برنامج إحياء علوم الدين | حـ 22 | الرجاء | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 22 | أ.د علي جمعة
- •الخوف والرجاء جناحان يطير بهما العبد إلى المقام المحمود، فالخوف تألم القلب لانتظار ما هو مكروه، والرجاء ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب.
- •الرجاء الحقيقي مرتبط بالعمل، وليس مجرد أمل بلا سعي، فالمتواكل الذي يترك العمل ويقول سيغفر الله لي ليس راجياً بل أحمق.
- •قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمع في قلب عبد خوف وجاء في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه وأمنه مما يخاف".
- •اليأس من رحمة الله ذنب أعظم من الذنوب نفسها، كما قال علي رضي الله عنه: "يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك".
- •المنهج الإسلامي هو الوسطية بين الإفراط في الرجاء والتفريط فيه.
- •قال صلى الله عليه وسلم: "لو أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء، غفرتها له ما استغفرني ورجاني".
- •من عوقب على ذنبه في الدنيا فالله أعدل من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة.
مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة وتلخيص موضوع الخوف والرجاء
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية يا مولانا، فضيلتك أوضحت لنا، كنا نتحدث عن الخوف، وأوضحت لنا قول الإمام الغزالي أن الخوف والرجاء كجناحين يطير بهما الطائر، يتقرب بهما الإنسان إلى ربه، ما حقيقة المقام المحمود؟ يبلغ بهما المقام المحمود، يطير بهما المقربون إلى المقام المحمود.
ما شاء الله، يطير المقربون بهما إلى المقام المحمود، نعم.
حقيقة الرجاء في اللغة وعلاقته بالخوف كارتياح القلب لانتظار المحبوب
[المذيع]: طيب، الأول في بداية الحلقة يا مولانا، نريد أن نعرف ما هي حقيقة الرجاء وما أثره على أحوال العبد وأفعاله؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
إذا كنا نتكلم عن هذين الجناحين: جناح الخوف وجناح الرجاء، فنحن عرفنا الخوف بأنه منه ما هو للأكوان ومنه ما هو للرحمن، وأنه ينبغي على العبد أن يقدم ما كان للرحمن على ما كان للأكوان حتى يطمئن قلبه.
وأن الخوف في اللغة معناه تألم القلب، والرجاء في اللغة ارتياح القلب. جميل، عكسه! هناك فلسفة، الفلاسفة يتكلمون عن اللذة والألم، فإذا كان الخوف هو ألم أو فيه ألم، فإن الرجاء هو لذة أو فيه لذة.
ما شاء الله، ارتياح! ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب. هناك تألم القلب لانتظار ما هو مكروه، أي فهنا بالعكس، بالعكس.
العلاقة بين الخوف والرجاء وخطورة فقدان أحدهما على إيمان العبد
إذن فهناك ما بين الخوف والرجاء؛ الخوف الرباني من الله سبحانه وتعالى، الخوف الإلهي، يعني أن أخاف من الإله، لا بد أن يكون كالشيء الواحد مع الرجاء.
نعم، إذا فقد الخوفُ الرجاءَ فسيذهب بنا إلى الهرب والقنوط واليأس، وهذا ليس هو حق ربنا علينا. حق ربنا علينا أننا نطمع في عفوه ورضاه، ونسلم لأمره وقضائه وقدره، ونحن نحبه.
وكل ذلك أساسه الرحمة؛ بسم الله الرحمن الرحيم، فخرجت منها كل هذه الأشياء الجميلة.
تعريف الرجاء الحقيقي وارتباطه بتمهيد الأسباب وانتظار فضل الله
إذن الرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب، نعم، أو للتعلق بالمحبوب. هذا المحبوب قد يكون حالًا، قد يكون في الماضي، قد يكون في المستقبل، التي هي الأوقات الثلاثة: الماضي والمضارع والمستقبل.
نعم، أجل. اسم الرجاء يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبقَ إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله سبحانه وتعالى بصرف القواطع والموانع والمفسدات.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«الأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة»
الحديث هذا حديث ضعيف، لكن نأخذه كمعنى فقط.
الرد على من يترك العمل ويدعي الرجاء في عفو الله بالآيات القرآنية
نعم، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]
[المذيع]: نعم، هل هؤلاء يا سيدنا الذين نسمعهم الآن في وقتنا المعاصر يقولون: لا شأن لكم بي، أنا لا أصلي، ولكن ربك ربُّ القلوب، ربنا سيغفر لي؟
[الشيخ]: نعم، فهذا ليس رجاءً، هذا حماقة، هذا حماقة، هذا حماقة!
