إطلالة حول الخلوة وشروطها وأدابها ومتى تكون | الدروس الشاذلية | حـ 26 | أ.د علي جمعة - الصديقية الشاذلية, تصوف

إطلالة حول الخلوة وشروطها وأدابها ومتى تكون | الدروس الشاذلية | حـ 26 | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • الخلوة هي اختلاء الإنسان بنفسه، وهي عند الشافعي نوع من الاعتكاف لا يشترط فيه الصيام، بينما يرى أبو حنيفة لزوم يوم وليلة على الأقل.
  • الخلوة وسيلة لمحاسبة النفس والتعبد والتفكر، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في تحنثه بغار حراء.
  • تبدأ الخلوة من ساعة وقد تمتد إلى أربعين يوماً قياساً على خلوة موسى عليه السلام.
  • تشمل آداب الخلوة ما ورد في الشرع كلبس الأبيض واستقبال القبلة والانشغال بالعبادات، وأخرى مستفادة من التجربة كعدم إسناد الظهر.
  • يمكن للمختلي أن يصوم عما فيه روح أو خرج من روح، وهي عبادة من الشرائع السابقة.
  • يمكن أداء الخلوة في المسجد أو البيت أو مكان نائٍ، مع انقطاع الاتصال بالخلق.
  • لا يُؤذن للمريد بالخلوة إلا بعد استشعار المرشد قدرته على تحمل عوارضها كالعرق الشديد والدوخة.
  • إذن الشيخ ضروري للتمييز بين ما ورد في الشرع وما جاء من التجربة.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

سؤال عن الخلوة وفوائدها ومتى يحتاج المريد إليها

يقول: نقرأ في كتب القوم عن الخلوة وفوائدها، فنرجو من فضيلته مزيدًا من إلقاء الضوء عليها، ومتى يحتاج المريد للخلوة؟

الخلوة معناها أن يختلي الإنسان بنفسه، والخلوة عند الإمام الشافعي هي نوع من أنواع الاعتكاف الذي لا يحتاج إلى صيام؛ ولذلك قال إن الاعتكاف إذا دخلت المسجد بحيث أنك تختلي مع ربك بنفسك في صلاتك، في ذكرك، في تلاوتك، عندما تكون أنت خاليًا من الناس مع ربك.

ولكن أبو حنيفة يرى أنه لا بد من يوم وليلة أقل هذا الاعتكاف الذي يسميه أهل التصوف بالخلوة.

الاعتكاف ومحاسبة النفس واتباع هدي النبي في التحنث بغار حراء

فالاعتكاف هو لله رب العالمين، وفيه محاسبة للنفس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، فيه نوع من أنواع الذكر، فيه نوع من أنواع اتباع النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يتحنث الليالي ذوات العدد في غار حراء.

فيذهب إلى مكان مرتفع، إلى مكان بعيد، إلى مكان مستقل، ثم يتعبد فيه ويتأمل ويتفكر.

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]

الليالي ذوات العدد، ذوات العدد؛ ولذلك كان يخرج بالأسبوع، يخرج إلى عشرة أيام حتى ينفد زاده، فينزل ويأتي بزاد غيره، ويعتكف أو يخلو أو يتعبد أو يتحنث لمثلها، يعني عشرة أيام أخرى أو سبعة أيام أخرى وهكذا.

مدة الخلوة من ساعة إلى أربعين يومًا والخلوة الأربعينية قياسًا على خلوة موسى عليه السلام

إذن فالخلوة تبدأ ولو بساعة، وقد تكون لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة. وعندما جرَّب المجربون، وهذا من أقدم مِن مَن أيضًا ممن كان قبلنا من الأنبياء، جعلوا هناك خلوة يسمونها بالخلوة الأربعينية، قياسًا على تلك الخلوة التي اختلاها سيدنا موسى مع ربه في عبادة، كان في نهايتها أنه أُوتي بالألواح وأُوتي بالتوراة وكذا إلى آخره.

