برنامج إحياء علوم الدين | حـ 21 | الخوف | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 21 | أ.د علي جمعة
- •الخوف نوعان: خوف من الأكوان وخوف من الرحمن، فالأول هو تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل ويسمى أيضاً فزعاً أو رعباً.
- •الخوف من الأكوان سلبي ويؤدي إلى الهرب، كما حدث مع سيدنا موسى حين رأى الثعبان.
- •الخوف من الرحمن يختلف فهو مشبع بالحب ويسمى خشية، وهو خوف إيجابي يدفع إلى العمل والتقوى.
- •الخوف المحمود هو خوف مع حب، يحرك المؤمن نحو الطاعات وترك المنكرات.
- •قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أخوفكم لله" وهذا خوف مع طمأنينة.
- •الخشية والوجل ممدوحان في القرآن، ومنهما قوله تعالى: "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة".
- •الرجاء والخوف كجناحين يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود.
- •الخوف من الله مع الحب يؤدي إلى الطلب والقرب، وليس إلى الهرب والبعد.
مقدمة الحلقة الحادية والعشرين عن مفتاح الخوف وحقيقته
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: أهلًا يا سيدنا. لقد وصلنا يا مولانا للحلقة - ما شاء الله - رقم واحد وعشرين. سنتحدث عن مفتاح الخوف، ما حقيقة الخوف وما الأسباب التي قد تؤدي إلى زيادته أو نقصانه؟
تعريف الخوف من الأكوان وأنه تألم القلب لتوقع مكروه
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
كما قدمنا فإن الإمام الغزالي في كتابه الماتع إحياء علوم الدين في الربع الثالث وفي الربع الرابع يتحدث عن المهلكات والمنجيات، والخوف من المنجيات، من الصفات التي يرغب فيها الإنسان.
والخوف قد يكون من الأكوان وقد يكون من الرحمن. أما الخوف الذي هو من الأكوان فله تعريف بأنه تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال، أي في المستقبل.
[المذيع]: أي شيء قادم خطير.
[الشيخ]: نعم، والخوف بهذا المعنى يمكن أن نطلق عليه أيضًا في اللغة - أي الخوف من الأكوان - نطلق عليه في اللغة الفزع، ونطلق عليه في اللغة الرعب.
الشواهد القرآنية على الخوف من الأكوان كالرعب والفزع
[الشيخ]: هكذا كلمة كهذه [الرعب والفزع] تكون هي في الحقيقة عبارة عن ألم القلب؛ لأن هناك مكروهًا سوف يصيبني الآن أو بعد الآن، يعني في المستقبل. كما قال تعالى:
﴿لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: 18]
فشكلهم مخيف، لكن هذه هي الكائنات، أي الكلب أو الكلاب الخاصة بأهل الكهف، أو الكلب الخاص بأهل الكهف. ماذا تعني؟ نعم، مثلما حدث مع سيدنا موسى عندما رأى الثعبان:
﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [طه: 67]
قال الله لموسى:
﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [طه: 68]
هذا خوفٌ من الأكوان وهو أمرٌ طبيعيٌ، أي شيءٌ خلقه الله في الإنسان، حتى إنَّ الأنبياء بمكانة سيدنا موسى وسيدنا النبي المصطفى يشعرون به أيضًا. يمكن أن يُثبِت الله لهم الخوف بهذه الطريقة، وهو تألُّم القلب لتوقع أذى أو لتوقع مكروه.
الخوف من الرحمن خوف إيجابي مشبع بالحب كالإسفنجة والماء
[الشيخ]: أما الخوف من الرحمن فتلك قصة أخرى؛ لأن الخوف من الرحمن - كما أُشبِّهه - يحتوي على حب، هو خوف إيجابي.
كإسفنجة ملأناها بالماء، فالإسفنجة هي الخوف عندما تكون خالية من الحب، خالية من الماء، تصبح جافة، ولا تؤدي وظيفتها. لكن عندما نغمسها في الماء ونخرجها، تكون أدت وظيفتها.
[المذيع]: قد أصبحت معها المياه لتؤدي وظيفتها، فنستطيع أن ننظف بها لاحقًا.
