برنامج إحياء علوم الدين | حـ 17 | المحاسبة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 17 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ 17 | المحاسبة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 17 | أ.د علي جمعة

20 دقيقة
  • المحاسبة هي المفتاح الثاني من مفاتيح النجاة بعد التوبة، وتعني مراقبة النفس ومحاسبتها قبل حساب الله يوم القيامة.
  • تستند المحاسبة إلى قوله تعالى: "ولتنظر نفس ما قدمت لغد"، وقول عمر: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".
  • تتطلب المحاسبة المراقبة المستمرة، وهي مرتبة الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
  • مفاتيح المحاسبة ثلاثة: نور الحكمة (الفقه)، سوء الظن بالنفس، وتمييز النعمة من النقمة.
  • تبدأ المحاسبة بالأعضاء السبعة: العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل.
  • يوصى بترديد عبارة "الله معي، الله شاهدي، الله مطلع علي" سبع مرات قبل النوم للتذكير بالمراقبة الإلهية.
  • التكرار يرسخ المعاني ويجعل المحاسبة جزءاً من شخصية المسلم.
  • المحاسبة اليومية للنفس متبوعة بالتوبة تجدد الإيمان وتفتح صفحة جديدة مع الله.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة للحديث عن المحاسبة

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بكم يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: اليوم يا مولانا، سنستكمل المفاتيح المنجيات، كنا قد بدأنا في الحلقة الماضية وتحدثنا عن التوبة كأول مفتاح من مفاتيح النجاة. اليوم نريد أن نتحدث عن المحاسبة، وهل هناك فائدة من أن نحاسب أنفسنا في الدنيا قبل أن يحاسبنا الله في الآخرة؟

[الشيخ]: إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الخطوة الأولى في الطريق إلى الله هي التوبة، أي أن التوبة تقتضي الخطوة الثانية وهي المحاسبة.

المحاسبة كنقد ذاتي وأساسها في القرآن الكريم

نعم، والمحاسبة مهمة لأنها كأنها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر باعتبار النقد الذاتي. النقد الذاتي جميل، نحب أن نستعمل الألفاظ الحديثة: النقد الذاتي، يعني ابدأ بنفسك ثم بمن تعول.

لابد أن يرى الإنسان نفسه أولًا، وسبب ذلك في الحقيقة مبني على أن الله سبحانه وتعالى خلقنا فكلفنا فراقبنا فسجل علينا كل شيء. قال تعالى:

﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الكهف: 49]

هذه هي: لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرًا، ولا يظلم ربك أحدًا. لا إله إلا الله! من أجل ذلك احتجنا إلى المحاسبة.

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وآيات الحساب يوم القيامة

حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، كلام سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]. أي نعم، قال تعالى:

﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْـًٔا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]

آه، ما هو قبل أن تُحاسَبوا؟ ما هو فيها هو حساب صحيح.

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: 6]

هذا الكلام: أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد.

الآيات الداعية إلى محاسبة النفس قبل يوم الحساب

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُٓ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]

إذن هذه الآيات هي التي تدعونا وتؤكد علينا أن هناك حسابًا، وأنه ينبغي علينا أن نحاسب أنفسنا قبل ذلك الحساب؛ حتى نجد هذا الحساب يسيرًا سهلًا في صفنا وليس علينا، لنا وليس علينا. وهكذا.

كيف نصل إلى مرتبة الإحسان والمراقبة الدائمة لله تعالى

[المذيع]: أي حسنًا يا مولانا، إذا كنا مطالبين أن نراقب الله سبحانه وتعالى في حركاتنا وسكناتنا، كيف نستطيع أن نصل إلى مرحلة المحاسبة هذه؟ أو ما هي مرتبة الإحسان هذه وكيف نصل إليها؟

[الشيخ]: وسيدنا جبريل عليه السلام جاء يعلمنا أمر ديننا في صورة دحية الكلبي، فدخل علينا الرجل الشديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يعرفه أحد منا وليس عليه أثر السفر، يعني غريب في نفس الوقت ليس عليه غبار ولا شيئًا من هذا القبيل. هذا شيء جميل جدًا.