يعني حدثت فيها من التجليات ومن الوحي على نبي الله، وفي الأمر الأول أو في الزمن الأول أو عند السابقين أو الشرائع السابقة، فأهل التجربة قالوا إنه فعلًا الأربعون يومًا هي أقصى مدة. إذن فالخلوة تبدأ بساعة ولكنها يمكن أن تستمر إلى أربعين [يومًا].

آداب الخلوة المأخوذة من الشرع الشريف والعبادات المطلوبة فيها

في الخلوة هناك آداب، وهذه الآداب مأخوذة من الشرع الشريف؛ كأن يلبس الإنسان الأبيض، كأن يستقبل القبلة، كأن يعمل بالعبادات مثل:

  • الأذكار
  • تلاوة القرآن الكريم
  • الصلاة
  • الصيام أيضًا
  • الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام
  • أو بالعشرة الطيبة، بالباقيات الصالحات من الأذكار إلى آخره.

شروط الخلوة بين ما ورد في الشريعة وما جاء من التجربة وإذن الشيخ

وهناك أشياء بالتجريب؛ يقول مثلًا إنك لا تسند ظهرك. هذا لم يرد في الشريعة أننا لا نسند ظهرنا إلى الحائط، وإنما هو يشعر فيها بنوع من أنواع الاهتمام، شدّ الجسد والنفس وما إلى ذلك، فوضعوها في الشروط.

فبعض هذه الشروط ترد في الشريعة، وبعضها يأتي من التجربة، والذي يأتي من التجربة أيضًا مهم. ويقول: لا تسند ظهرك إلا لعلة بإذن شيخك.

يعني هنا الشيخ يأذن لك حتى تشعر أنك لم تفعل شيئًا ناقصًا أو مخالفًا أو شيئًا أقل مما كان ينبغي، فهذا هو غرض الإذن وغرض إذن الشيخ.

طاعة الشيخ في الخلوة ودوره في التفريق بين الشرع والتجربة

وطاعة الشيخ ليست التسلط وليست التفرد، ولكنها أصلها في شعور الإنسان أنه في كنف الشيخ وأنه بمعلومية الشيخ، وأن الشيخ عندما أذن له هذا فهو الذي يفرق بين ما ورد في الشرع مما لا نتركه، وبين ما ورد في التجربة مما يمكن أن نتركه في بعض الحالات، فالشيخ خبير في هذا.

الصيام في الخلوة عما فيه روح وأصله في الشرائع السابقة

إذ الخلوة أيضًا رأوا فيها إذا كان الإنسان صائمًا أن يصوم عما فيه روح أو خرج من روح، وهذه أيضًا كانت في الشرائع السابقة، ليس في ديننا هذا النوع من العبادة.

ولكن هذا في وقت من الأوقات فإن الله سبحانه وتعالى قَبِلَه ورضي عنه وجعل له فتوحًا وتكليفات وثوابًا وما إلى ذلك.

هل شرع من قبلنا شرع لنا؟ خلاف الأصول يسير، واتفق العلماء على أن نعم، شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد في القرآن الكريم؛ فيكون ذلك إيذانًا بقبول الله له، وطالما الله سبحانه وتعالى قد قَبِلَه، فنحن نعبده بكل شيء يقربنا إليه.

تفصيل الامتناع عما فيه روح في بعض الديانات وتطبيقه في الخلوة

إذن، فما زالت بعض الديانات إلى يومنا هذا تبتعد عن ما كان فيه روح أو ما خرج من روح، ولهم في ذلك تراتيب:

  • فهناك من يمتنع عن مثلًا اللبن والبيض لأنه يأكله بذاته.
  • وهناك من يمتنع حتى عن الصناعات مثل السمن والزبد والجبن؛ لأنها مما كان فيه روح وليست هي مباشرة كاللبن والبيض مثلًا.

فبذلك كأنه يكتفي بالفاكهة والخضروات والبقول كما يقولون، والزبيب والتمر وهكذا من أشياء.

الشروط التكميلية في الخلوة والاكتفاء بالماء من الناحية الطبية والتجريبية

كل هذه [الأمور المذكورة] ليست شروطًا أساسية، وإنما هي شروط تكميلية في هذا المقام. بعضهم أيضًا من ناحية الطب يقول أنه الاكتفاء بالماء والصوم عن الطعام أصلًا، إنما يكتفي بشرب الماء هذه المدة التي قد تصل إلى أربعين يومًا، يشفي من الأمراض.