[الشيخ]: نعم، وهنا في هذه الحالة، نسميها خشية. انظر إلى الفرق بين الرعب وبين الخشية. جميل:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
هذه هي الخشية، وهي خوف مع حب، هكذا.
[المذيع]: الخشية تعني خوفًا مع حب.
الخشية خوف إيجابي يدفع إلى العمل والتقوى مع شواهد قرآنية
[الشيخ]: مع حب، خوف إيجابي، خوف يدفع إلى العمل، إلى التقوى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]
هل أنت منتبه؟
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]
انظر إلى هذا الكلام، إنه خاف خوفًا فيه حب، فحرّكه هذا الخوف - خوف المحب - إلى التقوى، إلى وجه الله.
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«أنا أخوفكم لله» أخرجه البخاري
أنا أخوفكم لله، خوفًا مع حب. النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن مرعوبًا من ربنا، لم يكن خائفًا، بل كان مطمئنًا. لقد نزلت على قلبه الشريف السكينة والرحمات.
الرهبة والخشية في حق الرحمن مختلطة بالحب والرجاء
[الشيخ]: فهذا كما يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154]
[المذيع]: يرهبون.
[الشيخ]: فالرهبة والهيبة والخوف والخشية في حق الرحمن اختلطت بالحب والرجاء، وسنقوم بإعداد حلقة للرجاء منفردة هكذا.
[المذيع]: إن شاء الله يا سيدنا.
[الشيخ]: لكن [لو كانت العلاقة] من الأكوان خالية من الحب ولا شيء فيها، لكانت شيئًا مرعبًا. وفيها [أي في العلاقة مع الله] خوف، ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]
﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]
المواجهة بين الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن وأثر كل منهما
[الشيخ]: انظر، المواجهة التي أريد أن أُبرزها هنا هي المواجهة بين الخوف من الأكوان التي منها الشيطان ووساوس الشيطان، وبين الخوف من الرحمن.
فماذا نفعل؟ لا، خُذ الخوف من الرحمن وليس الخوف من الشيطان. فهذا [الخوف من الرحمن] هو الذي سيُسبب الرضا، هو الذي سيؤدي إلى أن يرضى الله عنهم ورضوا عنه.
[المذيع]: إذن يا سيدنا، الخائفون من الله سبحانه وتعالى، كما ذكرت فضيلتك لنا، وهي ما نسميها الخشية، ما هي مراتب الخوف من الله سبحانه وتعالى التي أوردها الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين؟
[الشيخ]: دائمًا نقول إن كل شيء له درجات متتالية.
درجات الخوف من الله في القرآن من الإشفاق إلى الوجل والمسارعة في الخيرات
[الشيخ]: فلننظر مثلًا إلى قوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 57-60]
هذا الوجل أيضًا:
﴿أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 60]
انتبه إلى أنك ذاهب إلى الله وراجع إليه، ففي القلب حب وتحب لقاءه وهكذا، ولكن أيضًا فيه هيبة، فهذا وجل للقلب هكذا:
﴿أُولَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61]
حديث عائشة عن الذين يخافون ألا يُتقبل منهم وهم يطيعون الله
[الشيخ]: إذن هذه أنواع الخوف ودرجاته. في حديث يقول: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقلت: «أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟» فقال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يُتقبل منهم»
﴿أُولَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [المؤمنون: 61]
فالطاعة تجلب طاعة، والحلاوة تجلب حلاوة، والخوف بمحبة هذا يُنتج عملًا ويدفع إلى العمل.
قصة الرجل الذي أوصى بحرق جسده خوفاً من الله فغفر الله له
[الشيخ]: والنبي صلى الله عليه وسلم كما يقول الإمام الغزالي أن رجلًا حضره الموت، فلما صار يائسًا من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبًا كثيرًا وأوقدوا فيه نارٌ، حتى إذا أكلت لحمي ووصلت إلى عظمي فخذوه واطحنوه، ثم ذروه في البحر. ففعلوا.
[المذيع]: ذلك خوفًا من الله سبحانه وتعالى.