هكذا وورد فيه أنه سأله عن الإحسان، فقال:

قال النبي ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

تعبد الله كأنك تراه، أي تكون في مراقبة دائمة وهناك شعور بهذه المراقبة.

آيات المراقبة الإلهية واسم الله الرقيب ومعنى خشية الرب

قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّـُٔونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلْأَرْضِ أَم بِظَـٰهِرٍ مِّنَ ٱلْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: 33]

فنرجو سبحانه وتعالى الهداية. ولذلك يقول الله:

﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14]

ألم يعلم بأن الله يعلم؟ ألا ينتبه أن الله سبحانه وتعالى يرى! قال تعالى:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

نعم، إن الله تعالى الرقيب من أسمائه الحسنى، الرقيب جل جلاله.

معنى خشية الرب ونصيحة الإمام الجنيد في غض البصر بالمراقبة

فعندما يقول الله تعالى مثلًا:

﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 8]

سأل أحدهم قائلًا ما معناه: يعني هذا لمن راقب ربه وحاسب نفسه وتزود ليوم القيامة.

ولذلك رجل قال للإمام الجنيد [أبي القاسم الجنيد]، الذي لقبوه بسيد الطائفة، أي طائفة أهل الله. وكان الجنيد له حكم ومواعظ ترقق القلب بعد أن تشبع بالكتاب والسنة وتطبيقهما.

قال له الرجل: بماذا أستعين على غض البصر؟ غض البصر يُسبب لي مشكلة، لا يعرف كيف [يغض بصره]. قال [الجنيد]: بعلمك أن نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه. نظر الناظر إليّ، يعني ربنا ينظر إليك.

نعم، صحيح. وأنت الآن تستحي من الله، ألا يراك الله دائمًا؟

لذة غض البصر والمراقبة الربانية مقابل نظرية فرويد في إطلاق النفس

فإذا راقب الإنسان ربه حينئذٍ استعان بهذه المراقبة على غض البصر، فيستحي عندها. وما من شخص - وهذا مُجرَّب أعني - منع نفسه من النظر إلى المحرم وإلى العورات إلا وأحدث الله له بذلك المنع لذةً في قلبه، لذةً في قلبه هو يشعر بها، يشعر بها عندما يفعل ذلك.

أصبح كلام فرويد أنك تترك نفسك تسرح في نفسك الأمارة بالسوء، فهذا يؤدي إلى جهنم وليس يؤدي إلى العفاف واللذة والسعادة والمراقبة الربانية والسكينة والتنزلات الرحمانية.

ولذلك كان الصوفية يقولون: إننا نجد لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف، يريدون أن يأخذوها منا، كانوا يقاتلون عليها بالسيوف؛ لأنهم يعرفون أن حطام الدنيا الذي بين أيديهم ولو زاد وأصبح فيه مُلك وكل شيء لا يساوي لذة من هذه اللذات.

قصة سهل بن التستري وتعليم الطفل المراقبة بتكرار الله معي الله حافظي

كانت هناك قصة مشهورة عن سيدنا سهل بن التستري، كان خاله محمد بن المنكدر الذي علّمه وقال: الله معي، الله حافظي، الله مطلع عليّ.

[المذيع]: كيف نطبق هذا يا مولانا في مجتمعنا؟ نربي شبابنا أو كيف نعلّم المسلم وهو صغير حتى يكبر كيف يحاسب نفسه؟

[الشيخ]: يقول الكلمتين هاتين قبل أن ينام. نعم، نفعل مثل سيدنا سهل التستري الذي كان يقولهما قبل أن ينام سبع مرات.

