة فوق الطاقة وحديث أحب الأعمال أدومها
فليصلِّ ويصوم ويذكر ويقرأ ويدعو وما إلى ذلك بالتدريج، أي على قدر طاقته.
قال رسول الله ﷺ: «وليعبد أحدكم ربه طاقته، وليعبد أحدكم ربه طاقته، فإن الله لا يملّ حتى تملّوا»
إذن، يمكن للإنسان أن يَملّ، لكنه يملّ من أيّ شيء؟ من المجهود الزائد الذي يكلّف به جسمه فجأة.
ولذلك قلنا: أول ما يأتي شعبان نبدأ نتدرب شيئًا فشيئًا على الصلوات، وعلى الجماعات، وعلى الأذكار، وما إلى ذلك.
الأمر الثاني: عندما يأتي رمضان:
قال رسول الله ﷺ: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ، فلا تكن مثل فلان كان يقوم الليل وتركه»
فنحن سنسير بالتؤدة ولن نبالغ فوق طاقتنا.
قصة السيدة زينب بنت جحش والحبل في الصلاة وحديث ليعبد أحدكم ربه طاقته
وبعد ذلك، عندما دخل سيدنا [رسول الله ﷺ] على السيدة زينب [بنت جحش]، كانت السيدة زينب تحب العبادة وكانت تحب الإنفاق. السيدة زينب بنت جحش وضعت حبلًا.
فقال: ما هذا الحبل الموضوع بجانبها هكذا على يمينها وهي تصلي؟ قالوا: هذا إذا هي أنها ستسقط من شدة الإعياء فإنها تدخل هذا الحبل تحت إبطها كي لا تسقط.
قال: الله، ما هذا؟ لا،
قال رسول الله ﷺ: «ليعبد أحدكم ربه طاقته، فإن الله لا يملّ حتى تملّوا»
هذه أمور تصيب الإنسان بالملل عندما يُفاجأ [بالإرهاق].
حديث المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى والتحذير من الإفراط في العبادة
وبعد ذلك قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن هذا الدين متين، فأوغلوا برفق، أنّ المُنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»
ما هو المُنبتّ؟ إنه شخص معه جمل ركبه، وأصرّ على الوصول إلى هدفه. يريد مثلًا الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية، فظلّ يَجري بالجمل على وتيرة واحدة حتى تعب، أي بسرعة واحدة مستمرة وبإفراط، حتى مات الجمل.
فلا هو وصل إلى الإسكندرية ولا عاش الجمل. وانتبه أن المنبت (المستعجل) الذي يريد أن يصل أسرع من اللازم، من هنا إلى الإسكندرية بالجمل تستغرق ثلاثة أيام، هو يريد أن يصل في يوم واحد، فسقط في منتصف الطريق، سقط بطوله في وسط الطريق.
إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فمات الجمل وهو لم يصل إلى الإسكندرية.
السير بتمهل في العبادة كالسير بالجمل بتؤدة للوصول إلى الهدف
لكن الذي يسير بالجمل بتمهل ويُنزله ويجعله يأكل ويشرب، يصل إلى الإسكندرية في الأيام الثلاثة التي جعلها الله طبيعية لهذه الطبائع.
سؤال السائلة عن حكم تطليق الرجل زوجته ليزوجها لصديقه
[المذيع]: اسمح لي فضيلة مولانا، معي السيدة سالي على الهاتف. أستاذة سالي أهلًا بكِ.
[السائلة]: أهلًا بكِ، تفضلي. نعم، مساء الخير، مساء النور، أهلًا بكِ، أهلًا بحضرتك. هل يمكنني أن أتحدث للدكتور؟ نعم، بكل سرور، تفضلي. نعم، شكرًا، مساء الخير، السلام عليكم، أهلًا وسهلًا، تفضلي، أهلًا بحضرتك.
أنا كنت أريد فقط أن أعرف شيئًا: ما هو أبغض الحلال عند الله؟ ما هو؟ الطلاق.
حسنًا، جيد أنتِ تعلمين. لو كان رجل متزوج من اثنتين وجاء صديق له من بلد غريبة وليس لديه مال ليتزوج، هل يمكن لهذا الشخص أن يقول له: سأزوجك إحدى زوجاتي، ثم يطلق واحدة ويعطيها له؟
تغير الأعراف والنفسيات وعدم جواز تطبيق أعراف الماضي على الحاضر
[الشيخ]: في الماضي كان ذلك ممكنًا، أما الآن فقد تغيرت الأعراف والنفسيات والثقافات، فأصبح هذا الكلام غير مقبول في المجتمع.