وجرّبها المجربون على سبيل التجربة، وعلى سبيل أن ذلك مباح شرعًا، ولكن نتائجه التي حدثت: هناك أناس استطاعوا أن يكملوا، وهناك أناس لم يستطيعوا أن يمتنعوا عن الأكل والشرب مدة قد تكون ثلاثة أيام ولا يستطيعون الإكمال.

ولكن هذه السوائل أو الماء وما فيه؛ لأنهم يشربون الماء بسوائله، يعني يشربون الشربات، يشربون هذه الأشياء.

التفريق بين التجريب والشرع في الخلوة ومساحة التجريب المباحة في العبادة

فإن هذا في التجريب وليس هذا من الشرع الشريف بمعنى الهدي الأتم الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

القضية أن الشرع يبيح لنا مساحة من التجريب نستعملها حتى في عبادتنا، من أجل أن نصل إلى فوائد ومنافع جسدية وبدنية تفيدنا في قضية العبادة.

شروط مكان الخلوة وكيف كانت المساجد تمتلئ بالخلوات قديمًا

هل هناك شروط في المكان المُختلَى فيه؟ يعني فضيلتك ذكرت شروطًا في المختلي والآداب التي يجب أن يتحلى بها، المكان الذي يختلي فيه هل يُشترَط فيه أشياء معينة؟

كانت المساجد في القديم تمتلئ بالخلوات، فكان المُختلي يصلي الجمعة؛ لأنه لو ظل يختلي أربعين يومًا فاته فضل صلاة الجمعة. فكانت هناك تيسير في هذا الأمر، حيث أنه يختلي في الخلوة التي في المسجد ويصلي مع المصلين حتى الجماعات، حتى الجمعة، دون أن يلتقي بأحد؛ لأن خلوته مغلقة عليه.

تنوع أماكن الخلوة وشرط انعدام الاتصال بالخلق وأحكام خدمة المختلي

وهناك أيضًا من يفعل هذا في بيته. يمكن أن يكون في مكان ناءٍ مثل غار حراء مثلًا، أو مكان منعزل، ويمكن أن يكون في المسجد، ويمكن أن يكون في البيت.

المهم هو أن ينعدم اتصاله بالخلق، حتى الذي يقوم بخدمته ممن يقدم له الطعام والشراب والحوائج البشرية التي لا بد فيها من الحياة، يتركها على رأس الخلوة، ولا يعني يخاطبه أو يطلب منه أو كذا أو كذا إلى آخره.

أحكام الخلوة عند استدعاء الوالدين ووجوب تلبية ندائهما فورًا

وهناك أحكام كثيرة؛ مثل أنه مثلًا أثناء الخلوة استدعاني أبي أو أمي، قالوا لي تعال، فعليّ على الفور أن أُنهي الخلوة وألبّي مثلًا.

فهذه الأشياء تحتاج أيضًا إلى العلم، بحيث أن الإنسان لا يتصرف تصرفات توقعه في الخطأ أو في الممنوع.

متى يأذن الشيخ للمريد بالخلوة وأهمية استشعار القدرة والاستعداد

يأذن بالخلوة شيخ المريد، متى يُؤذَن له بالخلوة؟

عندما يستشعر منه مُرشده القدرة والقوة على فعل هذا؛ لأن هناك عوارض في الخلوة تواجهه، فهو يرى أن هذا المريد بهذه الكيفية غير أهل لذلك الآن.

فبعضهم يصيبه العرق الشديد عندما يدخل في هذه الخلوة، وبعضهم تصيبه الدوخة والإغماء وارتفاع الحرارة والحمى، وفي كل ذلك له ترتيب وتصرفات: متى نتجاوزها ومتى لا نتجاوزها.

ولذلك لا بد في هذه الحالة من إذن الشيخ؛ حتى يعلّمه كل هذه العوارض، وحتى يكون هناك صلة بين الشيخ والمريد، حتى تكون الخلوة منتجة لأسرارها وأنوارها.