قانون التكرار وأثره في ترسيخ المراقبة والمحاسبة في النفس

إن التكرار يصنع في النفس ما يسمى قانون التكرار. نعم، مثل عندما نتساءل لماذا ونحن نصلي فنجد أننا شردت أذهاننا، وبينما نقرأ الفاتحة لا نخطئ ونحن ما زلنا نقرؤها. نعم، ما زلنا نقرؤها على الرغم من التكرار، وبالرغم من أن ذهني شرد فعلًا، هل تلاحظ ذلك؟

فهذا التكرار عندما أقوله كل يوم قبل النوم وأنا استلقيت في السرير سبع مرات، يُحدِث في النفس شيئًا من الملكة، شيئًا من الراحة النفسية، شيئًا من التأثير الباطني عند الإنسان.

فينبغي علينا أن نرسخ كلمة نرسخ، وتأتي كلمة الرسوخ من التكرار، من التراكم، من تجميع الشيء فوق بعضه. فهذا هو الذي يمكننا من الوصول إلى المحاسبة بيسر وسهولة من غير معاناة، وتصبح المحاسبة جزءًا لا يتجزأ من مكونات شخصية المسلم، وجزءًا لا يتجزأ من نفسيته، وجزءًا لا يتجزأ من عقليته.

لماذا سبع مرات وأثر التكرار في سنة النبي صلى الله عليه وسلم

[المذيع]: ما شاء الله، يعني إذن فضيلتك تنصحنا قبل أن ننام نقول: الله معي، الله شاهدي، الله مطلع عليّ سبع مرات، سبع مرات، سبع مرات. ولماذا سبعة؟

[الشيخ]: نعم، لماذا سبعة؟ لأن التكرار يفيد، التكرار يفيد. نعم، لأن التكرار يُحقق الفائدة، مع أنه من الممكن ثلاثة ومن الممكن خمسة سبعة. قم نجعلها سبعة، لا داعي لأن تكون إحدى عشرة. نعم، لكنها إحدى عشرة، حسنًا لا ضرر، كلما زدت كلما كان أفضل في التكرار. نعم، إنما الشيء المتوسط هكذا هو الذي يفيده التكرار.

كان سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم يعيد الكلام ثلاث مرات. نعم، حتى يسمع من لم يسمع، ومن يأتي ليقترب ويرى ما يقوله؛ لكي يترسخ المعنى، وهو أيضًا - أي الكلمة - يترسخ في نفوس السامعين جميعًا. فكان يعيد الكلام وهو كان فصيحًا واضحًا جليًا ثلاث مرات.

التكرار في علم النفس الحديث له أثر حقيقي والانتقال إلى الفاصل

إذن التكرار الذي ندرسه في علم النفس الحديث له أثر فعلًا وله حقيقة.

[المذيع]: ما شاء الله، الوقت مع فضيلتك يمضي. ودخلنا على الفاصل إن شاء الله، فاصل ونعود لنواصل هذا الحوار. فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، فاصل ثم نواصل.

العودة من الفاصل والسؤال عن حقيقة المحاسبة ومفاتيحها عند الغزالي

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. وموضوع حلقة اليوم عن المحاسبة.

قبل أن نخرج للفاصل يا سيدنا كنت فضيلتك أوضحت لنا أننا نعمل التكرار: الله معي، الله شاهدي، الله مطلع عليّ، وأن هذا التكرار يرسخ هذا الشعور داخلنا. نريد أن نعرف الآن يا سيدنا ما هي حقيقة المحاسبة وما هي مفاتيح المحاسبة التي يحاسب بها المسلم نفسه؟

[الشيخ]: يشير الإمام الغزالي إلى أن الآية التي تبين لنا حقيقة المحاسبة هي قوله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]

ولتنظر نفس ما قدمت، أي سيحاسب نفسه، ولتنظر نفس ما قدمت لغد. فهذه الآية كأنها آية هي الأساس للمحاسبة أو بيان كُنه المحاسبة. انظر ما الذي فعلته، يعني لغد [يوم القيامة].