[الشيخ]: نعم، يقول حتى لا يقدر الله سبحانه وتعالى أن يجمعني، وأيضًا شكك في قدرة الله، لكن المهم أنه خائف. فجمعه الله فقال له: لِمَ فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يا الله. فغفر الله له.
انظر إلى الجمال، انظر إلى الجمال، الله جميل.
[المذيع]: فغفر الله له.
[الشيخ]: نعم، فغفر الله له.
الأحمق من اتبع نفسه هواها والفرق بين الخوف والخشية بمثال الامتحان
[الشيخ]: فالحقيقة أن الأحمق كما ورد في الأثر هو من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
[المذيع]: أنا بعد إذنك يا سيدنا سأضرب مثالًا لأقرب المعنى للمشاهدين بالنسبة للفرق بين الخوف والخشية: لو شخص ذاكر جيدًا ودخل الامتحان لديه خشية أنه لا يحصل على التقدير الأعلى، أما الذي لم يذاكر فهو خائف من الدخول لأنه يعلم أنه سيرسب. هل هذا التشبيه صحيح؟
[الشيخ]: إذا تتبعنا مواطن الخوف والخشية والرعب والفزع في القرآن الكريم سنجد هذا التقسيم، أن الفزع والرعب يتحدث عن خوف الأكوان، والخوف والخشية والوجل يتحدث عن أمرين: إما أن يكون خوف الأكوان وإما أن يكون خوف الرحمن.
بداية الجزء الثاني وتوضيح الخوف المتعلق بالأكوان وعوالمه المختلفة
[المذيع]: سنعرف التفاصيل يا مولانا في الفاصل الثاني من الحلقة. فاصل ثم نعود إليكم. فاصل ثم نواصل. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. مولانا، حلقة اليوم عن الخوف. في قول مأثور يقولون: من خاف سلم. نريد من فضيلتكم أن توضحوا لنا الفرق بين الخوف والخشية والفزع والرعب.
[الشيخ]: كما قدمنا في الجزء الأول بأن هناك خوفًا متعلقًا بالأكوان، وهذه الأكوان هي عوالم مختلفة: في عالم الأشياء، وفي عالم الأشخاص، وفي عالم الأحداث، وفي عالم الأفكار.
أمثلة على الخوف من الأكوان في عوالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار
[الشيخ]: والإنسان قد يتألم قلبه ويخاف من الأذى من أي شيء من هؤلاء؛ يخاف من الأسد المفترس، يخاف من الكلب، يخاف من الأشياء.
[المذيع]: من النار مثلًا تحرق.
[الشيخ]: من النار من كذا، يخاف من الأشخاص لئلا يؤذوه وكذا، يخاف من الأحداث، من الزلزال، من المطر، من الأحداث الكونية والكوارث الكونية.
حتى أنه يخاف من الأفكار، حتى أن هذه الأفكار ستؤدي به إلى الطريق غير الصحيح أو الطريق المظلم أو نحو ذلك إلى آخره.
التفريق بين خوف الأكوان السلبي المؤدي للهرب وخوف الرحمن الإيجابي المؤدي للطلب
[الشيخ]: الخوف من الأكوان يجب على المستمع الكريم أن يفرق بين الاثنين:
[المذيع]: الخوف من الأكوان والخوف من الرحمن. الخوف من الأكوان شيء والخوف من الرحمن عز وجل شيء آخر.
[الشيخ]: شيء مختلف تمامًا. يجب أن يترسخ في ذهنه هذا الفرق؛ لأن الخوف من الأكوان هذا يمكن أن نسميه رعبًا. قال تعالى:
﴿سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: 151]
إذن يوجد رعب في قلوبهم، وهذا الرعب ليس إيجابيًا، بل هو سلبي. هذا الرعب سيؤدي إلى الهرب.
[المذيع]: سيؤدي إلى الهرب.
[الشيخ]: أما الخوف من الرحمن فسيؤدي إلى الطلب.
[المذيع]: الله! هذا هرب وهذا طلب.
الخوف من الرحمن يدعو إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات
[الشيخ]: انظر كيف! هنا عندما ألقى:
﴿فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا﴾ [آل عمران: 151]
بسبب شركهم وعقابًا لهم، ولوا مدبرين، لن يقفوا أمام المجاهدين والمؤمنين، لن ينتصروا.
