#والله_أعلم | الحلقة الكاملة 30 أغسطس 2015 | سنن الله في البشر وعلاقتها بالهداية والضلال
- •الاختلاف بين البشر سنة إلهية ليس للإنسان اختيار فيها، إذ لا يختار أحدنا دينه أو لونه أو جنسه.
- •خلق الله التنوع بين البشر وبنى الكون على سنة التكامل لا التصادم، فالذكر والأنثى، والليل والنهار، والغني والفقير، كلها مخلوقات متكاملة.
- •الحضارة الإسلامية قامت على مبدأ التكامل، بينما قامت حضارات أخرى على فكرة الصراع والصدام.
- •التنوع والاختلاف بين البشر غايته التعارف كما في قوله تعالى: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".
- •الحرية الدينية أساس للتعايش، فكل إنسان يؤمن بما يشاء والمشترك بين الناس هو المواطنة والإنسانية.
- •من لم تبلغه الدعوة بصورة لافتة للنظر فهو من الناجين عند أهل السنة والجماعة.
- •أسباب الضلال أربعة: النفس، والشيطان، والدنيا، والهوى.
- •الله لا يحول بين المرء وقلبه إلا نتيجة لمعصيته المستمرة وإصراره على المعصية.
مقدمة الحلقة حول سنة الاختلاف والتنوع بين البشر
[المذيع]: أسعد الله مساءكم بكل خير، أرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من برنامج والله أعلم. اليوم سنستكمل ما بدأناه بالأمس مع فضيلة الإمام حول السنن الإلهية.
اليوم سنتحدث في جزئية خاصة هي الاختلاف ما بين البشر والتنوع ما بين البشر، هل هذا من السنن الإلهية؟ وبالتالي هل الإنسان له نصيب في هذا الأمر أو له اختيار؟
نحن لا نختار إذا كنا عربًا أو مسلمين أو مسيحيين أو يهودًا أو أجانب أو بوذيين أو لا دينيين، سواء أبيض أو أسود، طويلًا أو قصيرًا، لا نختار في هذا الأمر. وهذا الاختلاف من السنن الإلهية.
الآن ماذا على الإنسان أن يفعل في المقابل تجاه هذه السنة الإلهية؟ هل يجب أن نتكامل فيما بيننا على اختلافاتنا؟ كيف يمكن أن نتعايش مع هذا الاختلاف الذي أقره الله سبحانه وتعالى، وحتى ذكره في أكثر من موضع في القرآن الكريم؟
الترحيب بالشيخ وسؤال عن وجوب التسليم بالاختلافات والتعايش معها
موضوعًا سنفتحه إن شاء الله مع فضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة. أهلًا بكم مولانا، أهلًا بكم، أهلًا بفضيلتكم مولانا.
هناك بكل تأكيد سنن إلهية من بينها الاختلاف فيما بيننا، فيما بين البشر، ولا دخل لنا فيها. هل يجب على الإنسان أن يُسلِّم لهذه الاختلافات وأن يتعامل معها ويتعايش معها؟
سنة التكامل في الخلق والتنوع بين المخلوقات
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
خلق الله سبحانه وتعالى الأكوان وخلق التنوّع فيها، وبنى هذا التنوّع على سُنّة التكامل. وما خلق الذكر والأنثى، فالله سبحانه وتعالى خلق الذكر والأنثى، خلق السماوات والأرض، خلق الليل والنهار، خلق الغني والفقير، والصحيح والضعيف، خلق أنواعًا مختلفة.
ولكن لو تدبرنا وراء ذلك كله لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بأن نتكامل لا أن نتصارع وأن نتصادم. ولذلك بُنِيَ الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية على مبدأ التكامل.
دائرة أفلاطون ومبدأ التكامل مقابل فلسفات الصراع والصدام
أدركه بعض الفلاسفة؛ هناك دائرة تسمى بدائرة أفلاطون، ودائرة أفلاطون هي التي تحدث ما بين الرجل والمرأة، بمعنى أنه وجد نصفه الحلو كما يقولون عنه هكذا في الأدبيات، جاءت من دائرة أفلاطون كأن هناك نصف دائرة ونصف آخر والتقيا.
لكن بعد ذلك نشأت حضارات ونشأت أفكار ونشأت فلسفات ونشأت مذاهب أخلاقية مبدؤها الصراع والصدام. وآخر ما هنالك من تجليات هو الصدام بين الحضارات الذي دعا إليه ذلك الأمريكي صامويل هنتنجتون.
لكن فكر الإسلام مبني على التكامل.
التكامل بين الرجل والمرأة في ضوء آية سورة النساء
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ [النساء: 1]
انظر كيف أن التكامل جعلني أنا والمرأة نفسًا واحدة. وبعد ذلك جعل فيه كأن توالد، كأن فيه بنوّة، كأن فيه منه فيه.
يعني فإذا هذه المرأة لستُ في صراع معها ولا هي في صراع معي. بناءً على ذلك الصراع الموهوم بين الرجل والمرأة جاءت ظاهرة النسوية الحديثة التي تطالب بحقوق المرأة ضد ذلك الرجل الطاغية.
والإسلام لا ينظر إلى هذا مطلقًا؛ وخلق منها زوجها، فهما شيء واحد من نفس واحدة، إذا هما نصف ونصف.
قراءات آية الأرحام والتكامل تحت سلطان الله
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]
تساءلون به والأرحامِ، إذا اتقوا الأرحامَ بالفتح قراءة وهي التي نقرأ بها، أما الأرحامِ بالكسر ستجدها عند حمزة: به والأرحامِ.
أي عندما أقول لك: بالله والرحم، نعم، أي أناشدك بشيء عزيز لديك فأقول لك: الرحم، هل تفهم كيف؟
فالمهم به والأرحام:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
يعني انتبهوا أن هذا تحت سلطان الله سبحانه وتعالى.