ونحن دائمًا يأمرنا الله تعالى:
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]
قصة المؤاخاة بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف وفهمها في سياق الحب
في حديث زمن الرسول ﷺ، وقت الأنصار والمهاجرين عندما آخى الرسول بينهم، هل يصح أن يدرس تلاميذ الصف الثالث الابتدائي أن شخصًا قال لـسعد بن الربيع أن يقول لـعبد الرحمن بن عوف: إن لدي بيتًا سأعطيك نصفه، وسأعطيك نصف مالي، وأنا متزوج من امرأتين، سأطلق واحدة وأزوجها لك.
يعني قبل ذلك كانت المرأة رخيصة هكذا؟ لا، ليس الأمر يتعلق بالمرأة على فكرة، ولكن لكي تفهمي: هؤلاء الأربعة كانوا جالسين، يعني المرأتين والرجلان كانوا جالسين، وكانوا جميعهم - الأربعة - يحبون بعضهم.
هل جربتِ الحب؟ حاكموا الحب إذن، أحضروا الحب واذبحوه وارموه في القمامة لكي نعيش حياة! هل المرأة رخيصة أم المرأة غنية؟ لا، لم تكن الأمور هكذا.
رضا الزوجة بالطلاق في سياق الحب والعطاء بين المهاجرين والأنصار
عندما طلّق سعد بن الربيع زوجته هذه، هل كانت سترضى بالزواج من عبد الرحمن أم لا؟ بالضبط، من المحتمل أنها قد لا ترضى، صحيح؟ ولكنهم كانوا راضين.
لقد أخبرنا أن نبقى في العدة لمدة ستين يومًا أو نحو ذلك. لماذا لم يزوّجه من أخته إذا كان هناك سرعة في الزواج؟ يعني هو ليس لديه مال، إذن يقول له: سأزوّجك أختي من دون مهر.
لا، انتبهي، أنكِ تخلطين ثقافتين ببعضهما.
فهم قصة المؤاخاة في ضوء الحب والعطاء لا الانتقاص من المرأة
أولًا سيدتي، سأقول لكِ ما لا تفهمينه: أنتِ لا تفهمين أن هؤلاء الناس، المهاجرين والأنصار، كانوا ذائبين في بعضهم حبًا.
كان سعد يحب عبد الرحمن ويحب زوجاته، والزوجات يحببن هؤلاء الناس الذين هاجروا في سبيل الله، كانوا جميعهم يحبون.
رقم اثنين: عندما هاجر [النبي ﷺ والصحابة] كان باقيًا عشر سنوات على التشريع [الكامل]، وهذا الموجود كان مسألة اجتماعية مقبولة، والتي يقول عنها ربنا:
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾ [الأعراف: 199]
فأنتِ ذهبتِ وانتزعتِها وأخذتِها إلى أمريكا سنة ألفين وسبعة عشر، حيث يقولون بحقوق الصبيان وحقوق النساء وحقوق الأكوان وحقوق الإنسان إلى آخره. أنتِ تقارنين بين أمرين مختلفين تمامًا.
الفرق بين قراءة قصة المؤاخاة بعين الحب وقراءتها بعين الانتقاص
لكننا نقرأ غير ذلك، نقرأ أن هؤلاء الناس كانوا يحبون بعضهم، وأن الحب عطاء، وأن هذا الحب الذي هو عطاء ينبغي أن يتحقق به الإنسان بمنهج اجتماع عصره.
ولذلك نحن لا نفعل هكذا كما فعل [سعد] ابن الربيع مع [عبد الرحمن] ابن عوف، ولكن في نفس الوقت ونحن لا نفعل هكذا، نحن نفهم من هذه الرواية الحب، أنتِ تفهمين من هذه الرواية الانتقاص.
فهذا هو الفرق بين قراءتنا وقراءتك: أنتِ تقرأها باعتبارها انتقاصًا، ونحن نقرأها باعتبارها الحب.
الحب عطاء إنساني متولد بين الصحابة وتغير المجتمع لا يغير جوهر الحب
وهذا الحب الذي نحن ندعو الناس إليه، وأن الحب عطاء، وأن هناك شيئًا إنسانيًا متولدًا عند الأربعة؛ عند سعد بن الربيع وزوجتيه وعبد الرحمن بن عوف.
حسنًا، لو كان شخص ثري ومتزوج من اثنتين، وجاءه رجل من أمريكا، فإنه لن يعرض عليه إحداهما، ولن تقبل أي من الزوجتين إلى آخره. المجتمع تغيّر والحب تغيّر ومفهوم الحب تغيّر.
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9]
طبعًا.
ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة والمشاهدين
[المذيع]: مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء من الأزهر الشريف، شكر الله لكم ونفع الله بكم وبارك الله لنا في عمركم المديد إن شاء الله.
شكرًا جزيلًا أيها المشاهدون، كل سنة وحضراتكم بخير، إلى اللقاء.
