برنامج إحياء علوم الدين | حـ 28 | الرضا | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 28 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 28 | الرضا | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 28 | أ.د علي جمعة

21 دقيقة
  • الرضا يمنح القلب السرور، وسببه التسليم لله وأمره وقدره وقضائه.
  • التسليم هو أساس الرضا، مصداقاً لقوله تعالى: "ويسلموا تسليماً"، ويجعل المؤمن في درجة الإحسان.
  • رضوان الله نعمة عظيمة تسبب القناعة وتحقق الفوز العظيم للإنسان.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً للرضا، كما روى أنس بن مالك أنه خدمه عشر سنوات فما قال له لشيء "لما فعلت؟" أو "هلا فعلت"، بل كان يقول: "كذا قُضي، كذا قدَّر الله".
  • قال عمر رضي الله عنه: "ما أبالي على ما أصبحت وما أمسيت، لأنني لا أدري أيهما خير لي".
  • الفرق بين الرضا والصبر أن الرضا يساعد على الصبر الجميل الذي لا يصحبه تبرم.
  • القضاء نافذ سواء رضي العبد أم سخط، لكن الرضا يؤجر صاحبه.
  • الرضا يذهب الهم والحزن ويجلب الفرح والسرور ويحقق الحياة الطيبة.
  • الرضا هو قمة المنجيات وخاتمتها في سياق تزكية النفس.
محتويات الفيديو(29 أقسام)

افتتاح الحلقة الثامنة والعشرين من برنامج إحياء علوم الدين عن الرضا

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

وصلنا إلى الحلقة رقم ثمانية وعشرين من برنامجكم إحياء علوم الدين، إن شاء الله تكون مسك الختام، وموضوعها عن الرضا.

برنامج إحياء علوم الدين تشرف بأن كنا مع حضراتكم في حضرة مولانا فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: مرحبًا بكم جميعًا.

[المذيع]: أهلًا بك يا سيدنا. الآن وصلنا يا مولانا للحلقة الثامنة والعشرين، مفتاح الرضا. ما فضيلة الرضا وما ثمرة الرضا على العبد؟

الرضا يأتي بالسرور للقلب وسببه التسليم لله تعالى

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الرضا يأتي بالسرور للقلب، وسبب ذلك التسليم؛ سبب ذلك التسليم. نسلّم لله ولأمر الله ولقدر الله ولقضاء الله، فنفرح بما يجريه علينا، فيحدث الرضا.

﴿رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: 22]

يعني هناك أناس يرضون عن ربنا: يا رب أنا راضٍ، أنا مبتهج يا رب. فالانبساط والسرور والرضا هذا أتى من أنني قد سلّمت نفسي، فأسلمت لله رب العالمين.

معنى التسليم في القرآن الكريم ودلالة المفعول المطلق على التأكيد

قال تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

ما شاء الله، انظر كيف صار هنا أي التسليم، "ويسلّموا تسليمًا"، يسلّموا تسليمًا. هذا نسميه ماذا؟ مفعول مطلق. نعم، يقول لك: والمفعول المطلق يفيد التأكيد.

لماذا؟ قال إن هناك تسليمًا موجودًا داخل الفعل، نعم، وهناك تسليم آخر موجود داخل المصدر. "ويسلّموا" هذه فيها تسليم، ها هي، و"تسليمًا" فيها تسليم، ها هي. فيكون كأنه يقول: تسليمًا تسليمًا، فيكون قد كرّر، والتكرار فيه تأكيد. فدائمًا المفعول المطلق فيه تأكيد.

المفعول المطلق يدل على الحقيقة وتطبيقه في تكليم الله لموسى

جميل، المفعول المطلق يدل على الحقيقة. انظر ماذا تقول القاعدة: المفعول المطلق يدل على الحقيقة.

﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]

إذن هو كلام حقيقي. لماذا؟ أين هذه الحقيقة؟ لماذا هو ليس مجازًا؟ لا، لأن "تكليمًا" يؤكد الحقيقة. نعم، لأنه كلّمَ تكليمًا، فهذا حقيقي.

إذن "ويسلّموا تسليمًا" هذه ما هي هذه؟ إنها سبب الرضا.

الرضا يرفع الإنسان إلى درجة الإحسان ونعمة القناعة

قال تعالى:

﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22]

فالرضا في الحقيقة يجعل الإنسان في درجة الإحسان. ما شاء الله، انظر إلى كلامهم، يقول لك إنه يجعل الإنسان في درجة الإحسان. إنسان، إحسان، هذا السجع لكي تتوازن الكلمة هكذا في الذهن.

