متى بدأ تدوين السنة النبوية وما حقيقة نهي النبي عن كتابة الحديث وكيف وُثِّقت السنة عبر القرون؟
بدأ تدوين السنة النبوية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، إذ أمر بالكتابة لأبي شاه وأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص بكتابة كل ما يسمعه. أما حديث «لا تكتبوا عني» فكان نهيًا عن كتابة مخصوصة يختلط فيها الحديث بالقرآن في صحيفة واحدة، لا نهيًا عن مطلق الكتابة. وقد توارث الصحابة والتابعون التدوين والتوثيق حتى بلغت كتب السنة المدوَّنة مئتين وخمسين كتابًا.
- •
هل نهى النبي فعلًا عن كتابة السنة، أم أن النهي كان مقيدًا بحالة واحدة فقط؟
- •
بدأ تدوين السنة في عهد النبي نفسه، إذ أمر بالكتابة لأبي شاه وأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص بتدوين كل ما يسمعه مؤكدًا أنه لا يقول إلا الحق.
- •
النهي عن الكتابة كان محدودًا بحالة خلط الحديث بالقرآن في صحيفة واحدة، لا نهيًا عن مطلق التدوين.
- •
وثّق الصحابة السنة بالحفظ والكتابة والرواية والمقارنة والشهادة، وتواصل التدوين عبر التابعين حتى بلغت كتب السنة مئتين وخمسين كتابًا.
- •
كلمة «الذكر» في قوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ تشمل القرآن والسنة معًا، فكل أدلة المشككين تنقلب عليهم.
- •
منهج فهم السنة يقوم على ثلاثة عناصر متكاملة: العقل والنقل والذوق، وقد صاغ الإمام الشافعي أصول الفهم من أقوال الصحابة الكرام.
- 0:26
مقدمة الحلقة التي تعلن موضوعها الرئيسي: تدوين السنة النبوية والتساؤلات المثارة حولها بحسن نية أو بسوء نية.
- 1:13
تدوين السنة بدأ في عهد النبي ذاته، وقصة أبي شاه دليل صريح على أمر النبي بكتابة الحديث منذ البداية.
- 2:14
عبد الله بن عمرو وأبو هريرة من أوائل مدوني السنة، وأهل الصفة كانوا متفرغين للعلم برعاية النبي مباشرة.
- 3:17
النبي جعل التفرغ للعلم أعلى من التفرغ للعبادة، وهو ما يؤكد مكانة العلم وضرورة التفرغ له.
- 4:21
أبو هريرة اعتمد على الحفظ ودعاء النبي، وعبد الله بن عمرو اعتمد على الكتابة، وكلاهما بإذن النبي وتوجيهه.
- 5:09
أهل قريش اعترضوا على كتابة عبد الله بن عمرو لكل ما يقوله النبي في الرضا والغضب، فعرض الأمر على النبي.
- 5:57
النبي أمر عبد الله بن عمرو بالكتابة مؤكدًا أنه لا يقول إلا الحق، وصحيفته وصلت إلينا عبر صحيح البخاري.
- 6:50
الرواية المتواترة هي منهج نقل الحديث لا الخط الأصلي، وسبعون ألف راوٍ رووا البخاري عن الفربري وحده.
- 7:51
علم توثيق السنة علم فريد اختص الله به أمة محمد، وسبعون ألف راوٍ رووا البخاري عن الفربري وحده.
- 8:55
الإمام البخاري رحلة العلماء وأمير المؤمنين في الحديث، والمشككون في مكانته خارجون عن نطاق العلم.
- 9:57
تواصل تدوين السنة عبر التابعين، وأبرزهم ابن شهاب الزهري والإمام مالك الذي روى عنه الموطأ أربعون عالمًا.
- 11:01
الإمام مالك أمضى أربعين سنة في تنقيح الموطأ، والتقى به الإمام الشافعي وهو في الخامسة عشرة من عمره.
- 12:09
الإمام مالك كان يُحدِّث بتوقير وإجلال، والشافعي الشاب جلس دون كتابة مما أثار استغراب مالك.
- 13:07
الشافعي حفظ خمسة عشر حديثًا بأسانيدها دون كتابة، فأخذه مالك إلى بيته فورًا معترفًا بعبقريته.
- 14:34
صفاء بيئة السلف من التلوث المادي والروحي أفضى إلى قوة ذاكرتهم وصفاء عقولهم وقرائحهم.
- 15:45
حديث «لا تكتبوا عني» لا يعني النهي المطلق، والتجزئة في القراءة هي سبب سوء الفهم عند المشككين.
- 16:39
عدد كبير من الصحابة كتبوا الحديث وأنشأوا صحفًا متخصصة، وتواصل التدوين في جيل التابعين مباشرة.
- 17:43
النهي كان عن كتابة الحديث بطريقة تشبه كتابة القرآن لئلا يختلط به، لا عن مطلق الكتابة.
- 19:08
السند الجملي يجعل الكذب على السنة مستحيلًا، والتابعون كانوا قريبي العهد من النبي ويعيشون في جوه.
- 20:17
النهي كان محدودًا بحالة خلط الحديث بالقرآن في صحيفة واحدة، والمطلوب التمييز بالنوع والطريقة والخط.
- 21:25
التعميم في الفكر يُخرج العقل عن الاستقامة، والنبي أوصى بالكتابة وأجازها وأمر بها في مواضع متعددة.
- 22:27
جمع الصحابة بين الحفظ والكتابة والمقارنة، وانتقل التدوين مكتوبًا إلى التابعين، والحسن البصري أكد أهمية الكتابة.
- 23:26
مقولة «العلم صيد والكتابة قيده» للحسن البصري صِيغت شعرًا تؤكد أن الكتابة هي الضمان الحقيقي لحفظ العلم.
- 24:13
الحسن البصري تابعي كبير تربى في أحضان الصحابة، وسعيد بن جبير وليّ صالح قتله الحجاج فمات بعده بثلاثة أيام.
- 25:09
سعيد بن جبير كتب علم ابن عباس على صحيفته ونعله وكفه، مما يدل على الحرص الشديد على تدوين العلم.
- 26:02
المطالبة بإثبات مادي مستحيل لتدوين السنة جدل مقيت لا علم، والأمر ثابت بروايات كثيرة متواترة.
- 26:56
التدوين والتوثيق والفهم مستويات مختلفة تمامًا، وعلم التوثيق تحوّل إلى صياغة علمية دقيقة قابلة للتكرار.
- 27:58
الإمام الشافعي صاغ أصول الفهم علميًا، وأثبت الخطيب البغدادي أن كل كلمة فيها مأخوذة من الصحابة بالإسناد.
- 28:59
الخطيب البغدادي أثبت بالإسناد أن كل كلمة في رسالة الشافعي مأخوذة من الصحابة، مما يؤكد أصالة أصول الفقه.
- 29:47
صلاح العلماء وتعلقهم بالله سبب توفيقهم، ومحاولات التشكيك في السنة تفشل أمام حضارة منقولة بقوة وعلم.
- 30:49
محاولات هدم السنة مستمرة منذ مئتي سنة لكنها تفشل أمام حضارة إسلامية منقولة بقوة وعلم وعمق.
- 31:36
تدوين السنة مرّ بأربع مراحل متتالية، وبلغت كتبها مئتين وخمسين كتابًا وصل منها إلينا نحو مئتين مطبوعة.
- 32:23
تحقيق كتب السنة يعتمد على مقارنة المخطوطات قبل القرن السادس، ووُجد من مسند أحمد إحدى وعشرون نسخة.
- 33:33
المقارنة بين النسخ كشفت أن الصواب «أحياني» لا «أحبني»، مما يدل على الدقة المتناهية في تحقيق السنة.
- 34:57
الكذب على النبي يشكك في مصادر الشريعة، وحديث التحذير منه كان الدافع الأساسي لحفظ السنة عند الصحابة.
- 36:12
وثّق الصحابة الحديث بالحلف والشهادة، وكان عمر يشترط شاهدًا على كل رواية ولا يقبل الراوي الواحد.
- 37:22
عائشة صحّحت رواية ابن عمر مستدلة بالقرآن، والفرق بين «ببكاء أهله» و«وأهله يبكون» فرق جوهري في المعنى.
- 38:31
دقة الصحابة في ضبط الألفاظ وتصحيح بعضهم لبعض كانت منهجًا راسخًا منذ البداية لحفظ السنة من الخطأ.
- 39:27
الله ألهم الصحابة وسائل توثيق السنة، والمشككون يحتجون بآية الحفظ زاعمين أنها للقرآن فقط لا للسنة.
- 40:05
كلمة «الذكر» في آية الحفظ تشمل القرآن والسنة معًا، وكل أدلة المشككين تنقلب عليهم وتثبت حفظ السنة.
- 41:10
آيات قرآنية متعددة تؤكد وجوب اتباع السنة وحجيتها، من بينها آيات الطاعة والاقتداء والوحي.
- 41:47
آية ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس﴾ تثبت أن السنة هي الذكر المنزل، وأدلة المشككين تنقلب عليهم.
- 42:24
الصلاة على النبي ذكر لله لأنها تبدأ بلفظ الجلالة، والحساسية ضد النبي أعمت بعضهم عن هذه الحقيقة.
- 43:29
الكذب على النبي كبيرة لأنه يشوش مصادر الإسلام، والواقع بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا دليل على حفظ الله للسنة.
- 44:29
الكذب على النبي يشوش المصادر ويختل الشريعة ويفقد الناس ثقتهم بالسنة، ولذلك حفظ الله السنة كما وعد.
- 45:35
العلماء وضعوا ثلاثة مستويات من الأصول: لقبول الحديث، ولفهمه، ولتطبيقه في واقع الناس.
- 46:42
منهج فهم السنة يقوم على العقل والنقل والذوق، وكتاب الله المنظور هو الكون والمسطور هو القرآن.
- 47:45
العقل يقرأ الكون بالتأمل والعلم، ويقرأ القرآن بالتوثيق والفهم والقياس، وشرط الاستفادة التقوى.
- 48:56
العقل للفهم والتطبيق، والنقل للتوثيق والاستنباط، والذوق مقيد بالكتاب والسنة كما قال الجنيد.
- 49:59
التخلية والتحلية والتجلي مراحل الذوق الروحي التي تتكامل مع العقل والنقل لتحقيق الوعي الكامل في دين الله.
ما الموضوع الذي تتناوله هذه الحلقة وما أهمية الحديث عن تدوين السنة؟
تتناول الحلقة موضوع تدوين السنة النبوية والتساؤلات المثارة حوله، سواء بحسن نية أو بسوء نية. وتنطلق من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي». والهدف هو طرح هذه التساؤلات والإجابة عنها بمنهج علمي رصين.
متى بدأ تدوين السنة النبوية وما قصة أبي شاه مع النبي؟
بدأ تدوين السنة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة. فقد جاءه رجل يُدعى أبو شاه وطلب أن يكتب ما سمعه لكي يحدث به قومه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: «اكتبوا لأبي شاه». فكان الصحابة يكتبون له حتى يأخذ النسخة ويعود بها إلى قومه دون أن ينسى شيئًا.
من هم أوائل الصحابة الذين دوّنوا السنة النبوية وما دور أهل الصفة في حفظها؟
من أوائل من كتب السنة عبد الله بن عمرو بن العاص الذي دوّن صحيفة عن رسول الله. أما أبو هريرة فكان من أهل الصفة الذين خصّهم النبي بجانب من المسجد وأنفق عليهم متفرغين للعلم، وهو ما يشبه في أدبيات العصر المنحة الدراسية. وكان أبو هريرة يعتمد على صفاء ذهنه وحفظه ودعاء النبي له بالحفظ.
كيف أجاز النبي التفرغ للعلم ولم يُجِز التفرغ للعبادة وما دلالة ذلك؟
أجاز النبي صلى الله عليه وسلم التفرغ للعلم ولم يُجِز التفرغ للعبادة. فعندما أُخبر بشخص لا يعمل وأخوه يُنفق عليه قال: «أخوه أعبد منه»، أي جعل العمل الذي يخدم التفرغ للعلم أعلى من التفرغ للعبادة. والتفرغ ركن من أركان طلب العلم في منهج النبي صلى الله عليه وسلم.
