#والله_أعلم | الحلقة الكاملة 7 سبتمبر 2015 | حقيقة توقف العمل ببعض آيات القرآن
- •يناقش الدكتور علي جمعة موضوع النسخ في القرآن الكريم، مؤكداً أنه لا يوجد نسخ بمعنى الإلغاء أو الحذف في القرآن.
- •يفسر الآية "ما ننسخ من آية أو ننسها نأتِ بخير منها أو مثلها" بأنها تتعلق بالنسخ بين الشرائع وليس داخل القرآن.
- •يرى أن التدرج في الأحكام كما في آيات الخمر ليس نسخاً بل تدرجاً في التشريع.
- •يشرح أن آية "إن يكن منكم عشرون صابرون" وآية "الآن خفف الله عنكم" تحددان الحد الأدنى والأعلى للواجب والمباح في القتال.
- •يوضح أن آيات القبلة تتناول مواقف مختلفة وليس نسخاً، فآية "ولله المشرق والمغرب" تنطبق عند فقد القبلة.
- •يبين أن آية المتاع إلى الحول تتعلق بالنفقة، بينما آية أربعة أشهر وعشراً تتعلق بالعدة، فلا تعارض بينهما.
- •يستشهد بعلماء كالنحاس والسيوطي والرازي الذين قالوا بعدم وجود نسخ في القرآن.
مقدمة الحلقة واستكمال الحديث حول الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم
[المذيع]: أسعد الله مساؤكم بكل خير، أرحب بحضراتكم في حلقة جديدة من برنامج والله أعلم. في حلقة هذا المساء إن شاء الله سنستكمل الحديث مع فضيلة الدكتور حول قضية الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم.
فضيلته في أكثر من حلقتين سابقتين تحديدًا حول هذا الأمر، تعرَّض وأكد أنه لا يوجد نسخ في القرآن الكريم، ولكن هناك تدبر في المعاني وتدبر في الآيات، وأن هناك ربما يكون فقدان للشروط فقط، وليس هناك نسخ بمعنى الإلغاء أو الحذف.
الآن سنستكمل الحديث مع فضيلته لكي نعرف بعض الآيات. هذه الآيات يُقال بالفعل إنها جاءت لتنسخ آيات أخرى، أو أنها آيات منسوخة. سنتوقف مع هذه الأمثلة من القرآن الكريم إن شاء الله في هذه الحلقة.
الترحيب بالشيخ علي جمعة وتأكيد موقفه من عدم وجود نسخ في القرآن
[المذيع]: اسمحوا لي في البداية أن أرحب بفضيلة الإمام العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بكم مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا.
[المذيع]: مولانا، هل كنتُ دقيقًا فيما ذكرتُ في المقدمة أنك قلتَ في حلقة سابقة أنه لا يوجد نسخ في القرآن الكريم، وإنما يوجد وقف في هذه الآيات أو فقدان للشروط؟
[الشيخ]: نعم، هذا صحيح، لكي نؤسس لها من جديد.
سؤال المشاهدين عن معنى آية ما ننسخ من آية أو ننسها وعلاقتها بالنسخ بين الشرائع
[المذيع]: حسنًا مولانا، فيما يتعلق ببعض الآيات، مازلنا حتى الآن يأتينا السؤال حتى على صفحة البرنامج أو على الرسائل النصية في شأن الناسخ والمنسوخ. من يقول: طيب، ما معنى الآية: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾؟ الكل هنا يؤكد بأن "ننسخ" و"آية"، إذن النسخ موجود في القرآن.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. في أول حلقة تحدثنا فيها عن النسخ، تعرضنا لهذه الآية وقلنا إنها التي بين الشرائع.
فعندما جاءت شريعة اليهود، حرَّم الله سبحانه وتعالى عليهم أن يأكلوا اللحم الذي بجوار العظم أو المختلط بعظم، وحرَّم عليهم أنواعًا معينة من الزيوت، وحرَّم عليهم أن يعملوا يوم السبت، وحرَّم عليهم وهكذا حرَّم عليهم أشياء. بعد ذلك في شريعة الإسلام سُمي هذا الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ووضعها عن أمة الإسلام.
قصة المذابح في بلجيكا وشروط الذبح عند اليهود مقارنة بالمسلمين
نعم صحيح، أنا أتذكر في يوم من الأيام ذهبنا إلى بلجيكا لكي نرى المذابح والذبح، وهل هناك ذبح في بلجيكا أو في بروكسل على الشريعة الإسلامية.
فوجدنا فعلًا مذبحًا نظيفًا حسنًا يذبح لليهود. أأنت منتبه؟ كذبح المسلمين بالضبط، مثل شريعة المسلمين. ما هي الشروط الخاصة بكم؟ قلنا له: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة.