لكن الخوف من الرحمن شيءٌ آخر تمامًا. الخوف من الرحمن شيء إيجابي يدعوك إلى العمل، إلى ترك المنكرات وفعل الطاعات.
ترك المنكرات عمل أيضًا، هو ترك نعم، لكنه نوع من أنواع حبس النفس، وهذا الحبس عمل. وفعل الطاعات أيضًا عمل؛ لأنك ستؤدي ما عليك فرضًا أو نفلًا أو تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى.
الفزع المتعلق بالأكوان والأمان منه يوم القيامة لمن جاء بالحسنة
[الشيخ]: انظر:
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 103]
انظر، ربنا هو يسأل عن الفزع، نعم، هذا الفزع متعلق بالأكوان أيضًا:
﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل: 89]
﴿وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ [النمل: 89]
انظر عندما يحكي لنا عن سيدنا داود عليه الصلاة والسلام:
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص: 22]
من أشخاص داخلين يتسورون المحراب وأمامه الله:
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [ص: 22]
الخوف كلمة عامة تشمل الرعب والفزع والخشية منها السلبي ومنها الإيجابي
[الشيخ]: فيكون إذن الخوف هذا كلمة عامة، قد تكون رعبًا وقد تكون فزعًا وقد تكون خشية وقد تكون حبًا، يعني هي كلمة عامة تطلق على هذه الحالة. لكن هذه الحالة منها السلبي ومنها الإيجابي، منها ما يتعلق بالأكوان ومنها ما يتعلق بالرحمن.
انظر ربُّنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ [الأحزاب: 37]
أي أنه يوجد خشية الناس التي هي خشية الأكوان، التي هي خشية الأشخاص وهي مكوِّن من مكونات الأكوان، وهناك خشية الرحمن:
﴿وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ [الأحزاب: 37]
﴿فَلَا تَخْشَوُا ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44]
تهذيب الطبع بتغليب خشية الرحمن على خشية الأكوان وأثر ذلك في رقة القلب
[الشيخ]: دعوا عنكم حكاية خوف الأكوان هذه، فهذا طبعٌ، ولكن ربنا سبحانه يهذب هذا الطبع، غلب خشية الرحمن على خشية الأكوان:
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ﴾ [النازعات: 26]
لمن يخشى الله، وهذه ناحية إيجابية.
﴿إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ﴾ [فاطر: 18]
وهذه أيضًا ناحية إيجابية. يقول الله تعالى:
﴿كِتَـٰبًا مُّتَشَـٰبِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]
خشية الله تسبب الشفافية وتسبب رقة القلب، وتسبب أن العلاقة بين العبد وربه عندما توصف بالخشية تؤدي إلى الطلب لا إلى الهرب.
[المذيع]: إلى الطلب لا إلى الهرب، وهذا أمر جميل.
خريطة الخوف الواضحة بين السلبي والإيجابي وثمرة خوف الرحمن الإكرام والجنة
[الشيخ]: فتصبح إذن أمامنا الخريطة واضحة: هناك خوف من الأكوان وهو أمر سلبي يؤدي إلى الهرب، وهناك خوف من الرحمن وهو أمر إيجابي وهو مُشبَع بالحب يؤدي إلى الطلب.
ويؤدي في النهاية بعد الطلب إلى الكرم، إلى الإكرام:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]
[المذيع]: ليست جنة واحدة.
[الشيخ]: لا، ليست جنة واحدة، بل جنتان:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: 40-41]
﴿قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: 15]
الخوف من الله نابع من الحب والرد على من يظن أن علاقة المسلم بربه مبنية على الرعب
[الشيخ]: فأنا خائف، وما شكل هذا الخوف؟ لأنني أحبه كثيرًا، أحبه كثيرًا.
ولذلك هذا يجيب على تساؤلات بعض الناس، بعضهم وهم يسألوننا، خاصة غير المسلمين، وهم كذلك مصدودون عن الإسلام، يقول لك: هل العلاقة التي بينكم وبين ربكم مبنية على الرعب والفزع؟
فأقول له: لا، ليست كذلك. كيف يمكن ذلك؟ نحن لسنا هكذا، بل نحبه كثيرًا.