سنة التعارف بين الشعوب والأخوة حتى مع المخالفين
إذن فهي سنة التكامل:
﴿وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
ليس لتتنازعوا، ليس لتتقاتلوا، ولا كذا إلى آخره.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 50-61]
إذن جعل حتى المؤمن والكافر، والنبي وقومه الذين يكذبونه، أنهم إخوانه.
سنة الاختلاف في الخلق وأنواع التنوع بين البشر
[المذيع]: طيب مولانا، عذرًا للمقاطعة، يعني هل سنتوقف عند آية أخرى:
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]
[الشيخ]: طبعًا، يعني سُنَّة الخلق أو سبب الخلق الاختلاف، في ماذا؟ لقد قلنا إن هناك اختلافًا بين الرجل والمرأة، وهناك اختلاف بين الغني والفقير، وهناك اختلاف بين الصحيح والمريض، وفي اختلاف بين الإنسان والكون أو بين الإنسان والبهيمة، وفي اختلاف ما بين... إذن هناك اختلاف، ولا يزالون مختلفين على هذه السنة الكونية الإلهية.
لعن التشبه بين الجنسين والخروج عما أقامه الله فيه الإنسان
سنظل هكذا:
قال رسول الله ﷺ: «لعن الله من تشبه من الرجال بالنساء ومن تشبه من النساء بالرجال»
اللعن لا يأتي في صيغة الشرع إلا لكبيرة. يعني الرجل الذي يريد أن يصبح امرأة أو المرأة التي تريد أن تصبح رجلًا، ارتكبوا كبيرة؟ طبعًا ارتكبوا كبيرة؛ لأنهم خرجوا عما أقامهم الله فيه.
انتبه، قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
ماذا يعني ذلك؟ بمعنى أن يقول الرجل: يا رب وفقني أن أكون رجلًا فيما أقمتني فيه، وتقول المرأة: يا رب وفقني أن أكون امرأة فيما أقمتني فيه.
عود اسم الإشارة في آية ولذلك خلقهم وسنة التكامل كتكليف إلهي
لكن الاختلاف موجود:
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]
انتهى الأمر. ولذلك ذلك تعود على ماذا؟ اختلف المفسرون: هل هي تعود على الاختلاف أم هي تعود على ما قبل الاختلاف؟ يمكن حمل هذا عليها هنا وهناك.
لكن العبرة التي تخصنا نحن أن الاختلاف هو التنوع، وقد طُلِبَ منا التكامل. فهذا التكامل هو تكليف من سنة تكليفية، تمامًا كما طُلِبَ من الشعوب والقبائل التعارف.
ثم إنها ستتشبث بخناق بعضها، ستقتل بعضها، نعم، هذا يعني أنها انحرفت عن السنة الإلهية، واصطدمت بمراد الله من كونه.
التكامل سنة إلهية متسقة مع خلق الله في الكون
فهناك فرق بين التكامل وبين عصياني. نعم، حتى لا أصل إلى هذا التكامل. هذا التكامل هو سنة إلهية؛ إذا فعلتها فقد فعلت شيئًا متسقًا مع خلق الله سبحانه وتعالى.
[المذيع]: التكامل مولانا ليس فقط ما بين أصحاب الأديان الواحدة، يعني هل للمؤمن من أي دين أن يتكامل مع إنسان آخر حتى لو كان لا دينيًا غير مؤمن بالله؟
[الشيخ]: التكامل بين البشر جميعًا مهما كانت اختلافاتهم.
رسالة علي بن أبي طالب للأشتر النخعي ودستور التعامل مع الآخر
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أرسل الأشتر النخعي، أرسله إلى مصر وقال له: اذهب وتولَّ مصر. فكتب له خطابًا، وفي هذا الخطاب أجاب على سؤالك مباشرة.
قال: فإنك تأتي فتجد أناسًا إما أخًا لك في الدين أو شبيهًا لك في الخلق. أرأيت كيف أنه ذاهب إلى مصر ليحكم!
الأشتر النخعي لم يأتِ، بل مات في الطريق وحفظت رسالته. وهذه الرسالة نشرها الشيخ محمد عبده وعلق عليها شارحًا أن هذا هو دستور المسلمين في التعامل مع الأكوان.
التكامل بين الإنسان والكون وتسبيح المخلوقات لله تعالى
أريد أن أقول لك ما هو أعمق من هذا لكي نفهم معنى التكامل. تخيل أن الله سبحانه وتعالى يقول لي:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
ويقول:
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]
ويقول:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
إذا وماذا بعد ذلك؟ لا، إنه يقول لي:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
ماذا يعني هذا؟ يعني أن الكون الذي حولنا كله يسبح. إذا فهذه سنة.
الاتساق مع سنن الكون بالتسبيح والطمأنينة مقابل الغرق بمعاكستها
أنا لا أعرف كيف يسبح [الكون] بالضبط ولا أسمعه، إذا سبحت كنت قد اتسقت وتكاملت وسرت في ما خلقه الله من سنن الكون. وإذا كفرت كنت معاكسًا لسنن الإله في هذا الكون.
ما جزاء من يسبح مع التيار قاصدًا الله سبحانه وتعالى؟ الطمأنينة. وما جزاء من يسير ضد التيار؟ الغرق.
فهذا لا يريد فقط أن يعمل بيننا تكاملًا بين الرجل والمرأة والحاكم والمحكوم وصاحب المال والعمال وما إلى ذلك، لا، هو يريد أن يصنع تكاملًا بيني وبين الكون.