قال: لكن هذا سهل جدًا، هؤلاء اليهود عندما يأتون إليّ يشترطوا ثلاثين أو أربعين شرطًا. من ضمن هذه الشروط ألا تُحمل اللحم على مركب عليها خنزير أو لست أدري ما بها وهكذا. فأنتم، أي أنتم، تعتبرون شيئًا سهلًا جدًا.
فقد تذكرت حكاية الإصر والأغلال هذه التي كانت في أعناقهم ووُضِعَت عليهم بسبب معاصيهم الكثيرة.
الفرق بين شريعة اليهود والمسيحية والإسلام في التشريعات والدخول في الدين
ولهذا الذي حدث، وإذ ستة وثلاثين إذ معهم وهم في مخالفة تامة لشريعة المسلمين التي أتت بالرحمة.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
إذا "ما ننسخ من آية" يعني بين الشرائع، أي:
﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم﴾ [آل عمران: 50]
سيدنا عيسى يقول ماذا؟ "ولأحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم". فلما جاء سيدنا عيسى أباح لأتباعه أن يخرجوا شيئًا ما عن الشريعة الموسوية لتغير الزمان ولتغير المكان، ولأن شريعة عيسى سوف تنتشر في الأرض وما إلى ذلك.
لكن تلك التي لليهود كانت لبني إسرائيل فقط، ولا يريدون إدخال أحد فيهم إلا بمائة وأربعة وستين شرطًا. هل انتبهت حضرتك؟ يعني لو شخص ما يسير ويقول لهم: يا إخواننا أنا أريد أن أصبح يهوديًا، يقولون له: لا، تعال الآن وافعل كذا وافعل... يكرهونه من حياته.
المسيحية لا، المسيحية فيها طقوس بسيطة، شيء اسمه أسرار الكنيسة السبعة وانتهى الأمر. الإسلام لا، كذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وانتهى الأمر، فيصبح مسلمًا بهذا الشكل، ومسلمًا عصم نفسه، فأصبح محميًا من أن يصفه أحد بأنه ليس مسلمًا، وسمّوه المسلم الصعب.
رأي أبي مسلم الأصبهاني في أن آية ما ننسخ تتعلق بنسخ الشرائع لا القرآن
فإنني أريد أن أقول:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]
هذه ما بين الشرائع. هل قال أحد من الأقدمين هذا؟ أبو مسلم الأصبهاني، وأبو مسلم الأصبهاني له تفسير كبير، وكان يرى أن كتاب الله هداية كله، كل آياته الستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية كلها هداية.
فلا أستطيع القول أن هذه نُسخت؛ لأنني سأفقد بذلك أدلة أحكام، وسأفقد بذلك صورًا يُدّعى أنها ليست في القرآن وهي فيه. ولذلك:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106-107]
تتعلق بنسخ كل شريعة جاءت لما قبلها، ولا تتعلق بنسخ لا الأحكام ولا التلاوة لكتاب الله.
هل آية التخفيف في القتال نسخت آية التحريض على القتال في سورة الأنفال
[المذيع]: طيب مولانا، ننتقل إلى الآية خمسة وستين من سورة الأنفال تحديدًا في قوله تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: 65]
إلى آخر الآية. وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية أخرى هي قوله تعالى:
﴿ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال: 66]
هل ترى أن هذا التخفيف جاء لكي ينسخ التحريض على القتال في الأول والأمر بالقتال مولانا؟
[الشيخ]: أبدًا، الأمر بالقتال عندنا هو قتال الدفع، يعني أدافع عن نفسي وليس عدوانًا؛ لأن الله قال:
﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 190-191]
يعني كان هناك عدوان سابق وإخراج سابق، ولذلك أنا أرد الصاع بالصاع، وأواجه العدوان بمثله.
بيان الحد الأدنى والأعلى في نسبة القتال بين الواجب والمباح والفرار
حسنًا، الآن عندما أنزل الله سبحانه وتعالى مسألة أنه:
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 65]
أصبح الواحد يقول: لقد خفف الله عليك، خفف الله النسبة من واحد لعشرة إلى واحد لاثنين، يكون المزيج ما المهم منه. نعم، أي أن هذا أعلى حد، وهذا أدنى حد، أي أقصد حد قديم.
ماذا يعني؟ أنا في الحرب وجدت العدو أكثر مني بثلاثة أضعاف، أربعة أضعاف، خمسة أضعاف، ستة أضعاف، سبعة أضعاف، ثمانية أضعاف، تسعة أضعاف، عشرة أضعاف، يجوز لي ألا أنسحب.
حسنًا، لنفترض أنني وجدته أكثر مني بعشرين ضعفًا، يجوز لي أن أنسحب على الفور. هكذا انتهى الأمر. كان في البداية عندما وجدت عشرة، واجب عليّ أن أثبت في القتال ولا أولي الدبر ولا أولي الأدبار، وإلا أكون قد ارتكبت كبيرة من الكبائر، من الكبائر الفرار آخره.