﴿هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ﴾ [الرحمن: 60]

ما شاء الله، فيكون إذن هذا [الإحسان] يؤدي إلى هذا [الرضا والجزاء].

الرضا نعمة من الله تسبب القناعة والفوز العظيم

هذا الرضا هو نعمة، نعمة كبيرة؛ لأنها ستسبب عندك القناعة وستسبب الرضا. يعني شيء جميل جدًا، وهي نعمة من الله.

قال تعالى:

﴿وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72]

ما شاء الله، إذن رضوان ربنا هذا عبارة عن نعمة، وأيضًا يسبب الفوز والربح للإنسان.

أمثلة الرضا في حياة النبي وحديث أنس بن مالك في خدمته للنبي

[المذيع]: نعم، نريد أن نعرف أمثلة يا سيدنا للرضا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان قدوة، وكان قرآنًا يمشي على الأرض صلى الله عليه وسلم. نريد أن نعرف أمثلة ونماذج من رضا سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة.

[الشيخ]: أمثلة الرضا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، ومن ذلك ما رُوي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:

«كنت خادم النبي صلى الله عليه وسلم، فما قال لي لشيءٍ قطّ: لِمَ فعلت؟ أو هلّا فعلت؟ إنما كان يقول: كذا قُضي، كذا قدّر الله»

لمّا يلاقيه أنس [يخطئ في شيء]، ابن أمه أم سليم بنت ملحان.

قصة أنس بن مالك مع النبي ودعاؤه له بطول العمر والبركة

نعم، وأم سليم أرسلت الولد [أنسًا] وهو عنده عشر سنين، فرافق النبي صلى الله عليه وسلم واستفاد، ودعا له النبي بطول العمر، فزاد عن المائة. ما شاء الله، سيدنا أنس وكان له وفرة في المال والأولاد.

بالفعل كان لديه ثروة كبيرة وعدد كبير من الأبناء. وعندما أقام النبي عشر سنوات في المدينة، يكون عمر أنس عندما انتقل سيدنا الرسول حوالي عشرين أو واحد وعشرين سنة تقريبًا.

إذن هي فترة من العاشرة أو الحادية عشرة إلى الواحدة والعشرين، هذه الفترة التي قضاها النبي كلها في المدينة، لكن هي أيضًا فترة لعب أنس.

تعامل النبي مع أخطاء أنس بالرضا والتسليم دون ضرب أو توبيخ

نعم صحيح، فكان أنس يفعل أمورًا كثيرة جدًا مع سيدنا عليه الصلاة والسلام، فسيدنا [النبي] ينظر إليه هكذا ويقول: حسنًا، هكذا قُضي. نعم، هكذا قُدّر، ولا يضربه ولا يفعل شيئًا.

وذات مرة أرسل أنسًا في مهمة، فأنس لعب مع الصبيان، نعم، ونسي المشوار ولم يذهب في أمانة الله، ورجع للنبي بعد ساعتين أو ثلاث أو أربع، والنبي ينتظره.

النبي عليه الصلاة والسلام كان لكي لا ينسى السواك أثناء وضوئه وما إلى ذلك، فكان يضع السواك على ماذا؟ على أذنه، مثل القلم هكذا، كما كانوا يضعوه كاتب الدقة على أذنه. كان يضع السواك على أذنه، هذا السواك عبارة عن قطعة غصن ليس له أهمية.

موقف النبي مع أنس حين تأخر في المهمة وتحذيره بالسواك

فماذا يقول له [النبي صلى الله عليه وسلم]:

«أرهقتني يا غلام»

فسيد المرسلين كان جالسًا ساعتين أو ثلاثة، أرسله في مهمة أو مأمورية، أو ليحضر شيئًا، فذهب يلعب مع الأولاد ولم يذهب. جالسين ساعتين أو ثلاثة.

قال له: أرهقتني يا غلام، ولولا أني أخاف الله لأوجعتك بهذا السواك. لكن على فكرة، ما أوجعه. نعم، يعني خلاص، هو فقط حذّره قائلًا: لولا أني خائف من ربنا لكنت ضربتك بالسواك هذا، مثل القلم الرصاص.