حديث ماذا أعددت للساعة وضرورة الفعل لا التمني

قال رسول الله ﷺ لأحد الصحابة:

قال النبي ﷺ: «فماذا أعددت لها؟»

قال: إني أحب الله ورسوله. نعم، إذن أعدَّ شيئًا. يسأل سيدنا النبي ﷺ عن متى الساعة، وشخص آخر جاءه هكذا قال له: يا رسول الله، ادع الله أن أكون معك رفيقًا في الجنة. قال:

قال النبي ﷺ: «أو غير هذا؟»

قال: هو هذا، إلا هذه. قال:

قال النبي ﷺ: «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود»

ما شاء الله! فليكن، ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغدٍ، الغد الذي هو يوم القيامة، ماذا قدمتَ له؟ لا يوجد كلام بالتمني، لا بد من الفعل. نعم، الفعل.

حديث متى الساعة وأصل المحاسبة عند الغزالي وتجهيز الحجة عند الله

وفي حديث أيضًا عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حديث عن رسول الله ﷺ: «أن رجلًا قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما قدمت لها»

الذي ذكرناه، هذا يعتبره الإمام الغزالي أصلًا من الأصول. نعم، وأهل الله عندما جربوا الدين قالوا: ملاك الأمر كله أن تجهز حجتك عند الله، أن تُعِدّ حجتك عند الله.

ماذا ستقول عند ربنا؟ ولله الحجة البالغة. فإذن لا بد علينا أن نفعل هذا.

مفاتيح المحاسبة الثلاثة عند الغزالي نور الحكمة وسوء الظن بالنفس والتمييز بين النعمة والنقمة

مفاتيح المحاسبة التي تسأل عنها أشار أيضًا إليها الإمام الغزالي ورأى أنها ثلاثة:

أولًا: نور الحكمة، نور الحكمة الذي هو الفقه. نعم، سواء بالتعلم أو بالسؤال، لكن المهم أنك تعرف الفقه. ولذلك تجد الإمام الغزالي ألف كتابًا هو كتاب البسيط ثم اختصره في الوسيط ثم اختصر الوسيط في الوجيز. ما شاء الله، في فقه الشافعية يصنع ملخصات لنفس الشيء. يعني نعم، البسيط هذا للمتمكنين، وكذلك الوسيط للطلبة، والوجيز للعامة. والوجيز هذا شرحه العلماء الشرح الكبير للرافعي وكذلك إلى آخره. الفقه كان مهتمًا جدًا بالعلم.

ثانيًا: سوء الظن بالنفس باستمرار. نعم، أن أكون مشككًا في نفسي، يعني دع عنك مسألة التكبر هذه ومسألة أنني سلطان وما شابه في نفسي هكذا.

المفتاح الثالث: تمييز النعمة من النقمة من الفتنة. نعم، فالتمييز بين النعمة والنقمة هو الذي يجعل الإنسان واعيًا في محاسبة نفسه. والله هذه نعمة، لكن هذه نقمة. أن أفعل الشيء وهو شكله هكذا، يمكن أن يكون صحيحًا، لكنني منتبه إلى أن هذه نقمة وليست نعمة.

ملخص مفاتيح المحاسبة الثلاثة وكيفية اعتياد المحاسبة بالأعضاء السبعة

هذه هي الأمور الثلاثة التي كان قد عدَّها الإمام الغزالي في إحيائه كمفاتيح لمحاسبة النفس: يجب أن أكون متفقهًا، عندي نور حكمة. نعم، يجب أن يكون عندي سوء ظن بنفسي حتى لا يتملكني الكبر، سوء ظن بالنفس. نعم، والأمر الثالث الذي هو أنني أعرف النعمة من النقمة. نعم، التمييز بين النعمة والنقمة، التمييز بين النعمة والنقمة. فاصل من رجل كما يقولون في البلد.

[المذيع]: نعم، حسنًا، كيف يعتاد الإنسان على هذه المحاسبة يا مولانا؟

[الشيخ]: يعتاد عليها، كان [الغزالي] يسميها بمحاسبة أعضائه السبعة، محاسبة أعضائه السبعة.