تفصيل أحكام الثبات والفرار في القتال بين الوجوب والإباحة والحرمة
حسنًا، واثنان، حسنًا، إذا كان العدد مساوٍ لا أفر، حسنًا، وإذا كان العدد ضِعفي لا أفر أيضًا. نعم، جيد، واجب. أصبح واجبًا عليَّ الضعف، إذا كان معي الضعف.
إلى حد عشرة أضعاف يصبح مباحًا بدلًا من كونه واجبًا. ماذا أصبح؟ أصبح مباحًا بهذه الآية الجديدة. وهذه الإباحة ماذا تفعل؟ تفعل أنه يجوز أن أستمر في المعركة وهو عدده ضعفي ثلاث مرات أو عشر مرات.
حسنًا لو كان عشرين ضعفًا أو إحدى عشرة مرة، لابد أن أنسحب. هل أخذت بالك؟ نعم، لابد أن أنسحب. عندما تسأل أهل العسكرية عن هذا تجدهم هم يفعلون هكذا أيضًا.
قصة حرب ثلاثة وسبعين وموقف السادات من مواجهة أمريكا وداعش والواقع الافتراضي
يعني أنا أتذكر، لا أعرف إذا كان الناس يتذكرونها أم لا، يوم ثلاثة وسبعين [حرب أكتوبر 1973]. نعم، والحمد لله، وانتصرنا وما إلى ذلك. وبعد ذلك، فتحت أمريكا ممرًا جويًا، وأصبحت الدبابات تنزل بتجهيزاتها ومعداتها في حالة صفر، أي جديدة تمامًا.
فقال السادات: أنا لا أحارب أمريكا، يعني لن أحارب أمريكا، لسنا بقدر أمريكا؛ لأن أمريكا أقوى مني، ليس عشرة أضعاف فحسب، بل عشرين.
واليوم داعش على مواقعهم يقولون: لا، نحن أخوف من أمريكا. نعم، فأصبح الخيال - وانتبه - الواقع الخيالي الافتراضي الذي يريدون أن يسيطروا به على الناس من خلال تغيير الواقع الحقيقي الذي خلقه الله.
انظر إلى الافتراء، انظر إلى الكذب، يقول إن أمريكا هي التي تُسقط عليه الشيء لكي تستخدمه، هو الذي أقوى من أمريكا؟ لا يا أبي، أنت لست أقوى من أمريكا. إن أمريكا تتلاعب بك لكي تجعل المنطقة كلها مشتعلة بالنار. من الذي يأخذ جرحى داعش ويعالجهم؟ إسرائيل.
خلاصة أحكام الثبات والفرار في القتال وأن الآية ليست منسوخة بل تفصيل للأحكام
إذن هذه الآية معناها الحد الأدنى والحد الأعلى الذي من خلاله ما هو واجب عليّ وما هو مباح، ثم بعد ذلك يجوز لها الفرار أو يجب عليها الفرار.
فيصبح جائزًا لها الفرار بعد الزيادة عن مائتين في المائة، وعندما يصل إلى ألف في المائة يجب عليها الفرار. فنكون قد استخلصنا منها أحكامًا أخرى، لكن مسألة أنها زالت وذهبت وما إلى ذلك كلام غير صحيح.
التدرج في تحريم الخمر في القرآن الكريم وأنه ليس نسخًا بل تدرج في الحكم
[المذيع]: نعم، حسنًا أخذنا مثالًا آخر وهو الخمر. نجد تدرجًا في الحكم في الآيات من التحريم، من - ليس مدحًا عفوًا - وإنما إظهار أن فيها منافع وصولًا إلى التحريم القطعي.
[الشيخ]: هذا كله في آية واحدة تمامًا يا مولانا. يعني مثلًا:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ﴾ [البقرة: 219]
هذه فتوى، وإثمهما أكبر من نفعهما. طبعًا سنصل بعد ذلك يا مولانا:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]
الآية. طيب ما الذي فعلته هذه وما الذي فعلته هذه؟ لا شيء. إنه يقول لك ماذا فيها من منافع. إنما هنا التدرج غير النسخ.
بيان درجات التدرج الثلاث في تحريم الخمر وأنها جميعًا تأمر بالابتعاد عنها
أقول لك: ابتعد عن الخمر. انظر كيف أن عليك تجنب الخمر وقت الصلاة، ابتعد عن الخمر لأنها تُذهِب العقل، ابتعد عن الخمر لأنها حرام.
هذه هي الدرجات الثلاث، لكن ماذا فيها جميعًا؟ ابتعد عن الخمر. هذا صحيح. فكيف يمكن أن يأتيني ويقول اشربوا الخمر، ثم يقول لي الخمر حرام؟ لا.
﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]
وإثمهما أكبر من نفعهما، وفي النصف منافع للناس فقط، وإثمهما أكبر من نفعهما فابتعدوا عنها.
وفي الثانية:
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ﴾ [النساء: 43]
وفي الثالثة يقول لك:
﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]
بالأمر. فهو يقول لك هكذا: دع الخمر، اتركها وقت الصلاة، اتركوا الخمر لأنها حرام. فأين النسخ إذن؟ لا يوجد نسخ، هذا الثلاثة يكون تدرجًا، فهذا نسميه تدرجًا.
الفرق بين التدرج في القرآن والنسخ الحقيقي الوارد في السنة النبوية
فلا يوجد نسخ ولا شيء. النسخ هو إزالة الحكم:
قال النبي ﷺ: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»
وقال ﷺ: «إني نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة، فكلوا وادخروا»
نعم، هل أخذت بالك سيادتك كيف؟
وقال ﷺ: «توضؤوا مما مست النار، ثم لا تتوضؤوا مما مست النار»
فهنا واضح جدًا أنه كان هناك حكم وأُزيل هذا الحكم. لكن أين في القرآن مثل ذلك؟ ليس في القرآن شيء كهذا.
الرد على من يأخذ ببعض آيات الخمر ويترك بعضها والتحذير من الإيمان ببعض الكتاب
[المذيع]: طيب مولانا، يمكن لشخص أن يقول ماذا؟ والله، طيب يعني كل الآيات مثل بعضها، كل الآيات تحمل نفس الأحكام. حسنًا، سأتبع الآية الأولى:
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]
حسنًا، وسأتبع كلمة "فيهما منافع للناس وإثم كبير"، والإثم ربنا يعفو عنه.
[الشيخ]: صحيح، ولكن لن يأخذوا بكلمة "فاجتنبوه"، لن يأخذوا الأمر باجتنابه، سيأخذون بالآية الأولى على الفور. سنستخرج له من نفس الكتاب:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
لا، هذه كبيرة! القرآن كالجملة الواحدة، فكيف تريد أن تأخذ جزءًا وتترك جزءًا؟
القرآن لا تناقض فيه ولا تعارض وضرورة التدبر لفهم وحدة أحكامه
نحن نتحدث عن هذه، ليست متناقضة وليست متعارضة وليس فيها حيرة. هل انتبهت؟
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ولذلك لا يوجد تناقض، عندما تتدبر القرآن تجده كله يسير على نمط واحد.
نعم، إذن لا يوجد نسخ وفي نفس الوقت لا يوجد تلاعب، يعني لا أستطيع بحكم موجود بما أنه لم يُنسخ فسآخذ بهذا الحكم وكفى، ولن آخذ بالحكم الثاني.
قصة من فسر فاجتنبوه بوضع كأس الخمر بجانبه ودور الإجماع في منع التلاعب بالنصوص
وتوجد أمور تم عليها الإجماع بحيث لا يمكن التلاعب فيها. أحدهم مرة خرج وقال: حسنًا، أنا أفهم قول "فاجتنبوه" بطريقة معينة. قلت له: ماذا؟ قال: لا، أضع كأس الخمر بجانبي. هل تفهم ما أقصد؟
نعم، إنه يمزح. هذا الشخص لا علاقة له بالشريعة يا إخواننا. يعني هل يدرك ما الذي منعه من ذلك؟ الذي منعه من ذلك هو الإجماع الذي اعتمد على اللغة والشريعة والأحاديث وغيرها.
فهذا ليس متاحًا أن نفهم النص ونتركه هكذا كيفما نفهم.
معنى النسخ عند السلف الصالح بين التخصيص والتقييد والتدرج في أحكام الخمر
لكن بعض المفسرين سيدنا ذهبوا إلى القول بأن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، بمعنى أنها قد خصصتها؛ إذ إن السلف الصالح عندما استعمل كلمة نسخ كان يقصد العام والخاص، المطلق والمقيد.
يعني هناك أمر كما قلت لك هكذا: لا تشرب الخمر فهذا عام جدًا، ثم لا تشرب الخمر وقت الصلاة فهذا مخصص قليلًا، ثم الصلاة أفهم منها أنه من الممكن، حسنًا، دع الخمرة جانبًا تمامًا، فتصبح خصوصيتها منتهية نهائيًا.
فالعملية أنها تتحدث عن الشيء، ثم تتحدث عن حالة من هذا الشيء. هذا هو معنى النسخ في لغة الأقدمين.