ماذا قال أبو هريرة عن عبد الله بن عمرو في كثرة الحديث وكيف استعان كل منهما بطريقة مختلفة؟
قال أبو هريرة: «لم يكن أحد أكثر حديثًا مني من صحابة رسول الله إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب». فأبو هريرة اعتمد على صفاء ذهنه ودعاء النبي له بالحفظ، بينما استعان عبد الله بن عمرو بالكتابة امتثالًا لقول النبي له: «استعن بيمينك».
لماذا لام بعض أهل قريش عبد الله بن عمرو على كتابة كل ما يقوله النبي؟
لام بعض أهل قريش عبد الله بن عمرو لأنه كان يكتب كل ما ينطق به النبي، فقالوا له: إن النبي بشر يتكلم في الرضا والغضب، فهل ستكتب في الرضا وفي الغضب؟ وكانوا يرون أن الكتابة ينبغي أن تقتصر على حالة الرضا فقط. وقد عرض عبد الله الأمر على النبي ليستفتيه.
ماذا قال النبي لعبد الله بن عمرو حين استفتاه في كتابة الحديث وما مصير هذه الكتابة؟
أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بالاستمرار في الكتابة قائلًا: «اكتب، فوالله لا يخرج منه إلا ما كان حقًا، في الرضا وفي الغضب». وقد كتب عبد الله كثيرًا ورواه الرواة من بعده، حتى سُميت هذه الصحيفة بصحيفة همام بن المنبه وضمّت مائة وأربعة وثلاثين حديثًا، وكلها موجودة في صحيح البخاري.
كيف يُرد على من يطالب بنسخة البخاري بخط يده وما منهج الرواية في نقل الحديث؟
المطالبة بنسخة البخاري بخط يده جهل بمنهج الرواية، فالعلم لا يُنقل بالخط الأصلي بل بالرواية المتواترة. فقد روى البخاري عنه خمسة من الكبار منهم الفربري، وحضر عن الفربري سبعون ألف إنسان رووا البخاري عنه. وهذا يشبه من يقول إنه وجد التوراة بخط سيدنا موسى، وهو كلام لا معنى له.
ما الذي يميز علم توثيق السنة عن غيره من العلوم وكيف روي البخاري عبر الأجيال؟
علم توثيق السنة علم دقيق وُثِّق بما لم يوثَّق به أحد في العالمين، وهو من العلوم الفريدة التي اختص الله بها أمة محمد. فقد روى البخاري عنه خمسة من الكبار منهم الفربري، وحضر عن الفربري سبعون ألف إنسان. وهذا التوثيق يشمل القرآن الكريم والسنة المشرفة ودفاتر المؤلفين على حد سواء.
ما مكانة الإمام البخاري بين المحدثين ولماذا كان يُسمى رحلة العلماء؟
الإمام البخاري كان أمير المؤمنين في الحديث وسيد المحدثين، وكان يُسمى رُحْلة العلماء بمعنى أن العلماء كانوا يتوجهون إليه كما يتوجه المسلمون إلى الكعبة. وكان الإمام النووي والإمام ابن حجر ممن تربطهم به صلة ويعرفون أسانيده. أما المشككون في مكانته فقد خرجوا عن نطاق العلم.
كيف تواصل تدوين السنة بعد عهد النبي وما دور ابن شهاب الزهري والإمام مالك في ذلك؟
بعد عهد النبي واصل التابعون تدوين السنة، ومنهم ابن شهاب الزهري إمام أهل المدينة. ثم جاء الإمام مالك الذي جمع الموطأ ورواه عنه أربعون عالمًا أعلاهم الإمام الشافعي. وقد وصلتنا نسخة محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة من الموطأ، بينما لم تصلنا نسخة الشافعي، وهذا كله بإرادة الله.
كم سنة أمضى الإمام مالك في تنقيح الموطأ وكيف كان لقاؤه بالإمام الشافعي؟
أمضى الإمام مالك أربعين سنة في تنقيح الموطأ ومراجعته ومقارنته. وقد روى عنه أربعون عالمًا منهم الإمام الشافعي الذي وفد إليه وهو ابن خمسة عشر عامًا. وكان الإمام مالك يتوضأ ويتطهر ويتعطر ويتزين قبل أن يُحدِّث إجلالًا لحديث رسول الله.
كيف كان الإمام مالك يُحدِّث وما الذي لفت انتباهه في الإمام الشافعي الشاب؟
كان الإمام مالك يتوضأ ويتطهر ويتعطر ويجلس على الكرسي ثم يُحدِّث إجلالًا لحديث رسول الله، والطلاب يكتبون عنه. ولفت انتباهه الإمام الشافعي الشاب ابن الخمسة عشر عامًا الذي كان جالسًا منزويًا دون ورقة ولا قلم، مما أثار استغراب الإمام مالك.
كيف أثبت الإمام الشافعي لمالك أنه حفظ أحاديثه دون كتابة وما كان رد مالك؟
بعد انتهاء الدرس تعرّض الإمام الشافعي للإمام مالك ليسأله، فأنكر عليه مالك أنه جلس دون ورقة ولا قلم. فقال الشافعي: حفظت ما قلته، ثم سرد الخمسة عشر حديثًا بأسانيدها كاملة. فأخذه الإمام مالك من يده إلى بيته في الحال، معترفًا بموهبته الاستثنائية.
لماذا كانت ذاكرة علماء السلف قوية جدًا وما الأسباب التي تفسر ذلك؟
تفسير قوة ذاكرة علماء السلف يعود إلى بيئتهم النقية الخالية من التلوث البيئي والسمعي والضوئي، وخلوّها من الكهرباء والمطبعة والضجيج. والأهم من ذلك أنه لم يكن هناك تلوث في النفوس، فكانوا متصلين بما خلق الله يتعاملون مع الكون مباشرة. هذا الصفاء الروحي والبيئي أفضى إلى صفاء العقول وقوة القرائح.
كيف نفهم حديث «لا تكتبوا عني» في ضوء ثبوت تدوين السنة في عهد النبي؟
حديث «لا تكتبوا عني» لا يعني النهي المطلق عن كتابة السنة، لأن السنة دُوِّنت فعلًا في عهد النبي بأمره. والمشكلة أن بعضهم يقرأ هذا الحديث ويترك الأحاديث الأخرى الدالة على الإذن بالكتابة، وهذا ما يُسمى التجزئة في القراءة. والفهم الصحيح يستلزم قراءة جميع المصادر ووضع كل نص بجانب الآخر.
من هم الصحابة الذين كتبوا الحديث وما الصحف التي دُوِّنت في عهدهم؟
كتب الحديث من الصحابة: أُسيد بن حضير الأنصاري، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن أبي أوفى. وكانت هناك صحيفة أبي بكر في الفرائض والميراث، وصحيفة علي في الديات والتعويضات، وصحيفة عبد الله بن عمرو المسماة بالصادقة. وفي الجيل التالي كان الحسن البصري يكتب وقد تربى في بيت أم سلمة.
ما المقصود بحديث «لا تكتبوا عني» وما نوع الكتابة التي نهى عنها النبي تحديدًا؟
النهي في حديث «لا تكتبوا عني» كان عن كتابة بطريقة معينة، وهي الكتابة التي كانت تُشبه طريقة كتابة القرآن. فأراد النبي أن ينبّه ألا يُكتب الحديث بنفس الطريقة التي يُكتب بها القرآن لئلا يختلط به. والكتابة تشمل أمورًا متعددة من حيث المكتوب عليه والطريقة والخط، وكل هذا كان الصحابة على علم به.
كيف يُثبت السند الجملي صحة توثيق السنة ويدحض ادعاءات الكذب والتحريف؟
السند الجملي يعني أن كل الناس تقول الشيء نفسه وتفعله، مما يجعل الكذب أو التحريف مستحيلًا عمليًا. فالتابعون كانوا قريبي العهد من النبي ويعيشون في الجو نفسه، ولم يكذبوا. وقد أخذ أبو بكر بن حزم وابن شهاب الزهري والإمام مالك هذا التراث المكتوب وواصلوا تدوينه وتنقيحه.
ما الحالة المحددة التي نهى فيها النبي عن كتابة الحديث وكيف كان ينبغي التمييز بين الحديث والقرآن؟
النهي النبوي كان محدودًا في حالة واحدة: أن يُكتب الحديث مختلطًا بالقرآن في نفس الصحيفة دون تمييز، كأن يُذكر «إنما الأعمال بالنيات» دون أن يُقال «قال رسول الله». وكان المطلوب أن يكون النوع مختلفًا والطريقة مختلفة والخط مختلفًا، حفاظًا على كتاب الله من الاختلاط.
كيف يُخرج التعميم الفكري العقل عن الاستقامة وما موقف النبي الحقيقي من كتابة السنة؟
التعميم يُخرج الفكر من الاستقامة إلى الاستهانة بالعقول، فمن يأخذ حديث «لا تكتبوا عني» ويُعممه يستهين بعقولنا. أما الحقيقة فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالكتابة وأجازها وأمر بها في مواضع متعددة. فالتعميم هو المشكلة لا النص نفسه.
من هم الصحابة الذين حفظوا السنة وكيف انتقل التدوين إلى جيل التابعين؟
حفظ السنة من الصحابة: أبو هريرة والسيدة عائشة وأم سلمة وجابر بن عبد الله الأنصاري، فضلًا عمن كتب كزيد بن أرقم وعبد الله بن عمرو وغيرهم. وقد قارنوا ما حفظوه وانتقل التدوين إلى التابعين مكتوبًا. وكان الحسن البصري يقول: «ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة».
ما المقولة الشهيرة عن أهمية تدوين العلم وكيف صِيغت شعرًا؟
قال الحسن البصري: «ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة»، فأخذ السلف هذا المعنى وصاغوه شعرًا: «العلم صيد والكتابة قيده، قيّد صيودك بالحبال الواثقة، فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تدعها بين الخلائق طالقة». والمعنى أن العلم المحفوظ في الذهن دون كتابة كالغزالة المطلقة التي قد تضيع.
من هو الحسن البصري وما قصة سعيد بن جبير مع الحجاج؟
الحسن البصري تابعي كبير تربى في أحضان الصحابة وهو سند التصوف ودرجة الإحسان المروية عن سيدنا علي. أما سعيد بن جبير فقد قتله الحجاج، فدعا عليه قائلًا: «اللهم لا تمكّنه في أحد من بعدي»، فمات الحجاج بعده بثلاثة أيام وهو يلوم نفسه على قتله، لأنه تعامل مع واحد من كبار الأولياء الصالحين.
كيف كان سعيد بن جبير يحرص على تدوين علم ابن عباس حتى كتب على نعله وكفه؟
كان سعيد بن جبير يكتب عن ابن عباس في صحيفته حتى تمتلئ، ثم يكتب على ظهر نعله من الجلد ماشيًا حافيًا لئلا ينسى، ثم يكتب على كف يده. وعند عودته إلى البيت كان يُبيِّض هذا الكلام. وكان ابن عباس بحرًا وحبر الأمة، فكان سعيد يستغل كل فراغ متاح للكتابة.
كيف يُرد على من يطالب بإثبات مادي مستحيل لتدوين السنة؟
المطالبة بإثبات مادي مستحيل كرؤية يد سعيد بن جبير أو الصحف الأصلية هو ضرب من الجدل المقيت لا من العلم المؤكد. فالأمر واضح كوضوح النهار، وتوضيح الواضحات من المشكلات. والدليل على تدوين السنة روايات كثيرة متواترة لا تحتاج إلى إثبات مادي مستحيل.