نعم، لأنه:
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَـٰقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: 169]
ما شاء الله، هذا يرد على هذا الصنف من الناس.
الفرق بين الرجاء الحقيقي والتواكل وضرورة الجمع بين الخوف والعمل
هذا الصنف من الناس الذي لا يريد العمل، بل هو يعيش في الأمل، متواكل ليس متوكلًا. نعم، فيبقى هذا لا ينفع، ليس هو هذا الرجاء.
الرجاء هو داخل في الخوف، وهذا [المتواكل] ليس لديه خوف. هذا يريد الطائر أن يطير بجناح واحد وهو جناح الرجاء. نعم، صحيح، بجناح رجاء فقط في عفو الله، وليس هناك خوف، ليس هناك عمل، لن يطير، فيصبح عاجزًا.
نعم، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن أناسًا غرهم بالله الغرور، يقولون: نحن نحسن الظن بالله، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل»
نعم، يعني إذا كنت فعلًا في رجاء فلا بد عليك أن تعمل، نعم، أن تعمل، أن تعمل.
العمل هو الماء الذي تسير فيه سفينة الرجاء والنجاة من القنوط
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس. الله! السفينة تحتاج مياهًا تسير فيها، نحتاج ماءً، نريد ماءً، والعمل هو الماء.
هذا ما شاء الله:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 53]
إذن هناك رجاء، لا تقنطوا من رحمة الله، واعملوا. إذن لا تقنطوا من رحمة الله، فاستغفروا واقلعوا عن الذنوب.
وقلنا أنَّ أول خطوة في خطوات المُنجيات: التوبة ثم المحاسبة، قلنا ذلك وأعددنا حلقة للتوبة وحلقة للمحاسبة وغيرها إلى آخره.
حسن الظن بالله تعالى وحديث أنا عند ظن عبدي بي
فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بأن نحسن الظن بالله:
قال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى» أخرجه مسلم
نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أن الله عز وجل قال:
«أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن عبدي بي شرًا فله» أخرجه الإمام أحمد
هو حر! نعم، أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء.
حديث الرجل المحتضر الذي جمع بين خوف الذنوب ورجاء رحمة الله
ومرة دخل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يموت، فقال: كيف تجدك؟ (أي كيف تجد نفسك، يعني ما حالك الآن؟)
فقال:
«أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي»
أخاف ذنوبي وفي نفس الوقت أرجو رحمة ربي. نعم، خائف من هذه الذنوب! الله! إنه خائف كأنه قد عمل ذنوبًا.
فقال صلى الله عليه وسلم:
«ما اجتمع في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجاه وأمَّنه مما يخاف»
[المذيع]: بارك الله فيكم سيدنا، يعني إذا كان الصحابي خائفًا من الذنوب ويرجو رحمة الله في نفس الوقت.
[الشيخ]: نعم، وهذا أن الإيمان طائر بجناحين: الخوف والرجاء، أخرجه الترمذي.
فهم الصحابة والأئمة أن الخوف حقيقة الرجاء والرجاء حقيقة الخوف
ولذلك الحديث هذا يعني في أصل من أصول الإسلام. فهكذا كان فهم الصحابة، وكان فهم الأئمة، وكان فهم الأتقياء: أن الخوف من الله سبحانه وتعالى هو حقيقة الرجاء، وأن الرجاء هو حقيقة الخوف، وأنه لا يتم الأمر إلا بهما، إلا بهما معًا.
معًا، جميل، ما شاء الله.
[المذيع]: طيب، لقد مضى الوقت معك يا مولانا مع فضيلتك، نخرج إلى فاصل ونعود لنستكمل هذا الحوار الشيق. أهلًا وسهلًا، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.
عودة من الفاصل وسؤال عن أحاديث أخرى في الخوف والرجاء
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، وموضوع حلقة اليوم عن الرجاء.
فضيلتك يا سيدنا، قبل أن نطلع الفاصل قلت لنا الحديث الشريف عن الرجل الذي كان يحتضر، هل في أحاديث أخرى تتكلم عن الخوف والرجاء؟
[الشيخ]: هناك أحاديث كثيرة، نذكر منها مثلًا ما أخرجه ابن ماجة وابن حبان، قال صلى الله عليه وسلم:
«إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟»
نعم، رأيت المنكر ولم تنكره، ولم تنكره! وهذه مؤاخذة.