مخالفة من ذهب إلى إلغاء الحكم وحرية الاجتهاد في فهم القرآن ككتاب هداية
ولكن ستأتي لتقول لي: ألم يذهب بعض علماء الأمة إلى أن الحكم زال؟ نعم بالطبع ذهبوا إلى هذا، ونحن نخالفهم. نحن نخالف من ذهب إلى هذا.
هناك علماء فكّروا وقالوا إن هناك شيئًا ألغى شيئًا. لماذا؟ لأنه حصل عنده تعارض لم يستطع حلّه. هو الذي لم يستطع حلّه، هذا العالم الذي ليس معصومًا، الذي هو عالم من العلماء، يعني يبذل جهده. هل أنت منتبه؟
والأكثر من ذلك أنك ستقول لي: حسنًا، أنا سأقلد هذا العالِم ولن آخذ بكلامك. أنت حر. إنني أقول لك شيئًا سيفتح لنا آفاقًا جديدة لجعل القرآن الكريم كتاب هداية واقعية في العالم.
حرية الفكر في الإسلام بأدواته والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية
[المذيع]: حسنًا، وماذا عن أخينا الشيخ فلان والشيخ علان والشيخ الدكتور فلان الذي لا يرفض هذا؟
[الشيخ]: حسنًا، هل هناك حرية للفكر في الإسلام ولكن بأدواته هو. ماذا سيقول هذا الشيخ الثاني؟ الشيخ الثاني يقول: والله الرازي قال هكذا، والقرطبي قال هكذا، وأنا لن أخرج عن هذا الفهم الذي تأتي به وإن كان معك دليل.
حسنًا، موافق. أنت اختر الشيء الذي يريحك، والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
إنني أشعر أن ما أقوله وما قاله كثير من العلماء سيحل لنا مشاكل كثيرة، وسيصحح صورة الإسلام، والأكثر من ذلك أنه سيحول الكتاب إلى كتاب هداية كما أراده الله:
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
وسيعطي معنى جديدًا للتعامل مع القرآن الكريم. هذه هي القصة.
الانتقال لاستعراض مزيد من الآيات التي قيل بنسخها وعدد الآيات المنسوخة المزعومة
[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. طيب اسمح لي بعد الفاصل، نستعرض مزيدًا من الآيات.
[الشيخ]: أجل، نجد أن فيها ما وجد على النفس، يعني أن فيها قد يكون نسخ ومنسوخ، في إحداها أمر وفي الأخرى. دعنا نرى.
نحن في الآيات المنسوخة التي قيل إن كل ما في الكتب مائة واثنتان وثلاثون آية. لا، نحن نأتي بثلاث أو أربع. هذا كلام زيد رحمه الله عندما أعدّ رسالته جعلهم تسعة.
حسنًا، نحن أحضرنا ثلاثة وها هم أربعة قادمون، فيصبح المجموع سبعة. جميل، حسنًا، واحدة كثيرون، الاثنان الآخران بقي غير الذين لا شأن لنا بهم. فأنا أقول الكل أصبح ليس حتى التسعة.
الشيخ أبو زهرة وعلماء آخرون ذهبوا إلى عدم وجود نسخ في القرآن الكريم
وكان الشيخ أبو زهرة رحمه الله تعالى قال له يعني الذين التسعة هؤلاء، قال له: نعم، قال له: هو وأنت معنا. جيد.
وكان الشيخ أبو زهرة يذهب المذهب الذي نحن ذاهبون إليه، مثلما هو كذلك الشيخ عبد الكريم الخطيب والشيخ محمد الغزالي ومشايخ كثيرون جدًا ذهبوا إلى هذا.
والأستاذ عبد المتعال الجبري وسيدنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري: وهكذا كانوا يرون أن القرآن كتاب هداية يُستغل كل حرف فيه وليس كل كلمة.
هل آية قيام الليل في سورة المزمل منسوخة بآية التفصيل في نفس السورة
[المذيع]: نعم، بارك الله فيكم مولانا. بعد الفاصل إن شاء الله نستكمل.
[الشيخ]: سورة المزمل، ويقول في سورة المزمل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المزمل: 1-4]
في آية أخرى يُقال إنها نسخت هذه الآية، في قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: 20]
حسنًا، الآية الثانية نسخت الآية الأولى في وقت الفريضة. نسخت أي آية؟ يعني الآية الأولى "قم الليل إلا قليلًا"، هل القليل يعني السدس أم الثلث أم النصف؟ لحظة، أم هو كذا؟ فقد فصّلت الآيات. الآية الثانية، فهذا تفصيل.