ما الفرق بين التدوين والتوثيق والفهم في علوم السنة وكيف تطورت هذه العلوم؟
التدوين والتوثيق والفهم ثلاثة مستويات مختلفة كما بين السماء والأرض. فالتدوين هو الكتابة، والتوثيق هو التحقق من صحة المروي بمنهج علمي دقيق قابل للتكرار، والفهم هو استنباط الأحكام. وقد أنشأ الله في قلوب المسلمين علمًا للتوثيق تحوّل من مجرد فكرة إلى صياغة علمية دقيقة ضُبطت بها المرويات.
من الذي صاغ أصول الفهم في علم الحديث وما مصدر هذه الأصول؟
الإمام الشافعي المتوفى سنة مائتين وأربعة هو الذي أبرز أصول الفهم وصاغها في صيغة علمية. وقد أثبت الخطيب البغدادي لاحقًا أن كل ما في رسالة الشافعي مأخوذ من الصحابة الكرام بالإسناد. فالشافعي كان كالنحلة التي تأخذ الرحيق وتحوله عسلًا، إذ لخّص أقوال الصحابة وصاغها في منهج علمي متكامل.
ما الذي أثبته الخطيب البغدادي عن رسالة الإمام الشافعي وما أهمية ذلك؟
أثبت الخطيب البغدادي في أواسط القرن الخامس الهجري أن كل شيء في رسالة الشافعي التي هي أصول الفقه وأصول الفهم مأخوذ من الصحابة الكرام بالإسناد. فكل كلمة فيها قالها ابن مسعود أو ابن عباس أو ابن الزبير أو ابن عمر أو غيرهم. وهذا يؤكد أن الشافعي لم يبتكر من عنده بل لخّص ما عند الصحابة.
لماذا وفّق الله علماء السنة في عملهم وما سبب فشل محاولات التشكيك في السنة؟
وفّق الله علماء السنة لأنهم كانوا عبادًا صالحين تعلقت قلوبهم بالله، يقومون الليل ويصومون النهار. أما محاولات التشكيك في السنة فتفشل لأنها تواجه حضارة منقولة بقوة وعلم وعمق. والتشكيك يهدف إلى إيقاع الناس في فوضى عارمة، لكنه فشل عشرين مرة من قبل.
منذ متى تحاول بعض الجهات هدم السنة النبوية ولماذا تفشل هذه المحاولات؟
تحاول بعض الجهات منذ مئتي سنة بذر الشك والحيرة في السنة النبوية، لكنها تواجه حضارة منقولة بقوة وعلم وعمق. ولذلك يتعجبون لماذا لا تنهار هذه الحضارة رغم محاولاتهم المتكررة. والسبب أن المشكلة في القلوب لا في العلم، وأن الإسلام يقوم على أسس راسخة لا تهتز.
ما مراحل تدوين السنة النبوية وكم بلغ عدد كتب السنة المدوَّنة التي وصلت إلينا؟
مرّ تدوين السنة بمراحل متتالية: عهد النبي، ثم عهد الصحابة، ثم عهد التابعين، ثم عهد من جمع الأجزاء وأنشأ الكتب. وقد وصل إلينا من أسماء الكتب المدوَّنة مئتان وخمسون كتابًا، وصل منها إلينا حوالي مئتين مطبوعة. وقد طُبعت معظمها في الفترة من الثمانينات حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.
ما منهج تحقيق كتب السنة بالمقارنة بين المخطوطات وما مثال على ذلك من مسند أحمد؟
منهج تحقيق كتب السنة يقوم على المقارنة بين المخطوطات التي تعود إلى ما قبل القرن السادس الهجري، لأن علماء تلك الحقبة كانوا مهتمين جدًا بالتحقيق والتوثيق. وقد وُجد من مسند الإمام أحمد إحدى وعشرون نسخة من القرن السادس الهجري عُمل عليها بطريقة المقارنة لضبط النص وتصحيحه.
ما مثال على دقة تحقيق كتب السنة وما الفرق بين «أحبني» و«أحياني» في الحديث النبوي؟
عند مقارنة نسخ مسند أحمد وُجد حديث «من أحيا سنتي فقد أحبني» في المطبوعات، لكن المقارنة أثبتت أن الصواب «أحياني» لا «أحبني». والفرق عظيم: «أحياني» تعني كأنك أعدت رسول الله إلى الحياة الدنيا، وهو أمر عظيم جدًا. وهذا يدل على الدقة المتناهية في تحقيق السنة حتى لا يُكذب على رسول الله.
ما معنى الكذب على رسول الله وكيف حرّك حديث التحذير منه الصحابة لحفظ السنة؟
الكذب على رسول الله يعني من بين ما يعنيه التشكيك الدائم في مصادر الشريعة، لأن تراكم الكذب يجعل الناس يتساءلون عما هو صحيح وما هو كاذب. وقد حرّك حديث «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» الصحابة ومن بعدهم لحفظ السنة النبوية المشرفة، وكان أحد الدوافع الأساسية لهذا الحفظ.
ما الوسائل التي اتبعها الصحابة لتوثيق الحديث وما دور عمر بن الخطاب في ذلك؟
وثّق الصحابة الحديث بعدة وسائل: الحلف بالله عند رواية الحديث، والإتيان بشاهد معه. وكان عمر بن الخطاب يشترط الشاهد على كل من يروي حديثًا، فيقول: ائتني بشاهد معك. ولم يكن يقبل الراوي الواحد بل كان يشترط الاثنين، مما جعل الإكثار من الحديث دون تثبت أمرًا غير مقبول.
كيف صحّحت السيدة عائشة حديث ابن عمر عن عذاب القبر وما الفرق بين الروايتين؟
كان عبد الله بن عمر يروي أن النبي قال: «هذا قبر رجل يُعذَّب ببكاء أهله عليه»، فردّت عائشة مستدلة بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وقالت إن السمع يُخطئ. والصواب: «يُعذَّب في قبره وأهله يبكون عليه»، أي أنه يُعذَّب بعمله وأهله يبكون في نفس الوقت، لا أن بكاءهم هو سبب عذابه.
ما الذي يدل على دقة الصحابة في ضبط ألفاظ الحديث وكيف كان عمر يتعامل مع الروايات؟
دقة الصحابة في ضبط الألفاظ ظاهرة في تصحيح عائشة لرواية ابن عمر، إذ الفرق بين «ببكاء أهله» و«وأهله يبكون» فرق جوهري في المعنى. وكان عمر بن الخطاب يقول: «أنترك كتاب ربنا لأعرابي يبول على عقبيه؟» ولم يأخذ الحديث إلا بشاهد. وهذا الضبط كان موجودًا منذ البداية في منهج الصحابة.
كيف ألهم الله الصحابة وسائل توثيق السنة وما الشبهة التي يثيرها المشككون من آية الحفظ؟
ألهم الله الصحابة كيفية توثيق السنة بوسائل متعددة: حفظًا وكتابةً وروايةً ومقارنةً وشرحًا وقبولًا وردًا. أما المشككون فيحتجون بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ زاعمين أن الحفظ للذكر فقط والحديث ليس من الذكر، ويقولون إن النبي صاحب الوحيين.
كيف يدل قوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ على حفظ السنة لا القرآن فقط؟
هذه الآية معجزة من معجزات القرآن، لأن الله قال «الذكر» ولم يقل «القرآن»، والذكر يشمل القرآن والسنة معًا. ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم﴾، فالذكر المنزل على النبي هو السنة، والمنزل للناس هو القرآن. فكل ما يأتي به المشككون دليلًا ينقلب عليهم ويصبح دليلًا على حفظ السنة.
ما الآيات القرآنية التي تدل على وجوب اتباع السنة النبوية وحجيتها؟
دلّت آيات كثيرة على وجوب اتباع السنة، منها: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، و﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، و﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، و﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. وهذه الآيات تجعل اتباع السنة فريضة قرآنية لا خيارًا.
كيف تثبت آية ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس﴾ أن السنة هي الذكر المنزل على النبي؟
الآية تقول: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم﴾، فالذكر المنزل على النبي هو السنة، وما نزّل للناس هو القرآن. وهكذا فالذكر المحفوظ في آية ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ يشمل القرآن والسنة معًا. وكل ما يأتي به المشككون من تجزئة الأدلة يصبح دليلًا عليهم لا لهم.
كيف يدل قوله تعالى ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ على أن الصلاة على النبي ذكر لله؟
من يصلي على النبي عند النسيان يقول «اللهم»، وهذا ذكر لله. فقوله تعالى ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ يشمل الصلاة على النبي لأنها تبدأ بلفظ الجلالة. وهذا يكشف أن الحساسية ضد النبي عند بعضهم وصلت إلى حد أنهم أغلقوا على أنفسهم الباب ولم يشعروا أن الصلاة على النبي هي من الله وذكر لله.
لماذا يُعدّ الكذب على رسول الله من أعظم الكبائر وما أثره على مصادر الإسلام؟
الكذب على رسول الله كبيرة من أعظم الكبائر لأنه يشوش مصادر الإسلام. وقد أمر النبي بالتبليغ وحفظ السنة بقوله: «نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها». والدليل على حفظ الله للسنة هو الواقع نفسه: بعد ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين سنة لا يزال لدينا هذا الكم الهائل من السنة المحفوظة.
كيف يؤدي الكذب على رسول الله إلى اختلال الشريعة وفقدان الثقة بالسنة؟
الكذب على رسول الله يؤدي أولًا إلى تشويش المصادر، ثم إلى اختلال الشريعة. فعندما يُروى حديث ضعيف ويُذكر له فضيلة معينة ثم يُنفَّذ فلا يحصل، يفقد الناس ثقتهم في السنة المشرفة. ولذلك حفظ الله آل البيت والسنة والبيت والقرآن ونشر الدين كما وعد.
ما المعايير التي وضعها العلماء لقبول الحديث وكيف تتكامل مع أصول الفقه في فهم السنة وتطبيقها؟
وضع العلماء معايير دقيقة لدرجات الحديث من صحيح وحسن وضعيف، وخمسة شروط لقبول الحديث الضعيف وكيفية تطبيقه. ثم وضعوا أصول الفقه لفهم الحديث ومقارنته حديثًا بحديث أو حديثًا بقرآن أو حديثًا بأصول الشريعة. ثم وضعوا أصولًا ثالثة لكيفية تطبيق الدين في واقع الناس، فمن لا يعرف هذا المنهج يتخبط كحاطب ليل.
ما العناصر الثلاثة التي يقوم عليها منهج فهم السنة وما المقصود بكتاب الله المنظور والمسطور؟
يقوم منهج فهم السنة على ثلاثة عناصر: العقل والنقل والذوق، مأخوذة جميعًا من الكتاب والسنة. وكتاب الله المنظور هو الكون الذي يقرأه العقل بالتأمل والتدبر، وكتاب الله المسطور هو القرآن الكريم. وقد خلق الله الكون والقرآن معًا ليكون العقل مراوحًا بينهما في القراءة والتدبر.
كيف يقرأ العقل كتاب الله المنظور والمسطور وما أدواته في ذلك؟
يقرأ العقل كتاب الله المنظور بالتأمل والتدبر والمجهر وعلم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار والنظم. ويقرأ كتاب الله المسطور بالتوثيق والفهم تحت سقف الإجماع، وبالقياس والاستدلال والاستنباط والاستهداء. وشرط الاستفادة من القرآن التقوى، لأن القرآن ﴿هدى للمتقين﴾ وفي نفس الوقت ﴿وهو عليهم عمى﴾ لمن دخله بغير تقوى.
ما دور كل من العقل والنقل والذوق في فهم الدين وتطبيقه وما قول الجنيد في الذوق؟
العقل يفهم ويطبق ويستنبط ويصل بين المطلق والنسبي ويدرك المآلات والمصالح والمقاصد. والنقل شأنه التوثيق ثم الفهم ثم الاستنباط. أما الذوق فله حدوده وطريقه ومراحله، وقال فيه الجنيد: «طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة»، ويبدأ باليقظة والتوبة وينتهي بالتجلي.