حديث من رجا الله وخاف الناس فغفر الله له وأثر سيدنا علي في اليأس
فإن لقّنه الله حجته قال:
«يا ربي، رجوتك وخفت الناس»
الله! يعني هنا الرجاء، أي طمعت على رحمة ربنا وخفت من الناس أن يؤذوني. قال:
«فيقول الله تعالى: قد غفرت لك»
الله أكبر! فهناك أمل هنا.
مثلًا في أثر عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال لرجل أخرجه الخوف إلى اليأس والقنوط لكثرة ذنوبه: يا هذا، يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك! الله! يأسك من رحمة الله ذنب أعظم من الذنوب نفسها.
يبقى إذن هو واعٍ للرجاء، وأن هذا الخوف لا بد أن يُشبع بالرجاء وإلا يؤدي إلى اليأس.
قول سفيان الثوري في مغفرة الله لمن رجا غفرانه وقصة المقنط من رحمة الله
نعم، سيدنا علي، ما شاء الله. سيدنا سفيان الثوري عاش في القرن الثاني، أي في عام مائة وأربعة وستين هجري.
نعم، يقول: من ارتكب ذنبًا فعلم أن الله تعالى قدره عليه ورجا غفرانه سبحانه، غفر الله له ذنبه. هؤلاء هم الناس الذين فهموا الدين.
أيضًا، وقد ورد عن السلف أن رجلًا من بني إسرائيل كان يُقنِّط الناس، أي يُيئسهم ويشدد عليهم، مثل بعض الناس في أيامنا هذه. فيقول له الله تعالى يوم القيامة:
«اليوم أُيئسك من رحمتي كما كنت تُقنِّط عبادي منها»
يا لطيف! كما كنت تطرد عبادي بتخويفهم الزائد عن اللزوم، أنا سأطردك من رحمتي هكذا. أعوذ بالله من غضب الله!
هل الإفراط في الرجاء يؤدي إلى ضرر ومنهج الوسطية في الإسلام
[المذيع]: مولانا، يوجد أناس كثيرة تعرف أن الدواء رغم أنه شافٍ وناجح، إلا أنني لو أخذته بإفراط يمكن أن يؤدي إلى ضرر أشد. فهل الرجاء يمكن أن يُستخدم كعلاج أو دواء ولكن الإفراط فيه يؤدي إلى مرض أشد؟
[الشيخ]: طبعًا، لأنه عندنا نموذج الإفراط والتفريط. نعم، فالإفراط والتفريط دائمًا:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
هذا هو منهج الإسلام. فعندنا نموذج الإفراط، وعندنا نموذج غلب عليه [أحد الجانبين]. يعني نموذج الإفراط في الرجاء، أما الآخر فغلب عليه الخوف، فأسرف في المواظبة على العبادة حتى أضر بنفسه وأهله وكذا.
حديث النبي في التوازن بين العبادة والحياة ونموذج المنحنى الجرسي
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«ألا إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني»
المثال هو سيدنا رسول الله، عمل مثل المنحنى الجرسي: يعلو ويعلو ويعلو حتى يصل إلى نقطة، ثم إذا استمر يبدأ بالنزول والنزول.
جميل، فتلك القمة هي رسول الله عليه الصلاة [والسلام]، لو أنك ستزيد عليه فستنزل، ستنزل. صحيح، لن تصعد! الذين قالوا لن نتزوج النساء ولا نأكل، أي شيء تزيد عليه [على هدي النبي]، لا بد أن يزيدوا قليلًا أيضًا عن النبي، ومن يرغب عن سنتي فليس مني، فليس مني.
حديث صحيح مسلم في مغفرة الله للعبد المستغفر التائب
إذن هذا الذي يزيد [عن هدي النبي] نحن لا نعرفه. فإذن، نعم، هناك التفريط وهناك الإفراط.
لكن إذا قدرنا نحن أن نقرأ الآيات ونتتبعها، ونقرأ الأخبار ونتتبعها التي ذكرناها كلها، فإننا نرى أنه لا بد منهما [الخوف والرجاء معًا].
حتى أنه ورد في صحيح مسلم في الحديث:
«إذا أذنب العبد ذنبًا فاستغفر الله، يقول الله عز وجل لملائكته: انظروا إلى عبدي، أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب، أشهدكم أني قد غفرت له»
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم، ما شاء الله.