يعني هذا الذي ما رآه أنس من سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام. هذا تسليم، هذا رضا، هذا صبر، هذا قُل ما شئت.

رضا سيدنا عمر بن الخطاب بقضاء الله في جميع الأحوال

سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه يقول:

«ما أبالي على ما أصبحت وما أمسيت، أحبّ إليّ؛ لأنني لا أدري أيهما خير لي»

يعني لا أبالي على ما أصبحت وما أمسيت، ولا أعرف، فقر أو غنى، صحة أو مرضًا، كله خير. لا أعرف أيُّهما خيرٌ لي، هو ما يختاره الله. فقد كان يوجد رضا.

وقد كان يقول أيضًا:

«لو أن الصبر والشكر بعيران في ملكي ما أبالي على أيهما ركبت»

أي إذا ممكن أن نركب الصبر في المصيبة، ويمكننا أن نركب الشكر عندما نتلقى عطية ومنحة من الله سبحانه وتعالى. فهذا يُظهر التسليم والرضا على كل حال.

رضا عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والتوكل على الله

سيدنا عمر يقصد أنه لا يحب أن يفضل أحدهما على الآخر؛ يصبر حسنًا، ويرضى حسنًا، الاثنان واحد. ما يأتي منك يا ربنا جميل، ما يأتي منك يا ربنا سنتعامل معه. ما شاء الله.

وكان سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول:

«أصبحت وليس لي في الأمور من اختيار»

أصبحت وليس لي في الأمور من اختيار. يعني متوكل على الله، مسلّم راضٍ، تاركها لله.

والترك لله هذه ليست سيئة، الترك لله هذه ليست ترك الأسباب، ليست ترك الدنيا، ليست خراب العالم. هذا الترك لله شعور جميل يزيدني ثقة بنفسي وثقة واحترامًا للآخرين. ما شاء الله.

الانتقال إلى الفاصل والعودة للجزء الثاني من حلقة الرضا

[المذيع]: دعنا نذهب إلى الفاصل يا سيدنا ونكمل هذا الحوار الشيق. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني والأخير من حلقة اليوم من برنامج إحياء علوم الدين، والحلقة الأخيرة رقم ثمانية وعشرين. نتحدث مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية عن خلق أو مفتاح الرضا.

الفرق بين الرضا والصبر وأهمية التدريب على الرضا بقضاء الله

[المذيع]: سيدنا، الآن الإنسان أو الطبع عندما تحدث لي مشكلة وأرضى بها، يقول بعض الناس: لا، هذا ليس رضًا، هذا اسمه صبر. فنريد أن نوضح ما الفرق بين الرضا والصبر؟

[الشيخ]: إن هذه المسألة تحتاج إلى تدريب. نعم، بدون أن تدرّب نفسك على الرضا، فإن أي مصيبة ستأتي ستجزع؛ لأن هذه هي طبيعة الإنسان هكذا. وأي شيء سيأتي من الفرح ستفرح وتختال وما إلى ذلك.

فالقضية تحتاج إلى تدريب، تدريب ومراقبة.

قصة سيدنا علي بن أبي طالب مع عدي بن حاتم الطائي وإكتئابه

الإمام الغزالي في الإحياء يضرب لنا أو يأتي لنا بقصة لطيفة حدثت بين سيدنا علي بن أبي طالب - وعلى فكرة سيدنا علي بن أبي طالب كان مربيًا كرّم الله وجهه رقم واحد، يعني كان عالمًا وكان مربيًا - وبين عدي بن حاتم بن حاتم الطائي الرجل الكريم هذا.

نعم، عدي بن حاتم كان يبحث دائمًا عن الحق عقليًا هكذا، فكان من الأريسيين. الأريسيون هؤلاء طائفة من المسيحيين أو من النصارى تؤمن بأن الله واحد وبأن عيسى كان نبيًا.

نعم، فلما ظهر النبي ووجد فيه الصفات آمن وأسلم وحسن إسلام عدي بن حاتم الطائي.

مواساة سيدنا علي لعدي بن حاتم بعد فقد ابنيه وفقء عينه

هذا هو جميل. فسيدنا علي رأى عديًا مكتئبًا، عنده إكتئاب. فقال: يا عدي، ما لي أراك كئيبًا حزينًا؟ يواسيه، يعني يريد أن يعرف ما الأمر الذي أحزنه.