ما المقصود بالتخلية والتحلية والتجلي وكيف تتكامل مع العقل والنقل والذوق في دين الله؟
التخلية هي التخلي من القبيح، والتحلية هي التحلي بالصحيح، وبهما يحدث التجلي في طريق الذوق. وهذه المراحل تمثل الجانب الروحي الذي يتكامل مع العقل في قراءة الكون والقرآن، ومع النقل في التوثيق والفهم. والهدف هو إيجاد حالة الوعي قبل السعي، لأن روح الأمة تسيطر على مستقبلها ومصيرها.
تدوين السنة النبوية بدأ في عهد النبي ذاته، والنهي عن الكتابة كان مقيدًا بخلط الحديث بالقرآن لا نهيًا مطلقًا.
تدوين السنة النبوية لم يتأخر إلى ما بعد وفاة النبي، بل بدأ بأمره المباشر حين قال: «اكتبوا لأبي شاه»، وحين أذن لعبد الله بن عمرو بن العاص بكتابة كل ما يسمعه مؤكدًا: «اكتب، فوالله لا يخرج منه إلا ما كان حقًا». وقد تواصل هذا التدوين عبر الصحابة والتابعين حتى بلغت كتب السنة المدوَّنة مئتين وخمسين كتابًا، وصل إلينا منها نحو مئتين مطبوعة.
أما حديث «لا تكتبوا عني» فكان نهيًا عن كتابة مخصوصة يختلط فيها الحديث بالقرآن في صحيفة واحدة دون تمييز، لا نهيًا عن مطلق التدوين. وقد وثّق الصحابة السنة بالحفظ والكتابة والرواية والمقارنة والشهادة، وصاغ الإمام الشافعي أصول الفهم من أقوال الصحابة، فيما أثبت الخطيب البغدادي بالإسناد أن كل كلمة في رسالة الشافعي مأخوذة من الصحابة الكرام. وكلمة «الذكر» في قوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ تشمل القرآن والسنة معًا، فيصبح حفظ السنة وعدًا إلهيًا.
أبرز ما تستفيد منه
- أمر النبي بالكتابة لأبي شاه وأذن لعبد الله بن عمرو بتدوين كل ما يسمعه.
- النهي عن الكتابة كان محدودًا بحالة خلط الحديث بالقرآن في صحيفة واحدة.
- كلمة الذكر في آية الحفظ تشمل القرآن والسنة معًا وفق دلالة الآيات.
- بلغت كتب السنة المدوَّنة مئتين وخمسين كتابًا وُثِّقت بمنهج علمي لا مثيل له.
- الكذب على رسول الله كبيرة لأنه يشوش مصادر الإسلام ويفقد الناس ثقتهم بالسنة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن تدوين السنة
[المذيع]: بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي قال:
«إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي، أو كتاب الله وعترتي»، أو كما قال.
صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا عليه وسلموا تسليمًا. أهلًا بكم في "والله أعلم" لنسعد بصحبة صاحب الفضيلة مولانا الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ليواصل هذه المسيرة المضيئة في هذه الحياة، لنتعرف من خلالها على منهجه الإصلاحي والتجديدي.
اليوم نتحدث عن تدوين السنة وتلك الأسئلة المثارة، ربما أحيانًا بحسن نية وأحيان كثيرة بسوء نية. دعونا نطرح على فضيلته كل هذه التساؤلات. مولانا الإمام، أهلًا بفضيلتك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: مرحبًا مولانا.
سؤال المذيع عن بداية تدوين السنة النبوية وقصة أبي شاه
[المذيع]: يبدو التساؤل دائمًا حول نهي سيدنا صلى الله عليه وسلم عن كتابة أحاديثه، أو كتابة ما قاله، حقيقة الكذب على سيدنا، ولكن نأتي بالسؤال المبدئي دائمًا: متى تم تدوين السنة؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بدأ تدوين السنة من عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ جاءه رجل وكان اسمه أبو شاه فقال:
«يا رسول الله، أسمع منك الكلام وأعود إلى قومي، فأريد أن أحدثهم بما سمعت»، فقال: «اكتبوا لأبي شاه».
فكان الكاتبون من الصحابة يكتبون لأبي شاه حتى يأخذ منهم النسخة ويعود بها إلى قومه يحدثهم بما سمع، فلا ينسى منه شيء.
عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة من أوائل مدوني السنة
[الشيخ]: التدوين بدأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أوائل من كتب عنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فعبد الله كتب صحيفة عن رسول الله.
وكان أبو هريرة مع كثرة روايته عن سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]؛ لأنه كان متفرغًا للتلقي وللحفظ وللأداء، كان من أهل الصُّفة. وأهل الصُّفة جماعة اختصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجانب من المسجد، وكانوا فيما نسميه في أدبيات العصر -حتى يصل الأمر إلى الناس- منحة دراسية، يعني كانوا في منحة، كان رسول الله يُنفق عليهم متفرغين للعلم.
إجازة النبي للتفرغ للعلم وعدم إجازته للتفرغ للعبادة
[الشيخ]: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجاز التفرغ للعلم ولم يُجِز التفرغ للعبادة. فجاءه أحدهم وقال:
«يا رسول الله، إن أخي يأتيك وأنا أُنفق عليه»، فقال: «لعل الله يرزقك بأخيك».
يعني التفرغ جزء لا يتجزأ من ركنية طلب العلم، ركن من أركان طلب العلم؛ حيث إنه عندما وجد شخصًا لا يعمل فقال: من يقوم بشأن هذا؟ قالوا: أخوه. قال: أخوه أعبد منه. فجعل العمل أعلى من التفرغ للعبادة، وجعل العمل خادمًا للتفرغ للعلم، في غير ما أحاديث. هناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى ومواقف كثيرة جليلة لسيدنا صلى الله عليه وسلم.
شهادة أبي هريرة بأن عبد الله بن عمرو كان يكتب الحديث ودعاء النبي له بالحفظ
[الشيخ]: أبو هريرة الذي كان متفرغًا لطلب العلم وكان من أهل الصفة كان يقول:
«لم يكن أحد أكثر حديثًا مني من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب».
أبو هريرة اعتمد على صفاء ذهنه وعلى حِفْظِهِ وَعَلَى دَعْوَةِ رَسُولِ اللهِ لَهُ بِالْحِفْظِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ دَعَا لَهُ أَنْ يَحْفَظَ فَحَفِظَ. عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ اسْتَعَانَ بِيَمِينِهِ [أي بالكتابة] كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ».
لوم قريش لعبد الله بن عمرو على كتابة كل شيء عن النبي وإقرار النبي له
[الشيخ]: فَلَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ [عبد الله بن عمرو] الْأَوْرَاقُ وَكَثُرَتْ عِنْدَهُ الْكِتَابَةُ، لَامَهُ بَعْضُ أَهْلِ قُرَيْشٍ، قَالُوا لَهُ: أَتَكْتُبُ عَنْ نَبِيِّ اللهِ كل شيء ينطق به وهو بشر؟
[المذيع]: لسيدنا عبد الله بن عمرو.
[الشيخ]: نعم، يقولون هكذا لعبد الله بن عمرو بن العاص عندما وجدوه يكتب ويكتب ويكتب ويكتب، فقالوا له: عجبًا، ألا تترك شيئًا إلا تكتبه! أنه يتكلم في الرضا والغضب، فهل ستكتب في الرضا وتكتب في الغضب؟ أنت ستضيق واسعًا هكذا؛ لأننا نكتب في الرضا فقط، أما في الغضب فلا.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بالكتابة وتأكيده أنه لا يقول إلا الحق
[الشيخ]: فعرض الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أكتب عنك كل شيء، فلاموني وقالوا: بشر يرضى ويغضب. قال:
«يا عبد الله، اكتب».
إنه أمر بالكتابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
«اكتب، فوالله لا يخرج منه إلا ما كان حقًا، في الرضا وفي الغضب».
وكتب عبد الله بن عمرو بن العاص كثيرًا من هذا، ورواه عنه الرواة بعد ذلك، حتى سُميت هذه الصحيفة في صحيفة همام بن المنبه مائة وأربعة وثلاثين حديثًا، وكلها في البخاري بعد ذلك.
الرد على من يطالب بنسخة البخاري بخط يده وبيان منهج الرواية
[الشيخ]: فهم يقولون البخاري من أين أتى؟ أتى من مصادر محفوظة ومنها هذا. فيأتي مثلًا شخص ظريف من ظرفاء المثقفين فيقول: لا توجد نسخة من البخاري مكتوبة بيده! فهذا يذكرني بما كان يحدث قديمًا عندما كنا نذهب إلى المكتبات، فكان هناك شخص يمسك بالقمامة الخاصة بسفارة أمريكا هنا، الله يرحم الجميع.
فمرة جاءني وأنا عند أحد الكتبية، قال لي:
[المذيع]: أحد الكتبية، من هم يا مولانا؟
[الشيخ]: بائعي الكتب. قال لي: أنا وجدت التوراة بخط سيدنا موسى، وجدت التوراة بخط سيدنا موسى عليه السلام! هذا يشبه المثقف الذي يقول لك: أين البخاري بخط البخاري؟
رواية البخاري عن طريق الفربري وسبعين ألف راوٍ وبيان أن التوثيق علم دقيق
[الشيخ]: القرآن ليس موجودًا بخط أصحاب البخاري، وليس موجودًا بخط البخاري، لكن رواه عن البخاري خمسة من الكبار منهم الفربري، حضر عن الفربري سبعون ألف إنسان رووا البخاري عن الفربري.
فالناس لا يتصورون أن هذا علم أيضًا، ويظنون أنه مجرد كلام حكايات المقاهي، إنها تلك...
[المذيع]: حكاية عن حكاية مروية.
[الشيخ]: مثلًا وكذا. لا، هذا علمٌ، علمٌ وُثّق بما لم يوثق به أحدٌ في العالمين.
[المذيع]: وغير مسبوق يا مولانا، سيادة فضيلتك دائمًا تؤكد على ذلك.
[الشيخ]: لم يحدث، وهذا من العلوم الوحيدة الفريدة الشريدة التي اختص الله بها أمة محمد؛ التوثيق سواء كان ذلك في جانب القرآن الكريم، أو سواء كان ذلك في جانب السنة المشرفة، أو سواء كان ذلك في دفاتر المؤلفين من البشر.
الإمام البخاري رُحلة العلماء ومكانته بين المحدثين
[الشيخ]: حتى المؤلفين الذين هم الإمام النووي والإمام ابن حجر الذين تربطنا بهم صلة ويعرفون الأسانيد.
[المذيع]: أمير المؤمنين في الحديث.
[الشيخ]: أمير المؤمنين في الحديث، سيد المحدثين وهكذا، الرُّحَلة -الرُّحَلّة يعني المقصود- يعني الكعبة رحلة المسلمين، يعني المسلمون يتوجهون إليه.
[المذيع]: رُحْلة.
[الشيخ]: فكذلك، الإمام البخاري هذا كان رُحْلة العلماء، رُحْلة العلماء، كان رُحْلة العلماء.
[المذيع]: بتسكين اللام، رُحْلة العلماء.
[الشيخ]: نعم، فهؤلاء الناس في الحقيقة غريبون عجيبون؛ لأنهم خرجوا عن نطاق العلم [أي المشككون]. فسيدنا أبو هريرة كتب، فعبد الله بن عمرو كتب أكثر منه، أو يعني يروي أكثر.
تأكيد النبي أنه لا يقول إلا الحق وتدوين السنة في عصره وعصر التابعين
[الشيخ]: والنبي قال له [لعبد الله بن عمرو]:
«اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا الحق». رواه أبو داود.
فنحن إذن أمام تدوين السنة، وقد كانت في عصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وبعد ذلك دوّن السنة أناس ممن حفظ لنا التاريخ هؤلاء المدونين، منهم ابن شهاب الزهري إمام أهل المدينة، ومنهم الإمام مالك الذي جلس بعدما جمع موطأه، ورواه عنه أربعون عالمًا، أعلاهم الشافعي.
الإمام الشافعي كان يحفظ الموطأ ورواه عن مالك، ولكن نسخة الإمام الشافعي هذه لم تصلنا. ورواه عنه محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة، وقد وصلتنا نسخته. انظر، انظر كيف يكون ذلك حسب إرادة الله سبحانه وتعالى.