الفرق بين فلسفة الصراع اليونانية ومبدأ التكامل في الإسلام
تعال الآن، في الأساطير اليونانية والرومانية هناك صراع بيني وبين الكون. ما بيني وبين الكون أساسه الصراع، والآلهة يصارعون بعضهم، والجميع يصارعون بعضهم، ويخرج هرقل وهو بشر فينتصر على الملائكة الذين كانوا يسمونهم الآلهة ويحارب وينتصر، فيصور كأن الإنسان يحارب الأكوان؟
لا، عندنا أن الأكوان تسبح والإنسان يسبح والاثنان يحبان بعضهما. عندما نظر سيدنا النبي ﷺ إلى جبل أحد وقال:
قال رسول الله ﷺ: «أُحُدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه»
ما هذا؟ إنه امتزاج.
التكامل بين الإنسان وبيئته والمعرفة المحلية في الطب والحياة
هكذا كان سيدنا النبي ﷺ مرة موجودًا في مكان قريب من البقيع، من قباء موجودة حتى الآن، فواحد قال له ارقني أو شيء مثل هذا، فأخذ بلسانه الشريف الذي هو هكذا ووضعه في التربة هذه، قال:
قال رسول الله ﷺ: «بريقة بعضنا وتربة أرضنا يُشفى عليلنا»
يعني الدواء موجود في البيئة، يعني ربنا خلق الداء وخلق له الدواء، وأن كل بيئة... اليوم هؤلاء في الإدارة المتطورة يقول لك المعرفة أو الخبرة المحلية، بمعنى المعرفة النابعة من البيئة التي تعيش فيها.
التكامل بين البشر والأكوان أساس العلاقة وليس الصراع
فأنا أريد أن أفهم التكامل الذي نحن مأمورون به، الذي هو سنة التكامل ما بين البشر والأكوان قبل أن تكون ما بين البشر ونفسه في درجات مختلفة. ونعلم أن أساس العلاقة هي التكامل وليست الصراع.
[المذيع]: طيب، أستأذن فضيلتك بعد الفاصل نتحدث في أنّ الاختلاف هو سُنَّة من سُنَن الله، ولكن بالتالي أنا وُلِدتُ على دينٍ مُعيَّنٍ في بلدٍ مُعيَّنةٍ في حضارةٍ مُعيَّنةٍ في وسطٍ ماديٍّ أو اجتماعيٍّ مُعيَّنٍ، لم أختَرْ هذا الدينَ ولا هذا الوطنَ ولا هذا اللونَ، ولكنَّ ربَّنا سبحانَهُ وتعالى هو الذي كتبَهُ وقدَّرَهُ عليَّ.
سؤال المذيع عن المحاسبة على ما لم يختره الإنسان من سنن الله
هل تقولُ هذا سُنَّة من سنن الله، لماذا أُحاسب بهذا الأمر وأنا لم أختره؟ هل هنا قد يكون للإنسان تدخل في أن يغير سنة؟ أرجو حضرتك تساعدنا في فك هذا الاشتباك بعد الفاصل إن شاء الله، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم، فهمت فيما فهمت بأن الاختلاف هو سنة من سنن الله يا مولانا، ربنا سبحانه وتعالى أراد هذا في كونه.
لو رجعنا إلى الآية الكريمة: والله يهدي من يشاء، يعني بالتالي يضل من يشاء، فلو ربنا كتب عليّ الضلالة حتى من قبل أن أُولد، ما ذنبي؟ أنا لم أختر أو لم أُخيَّر بين الهدى والضلال، وهذه سُنَّة من سنن الله في الاختلاف.
علم الله السابق بأفعال العباد والفرق بين القدر والجبر
[الشيخ]: الله سبحانه وتعالى ما كتب عليك الضلال تعنتًا. الله سبحانه وتعالى يعلم ما الذي سيكون غدًا إلى يوم الدين، ومنذ أن خلق الله الخلق.
إذن فالله عالم الآن ما الذي سيحدث إلى نهاية العالم، منكشف أمامه، منكشف أمامه هكذا مرة واحدة من البداية إلى النهاية أمامه مرة واحدة.
بالنسبة لنا هذا غيب مخفي لا نستطيع أن نحصّله إلا إذا عشناه؛ لأننا داخل الزمن. أما هو فخارج الزمن سبحانه وتعالى، خارج الزمان والمكان.
مثال عملي على علم الله بأفعال العبد بإرادته الحرة
وهو ينظر فإذ به يعلم، فينظر إلى الأرض فيرى عمرو خليل قد توضأ بإرادته الحرة التي خلقها الله له، وصلى وفعل الخير، وعُرض عليه إيذاء خلق الله فرفض، فكُتب هذا إلى يوم الدين.
فعندما ولد عمرو، هو لم يفرض عليه شيئًا، حاشاه سبحانه وتعالى ظلمًا. إنما هو ترجم ما فعله عمرو، ولكن كتب هذا لعلمه السابق.
كتب في الكتاب، فيأتي عمرو فيفعل ما في الكتاب بالضبط، ولكن بإرادة عمرو، لكن بإرادة عمرو.
الكتاب جاء من فعل العبد وليس العكس والإرادة البشرية حقيقية
خلاص انتهت الحكاية يا عمرو، ما الذي يجعلك لا تتوضأ ولا تصلي، وعندما تُعرض عليك الأذية تفعلها وهكذا إلى آخره؟ قال: الكتاب.
قلت له: لا، إن هذا الكتاب جاء منك وليس منه. الكتاب لا يكذب، فأنت ستفعل هكذا، ولذلك هو موجود في الكتاب. والكتاب يسبقك، سبق عليه الكتاب، لكن كله بإرادة من؟ أنت يا عمرو.