فقال: وما يمنعني أن أكتئب؟ فقد قُتل ابناي، ولدان شابان في عز شبابهما قُتلا، وفُقئت عيني. عدي في آخر حياته فُقئت عينه في الجهاد، فبقيت عين واحدة.

نعم طبعًا، فقء العين يجعل الإبصار ضعيفًا ويسبب تشويهًا في المظهر أيضًا، يعني الأعور ليس مثل كامل الخلقة هكذا. وما يمنعني؟ فقد قُتل ابناي وفُقئت عيني.

نصيحة سيدنا علي لعدي بأن القضاء نافذ والرضا يجلب الأجر

فقال [سيدنا علي]: يا عدي، من رضي بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر. يعني قضاء الله هذا يجري عليه لأنه قضاء الله جارٍ، جارٍ. لكن الفكرة أنه ما دام رضي فله أجر.

ومن لم يرضَ بقضاء الله جرى عليه أيضًا وحبط عمله. إذن يا عدي، ما رأيك؟ القضاء نافذ، نافذ. الأبناء سيموتون، سيموتون، أردت أو لم ترد، في حياتك أو بعد وفاتك، في هذه الساعة.

صحيح، لو كانوا في حضنك، لو كانوا في بروجٍ مشيدة، سيدركهم الموت. عينك هي آخرها هذه، وبعدها ستذهب.

الاختيار بين الرضا مع الأجر أو السخط مع حبوط العمل

فإما أن ترضى وإما أن تسخط. الرضا لن يصدّ القضاء، والسخط لن يصدّ القضاء. القضاء نافذٌ نافذٌ في الحالتين.

فما رأيك أن ترضى وتُؤجر، أو أن تسخط ويحبط عملك؟

فاختار عدي الرضا مع الأجر.

الفرق بين الرضا والصبر وأن الرضا يولّد الصبر الجميل والتوكل

وكذلك إذا كان الأمر هنا، يمكن أن تبيّن لك هذه القصة ما سألت عنه من الفرق بين الرضا والصبر. وكذلك أصلها معانٍ متولدة بعضها من بعض.

أي أن هذا الرضا سيساعد الإنسان على الصبر، سيساعد الإنسان على أي صبر يكون؟

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ﴾ [يوسف: 18]

متى يكون الصبر يكون جميلًا؟ عندما لا يكون فيه تبرّم ولا اعتراض على مراد الله ولا غير ذلك إلى آخره.

هذا الرضا سيُذهب الحزن، وهذا الرضا سيساعد على الزهد، وهذا الرضا سيساعد على التوكل والتسليم.

الرضا يجعل الإنسان يفهم حقيقة الكون وأن كل شيء بمراد الله

الرضا سيجعلك تفهم الأشياء على حقيقتها، أنه لا يكون في كونه سبحانه وتعالى إلا ما أراد. سبحان الله، هو سبحانه مراده في الكون هكذا، فلا يتم شيء إلا بخلق الله وبمراده سبحانه وتعالى.

قصة أبي الدرداء مع الرجل المحتضر الذي حمد الله عند الموت

أعطيك مثالًا آخر: أن سيدنا أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه، رضي الله عنه، مرة دخل على رجل وهو يموت وهو يحمد الله سبحانه وتعالى، الحمد لله.

فقال أبو الدرداء: أصبت، كلامك هذا صحيح. نعم، الحمد لله تُقال هنا في هذا الوقت. نعم، إن الله عز وجل إذا قضى قضاءً أحبّ أن يُرضى به.

هنا لا يوجد صبر، فالرجل يتهيأ للوفاة، وإنما مقام هذا التهيؤ هو أن أقول له: شكرًا يا رب، الحمد لله على أن أنعمت عليّ بأن متُّ على الإسلام وبأن متُّ بهذه الحالة. وكذلك الحمد لله أواجه بها ربي. أهذا هو الرضا؟

قول ابن مسعود في أن الروح والفرح في اليقين والرضا والهم في الشك والسخط

ابن مسعود مثلًا يقول:

«إن الله تعالى بقسطه وعدله، القسط الذي هو العدل والإنصاف، جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط»

أنت تريد أن تسير وراء الشك والسخط، حسنًا، سيكون هناك همّ وحزن حقيقي. لكن إذا كنت تريد اليقين من غير شك والرضا من غير سخط، فهذا يجلب لك الفرح والسرور.

فأنت هنا بالرضا تستطيع أن تصل إلى الفرح والسرور.