الإمام مالك وتنقيحه للموطأ أربعين سنة ولقاؤه بالإمام الشافعي
[الشيخ]: أربعون يروون الموطأ. مالك وُلِد سنة ثمانين وتوفي سنة مائة واثنين وسبعين، أو شيء مثل ذلك. يعني أنه وُلِد سنة تسعين مثلًا. فالإمام سفيان الثوري توفي سنة مائة وأربعة وستين، والإمام مالك بعده مباشرة.
فالإمام مالك هو إمام أهل المدينة، ظل ينقح في الموطأ هذا أربعين سنة وهو عاكف على تعديله، ومراجعته، ومقارنته، وما إلى ذلك.
روى عنه أربعون، منهم الإمام الشافعي. توفي [الإمام مالك] وعمره أربعة وسبعون عامًا، وكان الإمام الشافعي عمره أربعة وعشرون عامًا حينها، لكنه عندما وفد إليه كان ابن خمسة عشر عامًا. رآه الإمام مالك.
[المذيع]: وهو كان الإمام الشافعي كان عمره خمسة عشر سنة عندما ذهب إلى الإمام مالك يا مولانا؟
الإمام الشافعي يلتقي الإمام مالك وهو ابن خمسة عشر عاماً
[الشيخ]: نعم، نعم، الإمام الشافعي ولد سنة مائة وخمسين، فيكون وهو في عمر خمسة عشر عامًا في سنة مائة وخمسة وستين. الإمام مالك سيموت بعد تسع سنوات، فأدركه وجلس معه.
وبعد ذلك حدَّث الإمام مالك، وكان الإمام مالك يهتم كثيرًا. ماذا يفعل؟ يتوضأ ويتطهر ويتعطر ويستعد ويتزين ويجلس على الكرسي ويتمكن منه، ثم يُحدِّث إجلالًا لحديث رسول الله.
إنهم ليسوا أناسًا محتالين، وليسوا أناسًا هكذا، بل كانوا أناسًا معهم المحابر والأوراق وغيرها، والإمام مالك يتكلم وهم يكتبون عنه، ويكتبون. وذلك الشاب [الإمام الشافعي] جالس منزويًا هكذا، ابن خمسة عشر سنة، يبدو عليه أنه شاب صغير جدًا وهادئ.
[المذيع]: الإمام الشافعي؟ نعم.
الإمام الشافعي يحفظ أحاديث الإمام مالك دون كتابة فيأخذه مالك إلى بيته
[الشيخ]: بعد ذلك قام [الإمام الشافعي] بالتعرض للإمام مالك بعدما انتهى من الدرس، وأخذ يتعرض له في الطريق هكذا لكي يسأله سؤالًا. فالإمام مالك كأنه أنكر عليه قليلًا قائلًا: أنت جالس بلا ورقة ولا كراسة ولا معك قلم ولا معك شيء وأنت تجلس، وستسألني، ستسأل في أي شيء؟ هم لا يحبون هذه الطريقة.
فالإمام الشافعي قال له، فيقول له: طيب، أنت لم تكتب، في أي شيء ستسأل؟ فالإمام الشافعي قال له: حفظت ما قلته! قال له: كيف حفظت ما قلت؟ أنا رويت حوالي خمسة عشر أو عشرين حديثًا بأسانيدها.
قال: الحديث الأول رويته عن نافع عن ابن عمر، والحديث الثاني رويته عن فلان عن فلان، والحديث الثالث، وهكذا سرد الخمسة عشر حديثًا.
فالإمام مالك -انظر إلى التعليم والتربية وانظر إلى الجمال- قال له: لا، تعال، وأخذه من يده إلى بيته في الحال.
[المذيع]: أنت لا تُترك، لا أنت لا تُترك، تعال.
صفاء عقول السلف وقوة ذاكرتهم بسبب بيئتهم النقية وصلتهم بالكون
[الشيخ]: نعم، كفاءات. إخواننا المثقفين الحقيقة لم يروا هكذا، لم يروا أحدًا بهذا الشكل ولا بهذه الذاكرة ولا هكذا. لكنني أذكّرهم بشيء كان مهمًا جدًا وهو أنه لم تكن هناك كهرباء حينئذ، وأنه لم تكن هناك مطبعة، وأنه حينئذ لم يكن هناك ضجيج ولا تلوث في البيئة ولا تلوث سمعي ولا ضوئي ولا تلوث في الجو، لم يكن هناك تلوث.
[المذيع]: ولا مغريات الحياة.
[الشيخ]: ولكن أيضًا لم يكن هناك تلوث في النفوس.
[المذيع]: وهذا هو الأهم، وهذا هو الأهم.
[الشيخ]: فهؤلاء الناس كانوا متصلين بما خلق الله، كانوا يركبون الحصان، وهذا الحصان وهذا الجمل، يحتاج كل منهما أن يأكل ويريد أن يشرب ويريد أن يرتاح ويريد، فكانوا يتعاملون مع الكون. ولذلك صفت عقولهم وقرائحهم، ولذلك أصبحت عندنا هذه الذاكرة القوية في أفراد منهم أيضًا.
سؤال عن فهم حديث النهي عن الكتابة وبيان أن السنة دُوِّنت فعلاً
[المذيع]: إذا كان سيدنا صلى الله عليه وسلم لم يمنع سيدنا عبد الله بن عمرو من التدوين، فماذا نفهم أو كيف نفهم الحديث الذي قال فيه سيدنا صلى الله عليه وسلم: لا تكتبوا عني؟ فاصل، ونعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم، مولانا الإمام، كما تفضلت فضيلتك قبل الفاصل، من أن سيدنا صلى الله عليه وسلم لم يمنع سيدنا عبد الله بن عمرو من كتابة ما قاله، ولكن كيف نفهم ما قاله؟ سيدنا أيضًا:
«لا تكتبوا عني».
وهذا يحتج به البعض على أن السنة لم تُدَوَّن، بل دُوِّنَت، ولكنهم يقرؤون كما ذكرنا، إنه من ضمن البلايا التجزئة، أنهم يقرؤون شيئًا ويتركون شيئًا.
أسماء الصحابة الذين كتبوا الحديث والصحف المدونة في عهدهم
[الشيخ]: كتب الحديث أُسيد بن حضير الأنصاري، كتب الحديث جابر بن سمرة، كتب الحديث زيد بن أرقم، كتب الحديث عبد الله بن أبي أوفى.
وكانت هناك صحيفة تُسمى بـصحيفة أبي بكر في الفرائض والميراث، وكان هناك صحيفة تُسمى بـصحيفة علي في الديات والتعويضات وما إلى ذلك. كان هناك صحيفة كما ذكرنا لعبد الله بن عمرو بن العاص وكانت تُسمى بـالصادقة.
هناك الجيل الآخر مباشرةً بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كان هناك الحسن البصري يكتب، والحسن البصري تربى في بيت أم سلمة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: أمه كانت تخدم أم سلمة عليها السلام، وهو أخذ السند من علي [بن أبي طالب].
معنى حديث لا تكتبوا عني والنهي عن خلط الحديث بالقرآن في الكتابة
[الشيخ]: ويعني الناس يأخذون حديثًا ويتركون أحاديث، ويتركون أحوالًا. ونحن قلنا لهم قبل ذلك: القرآن كالجملة الواحدة، واقرؤوا جميع المصادر لكي تفهموا وتضعوا هذا بجانب هذا.
فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تكتبوا عني؟ كتبوا بنفس الطريقة التي كتبوا بها القرآن.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبههم أن لا يكتبوا عليه بهذه الطريقة. الكتابة فيها أمور:
- المكتوب عليه: ستكتب على أي شيء؟ على ورق البردي؟ أم على لحاف الشجر؟ أم على سعف النخيل؟ أم على رق الغزال؟ أم على الجلود؟ أم على ماذا ستكتب؟ على ورق؟ أم على الكاغد؟ هذا الكاغد كان من صنع فارس، الذي هو الورق حاليًا، أي البيبر بمعنى الورق.
فماذا سنفعل؟ والله إننا في بلاء شديد مع هؤلاء الناس الذين يقرؤون شيئًا وتغيب عنهم أشياء، عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء.
النهي كان عن كتابة مخصوصة يختلط فيها الحديث بالقرآن لا عن مطلق الكتابة
[الشيخ]: انظر كل هذا الكم الذي كانوا يكتبون بهذه الطريقة، وموجود التراث الخاص به مما أخذه بعد ذلك أمثال أبي بكر بن حزم الذي أمره عمر بن عبد العزيز بالتدوين، وأمثال ابن شهاب الزهري، وأمثال الإمام مالك.
هذا الإمام مالك رأى مَن؟ رأى التابعون أبناء الصحابة، أي مباشرة أبناء الصحابة. الحسن البصري هذا من جيل التابعين، من كبار التابعين الحسن البصري؛ لأنه رآهم جميعًا تقريبًا. كانوا قريبي العهد من سيدنا [رسول الله صلى الله عليه وسلم]، نعم، مباشرة هكذا هم يعيشون في الجو نفسه، ولم يكذبوا ولم يفعلوا.
وكيف يكذبون إذا كان هذا أيضًا هناك سند جملي، والسند الجملي هذا معناه أن كل الناس تقول هكذا وكل الناس تفعل هكذا. فهذا يأتي ليتصور الخيال المريض أن أحدًا قد كذب، أو أن أحدًا قد لفّ، أو أن أحدًا قد دار، أو كذا إلى آخره. أبدًا لم يحدث هذا.
النهي النبوي كان محدوداً في حالة خلط الحديث بالقرآن في نفس الصحيفة
[الشيخ]: بل حصل توثيق من السنة المشرفة ومن الحديث النبوي الشريف، موثق توثيقًا تامًا. والنبي صلى الله عليه وسلم عندما نهى عن الكتابة نهى عن كتابة مخصوصة يختلط فيها الحديث بالقرآن، كتابة مخصوصة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ماذا تعني مخصوصة؟ تعني أن يذكر الكلام ويضعه في وسط القرآن، مثل "إنما الأعمال بالنيات" دون أن يقول "قال رسول الله" مثلًا. هذه هي المقصودة، يقول له: لا، لا تفعل هكذا لئلا يختلط بكتاب الله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: النوع الذي عليه كتابة يجب أن يكون مختلفًا، والطريقة يجب أن تكون مختلفة، والخط يجب أن يكون مختلفًا. وكل هذه الأشياء كانوا على علم بها، ولذلك كان النهي محدودًا في حالة معينة، يعني لا تكتب بهذه الطريقة.
[المذيع]: في هذه الحالة المخصوصة، الحالة المخصوصة التي فيها نوع التباس مع كتاب الله، حفظًا لكتاب الله.
خطورة التعميم في الفكر وأثره في إخراج التفكير عن الاستقامة
[المذيع]: من ضمن مصائب الفكر الذي يُخرج التفكير عن كونه مستقيمًا: التعميم. يقول لك: أنا لا أحب القرى. ما هي القرى التي لا تحبها؟ إن هذه القرى فيها من الناس الأولياء والطيبين وغيرهم إلى آخره. أنا لا أحب العمال. لا، لا يصح، هذا التعميم.
[المذيع]: التعميم الذي يؤدي إلى الوقوع في الخطأ دائمًا.
[الشيخ]: نعم، فهذا التعميم يُخرج الفكر من الاستقامة إلى الاستهانة، فيصبح مستهينًا بعقولنا. إنه يستهين بعقولنا الآن؛ لأنه قد أخرجنا من الفكر المستقيم إلى الفكر المستهين.
أما ما الذي يوجد لدي تحت يدي، فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالكتابة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الكتابة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها.
أسماء الصحابة الذين كتبوا وحفظوا السنة ومقارنتهم لما حفظوه
[الشيخ]: إذن فقد أوصى وأجاز وأمر، وأن الصحابة الكرام جُلّ منهم كتب.
[المذيع]: مجموعة منهم كبيرة جدًا.