تحديد معنى القليل في قيام الليل بلسان الشرع وحديث الثلث والثلث كثير
أما "قم الليل" - بالله عليك - أين في فهمك أنت؟ يا عمرو لا أريد أحدًا غير فهم عمرو. ألست أنت الذي وضّحت؟ بالله عليك، أين "قم الليل"؟ إلا قليلًا. هذه القلة ما هي؟ وما هو الكثير؟ هل تنتبه؟
كيف عندما يقول النبي عليه الصلاة والسلام لجابر:
قال النبي ﷺ: «الثلث، والثلث كثير»
يصبح ما دون الثلث ناقصًا من الثلث شيئًا بسيطًا هكذا، فيكون قليلًا؟ فالثلث هو كثير، وما هو أقل من الثلث، ما هو أقل من الثلث سيكون قليلًا في لسان الشرع.
حتى هذا ليس في لسان العربي، هذا في لسان الشرع.
تفصيل كيفية قيام النبي ﷺ لليل بين الثلثين والنصف والسدس
فيصبح أقوم الثلثين. طيب، لا يصح وأنا مستيقظ أن أترك السدس مع الثلثين ليصبح النصف. انتبه أن السدس والثلث والثلثين والنصف كلها مع بعضها. كيف يكون النصف يساوي سدسًا وثلثًا؟
تمامًا، هل انتبهت؟ حسنًا، إذا أضفنا إلى النصف سُدسًا، فسيصبح ثلثين بالضبط، أي ثلثين.
فإذا كان أمامي برنامج، والله سبحانه وتعالى يُفصِّل له معنى:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2]
فكان سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أورد صاحب الإحياء [إحياء علوم الدين للإمام الغزالي]، يقوم ثلث الليل ثم ينام سُدسَه.
تفصيل برنامج قيام الليل النبوي بين القيام والنوم وأنه تفصيل لا نسخ
إذا قام ثلثه وسدسه، وظل سدسه قائمًا، وعندما قام سدسه أصبحنا في الثلثين، ثم نام ثلثه، فأصبحنا أمام النصف.
وفي اليوم التالي يقوم الثلث وينام السدس، ثم يقوم الثلث وينام السدس، فيصبح بذلك قد أتم ثلثين بالضبط.
وفي يوم آخر ينام السدس، ثم يقوم الثلث، وبعد ذلك ينام السدس وبعد ذلك يقوم الثلث، أو يقوم الثلث وبعد ذلك ينام السدس وهكذا.
فهذا تفصيل:
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
إذن هو فصَّل هنا، فلا يوجد نسخ ولا شيء. ما هذا النسخ الذي في ذلك؟ هذا ما ليس نسخًا أبدًا، إنما هو تفصيل لما أجمله.
الآية الثانية ليست تكرارًا بل تفصيل كما في آيات الصيام والحج والزكاة
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، يعني ما سبب نزول الآية؟ إن هذه الآية ليست تكرارًا للآية التي سبقتها، وإنما هي تفصيل.
[الشيخ]: تفصيل: ربنا سبحانه وتعالى يقول لك:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
وبعدين الآن بعد ذلك:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]
إنه يفسر الآن بشكل جيد. "كُتب عليكم الصيام"، هل سنجعلها صيام عاشوراء فقط في السنة، أم سنجعلها كل يوم اثنين وخميس، أم ماذا سنفعل؟ ما هو المفروض علينا؟ شهر رمضان.
أمرنا بالحج ثم فصّل في آيات الحج. أمرنا بالزكاة ثم فصّلت السنة أحوال الزكاة وأموالها وما يُخرج وما لا يُخرج منها. نعم، تفصيل ما سبق.
هل آية تحويل القبلة نسخت آية ولله المشرق والمغرب في سورة البقرة
[المذيع]: طيب مولانا، ننتقل إلى آية أخرى في سورة البقرة فيما يتعلق بالقبلة في الآية مائة وأربعة وأربعين من سورة البقرة:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]
هذا أمر بأن نولي وجهنا في الصلاة تجاه المسجد الحرام.
[الشيخ]: صحيح، تجاه مكة.
[المذيع]: نعم، طيب، في حين أن في آية أخرى، ولله أيضًا في سورة البقرة، ولكن في آية سابقة مائة وخمسة عشر:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]
نعم، يعني فلله المشرق والمغرب، سأذهب يمينًا سأذهب شمالًا فثم وجه الله. ولماذا في الآية التي بعدها يقول فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام؟
بيان أن آية القبلة وآية المشرق والمغرب حكمان مختلفان لا نسخ بينهما
[الشيخ]: ما هو أن هذين حكمان، وهذه أحكام وتلك أحكام. هي تغيرت، ليس داخل القرآن تغيرت. القرآن نسخ السنة.
كان [النبي ﷺ] يتوجه إلى القدس بوحي. نعم بوحي، ثم دعا ربه لأنه قد اشتاق إلى الكعبة المشرفة:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]
فنُسخ هذا التوجه إلى القدس. في ذلك الزمان كان يصلي في الكعبة وكان يجعل الكعبة من جهة القدس بحيث أنه يستقبل الكعبة والقدس.