أنت أو المشاهدون الكرام، هل تريد أن تصلي؟ هل هناك من يدفعك قهرًا للصلاة؟ أو هل هناك من يمنعك قهرًا من الصلاة؟ هل هناك من يمنعك من الخير؟ هل فيه شيء؟
الإرادة البشرية واضحة وعلم الله محيط بكل شيء في الكتاب المكنون
الكون كريح، كما أنه ليس هناك تدخل خارجي. نحن نرى أنفسنا، فنحن على مستوانا كبشر أصحاب إرادة ونشعر بهذه الإرادة، وهذه الإرادة واضحة.
والله سبحانه وتعالى قد خلق الخلق وعلم ما هنالك إلى نهاية العالم، وكتب هذا في كتابه سبحانه وتعالى في الكتاب المكنون، في الكتاب الذي هو كتاب الخلق كله.
حسنًا، ما علاقة ما هو مكتوب في الكتاب بما أفعله؟ هي علاقة الترجمة، علاقة المرآة.
مثال المرآة في توضيح العلاقة بين القدر وإرادة الإنسان
عندما تذهب إليها [المرآة] وأنت ذو لحية، ثم تذهب وتحلقها وتعود، فالمرآة تقول: أنت ليس لديك لحية. هي الترجمة.
حسنًا، من الذي حلقها؟ المرآة؟ لا، ليست المرآة التي حلقتها، أنت الذي حلقتها.
حسنًا، أليس الله خلقني كما خلقك وخلق فِيَّ الهداية؟ نعم، خلق فيك الهداية. طيب، ما دام خلق فيَّ الهداية وخلق فيَّ الضلال، إذن هو الذي فعل ذلك.
هذا كلام فارغ! لقد وهبك الله إرادة وهذه الإرادة والاختيار، قال لك: صلِّ وابتعد عن الكذب، فكذبت ولم تصلِّ، من الذي فعل ذلك؟
الله كتب على العبد بناء على فعله لا جبرا عليه
الله سبحانه وتعالى كتب هذا عليك بالضبط بناءً على فعلك؛ لأنه يعلم بالضبط إلى يوم الدين.
حسنًا، ألم يكن من الأفضل أن يخلقنا ملائكة وننتهي من هذه القصة؟ نعم، إنك محترف الآن! لقد خلقنا في هذا الامتحان والاختبار وجعل الملائكة خدامًا لنا، ولكن لأنك بطّال وكسلان ولا تريد أن تلتزم، تريد البشرية كلها ألا تخدمها الملائكة.
تفسير يهدي من يشاء بين مشيئة الله ومشيئة العبد
[المذيع]: لكن يا مولانا الآية الكريمة:
﴿وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 213]
[الشيخ]: نعم، فأنا أقول لك إن الله سبحانه وتعالى قد خلق الهداية وخلق الضلال. يهدي من يشاء، وعلى فكرة هذا موجود حتى موجود في التفاسير.
مَن الذي يشاء؟ أي مَن يشاؤه الله أو مَن يشاء الهداية. يُضِلّ مَن يشاء؟ مَن الذي يشاء؟ أي يُضِلّ الله مَن يشاء الضلالة.
نعم، ماذا يعني ذلك؟ يعني أكتبها عليه؟ أكتبها عليه قبل أن يُولَد؟ من يريد الضلال ربنا يهديه له، والذي يريد الخير ربنا يهديه.
التحذلق في النصوص هروب من التكليف والإرادة أساس المحاسبة
نعم، على سبيل المثال، أريد أن أقول لك أن التحذلق في مثل هذه النصوص والآيات وما إلى آخره، كلها سينتج عنها شيء واحد فقط، ألا وهو الفرار من التكليف.
إن ما أفعله هو هروب من التكليف. لا، أنت قبل أن ترتكب الذنب يكون لديك إرادة. فلو أن الله اطلع على قلبك ووجد إرادة الخير فسيخلق لك الله الخير، ولو أنه اطلع على قلبك فوجد فيه الشر.
هل أنت موجِّه وجهك هكذا [نحو الخير] أم موجه وجهك هكذا [نحو الشر]؟ إن كنت موجِّهة وجهي هكذا [نحو الخير] فأنت تريد الخير إن شاء الله، وسيكتب لك الخير ويوفقك للخير. وإن كنت موجِّه وجهك هكذا [نحو الشر] فهذا يجعله يكتب عليك الشر؛ لأنك تركت الخير بإرادتي وليس غصبًا عني، بإرادتك.
مفهوم الكسب عند الأشاعرة والمحاسبة على إرادة الخير والشر
ومن هذه الإرادة التي يسميها الأشاعرة الكسب، ستُحاسَب أنت. لماذا أردت الخير؟ خذ ثوابًا. أنت لماذا أردت الشر؟ خذ عقابًا.
هذه هي القضية. لكن كنا نأتي ونقول: مَن يشاء يعني مَن يشاء الله، حسنًا، فيكون ذلك خَلقًا لا شرعًا.
خَلقًا يعني ماذا؟ هو الذي خلق هذا الكون كله منذ آدم وحتى نهاية الدنيا، خلقه بكل ما فيه. لكن داخل هذا العالم أنت صاحب إرادة أم لست صاحب إرادة أم مسلوب الإرادة؟ انظر إلى نفسك وأخبرني، ستجد نفسك مختارًا.
القدر الذي لا اختيار فيه ليس فيه حساب والحساب على الواجبات والمحرمات
حسنًا، لقد وُلدتُ في زمن من أبوين وفي مكان في القطر المصري، لا حيلة لي في هذا. ولذلك ليس فيها حساب.
فالقدر الذي لست مختارًا فيه ليس فيه حساب. أنت مختار في الواجبات والمحرمات؛ يجب عليك أن تؤدي الواجبات ويجب أن تبتعد عن المحرمات.
[المذيع]: ولكن ماذا عن الدين يا مولانا؟ نعم، الدين شخص وُلد على ديانة معينة، يعني خلاص.