[الشيخ]: كبيرة، وقد ذكرنا أسماءهم، وإذا أردنا أن نذكر أسماءهم مرة أخرى نقول: زيد بن أرقم وعبد الله بن أبي أوفى وجابر بن سمرة وأسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو بن العاص وهكذا كتبوا.
وهناك من حفظ كـأبي هريرة والسيدة عائشة وأم سلمة وجابر بن عبد الله الأنصاري، مجموعة كبيرة حفظت ثم قارنوا ما حفظوه. وكان كل هذا في السنوات الأولى وفي المدينة المنورة، ثم بعد ذلك انتقل إلى التابعين مكتوبًا أيضًا.
وكان الحسن البصري يقول:
«ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة».
[المذيع]: ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة.
العلم صيد والكتابة قيده وأبيات الشعر في أهمية تدوين العلم
[الشيخ]: أفضل شيء هكذا، وكانوا يفعلون. بعد ذلك أخذوه وجعلوه شعرًا؛ لأنه من السلف الصالح، ما دام الحسن يقول هكذا، يقول لك:
العلم صيد والكتابة قيده، قيِّد صيودك بالحبال الواثقة، فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تدعها بين الخلائق طالقة.
[المذيع]: لن تستطيع إحضارها.
[الشيخ]: أنت أحضرت الغزالة، قيّدها. آه، العلم صيد والكتابة قيده، قيّد صيودك بالحبال الواثقة، وهي الخط الذي هو الورقة التي هي الكراسة. فمن الحماقة أن تصيد غزالة ثم تدعها بين الخلائق طالقة.
الحسن البصري تربى في أحضان الصحابة وسعيد بن جبير وقصته مع الحجاج
[الشيخ]: الحسن البصري هو الذي يقول هكذا. من هو الحسن البصري؟ الحسنُ البصريُّ الذي تَرَبَّى في أحضان الصحابة، والذي رَبَّاهُ الصحابة، التابعي، كان وليًّا من كبار الأولياء، وهو سَنَدُنا في التصوف وفي درجة الإحسان التي نَرويها عن سيدنا علي.
أما سعيد بن جبير، فهو الذي قتله الحجاج، وكان الحجاج بعد أن قتله يقول: ما لي وما لسعيد بن جبير! ومات بعده بثلاثة أيام؛ لأنه دعا عليه وقال:
«اللهم لا تمكّنه في أحدٍ من بعدي».
فالحجّاج وهو جالس على فراش الموت قال: ما لي ومال سعيد؟ أأذهب لأقتل سعيد؟ ما هذه البلية؟ هو نفسه يلوم نفسه؛ لأنه تعامل مع واحد من كبار الأولياء الصالحين.
سعيد بن جبير يكتب عن ابن عباس على صحيفته وعلى نعله وكفه حرصاً على العلم
[الشيخ]: سعيد بن جبير كان سعيد هذا يقول: كنتُ أكتب عن ابن عباس في صحيفتي. ها هو ابن عباس، وها هو سعيد. كنت أكتب في صحيفتي حتى أملأها وتنتهي الأوراق التي معي، أحضرت ورقتين أو شيئًا من هذا القبيل، وابن عباس بحرٌ، وحبر الأمة.
ثم أكتب على ظهر نعلي، فيمشي حافيًا لكي يقلب النعل -النعل من الجلد- ويكتب عليه كي لا ينسى. وعندما يعود إلى البيت يُبيِّض هذا الكلام، ثم يكتب على كف يده هنا هكذا.
[المذيع]: كل ما أتيح له من فراغ يكتب فيه.
[الشيخ]: وبعد ذلك يقول لك: ليس مكتوبًا! حسنًا، من أين سأحضر لك يد سعيد الآن؟
الرد على من يطالب بإثبات مادي مستحيل وبيان وضوح الأمر
[المذيع]: هل يمكن أن يطلب شيئًا مثل هذا ويقول: أنا أريد أن أرى؟
[الشيخ]: نعم، يقول حسنًا أين ما يثبت لنا هذا؟ أنا لم أرَ سعيدًا. عِش حياتك، عِش حياتك. ماذا تعني؟ أي استمتع، عِش حياتك هذه. بدلًا، يعني هي التعبير الراقي المؤدب لكلمة "أنت حر"؛ لأنه شيء واضح.
﴿وَلَا يَصِحُّ فِي الْأَفْهَامِ شَيْءٌ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلٍ﴾
[المذيع]: وتوضيح الواضحات من المشكلات يا مولانا.
[الشيخ]: هذا من السخف الشديد، يعني الآن نقول لك هذا نهار وهذا ليل، فتقول: وما الذي يُعلمني أن هذا نهار وأن هذا ليل؟ إذن نكون بذلك قد دخلنا في إطار الجدل المقيت وليس في نطاق العلم المؤكد.
ثبوت تدوين السنة بالروايات الكثيرة ونشأة علوم التوثيق في الإسلام
[الشيخ]: فإذا كان عندنا ثابت بروايات كثيرة جدًا أن السنة قد كُتبت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها ظلت تُكتب حتى ظهرت الأجزاء وظهرت كتب السنة وظهرت ونُقحت تمامًا.
وأنشأ الله علمًا في قلوب المسلمين للتوثيق، وهذه العلوم تكاثرت وتحولت من مجرد فكرة إلى صياغة علمية دقيقة قابلة للتكرار، وقيس بها هذا الكم الهائل من المرويات، وضُبطت وعُلم المقبول منها من المردود.
وكل هذا في مجال التوثيق وليس في مجال الفهم، ثم أنشؤوا أداة...
[المذيع]: هل هناك فارق ما بين التدوين والتوثيق والفهم يا مولانا؟
[الشيخ]: كما بين السماء والأرض.
الإمام الشافعي وصياغة أصول الفهم المأخوذة من الصحابة الكرام
[الشيخ]: المسألة الآن: هل النبي قال هذا أم لا؟ وبعد أن نتأكد أن النبي قال هذا أم لا، نريد أن نفهمه. نعم، نفهمه. كيف؟ فعملوا على جمعه من لدن الصحابة، لكن مَن الذي أبرزه وصاغه في صيغة علمية؟ الإمام الشافعي الذي توفي سنة مائتين وأربعة.
[المذيع]: توفي سنة كم يا مولانا؟
[الشيخ]: مائتين وأربعة، ليس ألفين وأربعة. ألفين وأربعة هذا مشايخنا يعني، لكن من حبنا في الشافعي، مائتان وأربعة، اثنان، صفر، أربعة.
[المذيع]: اثنان صفر أربعة. فترى الإمام الشافعي مائتان وأربعة، وهو مولود سنة مائة وخمسين، وكان يعمل منذ أن كان عمره خمسة عشر عامًا في العلم وفي الحفظ. الأصمعي قرأ عليه أشعار الهذيليين. أناس تأسسوا أساسًا قويًا.
هل توجد مثل هذه العقلية؟ نعم، توجد، وما زلنا ندرس في كلامه وفي معانيه.
الخطيب البغدادي يثبت أن رسالة الشافعي مأخوذة من أقوال الصحابة بالإسناد
[الشيخ]: جاء الخطيب البغدادي في أواسط القرن الخامس الهجري وبيّن أن كل شيء في الرسالة مأخوذ من الصحابة.
[المذيع]: رسالة الإمام الشافعي.
[الشيخ]: نعم، التي هي أصول الفقه وأصول الفهم، نعم، مأخوذة من الصحابة الكرام. كل كلمة مأخوذة من الصحابة: هذه قالها ابن مسعود، وهذه قالها ابن عباس، وهذه قالها، قال هذا ابنُ الزبير، وقال هذا ابنُ عمر، وقال هذا ابنُ عمرو، وقال هذا فلانٌ وعلانٌ، بالإسناد إلى درجة مذهلة.
فإذن، كان الشافعي مطلعًا على كل هذا ولخصه وجعله مثل النحلة حينما تأخذ الرحيق ثم تحوله عسلًا بقدرة الله. ربنا وفقهم إلى ما فيه رضاه.
توفيق الله للعلماء بسبب عبادتهم وصلاحهم والرد على المنحرفين
[الشيخ]: أتعلم لماذا؟ لأنهم كانوا عبادًا وكانت قلوبهم ضارعة متعلقة بالله، يقومون الليل ويصومون النهار. هؤلاء الناس كانوا أناسًا طيبين.
لكننا لا نعرف هؤلاء القوم الذين أجازوا الخمر وأجازوا الانفلات وأجازوا أمورًا أخرى إلى آخره. لا، ليسوا طيبين -أعتذر، لا تؤاخذني- يعني ليسوا طيبين. لكن أولئك كانوا أناسًا طيبين، طيبين مع ربهم، ولذلك وفقهم الله.
إذا كان المرء غير طيّب مع الله فلن يوفقه. السخرية والتعالي والغباء وأيضًا الخروج عن مقتضى العلم.
[المذيع]: والوقوع في شك الحيرة يا مولانا.
[الشيخ]: والوقوع في شك الحيرة هو لأجل تشكيك الناس، وجعلهم في فوضى عارمة لن يصلوا إليها، فقد فشلت من قبل عشرين مرة.
محاولات هدم السنة منذ مئتي سنة وفشلها أمام حضارة منقولة بقوة وعلم
[الشيخ]: المهم أنهم يحاولون منذ مئتي سنة أن يبذروا الشك والحيرة، لكنهم في مواجهة ماذا؟ في مواجهة حضارة منقولة بقوة وبعلم وبعمق.
ولذلك لا يعرفون ماذا يفعلون ويتعجبون: نحن منذ مائتي سنة ونحن نحاول هدمكم، فلماذا لا تنهارون؟ لا نريد أن ننهار؛ لأنكم تريدون أن تهدموا الهرم. بدلًا من أن تهدموا الهرم، اجعلوه مزارًا طيبًا للناس، واجعلوه منارة نور، بدلًا من أن تجعلوه مكانًا نفايات. ما رأيكم؟
لكن ماذا سنفعل عندما تكون المشكلة في القلوب!
ملخص مراحل تدوين السنة من عهد النبي إلى ظهور الكتب المصنفة
[الشيخ]: لقد تم التدوين في عهد رسول الله، وتم التدوين في عهد الصحابة الكرام، وفي عهد التابعين الكرام، وفي عهد من كتب في السنة وجمع الأجزاء وأنشأ هذه الكتب كلها.
والذي وصل إلينا من الأسماء التي سجلت هذا مائتين وخمسين كتابًا، اسم كتاب.
[المذيع]: نعم، مائتين وخمسين عنوانًا، وكل عنوان لديه يمكن أن يكون تحته مجلدات كثيرة.
[الشيخ]: وصل إلينا منها حوالي مائتين تقريبًا، كلها تقريبًا الآن مطبوعة، تلك التي وصلت إلينا؛ لأننا جلسنا في الثمانينات من ثمانين حتى أول القرن، طُبعت السنة في خلال العشرين سنة تلك، طُبعت أشياء من السنة لم تُطبع في العالم من قبل.
طباعة كتب السنة الكبرى ومنهج المقارنة بين المخطوطات للتحقيق
[الشيخ]: فقد طُبع مصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق ومصنف ومسند أحمد الذي حُقق في عدة طبعات، وغير ذلك. جميع كتب عبد بن حميد طُبعت بالكامل، وكذلك طُبع مسند أبي عوانة. طُبعت كتب كثيرة جدًا ومكّنتنا من المقارنة.
نحن عندما نريد أن نُخرِج كتابًا، لا بد أن تكون المخطوطة فيما قبل القرن السادس الهجري. لماذا؟ لأنهم كانوا مهتمين جدًا بالتحقيق والتوثيق، ولم يكن لديهم العجلة، وليس عندهم النزق الذي قد أُصيب به بعضهم بعد ذلك.
فنضبط هكذا، فوجدنا أن لدينا إحدى وعشرين نسخة من مسند الإمام أحمد من القرن السادس الهجري، عملنا عليهم.