[المذيع]: ونعم بالله.
[الشيخ]: ولدينا طمع في وجهه ورجاء في عفوه وهيبة بالطبع؛ لأنه ربنا، إنه خالق السماوات والأرض.
فهم الصحابة لمعنى الخوف المشبع بالحب ونصيحة سيدنا عمر بمشاورة من يخشون الله
[الشيخ]: فالحقيقة أن لدي هذا المعنى، وهذا المعنى ليس من اختراع عقولنا الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين ونحن نرد على هؤلاء، لا، هذا كلام فهمه سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]، فهمته الصحابة.
سيدنا عمر ينصح أصحابه فيقول: شاور في أمرك الذين يخشون الله عز وجل.
[المذيع]: وانتبه أن تأتي لتعمل مشورة، يكون الشخص يخشى ربنا سبحانه وتعالى، يخاف من ربنا كما يقولون في البلد.
[الشيخ]: سيدنا ابن مسعود {الصحابي عبد الله بن مسعود} وهو يناجي ربه قائلًا:
«خائفًا مستجيرًا تائبًا مستغفرًا راغبًا راهبًا»
[المذيع]: راغبًا راهبًا.
الرهبة والخوف من الله مشبعان بالحب والترغيب والترهيب وجهان لعملة واحدة
[الشيخ]: هذا يفهمونه هم، هذا فاهم الآن أن الرهبة والخوف من الله مشبع بالحب. تائبًا مستغفرًا راغبًا راهبًا، الله!
الترغيب والترهيب يجمعهم مع بعضهم، وهذان وجهان لعملة واحدة.
[المذيع]: الخوف والرجاء في نفس الوقت.
[الشيخ]: هؤلاء الصحابة. فلنأخذ مثلًا واحدًا مثل ذي النون المصري {أحد علماء المسلمين في القرن الثالث الهجري ومن المحدثين الفقهاء}. انظر إلى دعوته:
«اللهم إليك تقصد رغبتي، وإياك أسأل حاجتي، ومنك أرجو نجاح طلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي، لا أسأل الخير إلا منك، ولا أرجوه من غيرك، ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك»
الرجاء والخوف جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود
[الشيخ]: يفهم الإمام الغزالي هذا المعنى فيقول في كتابه الإحياء أن الرجاء والخوف جناحان. انظر إلى هذا التشبيه الرائع! أنا أقول إنهما كالإسفنجة والماء، أو كوجهي العملة الواحدة، وهو يقول إنهما جناحان بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود.
بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، وهما مطيتان أو فرسان التي تركبها لكي تصل، بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة شديدة.
انتبه جيدًا، انظر إلى ذي النون المصري متى كان، وبعده الإمام الغزالي، وقبله الإمام الشافعي.
أبيات الإمام الشافعي في الرجاء والعفو وجمال الخوف المحب
[الشيخ]: الإمام الشافعي رحمه الله ورضي الله تعالى عنه ينشد فيقول:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجا مني لعفوك سُلَّمًا. تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظم.
انظر إلى هذين البيتين، لنقرأهما مرة أخرى، لعل الناس تحب أن تكتبهما هكذا:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي، جعلت الرجاء مني لعفوك سُلَّمًا، سُلَّمًا مثل السلم تمامًا. تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما.
رأى ذنبه عظيمًا جدًا وأحاط به، فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظمه. آه، لا، هذا خائف مُحب.
[المذيع]: هي هذه يا سيدنا، رمانة الميزان الذي بين الخوف والرجاء.
[الشيخ]: هذا هو.
خاتمة الحلقة والوعد بحلقة قادمة عن الرجاء لربط الخوف والرجاء
[المذيع]: نستكمل الحلقة القادمة ونجعلها عن الرجاء لكي نربط الاثنين ببعضهما.
[الشيخ]: إن شاء الله، إن شاء الله.
[المذيع]: الوقت مع فضيلتكم يمضي سريعًا. اسمحوا لي باسم حضراتكم قبل أن نختم هذه الحلقة أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، على وعدٍ باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