[الشيخ]: شخص وُلِدَ على ديانة معينة وهذه الديانة لم يعلم غيرها ولم يعرف غيرها بصورة لافتة للنظر، هذا الشخص يقال عنه إنه لم تبلغه الدعوة.
حكم من لم تبلغه الدعوة بصورة لافتة للنظر عند أهل السنة
وإذا أردت أن تسأل العلماء فاسألهم السؤال الصحيح حسب مصطلحاتهم لكي يجيبوك إجابة صحيحة، وقل لهم: من لم تبلغه الدعوة بصورة لافتة للنظر، هل هو من الناجين أم من الهالكين؟
سيقول لك: من الناجين. والأشاعرة يقولون: ولو عبد وثنًا، ولكن لم تصله دعوة التوحيد، لم تصله دعوة التوحيد وحقائق التوحيد بصورة لافتة للنظر.
ماذا يعني لافتة للنظر؟ يعني أن اليوم صورة الإسلام والمسلمين في العالم قد تشوهت، إذ شوّهها بعض أبنائه [الإسلام] بالقتل وسفك الدماء، وأصبحوا أداة للمستعمر وهكذا إلى آخره.
تشوه صورة الإسلام وأثره على بلوغ الدعوة للآخرين
تعال وأحضر شخصًا غير مسلم من أي مكان في العالم وقل له: ما رأيك في دين يسفك الدماء ويقتل الأطفال ويحتقر النساء؟ وسيقول لك: ما شأني بهذا الدين؟ هذا دين سيئ.
الصورة الذهنية سيئة في بلاد غير المسلمين. أي ما يراه الناس هذا هو الذي نقوله، ولذلك لا تكون قد بلغته الدعوة بصورة لافتة للنظر.
حتى لو كان يعبد وثنًا فهو من الناجين طبعًا عند الأشاعرة. هكذا عند مذهب الأشاعرة، مذهب أهل السنة والجماعة.
مشكلة المصطلحات وحكم أهل الفترة عند الأشاعرة والماتريدية
لكن مشكلتنا هي مشكلة مصطلحات، نحن لا نعرف كيف نسأل. اسأل وقل هكذا: ما رأي الإسلام في مَن لم تبلغه الدعوة بصورة لافتة للنظر؟
رأي الإسلام في ذلك أنه من الناجين. الماتريدية قالوا إنه من أهل السنة أيضًا. الأشاعرة يقولون: ولو عبد وثنًا، ويقولون أنكى من ذلك: ولو لم يعرف ربه.
إذا يعيش فقط وليس لديه أي قواعد تحكمه، هكذا مثل السكان الأصليين في أستراليا عندما دخلوا عليهم، ما ليس لديهم دين، ووجدوا عندهم بعض الطقوس السحرية. لكنه ليس أنه لا يوجد شيء اسمه إله ولا أي شيء.
أهل الفترة يدخلون الجنة لأن الدعوة لم تصلهم بصورة لافتة
ما زال في أفريقيا، يعني هؤلاء الناس سيدخلون الجنة. الله خلقهم هكذا لأمر ما ولابتلاء ما وكذا إلى آخره.
طيب، سيدخلون الجنة لماذا؟ لأنهم يسمون عند أهل السنة والجماعة بـأهل الفترة. ولِمَ هم أهل الفترة؟ لأنهم لم تصلهم الدعوة بصورة لافتة للنظر. هذا هو ما كتب عندنا في كتبنا هكذا.
عقيدة الخلاص عند المسلمين وحرية الاعتقاد بين أهل الأديان
طيب، فإن وصلته الدعوة بصورة لافتة للنظر، خلاص، نحن نعتقد كمسلمين، كما يعتقد كل أهل الأديان في الأرض، أن الخلاص إنما هو في محمد صلى الله عليه وسلم.
لا تحرمني هذا؛ لأنه يوجد دين آخر يقول إن الخلاص ليس في محمد بل الخلاص في عيسى، وفي دين ثالث يقول لي إن الخلاص ليس في عيسى ولا محمد بل الخلاص في موسى، وأننا نحن الأصل الأصيل. وفي دين آخر يقول إن الخلاص في بوذا وهكذا.
ولذلك بيننا وبين هؤلاء الناس كلهم إما أن يكون أخًا لك في الدين أو شبيهًا لك في الخلق.
المواطنة هي المشترك بين أهل الأديان المختلفة وحرية الاعتقاد
إذن سنعيش في وسط هؤلاء كما هم، والمشترك الذي بيني وبينه ما هو؟ المشترك هو المواطنة، المشترك هو أننا في وطن واحد.
لكن هذا لا يجعلني أقول له: على فكرة أنا غاضب منك. إذن لماذا أنت غاضب؟ قال له: قلت له لأنك ليس لديك محمد هو المخلص. قال: حسنًا، أنا غاضب منك أيضًا لأنك ليس لديك عيسى هو المخلص. فأخونا الثالث قال: حسنًا، أنا غاضب منكما أنتما الاثنين لأنه ليس موسى هو المخلص. فأخونا الرابع قال: الله، كل واحد يعمل هكذا، حسنًا، أنا أيضًا ليس عندي مخلص غير هذا.
فيكون إذن لا، نحن نترك حرية الاعتقاد.
حرية الاعتقاد وتعدد الأديان في العالم والتعايش على أساس المصلحة المشتركة
حرية الاعتقاد تعني ماذا؟ تعني دعني يا أخي في حريتي، أنا آمنت بمحمد، أنت لم تؤمن به، سأتركك في حريتك وأنت أيضًا تتركني في حريتي. هل تنتبه كيف؟
فكل واحد من أهل الأديان الخمسة آلاف، فعندنا خمسة آلاف دين على حسب الموسوعة سنة ألف وتسع مائة واثني عشر كان عندنا خمسة آلاف دين، تجد المتبقي منهم الآن ثلاثة آلاف، منهم أربع مائة أو خمس مائة دين في الهند وحدها. هل انتبهت كيف؟
منهم دين اسمه الجانز، والجانز هؤلاء يعبدون الفار. حسنًا، ماذا نفعلُ إذن؟ نعم، شبيهًا لكَ في الخَلْق. نعم، صحيح، لا مانعَ أن نجلسَ معهم ونرى ما هي مصلحةُ بلدِنا.