[المذيع]: بطريقة المقارنات يا مولانا؟ واحد نسخته تقارنونها، ما زيد هنا، ما انتقص هنا؟
مثال على دقة التحقيق: حديث من أحيا سنتي فقد أحياني وليس أحبني
[الشيخ]: نعم، فوجدنا حديثًا مثلًا يقول:
«من أحيا سنتي فقد أحبني».
الحديث هكذا موجود في المطبوعات، وعندما قارنّا النسخ وجدناه:
«من أحيا سنتي فقد أحياني».
وليست "أحبني". قد تتشابه مع عدم وجود الألف في "أحبني" و"أحياني". لا، إنها بالفعل أحياني.
فانظر، انظر كيف يصل التدقيق إلى هذا! فقد "أحبني" لا تختلف كثيرًا عن "أحياني" من ناحية أن الأمر مطلوب، أي أن إحياء السنة مطلوب، "أحبني" أو "أحياني" كلاهما جميل. ولكن انظر ما معنى "أحياني" هذه: كأنك قد أعدت رسول الله إلى الحياة الدنيا! يا للعجب! إنه أمر عظيم جدًا.
فالسنة النبوية دُققت وحُققت وبُذل فيها مجهود الله به عليم، وكل هذا حتى لا نكذب على رسول الله؛ لأن الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر.
سؤال عن معنى الكذب على رسول الله وأثره في التشكيك بمصادر الشريعة
[المذيع]: صلِّوا وسلِّموا على صاحب الوحيين صلى الله عليه وسلم. فاصل ونعود إليكم، ابقوا معنا.
أهلًا بحضراتكم، مولانا، قبل الفاصل قلت: من كذب على سيدنا. طيب، يقول سيدنا:
«من كذب عليّ متعمدًا أو عامدًا أو قاصدًا فليتبوأ مقعده من النار»، أو كما قال.
صدق سيدنا صلى الله عليه وسلم. ماذا يعني أن يكذب الإنسان على سيدنا؟
[الشيخ]: معناه أمور، من ضمنها التشكيك الدائم في مصادر الشريعة؛ لأننا عندما نكذب على رسول الله وغيرنا يكذب على رسول الله وهكذا إلى آخره، في النهاية يأتي المتشككون أو الناس فيقولون: ما أدرانا أن هذا كذب وأن هذا صواب.
ولذلك هذا الحديث حرَّك الصحابة وحرَّك من بعدهم لحفظ السنة النبوية المشرفة.
[المذيع]: هذا أحد الدوافع الأساسية لحفظ السنة.
وسائل الصحابة في توثيق الحديث بالحلف والشهادة والمقارنة
[الشيخ]: جدًا، هو هذا الحديث؛ لأنهم خافوا أن تُحرَّف السنة. وكانوا يقومون بأمور من ضمنها الحلف، يعني عندما يقول أحدهم: سمعت رسول الله يقول كذا، فيقول له محدِّثه: أقسم بالله، فيقسم بالله أنه سمعه.
ومن ضمن هذه الإثباتات أنه يأتي بشاهد معه. هذا كان يفعله سيدنا عمر، أي أحد يقول: سمعت رسول الله فعل هكذا، فيقول له: ائتني بشاهد معك.
[المذيع]: لابد من اثنين.
[الشيخ]: لا بد من اثنين.
[المذيع]: شخص واحد فقط لا يكفي يا مولانا.
[الشيخ]: هو كان يقبل الاثنين، يعني لابد من الاثنين. وكان هذا يذهب إلى الصحابة يقول لهم: انقذوني، عمر يريد أن يضربني أو يفعل كذا لأجل كذا. فلم يكن هناك إكثار من الحديث مثلما يتصورون هكذا، ولكن كان دائمًا يأتي بالثاني ويقول له: نعم، أنا أشهد معك، أنا سمعت رسول الله، فقد كنا جالسين معًا.
[المذيع]: فعلًا.
تصحيح السيدة عائشة لحديث ابن عمر في عذاب القبر ببكاء الأهل
[الشيخ]: وهكذا، وثقوا الحديث بالقسم، ووثقوا الحديث بالشهادة، ووثقوا الحديث بالمقارنات، ووثقوا الحديث بالفهم.
وهكذا كانت عائشة تقول: إنني لا أتهم أبا عبد الرحمن [عبد الله بن عمر] بكذب، ولكن السمع يُخطئ. ما قال رسول الله هذا.
كان عبد الله بن عمر يقول:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا قبر رجل يُعذّب ببكاء أهله عليه».
فعائشة قالت: لا!
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
وأنا لا أقول إن أبا عبد الرحمن كذاب، وإنما السمع يُخطئ. قالوا لها: فماذا قال؟ قالت: قال:
«هذا قبر رجل يُعذب في قبره وأهله يبكون عليه».
ليس "ببكاء أهله عليه"، هناك فرق. "ببكاء أهله" يعني أهله يبكون فهو تحمّل المسؤولية.
الفرق بين روايتي حديث عذاب القبر ودقة الصحابة في ضبط الألفاظ
[الشيخ]: فهو قال: لا.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
إنما الثاني يقول: حال أن هذا [يُعذب في قبره].
[المذيع]: يُحاسب بعمله.
[الشيخ]: يُحاسب، وفي ذات الوقت أهله لا يزالون يبكون عليه، أي لا يزالون يتذكرونه. يعني يريد أن يقول أنه يحاسب قريب الوفاة؛ لأن أهله لم ينتهوا بعد من العزاء ولم ينتهوا من الحزن عليه، لم ينسوه بعد.
فهذا الضبط كان موجودًا منذ البداية. يقول [عمر بن الخطاب]: أنترك كتاب ربنا لأعرابي يبول على عقبيه؟ ولم يأخذ الحديث. أنترك كتاب ربنا لامرأة لا نعرف أصدقت أم كذبت؟ لما لم تستطع أن تأتي بشاهد معها.
[المذيع]: انظر إلى الدقة يا مولانا وصلت إلى أي درجة!
إلهام الله للصحابة توثيق السنة حفظاً وكتابةً وروايةً ومقارنةً
[الشيخ]: فالسنة تم تحريرها من لدن الصحابة، لقد ألهمهم الله كيف توثق السنة: حفظًا وكتابةً وروايةً ومقارنةً وشرحًا وقبولًا وردًا إلى آخره.
[المذيع]: مولانا الإمام، يصل الأمر ببعضهم في الشك والحيرة إلى أنهم يحتجون بالقرآن الكريم:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
يقولون إن الحفظ فقط للذكر، والحديث ليس من الذكر. وفضيلتكم تفضلتم بالرأي أنهم كانوا يقولون عن سيدنا أنه صاحب الوحيين. كيف نفهم ذلك؟ وكيف نرد؟
الذكر في القرآن يشمل السنة والقرآن معاً وهو دليل على حفظ السنة
[الشيخ]: هذه معجزة من معجزات القرآن الكريم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: لأنه قال:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]
ولم يقل: "إنا نحن نزلنا القرآن".
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
بل قال الذكر الذي يشمل القرآن والسنة. قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]
التي هي السنة، نعم، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الذي هو القرآن، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وكلما يأتون لنا بدليل...
[المذيع]: نأتي لهم.
[الشيخ]: لا، بل ينعكس عليهم ويصبح السنة محفوظة لقوله تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ هِيَ الدَّلِيلُ لَدَيْنَا أَنَّ السُّنَّةَ حُفِظَتْ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الذِّكْرَ مَعْنَاهُ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى قَلْبِ نَبِيِّهِ. وَهَلْ أَنْزَلَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؟
[المذيع]: نَعَمْ.
الآيات القرآنية الدالة على وجوب اتباع السنة النبوية وحجيتها
[الشيخ]: قَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]
وَقَالَ تَعَالَى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
وقال تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وقال تعالى، ماذا تريدون؟ هذا القرآن:
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ [الأنبياء: 108]
السنة هي الذكر المنزل لبيان القرآن وكل أدلة المشككين تنقلب عليهم
[الشيخ]: مثلًا أريد أن أقول لك أنه السنة هي الذكر:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44]
ما الذي نزل إليهم من ربهم؟ القرآن. وما الذكر الذي نزل عليه؟ السنة. وما الذكر الذي حفظه؟ القرآن والسنة.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [التكوير: 27]
على القرآن. وهكذا فكل ما سيأتوننا به من تجزئتهم هذه ستجد أنه دليل عليهم.
[المذيع]: في كلامهم، بل في ما يستدلون به من آيات.
[الشيخ]: نعم.
قصة الصلاة على النبي عند النسيان والرد على من يعادي السنة
[الشيخ]: مثل شخص مرة نسي شيئًا فقال: اللهم صلِّ على النبي، يريد أن يتذكرها هكذا. فقال له الآخر: لا يا أخي:
﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24]
فجاء يقول لي. قلت له: لا، صلِّ على النبي لكي تتذكر، ودليلك: قوله تعالى ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. فأنت عندما تصلي على النبي، ماذا تقول؟
[المذيع]: اللهم.
[الشيخ]: والتي هي ماذا؟
[المذيع]: لفظ الجلالة.
[الشيخ]: ذكر، إذن كنت تذكر. فانظر كيف وصلت حساسيتهم ضد النبي إلى أي مدى، حتى أنهم أغلقوا على أنفسهم الباب ولم يشعروا أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الجناب الأعظم، إنها من الله وذكر لله.
فماذا نفعل بهؤلاء الناس؟ لقد قال تعالى:
﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: 24]
هيا قل: اللهم صلِّ وسلم على سيدنا النبي على الدوام، سيتذكرها.
[المذيع]: مولاي صلِّ وسلِّم دائمًا أبدًا.
[الشيخ]: سيتذكرها في الحال.
الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر لأنه يشوش مصادر الإسلام
[الشيخ]: فإذن، الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر، من أعظم الكبائر. لماذا؟ لأنها تشوش مصادر الإسلام.
ولذلك قال [النبي صلى الله عليه وسلم]:
«نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع».
فأمرنا بالتبليغ وبحفظ السنة وكذا، ثم وفقه الله؛ لأنه قد أنزل في كتابه أنه يحفظ الذكر، فحفظ القرآن والسنة معًا.
والدليل على ذلك أن بعد ألف وأربعمائة وتسعة وثلاثين سنة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبينما نحن جالسون معًا هنا الآن، لدينا كل هذا الكم الهائل من السنة. فهذا هو الحفظ الحقيقي، فنحن نملك دليلنا وهو الواقع.
حفظ الله للسنة والقرآن وآل البيت ونشر الدين كما وعد
[الشيخ]: فربنا سبحانه وتعالى حافظ على آل البيت الكرام وحافظ على السُّنَّة المشرفة وحافظ على البيت وحافظ على القرآن، ونشر الدين كما وعده وأيَّده بكل مؤيد.
فإن الكذب على رسول الله كبيرة من الكبائر وتؤدي أول ما تؤدي إلى تشويش المصادر، وتؤدي أيضًا إلى اختلال الشريعة، أي ليس فقط الصد والتكذيب وما شابه؛ لأن معنى ذلك أنه سيأخذ هذا الكذب ويطبقه باعتباره أنه الهدى وهو ليس فيه هدى.
[المذيع]: ومن ثم يحدث ماذا؟
[الشيخ]: تكذيب للشريعة؛ لأنه عندما يأتي الحديث الضعيف ويُذكر له فضيلة معينة موجودة في الدنيا فيُنفَّذ فلا يحصل، فيفقد الناس ثقتهم في السنة المشرفة.
معايير العلماء الدقيقة لدرجات الحديث وأصول الفقه لفهم السنة وتطبيقها
[الشيخ]: لذلك وضع العلماء المعايير الدقيقة لدرجة الحديث من صحيح وحسن وضعيف، والشروط الدقيقة، خمسة شروط لقبول هذا الضعيف وكيفية تطبيقه.
ثم بعد ذلك وضعوا أداة أخرى وهي أصول الفقه لفهم هذا الحديث ومقارنته: حديثًا بحديث، أو حديثًا بقرآن، أو حديثًا بأصول الشريعة كلها.