وهذا ممكن. عندما ذهب إلى الشمال في المدينة، فيكون أحد أمرين: إما أن يستقبل الشمال أو يستقبل الجنوب. صحيح، فربنا أذن له بعد ثمانية عشر شهرًا أن يترك الشمال وينظر إلى الجنوب.
فهذه آيات نُسخ فيها الحكم في القرآن الكريم، وليس نسخًا للقرآن نفسه كما هو مُدّعى.
آية ولله المشرق والمغرب حكم مستقل لحالة فقد القبلة كالصلاة في الفضاء
﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]
هذا حكم آخر تمامًا لا علاقة له بهذا [بآية تحويل القبلة].
"ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله"، فيصبح عند فقد القبلة. أنت الآن في القمر، نعم مثل الأمير سلطان عندما صعد إلى القمر، كيف يصلي إذن؟ لا يوجد قِبلة.
نقول له: "ولله المشرق والمغرب" يا أخي، "فأينما تولوا فثم وجه الله". انظر إلى الجمال، انظر، اجعلها، هذه ليست منسوخة فاستعملتها.
خطورة القول بالنسخ وضياع الأحكام كمثال صلاة الأمير سلطان في الفضاء
كيف، أي مثل آية:
﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى﴾ [النور: 2]
مثلًا:
﴿وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: 16]
هذا للشذوذ. الشذوذ صحيح، لكن أنت لو جعلتها نُسخت بهذه، تكون قد ضيعت الدنيا. يعني ليس لديك حكم للأمير سلطان الذي صعد إلى القمر وهو يريد أن يصلي ويقول الرجل: أنا مسلم وأريد أن أصلي.
ماذا أقول له الآن إن شاء الله؟ هل أقول له: لا تصلِّ؟ لا، أقول له: صلِّ. حسنًا، أين القبلة؟
﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]
يا أخي.
آية ولله المشرق والمغرب ليست لتغيير الحكم بل لظرف معين وأن النسخ اجتهاد لا نمنعه
يعني هذه الآية "ولله المشرق والمغرب" ليست لتغيير الحكم، وإنما هي تأتي لظرف من الظروف محدد لشرط معين، كما قلنا إما محلي وإما شرط وإما بيئة وظروف وإما كذا وإما مآلات إلى آخره.
لكن لا يوجد نسخ. لماذا يقولون إن فيها نُسخ؟ لماذا؟ لكنه اجتهاد اجتهد، ولذلك الاجتهاد لا نمنعه ولا نمنع التفكير الحر، ولا نمنع حتى ما كانت عليه الجماعة العلمية في زمن معين من الأزمان.
ونحن لم نقل إن المسلمين لم يقعوا في قضية النسخ، بل نقول إن النسخ هذا اجتهاد، لكننا نخالف هذا الاجتهاد باجتهاد آخر مستدلين كما نتناقش الآن ونفهم ونحاول أن نستهدي بكتاب الله، يعني نطلب منه الهداية من أجل توسعة مجاله ومن أجل جعله مصدرًا من مصادر حياتنا.
هل آية متاع الحول للأرملة منسوخة بآية عدة أربعة أشهر وعشرا في سورة البقرة
[المذيع]: نعم، طيب، اسمح لفضيلتك أن أتحول إلى آية أخرى من الآيات كذلك التي قيل بنسخها، قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]
قيل بأنها نُسِخَت بآية أخرى:
﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]
هنا تخصيص الأربعة أشهر وعشرة، وفي الآية الأولى متاعًا إلى الحول غير إخراج.
[الشيخ]: يا أخي، هذه تتحدث عن العدة: لا تتزوجي يا ابنة الحلال، ولا يصح أن تتزوجي بعد أربعة أشهر وعشرة أيام تأسفًا على الزوج بشكل تام.
الفرق بين آية العدة وآية النفقة للأرملة وأنهما حكمان مختلفان لا نسخ بينهما
لكن المرأة الثانية [الآية الثانية] لا تتحدث عن هذه العدة، بل تتحدث عن النفقة. فتقول: حسنًا، أنا الآن زوجي توفي، إلى أين أذهب؟ هل سترمونني في الشارع أم ماذا ستفعلون بي؟
فقال: لا لا، لكِ حق لمدة سنة تدبرين فيها أمرك. فإذا هذا يتكلم عن النفقة. الرجل مات، فمن الذي سيرث؟ ومن الذي سينفق عليها لمدة السنة؟ أولياؤه. من هم أولياؤه؟ أخوه، أبوه، عمه، وما إلى ذلك.
ولماذا هذه الغرامة؟ وإلى متى ستستمر إن شاء الله؟ قال: لمدة سنة إلى أن تُقضى نفقة المتعة التي أخذنا بها في القانون المصري.