المشترك هو الوطن والمصالح والقتال فقط لمن يقاتلك ويخرجك من ديارك
أين المشتركُ الذي بيني وبينه؟ الوطنُ الذي نحنُ فيه والمصالحُ التي نحنُ فيها. صحيح، هل انتبهتَ؟ من دونِ صراخٍ وضربٍ وما إلى ذلك.
حسنًا، وأنتَ ستقاتل إن شاء الله، ثم يأتي أحدهم ويقول لي: إذن من سنقتل؟ والله، هل فرض عليك يا هذا أن تقتل؟ ستقاتل الذي يقاتلك، الذي أخرجك من ديارك.
واليوم بعض سفهاء المسلمين يُخرجون الآشوريين واليزيديين من ديارهم فيستحقون لعنة الله؛ لأنهم عكسوا القضية.
إخراج الناس من ديارهم كبيرة من الكبائر لم يفعلها المسلمون عبر التاريخ
بدلًا من أننا كنا أصحاب حق في مكة، إنّ خروجنا من ديارنا للقتال في سبيل الله من أجل العودة إلى ديارنا، أصبح هناك من يُخرج الناس من ديارهم. هذه كبيرة من الكبائر، وعبر التاريخ لم يُخرج المسلمون الناس من ديارهم أبدًا.
فما قضية الخلاص؟ طبعًا أنا مؤمن أنني لن أستطيع دخول الجنة إلا عن طريق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، أنا مؤمن بذلك يا أخي، دعني حرًا في عقيدتي.
الفرق بين عصور الاضطهاد وعصر التنوير في حرية الاعتقاد
في الماضي، قبل عصور التنوير، كنا عندما نذهب إلى إنجلترا أو فرنسا يقتلوننا: كيف لا تؤمن بخلاص عيسى؟
عندما دخل عصر التنوير وما إلى ذلك، لم نعد نُقتل، حتى أصبح المصحف يُطبع في فرنسا ويُطبع في ألمانيا ويُطبع في إنجلترا وهكذا.
ما الفرق في ذلك؟ أنه هذا لم يترك لي الحرية، لكن هنا ترك لي الحرية. فأنا أريد أن أقول لسيادتك أن الخلاف بين البشر قائم ولا يزال، لكن هناك فارق بين قضية الخلاص التي يترك كل واحد منا أخاه في الاعتقاد كما يريد، وهذه هي حقيقة حرية الاعتقاد، وما بين التعاون على ما هو مشترك بيننا من أننا جميعًا شبيه لك في الخلق.
أسئلة من المشاهدين حول حيلولة الله بين المرء وقلبه
[المذيع]: طيب مولانا، أستأذن حضرتك بعد الفاصل، أن السادة المشاهدين يتفاعلون معنا على الرسائل النصية مباشرة.
فمشاهد كريم رقم آخره صفر اثنين يقول: ما معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه؟
أستأذن فضيلتك، سنتحدث في هذا الأمر بعد الفاصل لكي نعرف ما هي الحدود التي عندها لا يعني أن الإنسان له أن يختار الهدى أو أن يختار الضلال، ولكن أيضًا التدخل والقدرة الإلهية في أن تحول ما بين المرء وقلبه، كيف يكون هذا وفقًا للإرادة البشرية؟
[الشيخ]: هذا ليس سببًا، هذا نتيجة.
[المذيع]: طيب، حاضر شكرًا لحضرتك، بعد الفاصل إن شاء الله، ابقوا معنا.
سؤال الفيسبوك عن تحقيق التكامل وإعادة سؤال المشاهد عن حيلولة الله بين المرء وقلبه
[المذيع]: أهلًا بحضراتكم مرةً أخرى، سنُشرك حضراتكم معنا إن شاء الله في الجزء المتبقي من الحلقة، وذلك يكون عن طريق السؤال الموجود على صفحة والله أعلم على الفيسبوك.
السؤال يقول: كيف نحقق التكامل بين البشر كسنةٍ من سنن الله؟ سننتظر إجاباتكم إن شاء الله بعد قليل سنستعرضها مع فضيلة الدكتور.
ولكن مولانا فيما يتعلق بالمشاهد الكريم الذي يقول: ما معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه؟
معنى أن الله يحول بين المرء وقلبه نتيجة وليس سببا
[الشيخ]: هذا نتيجة وليس سببًا. بمعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن السؤال من غير حاجة، الذي هو التسول، وقال:
قال رسول الله ﷺ: «فإذا سأل فإنه يُنكت في وجهه نكتة سوداء، ولا يزال يُنكت حتى يسود وجهه»
تخيل إذن الوجه هنا أبيض وبعد ذلك هناك نكتة سوداء هكذا فعلت به؛ لأنني سألت من غير سبب.
حسنًا، وعندما أسأل مرة أخرى تكون هناك نكتة ثانية، وكذلك ثالثة. نعم، فالثالثة تفيد ثبات الإنسان على المعصية، يبدو هكذا أنه تمادى في الانحراف، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى يحرمه من الرجوع بسبب كثرة الذنوب التي ارتكبها، فهذه نتيجة.