ثم وضعوا أصولًا ثالثة لكيفية تطبيق الدين في واقع الناس. فنحن عندنا أصول ما بين النص والتفسير، وأصول ما بين التفسير والتطبيق. لدينا كل هذا.
فيأتي شخص لا علاقة له بهذا المنهج، ولا يعرف التطبيق من التفسير وما إلى ذلك، فيتخبط تخبطًا عشوائيًا، كحاطب ليل وجارف سيل، يخلط الأمور دون تمييز، فيجمع بين الثعبان وجذع النخلة وجذع الشجرة. هذا كلام فارغ.
سؤال عن إعمال العقل مع النقل في فهم السنة والعناصر الثلاثة: العقل والنقل والذوق
[المذيع]: مولانا الإمام، ونحن نقرأ في هذا المنهج الإصلاحي لفضيلتكم، لا بد أن يكون هذا هو الفهم المستقيم لفهم السنة النبوية. إذن، كنا دائمًا نقول العقل والنقل، فكيف يحدد منهج فضيلتكم إعمال العقل مع النقل، مع السنة تحديدًا؟
[الشيخ]: لدينا ثلاثة عناصر: العقل والنقل والذوق. لدينا هذه الثلاثة، وقد أخذناها جميعًا من الكتاب والسنة.
الثلاثة: العقل هذا العقل: ربنا خلق كتاب الله المنظور الذي هو الكون، وخلق كتاب الله المسطور الذي هو القرآن. خلق المصحف هكذا، كلام الله القديم ليس مخلوقًا، ولذلك كان يسميه ربنا بالأمر:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
دور العقل في قراءة كتاب الله المنظور والمسطور والمراوحة بينهما
[الشيخ]:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
يعني يقول لك: اقرأ هذا الكون، ثم:
﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]
الذي هو الوحي.
[المذيع]: هذه المراوحة.
[الشيخ]: النظر في كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، هذا عمل العقل. فالعقل يقرأ كتاب الله المنظور بالتأمل والتدبر والمجهر وبعلم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار والنظم.
ويقرأ كتاب الله المسطور بالتوثيق والفهم وتحت راية وتحت سقف الإجماع، وبالإلحاق المستقيم الذي نسميه القياس، وبالاستدلال وبالاستنباط وبالاستهداء، نستهديه:
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
فلا بد أن تكون متهيئًا حتى تأخذ منه الهداية؛ لأنك لو دخلته من غير تقوى:
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44]
هو نفس النص القرآني، القرآن ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ وفي نفس الوقت ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. فإذن هذا دور العقل.
دور العقل والنقل والذوق في فهم الدين وتطبيقه
[الشيخ]: العقل يفهم، العقل يُطبّق، العقل يستنبط، العقل يصل ما بين المطلق والنسبي، والعقل يدرك المآلات ويدرك المصالح ويدرك المقاصد ويدرك كيفية التطبيق.
النقل شأننا فيه التوثيق ثم الفهم ثم الاستنباط.
أما الذوق فله الحدود التي له، غاية وله طريق وله مراحل وله كيفية مندرجة. يقول فيها الجنيد: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.
[المذيع]: إمام أهل الطائفة.
[الشيخ]: هناك الله مقصود الكل، ملتفت لا يصل. تبدأ باليقظة وتتلو بالتوبة إلى آخره، إلى أن تنتهي من الوضع. الذكر والفكر في هذا الذوق:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]
التخلية والتحلية والتجلي ودور العقل والنقل والذوق في دين الله
[الشيخ]: التخلية والتحلية: التخلي من القبيح والتحلي بالصحيح، وبالتخلي والتحلي يحدث التجلي في هذا الطريق. هذا هو دور العقل والنقل والذوق في دين الله.
[المذيع]: هذا ما يريده مولانا الإمام: إيجاد حالة الوعي قبل السعي، وعودة الروح مرهونة دائمًا بعودة هذا الوعي. وعلماء النفس والاجتماع يقولون: روح الأمة تسيطر على مستقبلها ومصيرها.
مولانا الإمام، شكر الله لك ورضي الله عنك دائمًا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: دمتم في رعاية الله وأمنه، إلى اللقاء.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
من هو الصحابي الذي طلب من النبي أن يكتب ما سمعه لكي يحدث به قومه فأمر النبي بالكتابة له؟
أبو شاه
ما الحالة المحددة التي نهى فيها النبي عن كتابة الحديث؟
النهي عن كتابة الحديث مختلطًا بالقرآن في صحيفة واحدة
كم حديثًا ضمّت صحيفة همام بن المنبه المنسوبة إلى عبد الله بن عمرو بن العاص؟
مائة وأربعة وثلاثون حديثًا
كم عالمًا حضر عن الفربري وروى عنه صحيح البخاري؟
سبعون ألفًا
ما الصواب في حديث «من أحيا سنتي» الذي كشفته المقارنة بين نسخ مسند أحمد؟
فقد أحياني
كم سنة أمضى الإمام مالك في تنقيح الموطأ ومراجعته؟
أربعون سنة
ما الذي قاله الإمام الشافعي للإمام مالك حين أنكر عليه جلوسه دون ورقة ولا قلم؟
حفظت ما قلته وسرد الأحاديث بأسانيدها
ما الذي أثبته الخطيب البغدادي عن رسالة الإمام الشافعي في أصول الفقه؟
أن كل كلمة فيها مأخوذة من الصحابة بالإسناد
ما الذي قالته السيدة عائشة في تصحيح رواية ابن عمر عن عذاب القبر؟
أن السمع يُخطئ والصواب أنه يُعذَّب في قبره وأهله يبكون عليه
ما الوسائل التي كان عمر بن الخطاب يشترطها لقبول رواية الحديث؟
الإتيان بشاهد مع الراوي
ما العناصر الثلاثة التي يقوم عليها منهج فهم الدين؟
العقل والنقل والذوق
ما الذي قاله الجنيد عن طريق التصوف والذوق؟
طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة
كم نسخة من مسند الإمام أحمد من القرن السادس الهجري وُجدت للمقارنة والتحقيق؟
إحدى وعشرون نسخة
ما الكلمة القرآنية التي تشمل القرآن والسنة معًا في آية الحفظ؟
الذكر
ما الذي كان يفعله سعيد بن جبير حين تمتلئ صحيفته وهو يكتب عن ابن عباس؟
يكتب على ظهر نعله وعلى كف يده
ما المقصود بأهل الصفة وما علاقتهم بتدوين السنة؟
أهل الصفة جماعة خصّهم النبي بجانب من المسجد وأنفق عليهم متفرغين للعلم، وهو ما يشبه المنحة الدراسية. وكان أبو هريرة منهم، مما أتاح له التفرغ الكامل لحفظ السنة وروايتها.
لماذا قال النبي لعبد الله بن عمرو «استعن بيمينك»؟
أمره النبي بالاستعانة بيمينه أي بالكتابة، وذلك حين كان عبد الله يكتب كل ما يسمعه من النبي. وهذا دليل صريح على إذن النبي بل أمره بتدوين الحديث.
ما الصحيفة التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص وبماذا سُميت؟
سُميت صحيفة عبد الله بن عمرو بـ«الصادقة»، وقد ضمّت مائة وأربعة وثلاثين حديثًا، وكلها موجودة في صحيح البخاري.
ما الفرق بين التدوين والتوثيق والفهم في علوم السنة؟
التدوين هو الكتابة، والتوثيق هو التحقق من صحة المروي بمنهج علمي دقيق قابل للتكرار، والفهم هو استنباط الأحكام والمعاني. والفرق بينها كما بين السماء والأرض.
ما الذي قاله الحسن البصري عن أهمية الكتابة في حفظ العلم؟
قال الحسن البصري: «ما قُيِّد العلم بمثل الكتابة»، وصِيغ هذا المعنى شعرًا: «العلم صيد والكتابة قيده، قيّد صيودك بالحبال الواثقة».
من هو الإمام الذي روى عنه الموطأ أربعون عالمًا وما أعلاهم؟
الإمام مالك هو الذي روى عنه الموطأ أربعون عالمًا، وأعلاهم الإمام الشافعي الذي كان يحفظ الموطأ ورواه عن مالك.
في أي سنة توفي الإمام الشافعي وكم كان عمره حين التقى الإمام مالك؟
توفي الإمام الشافعي سنة مائتين وأربعة هجرية، وكان عمره خمسة عشر عامًا حين وفد إلى الإمام مالك أول مرة.
ما الأسباب التي تفسر قوة ذاكرة علماء السلف؟
تفسيرها يعود إلى بيئتهم الخالية من التلوث البيئي والسمعي والضوئي، وغياب الكهرباء والمطبعة والضجيج، والأهم انعدام التلوث في النفوس وتعلقهم بالله واتصالهم بالكون.
ما الصحف التي دُوِّنت في عهد الصحابة الكرام؟
دُوِّنت صحيفة أبي بكر في الفرائض والميراث، وصحيفة علي في الديات والتعويضات، وصحيفة عبد الله بن عمرو المسماة بالصادقة، فضلًا عن كتابات أُسيد بن حضير وجابر بن سمرة وزيد بن أرقم وغيرهم.
كيف يدل قوله تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم﴾ على أن السنة وحي؟
الذكر المنزل على النبي في الآية هو السنة التي بيّن بها للناس القرآن، وما نزّل للناس هو القرآن. فالسنة وحي منزل على النبي وليست مجرد اجتهاد شخصي.
ما الآيات القرآنية التي تدل على أن كلام النبي وحي لا هوى؟
قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾.
ما المعايير التي وضعها العلماء لقبول الحديث الضعيف؟
وضع العلماء خمسة شروط دقيقة لقبول الحديث الضعيف وكيفية تطبيقه، إلى جانب معايير درجات الحديث من صحيح وحسن وضعيف.
ما الذي يحدث حين يُروى حديث ضعيف ويُطبَّق دون تمحيص؟
حين يُروى حديث ضعيف ويُذكر له فضيلة معينة ثم يُنفَّذ فلا يحصل، يفقد الناس ثقتهم في السنة المشرفة، مما يؤدي إلى اختلال الشريعة.
ما المراحل الثلاث التي تمر بها السنة في منهج العلماء؟
تمر السنة بثلاث مراحل: التوثيق للتحقق من صحة النص، ثم الفهم لاستنباط المعنى، ثم التطبيق في واقع الناس وفق أصول الفقه.
ما المقصود بالتخلية والتحلية والتجلي في منهج الذوق الروحي؟
التخلية هي التخلي من الأخلاق القبيحة، والتحلية هي التحلي بالأخلاق الصحيحة، وبهما يحدث التجلي وهو الوصول إلى مرتبة الإحسان في طريق الذوق الروحي.
لماذا كان الإمام مالك يتوضأ ويتعطر قبل أن يُحدِّث؟
كان الإمام مالك يتوضأ ويتطهر ويتعطر ويتزين ويجلس على الكرسي قبل التحديث إجلالًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما الذي يعنيه وصف الإمام البخاري بأنه «رحلة العلماء»؟
رحلة العلماء تعني أن العلماء كانوا يتوجهون إليه كما يتوجه المسلمون إلى الكعبة، أي أنه كان المقصد الأعلى لطلاب الحديث في عصره.
ما الذي قاله عمر بن الخطاب حين لم يستطع أحد الإتيان بشاهد على روايته؟
كان عمر يقول: «أنترك كتاب ربنا لأعرابي يبول على عقبيه؟» ولم يأخذ الحديث، مما يدل على صرامته في التثبت من الروايات.
ما الدليل الواقعي على أن الله حفظ السنة كما وعد؟
الدليل هو الواقع نفسه: بعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة من هجرة النبي لا يزال لدينا هذا الكم الهائل من السنة المحفوظة المدوَّنة في مئتي كتاب مطبوع.
ما الذي يميز كتاب الله المنظور عن كتاب الله المسطور؟
كتاب الله المنظور هو الكون الذي يقرأه العقل بالتأمل والتدبر والعلم، وكتاب الله المسطور هو القرآن الكريم الذي يُقرأ بالتوثيق والفهم تحت سقف الإجماع والقياس.