التفريق بين العدة والنفقة وجريمة مخالفة العدة في القانون المصري
تختلف [نفقة المتعة] عن العدة التي تحرم الزواج في هذه المدة. فلو أن امرأة مات زوجها اليوم ثم تزوجت في اليوم التالي، ستدخل السجن لأنها ارتكبت جريمة الجمع بين الأزواج.
وإن قالت إن الزوج قد مات، فإنها تكون قد ارتكبت جريمة مخالفة العدة. والعدة هذه معناها فترة تربص، أي تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرة أيام.
وهذا لا علاقة له إطلاقًا بين هذه نسخت هذه أو تلك. واحدة تتعلق بالمتاع، وواحدة بالنفقة، وواحدة بالزواج، وواحدة بالعدة.
كل آية قيل بنسخها وجد إمام آخر قال إنها ليست منسوخة ولا إجماع على النسخ
[المذيع]: واحدة يا مولانا، بارك الله فيكم. يعني للوهلة الأولى من الممكن أن يتوهم المرء أنه قد يكون فيها نسخ، لكن لا يحدث شيء.
[الشيخ]: ما هم، ما أنت لو رجعت إلى علمائنا الكبار الذين قاموا بواجب وقتهم كالقرطبي والرازي وابن عطية، ستجد هذا الكلام: أنها منسوخة بهذه أو قيل إنها منسوخة بهذه.
لكن الذي يطمئن قلوبنا نحن - وكوننا تلاميذ هؤلاء الناس ونجلهم إجلالًا كبيرًا - أنه ما من آية، ما من آية من المائة اثنتان وثلاثون آية قيل إنها منسوخة، إلا وقال إمام آخر إنها ليست منسوخة. سبحان الله!
ذكر العلماء الذين قالوا بعدم النسخ وكتاب عبد المتعال الجبري في تتبع الآيات
نعم، ما من آية. فأنا عندما يغضب الناس ويقولون لك: لا، لا تقل لي إنها غير منسوخة، مع أن مسألة عدم النسخ هذه ستخالف فيها السابقين وما شابه، بالرغم من أنه لا يوجد إجماع.
ولا أقول لهم: حسنًا، حاضر، موافق، ولن أحضره لكم. ماذا أيضًا؟ لا، سأوضح لكم أنها ليست منسوخة، وسأذكر لكم من قال بهذا: النحاس قال إنها ليست منسوخة، ابن سلام قال إنها ليست منسوخة، السيوطي قال إنها ليست منسوخة، الرازي يقول إنها ليست منسوخة، القرطبي يقول إنها ليست منسوخة، ابن عطية يقول ليست منسوخة، مجاهد يقول لا هذه ليست منسوخة.
ما رأيك عندما نفعل هكذا؟ من الذي فعل ذلك؟ وجمعهم الأستاذ عبد المتعال الجابري رحمه الله، ألَّف كتابًا في النسخ في القرآن.
منهج الجبري في تتبع الآيات المنسوخة وإثبات عدم النسخ لكل آية بأقوال العلماء
نعم، مؤلف واحد، مؤلف واحد، وذهب ممسكًا بالسور: هذه سورة البقرة، هذه سورة كذا، هذه سورة كذا، إلى أن انتهى من تتبع المائة واثنتين وثلاثين أو أكثر، ربما مائة واثنتين وثلاثين آية.
هذه الآية في الأصل مذكورة في آية السيف وحدها، لكن على كل حال تتبع الآيات كلها وأحضر من الذي قال إنها غير منسوخة، حتى يكون هذا مستندًا له.
إذا كنتم غاضبين تمامًا من إنكار وقوع النسخ في القرآن؛ لأنكم بهذا الشكل ستشعرون أنه كأنكم خالفتم العلماء السابقين، حسنًا، تبنوا عدم نسخ الآيات وليس عدم وجود النسخ. فأصبح عدم نسخ الآيات، وفي النهاية ما الذي سيظهر لكم؟ أنه لا نسخ في القرآن.
خاتمة الحلقة والإعلان عن استعراض إجابات المشاهدين حول الناسخ والمنسوخ
[المذيع]: بارك الله فيكم مولانا، بارك الله فيكم. حسنًا، إن شاء الله سنستكمل معكم بعد الفاصل، وسنستعرض إجاباتكم على سؤالنا، على سؤال الحلقة حول الناسخ والمنسوخ.
هل ترى بأنه قد يكون هناك بالفعل أحكام تتعلق بالناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم؟
وإن شاء الله سنفتح بإذن الله الإجابات، وسنستعرض بعض الإجابات مع فضيلة الدكتور. هل تؤيد عدم القول بنسخ آيات في القرآن الكريم؟ ولماذا؟ بعد الفاصل إن شاء الله، ابقوا معنا.