الإصرار على الذنب يحول بين العبد والتوبة ويحرمه الرجوع
نعم:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
عن العودة، بعدما أصبح وجهه أسود، يريد أن يرجع مرة أخرى قائلًا: خلاص تبنا إلى الله. نعم، لا ينفع أن تقول تبنا إلى الله الآن، ذلك بعد ما أصرّ على الذنب، بعد ما أصرّ على الذنب حتى حال الله بينه وبين الرجوع والتوبة.
يا ساتر! ولذلك يشعر أنه في جهنم ولا يستطيع الخروج منها، ولا يعرف كيف يتوب.
قصة ملحد أمريكي أدمن المعاصي ولم يستطع التوقف
قابلنا كثيرًا من هؤلاء من ملاحدة أمريكا، يقول لي: يا أستاذ، ويقصدني أنا، يقول لي: أنا في جهنم.
قلت له: لماذا؟ قال لي: لست سعيدًا، أنا أزني كل يوم وكل مرة، ولا أعرف كيف أتوقف، لقد أدمنت هذا، وأكذب دائمًا ولا أعرف كيف أتوقف، وأدمنت هذا.
قلت له: حسنًا، لنبدأ صفحة جديدة. قال: أشعر أنني في جهنم. قلت له: حسنًا، اخرج منها، اخرج من جهنم، قل بدأت صفحة جديدة. فقال لي: لست قادرًا.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
هذا بناءً على نتيجة اختيار الإنسان للطريق مرة واثنتين وثلاثًا وعشرة وعشرًا وعشرين، والإصرار المستمر إلى أن يصل إلى حد الإدمان، حتى ولو كان قلبه منكرًا.
الله رب القلوب لا يظلم أحدا ومسلسل تحت السيطرة والتعطيل الروحي
[المذيع]: يا مولانا...
[الشيخ]: الله رب القلوب هو الذي يهدي وهو الذي يطلع على هذا، لا تخف، ربنا لا يظلم أحدًا. لا تخف على البشر، خَافْ من البشر لكن لا تخف عليهم، فهم بيد كريم سبحانه وتعالى.
الشيء في مسلسل تعرضونه هكذا، الذي هو عن الإدمان، نعم تحت السيطرة، يقوم فيقول لك ماذا في تحت السيطرة هذه؟ عبارة هكذا كتبها السيناريست بشكل جميل، فيقول ماذا؟ يقول: هو هو الذي نحن فيه هذا فيه تبطيل.
نعم، نعم، يعني أنت الآن ظللت تدمن وبالإصرار الغبي، وأنت لا تريد أن تتعافى ولا تتعالج حتى تتعافى وإلى آخره، فهو نفسه يقول ماذا؟ هو هو هذا فيه تبطيل.
معنى الرَّان وحيلولة الله بين المرء وقلبه نتيجة الإصرار على المعصية
نعم، وأنت تصدِّق أن هناك توقف؟ نعم، يوجد تعطيل. نعم، هذا هو التعطيل. والله ما هناك تعطيل، وهذا هو معنى قوله تعالى:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
هذا هو الرَّان الذي يعني أنه لم تعد هناك فرصة. ماذا يعني هذا؟ إنها نتيجة معصيتك يا سيدي، حتى وصلت بك الحال إلى هذا.
فالله سبحانه وتعالى حينئذ قد يحكم على شخص ما، فأحد إخواننا جُنَّ، والثاني انتحر، والثالث لست أعلم إن شنق نفسه أو فعل أي شيء آخر تتصوره ممن سدر في غيه. نعم، سدر يعني استمر، سادر أي مستمر في غيه.
التحذير من نقطة اللاعودة وحالة من آمن ثم كفر مرارا
ولذلك حينئذ فإن الله سيحول، يعني احذر أن تصل إلى المرحلة التي لا رجعة بعدها.
وكذلك فيمن:
﴿آمَنَ فَكَفَرَ ثُمَّ آمَنَ فَكَفَرَ ثُمَّ آمَنَ فَكَفَرَ ثُمَّ ازْدَادَ كُفْرًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 137]
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
نعم، هذه حكاية، فهي نتيجة من معصيتك وليست هي السبب لمعصيتك.
حيلولة الله بين المرء وقلبه سبب لعدم الرجوع لا لارتكاب المعصية
هذه الحالة لم تكن سببًا لمعصيتك، بل هي سبب لعدم رجوعك. لكن أنت ظللت تعصي الله حتى اسودّ قلبك وأصبح مُجخيًا، يعني أسود هكذا وكله.
وحُرمت الرجوع والعودة، فيكون الرجوع والعودة هذا منّة وكرم من عند الله.
لكن:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
فهو نتيجة وليس سببًا.
شكر المذيع للشيخ والإعلان عن حلقة أسباب الهداية والضلال
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، بارك الله فيكم، الله يكرمك. يعني أنا لا أعرف أقول لحضرتك ماذا في الحقيقة، يعني إن المرء يبحر في هذه المعاني.
الحقيقة لأول وهلة تكون الأمور مشوشة، لكن أشكر حضرتك لتوضيحك لنا هذه الأمور بشكل مبسط وميسر.
ولدي في الحقيقة موضوعان مهمان جدًا، لا أعرف إذا كان الوقت سيتسع لهما يا مولانا، وإذا أردت حضرتك أن سنخصص لهما حلقة أو حلقات تحت أمر فضيلتك، فيما يتعلق بـأسباب الضلال ووسائل الهداية، أي ما هي الأسباب التي تجعلني أضل هذا الضلال وأزداد فيه حتى يصبح هذا الأمر لا رجعة فيه؟
أسباب الضلال الأربعة النفس والشيطان والدنيا والهوى
[الشيخ]: النفس والشيطان والدنيا والهوى، وقد تناولناها ووضعناها في الكتب بعد التأمل والتدبر وغير ذلك إلى آخره.
النفس والشيطان والدنيا والهوى. والنفس الأمارة بالسوء، النفس التي تجعلني غير حكيم فأتبع شهواتي وأنسى العقل والحكمة والمآلات التي سيؤول إليها هذا الأمر.