حديث الترمذي في سعة مغفرة الله لمن استغفر ورجا رحمته
وفي الترمذي حديث آخر:
«لو أذنب العبد حتى تبلغ ذنوبه عنان السماء، غفرتها له ما استغفرني ورجاني»
الرجاء جاء هنا، ما استغفرني ورجاني. ما شاء الله!
«أنه لو جاء عبدي بتراب الأرض ذنوبًا ثم جاءني تائبًا لغفرت له»
غفرت له، ما شاء الله! هذا الحديث رحمة كبيرة جدًا.
تأمل في عظمة مغفرة الله وأن ذنوب العبد لا تبلغ تراب الأرض
نعم، تراب الأرض! عندما نمسك الأرض ونرى كم فيها من تراب، نعم، ذرات التراب الخاصة به، ذرات التراب هذه هائلة حقًا.
فلو عددناها، ووجدنا مثلًا أنها دشليون ذرة، دشليون هذا لا أعرف أن هذا واحد وأمامه كم صفر! نعم، ما رأيك أن عدد ثواني عمري لا يمكن أن يصل إلى هذا الرقم الصحيح مهما استغفرت، ولا يصل إلى متر مكعب من التراب، متر مكعب من التربة، من التراب.
نعم، ولا متر مكعب! تخيل أنني جالس أرتكب ذنوبًا بعدد هذا التراب، ما هو يقول لي هكذا: بقراب الأرض ذنوبًا، وفي رواية بتراب الأرض ذنوبًا.
كرم الله في المغفرة وأن الرجاء والخوف مطلوبان دون إفراط أو تفريط
كيف يكون تراب أرض؟ أنا أصلًا متر مكعب لا أعرف كيف أفعل هذا! لو ارتكبت الذنوب باستمرار، لن تصل إلى متر مكعب من ذرات التراب.
أما أنا فقد جلبت له الأرض كلها، يعني عكّرت الدنيا، ثم جئت تائبًا ليغفر لي سبحانه وتعالى. ما هذا الكرم، ما هذه الحلاوة، ما هذا الجمال!
فالرجاء مطلوب والخوف مطلوب دون إفراط أو تفريط.
قصة الأعرابي الذي فرح بأن الله هو الذي يحاسب الخلق بنفسه
الأعرابي الذي جاء وقال: يا رسول الله، من الذي سيحاسب الخلق؟ فقال: الله تبارك وتعالى. قال: هو بنفسه؟ يعني: هو بنفسه؟ قال: نعم. فتبسم الأعرابي!
ما شاء الله! عند هؤلاء الأعراب نوع من المكر. قال صلى الله عليه وسلم: ما الذي أضحكك يا أعرابي؟
فقال: إن الكريم إذا قدر عفا، وإذا حاسب سامح! ما شاء الله!
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: صدق الأعرابي، صدق الأعرابي. ربنا كريم، لو يقدر عليّ سيعفو عني وسيغفر لي. ابتهج!
تأكيد النبي أن الله أكرم الأكرمين وعظمة الحاجة إلى فهم الرجاء
[المذيع]: نعم، هل هو سيرسل لنا شخصًا، سيرسل لنا ملكًا يحاسبنا؟ أو أحدًا من القضاة، أو من الملائكة، وهكذا ليحاسبنا، أم هو بنفسه؟
[الشيخ]: نعم، قال له: لا، هو بنفسه. قال: حسنًا، انتهى الأمر، انتهى الأمر. قال: نعم، حسنًا، انتهى الأمر. كيف مرت؟ انتهى الأمر!
نعم، إنه كريم يا صديقي، إنه سيسامحني هكذا. الله! فقال رسول الله: صدق الأعرابي، قال: لا كريم أكرم من الله، الله هو أكرم الأكرمين سبحانه وتعالى.
ما أعظم حاجتنا إلى فهم الرجاء! هذا الكلام الجميل يجب أن يكون هو الذي نقدمه للناس مع الخوف.
التحذير من ادعاء الرجاء مع ترك العبادة وسوء الأدب مع الله والناس
لئلا يقول لي أحدهم: لا شأن لك بي، أنا أصلًا قلبي أبيض وقلبي أحمر وقلبي لا يعرف ماذا، وهو غير راضٍ أن يصلي ولا يصوم ولا يعبد، وهو طويل اللسان وقليل الأدب مع الله سبحانه وتعالى ومع الناس.
وليس هذا الذي خاف فيأس، أو أنه خاف فلم يدخل الإسلام. قال: لا يا عم، أنتم أناس عندكم شدة! لا أبدًا، قال رسول [الله صلى الله عليه وسلم]:
«مَن لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة»
على الفور هكذا.