الحياة الطيبة في القرآن تفسيرها بالرضا والقناعة

وهذا يذكرنا بقوله تعالى:

﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوٰةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]

المفسرون يقولون: حياة طيبة بالرضا والقناعة. ما شاء الله، بالرضا والقناعة. راضٍ بجميع الأحوال، القناعة كنز لا يفنى.

منهج الإمام الغزالي في الإحياء ورواياته عن الأنبياء السابقين

نعم، سيدنا أبو حامد الغزالي في الإحياء وهو يتحدث عن صياغته للإحياء، يذكر لك الآيات والأحاديث ثم الآثار ثم الروايات عن أهل الكتاب والأنبياء السابقين، مما حصّله المسلمون سواء من السنة أو من غيرها من المصادر المختلفة، ما دامت موافقة للإسلام وما دامت موافقة للكتاب المهيمن المقياس المعيار وهو القرآن الكريم.

فيروي عن سيدنا عيسى كثيرًا، ويروي عن أنبياء بني إسرائيل كثيرًا.

دعاء داود عليه السلام وأبغض العباد إلى الله من لا يرضى باختياره

فأورد عن داود عليه السلام أنه كان يقول:

«يا رب، أيّ عبادك أبغض إليك؟ قال: عبدٌ استخارني في أمرٍ فاخترت له فلم يرضَ»

لا إله إلا الله! يلعب [أي يتلاعب]، عمل استخارة وشاء الله أمرًا، فقال له: افعل كذا، فقال: لا، لن أفعل. آه، أنا غير راضٍ. نعم، كنت أريدها الثانية. الله! ولِمَ عملت استخارة؟ أنت في فسحة من أمرك.

سرور عمر بن عبد العزيز بمواقع القدر وسعادة الرضا بأمر الله

وكان عمر بن عبد العزيز يقول:

«ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر»

إلا في مواقع القدر. آه، هو يستمتع من القدر، القضاء والقدر الذي يحدث. آه، القدر بالنسبة له سعادة. يعني هذه درجة.

صحيح، هذا كأنه الكون على مراده وهواه. ما شاء الله، الكون بمراد الله، أي وبأمر الله وبخلق الله. هو أصبح يعني مسرورًا من كل شيء.

نعم، أنا مسرور يا أخي حقًا. فانظر، هذه سعادة، والله سعادة أن يرضى المرء بأمر الله وقضائه، فهو راضٍ به.

الرضا قمة المنجيات ونهاية طريق الذكر والفكر ومفتاح السعادة

إذن هذا هو حال الرضا الذي ينبغي علينا أن نجعله في قمة المنجيات ونهاية طريق الذكر والفكر. هما مفتاح الآخرة.

[المذيع]: نعم، وسعادة الدنيا أيضًا.

[الشيخ]: جميل.

﴿رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: 22]

ختام حلقات إحياء علوم الدين والرضا مسك الختام في المنجيات

[المذيع]: سيدنا، نحن اليوم إن شاء الله نختتم حلقات إحياء علوم الدين، نسأل الله أن يكون هناك امتداد للبرنامج في باقي كتاب الإحياء. ولكن كما أوضحت لنا فضيلتكم، الرضا هو كما يقال ختامها مسكًا، آخر شيء في المنجيات أن نرضى بقضاء الله وقدره.

وهذا يرسم لنا ما قدمناه عن الإمام الغزالي من أوله لآخره، أنه جعل إحياء علوم الدين على أربعة أنحاء: العبادات والمعاملات والمهلكات فالمنجيات.

ومنّ الله علينا معكم بأن ألقينا بعض الضوء على هذه المهلكات وتلك المنجيات، التخلية والتحلية.

ملخص التخلية من القبائح والتحلية بالفضائل والرضا يأتي على قمتها

أي فتكلمنا عما يجب أن نخلّي قلوبنا من كل قبيح كـالحسد والحقد والرياء وما إلى آخره، وأن نحلّيه بكل صحيح كـالتوبة والمحاسبة والمراقبة والشكر والرضا.

يأتي [الرضا] على قمة هذا وملخصًا لكل هذا هي قضية الرضا.

[المذيع]: بارك الله فيكم يا مولانا وزادكم الله علمًا ونفع المسلمين بعلم فضيلتكم.

[الشيخ]: شكرًا لكم، الله يحفظك يا سيدنا.

[المذيع]: باسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، ونترككم في رعاية الله وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حفظ الله.