النفس وأيضًا الشيطان، لكن الشيطان هذا على فكرة يُعتبر كما تقول الدرجة الثانية. نعم، ولكن النفس هي الأولى. لماذا؟ لأن النفس تُلقي إليّ الأمر هكذا، وبعد ذلك أقول أعوذ بالله، لا شيء، قليل عنهم يريدون رميها. لماذا ثانية؟ صحيح.
الفرق بين النفس الأمارة والشيطان الوسواس الخناس
ها، ولذلك سُميت ماذا؟ أمّارة، يعني تأمر وتأمر على وزن فعّالة. صحيح.
لكن الشيطان يا عيني وسواس خناس، يلقي ويجري. لكن الناس تعتقد عكس ذلك. فأنت منتبه، يلقي ويجري. فإذا تأتي قضية الشر في عقلي، وبعد ذلك أجد أنها ذهبت. نعم، ذهب الشيطان لأني توضأت، لأنني صليت، لأنني ذكرت، لأن الأذان أُذِّن، الشيطان يجري.
أي شيء، نحن لا نراه، هل تنتبه:
﴿إِنَّهُ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]
فهو نحن لا نراه، فهو يُلقي ويجري.
الهوى والدنيا ورفقاء السوء من أسباب الضلال
وكذلك الهوى:
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
أي أنه جعل هواه مؤشرًا وجعل هواه مثل إمامٍ يتبعه، فليس نفسه وشهواته ورغباته فقط، بل الهوى أيضًا.
وكذلك الدنيا وما يحيط بنا من عناصر كثيرة ومغريات كثيرة، ورفقاء السوء يقولون: تعال لتتعاطى المخدرات، تعال لتسرق، تعال لتكذب، تعال لنفسد في الأرض، تعال لننشئ موقعًا على الإنترنت نشتم فيه الناس، وهكذا.
هذه الدنيا التي يعيشون فيها قال تعالى فيها:
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
لو أن هؤلاء تذكروا الآخرة ما فعلوا ما كانوا يفعلون.
وسائل الهداية هي عكس أسباب الضلال الأربعة
[المذيع]: طيب مولانا، وسائل الهداية، يعني أنا للأسف ربنا كتب عليّ ذنبًا معينًا أقوم به كل...
[الشيخ]: هو أساسًا الذي كان هؤلاء كان يصبح، قال لهم حلقة وحلقة.
[المذيع]: نعم يا مولانا، يعني فنحن الآن أخذنا بسرعة، أخذنا بسرعة الذي هو ما أسباب الضلالات.
[الشيخ]: نعم، اعكس تصب. يعني إذا كانت النفس والشيطان والدنيا والهوى هم الأربعة الأساسيون، فتكون أسباب الهداية أنك أنت تحول النفس الأمارة إلى لوامة، تحول النفس اللوامة إلى نفس ملهمة.
تفصيل وسائل الهداية مقاومة الشيطان وتصحيح المفاهيم والدعاء
وأيضًا تقاوم الشيطان وتكون من المخلصين حتى لا يتسلط عليك الشيطان بوساوسه.
وأيضًا أن تدعو الله وتقول: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.
وأيضًا تصحح مفاهيمك وتخرج من عبادة الهوى الضيق إلى عبادة الله الواسعة.
وهكذا تكون أنت بالعكس، كما يقول لك أن تعكس المعنى فتصبح على صواب. فأنت الآن اعكس تصب، هذه الأمور الأربعة احفظها، ويكون ضدها هو أسباب الهداية.
الإعلان عن حلقة الغد والانتقال لسؤال المشاهد عن اسم الزوج والزوجة
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، بهذا نحن نريد حلقة غدًا أليس كذلك؟
[الشيخ]: إن شاء الله غدًا إن شاء الله.
[المذيع]: بعد إذن فضيلتك ستكون الحلقة عن أسباب الهداية وأسباب الضلال، يعني حلقة يافندم إن شاء الله في هذه المفاهيم الأربعة إن شاء الله.
واحد من المشاهدين الكرام أو مشاهدة يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل اسم الزوج والزوجة مكتوب عند الله؟ يعني هل هو شيء لا يتغير مكتوب عند الله؟
كل شيء في الدنيا مسجل صوتا وصورة وظاهرا وباطنا عند الله
[الشيخ]: كل ما يحدث تمامًا مثل وقرب لنا جهاز الفيديو، وما تصورونه هذا، فقرب لنا المفاهيم.
فهذه الدنيا بكل دقائقها مسجلة صوتًا وصورة. نعم، وليس صوتًا وصورة فحسب، بل ظاهرًا وباطنًا، يعني حتى ما يجري بداخلك مسجل.
فإذن صوت وصورة والموجات التي تخرج من عقلك، نعم، والهالات، كل ذلك مسجل. فلذلك فقط لا نتعب أنفسنا، كل شيء مُسجَّل.
سؤال المتصل فارس عن الماسونية وعلاقتها بالدين
[المذيع]: طيب مولانا، بارك الله فيكم، وإن شاء الله متشوقون لحلقة الغد إن شاء الله. ولكن اسمح لنا أن ننتقل إلى الاتصال، ننتقل إلى اتصال واحد فقط.
الأستاذ فارس، تفضل يا سيدي.
[السائل]: السلام عليكم.
[المذيع]: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
[السائل]: بعد إذنك كان لدي سؤال للدكتور، اتفضل حضرتك. أنا منذ فترة تشرفت بمشاهدة حلقة وكان الدكتور يقول فيها عن صحيفة اسمها تاج أو شيء مثل ذلك تابعة للماسونية، وأنا لا أعرف ما هي الماسونية ومن هم وما علاقتها بالدين؟