قول سيدنا علي في أن الله أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة
أي، وكان سيدنا علي يقول: مَن أذنب ذنبًا فستره الله عليه في الدنيا، فالله أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة.
ما دام ربنا سترني في الدنيا وأنا أفعل الذنب، إن شاء الله لن يكشف هذا الستر. يا من سترت نفسك عن خلقك، استرني بما سترت به نفسك عن خلقك. ما شاء الله!
ومن اقترف ذنبًا فعوقب عليه في الدنيا، فالله أعدل من أن يكرر عقوبته على عبده في الآخرة.
مبدأ عدم تكرار العقوبة على الذنب الواحد في الفقه الإسلامي
كان سيدنا علي يرى أن الحدود والتعزير مكفرات؛ إذا حوسبت في الدنيا فلن تعاقب يوم القيامة. من عُوقب في الدنيا، فإن الله تعالى يعفو عنه يوم القيامة حتى لا يُثَنِّي عليه العقوبة؛ لأن من مبادئ العدل عدم تكرار العقوبة على الذنب الواحد.
من الجميل في مبدأ العدل أنه لا يصح معاقبة شخص مرة ثانية على نفس الجريمة، لا، لا يصح. نعم، ما دمت طُبِّقَت العقوبة المنصوص عليها، فقد طُبِّقَت العقوبة التي نُصَّ عليها، فلا يصح بعد ذلك أن تُعاقب عليها مرة أخرى.
قصة الرجل الذي شُنق ولم يمت ودفاع سعد زغلول عن مبدأ عدم تكرار العقوبة
مرة رجل من الصعيد قتل وحُكم عليه بالإعدام، وكان نص القانون المصري يعاقب بالشنق من يفعل كذا وكذا. بالشنق، فقد كان ضخم الجثة هكذا، وبينما هم يشنقونه لم يمت، علق في الحبل لم يمت.
وبعد ذلك أنزلوه وأعادوا محاكمته. نعم، فكان سعد باشا زغلول محاميه، وقال لهم: حسنًا، لقد شُنق وانتهى الأمر! لم يقل لهم أنه بريء، ولم يجعله بريئًا، لقد شُنق فعلًا، لقد شُنق وانتهى الأمر.
حسنًا، فقال: ليس هناك عقوبة ثانية. فقالوا له: صحيح الكلام، صحيح الكلام، وتركوا الرجل، وتركوا الرجل. صحيح!
تغيير نص القانون بعد قصة الشنق وتطبيق مبدأ الإعدام حتى الموت
وغيّروا القانون، قالوا: بالإعدام شنقًا. منذ ذلك الحين أضافوا كلمة الإعدام، وهذه ثغرة في العبارة أنه بالشنق.
بالشنق، قال لهم: حسنًا، الشنق حصل! قالوا له: لا، بالإعدام شنقًا حتى الموت. هذا أصبح: لا، بالإعدام شنقًا حتى الموت.
يعني لو جاءنا شخص آخر وفعلنا به ذلك، سنعيدها ثانيًا؛ لأن نص قانون العقوبة يقتضي أنه يجب أن يموت. نعم، عندما تُحضر لي نصًا صريحًا هكذا، يعني أنت الذي فعلته وأخطأت، فعليك أن تتحمل خطأك يا أستاذي.
فكر سيدنا علي الراقي في عدم تكرار العقوبة وتطبيقه يوم القيامة
فقضية عدم تكرار العقوبة التي يشير إليها سيدنا علي، هذا فكر راقٍ جدًا. ما شاء الله، يعني أيضًا طبقه حتى في يوم القيامة.
التي هي أن ربنا سبحانه وتعالى فعال لما يريد، لكن هذا ما علّمه لنا، هذا ما علّمه للمسلمين: أن الله أعدل - انظر أنه لم يقل أرحم، أي الأعدل - أن يثني عقوبته على عبده في الآخرة.
[المذيع]: نعم، الوقت يجري مع فضيلتك يا سيدنا، ونحن طبعًا متذكرون قول سيدنا سفيان الثوري أنه ما أحب أن يجعل حساب يوم القيامة لأبويه؛ لأنني أعلم أن الله أرحم منهما.
نعم، هنا قمة الرجاء طبعًا.
ختام الحلقة والشكر لفضيلة الشيخ علي جمعة والوعد بلقاء قادم
ربنا يفتح عليك يا سيدنا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين.
وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