الأعضاء السبعة التي يحاسب عليها المسلم نفسه العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل

[المذيع]: ما هي الأعضاء السبعة هذه؟

[الشيخ]: العين لأنها ترى، والأذن لأنها تسمع، واللسان لأنه ينطق. فهذه الثلاثة إذن يعني عليهم تكليفٌ. نعم، أُمِرنا بغض البصر، وأُمِرنا بعدم سماع الكذب والنميمة والغيبة وما شابه، وأُمِرنا بألا ننطق إلا بالشهادة وليس بالكذب والغيبة أيضًا والنميمة باللسان، يعني أنا الذي أُنشئها. فهؤلاء ثلاثة أهم من السبب [الأعضاء الأخرى].

ثانيًا: البطن والفرج، أي شهوة البطن المعروفة والتي يمكن أن تحملني إلى أكل الحرام، وشهوة الفرج إلى ارتكاب المعصية والفاحشة والزنا وما إلى آخره.

اليد والرجل: اليد والرجل لأنه يمكن باليد أن أبطش، ويمكن أن أكتب كلامًا يغضب الله، ويمكن أن أستعمل يدي في غير ما خُلقت له، ويمكن أن أذهب برجلي إلى المعصية.

حفظ الأعضاء السبعة وتفصيل الرأس وما وعى والبطن وما حوى

إذن هذه هي الأعضاء السبعة التي أُمرنا بحفظها. نعم، الرأس وما وعى وما حوى، يعني أنك آخذ الرأس الذي فيه الثلاثة: العين والأذن - نعم - الأذن والعين واللسان. وبعدها دخلنا في البطن وبطن ومعهم الفرج. نعم، لأنه متعلق، وله اليد والرجل.

فيكون أننا حفظنا السبع الأهم تمامًا.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]

هكذا نحتاج نحن إلى أن ننتبه إلى ماهية المحاسبة.

قول سيدنا عمر ومالك بن دينار في محاسبة النفس وإلزامها كتاب الله

ويقول سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] كما ذكرنا مرارًا:

«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا»

زِن الأمور هكذا وانظر إلى أين أنت ذاهب.

وكان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ من أنت الذي فعلت له كذا؟ أتتذكر عندما فعلت له كذا؟ بالطبع، يعني نعم.

ألزمها ذمةً ثم ألزمها كتاب الله. بعدما يلزمها، نعم، يلزمها كتاب الله تعالى، فكان له قائدًا. ما شاء الله، يكون كتاب الله سيرته هو قائده، كما ينقل الإمام الغزالي في الإحياء عن مالك بن دينار؛ لأنه كان من الأتقياء الأنقياء.

صيانة الأعضاء السبعة بالمحاسبة وإلزامها كتاب الله وهدي النبي

ما شاء الله، فهذه هي التي نستطيع أن نقول عنها: الآية الأعضاء السبعة، الأعضاء السبعة بصيانتها بالمحاسبة حولها، بإلزامها كتاب الله سبحانه وتعالى وهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

[المذيع]: نستطيع يا سيدنا بعد إذن فضيلتك في عجالة الألفاظ المحيطة هذه أو دقيقتين أن نقول أنني أنهيت موضوع المحاسبة لأقدمه للسادة المشاهدين، كما لو كنت - والله المثل الأعلى - أضبط حساباتي قبل أن أذهب لأعرضها مثلًا على الضرائب. أضبط حساباتي قبل أن أقع في مأزق هناك، غير قادر على إثبات في أي شيء أنفقت هذا المال أو من أين جلبته.

[الشيخ]: نعم، ولكن مع الضرائب فعندما أضبط تمامًا من الناحية الظاهرية، إنما هذا مع الحكيم العليم. ما شاء الله، ولذلك يجب أن أضبط حقًا. نعم حقًا، صحيح حقًا.

التوبة والمحاسبة اليومية وتجديد الإيمان بقول لا إله إلا الله

ربما لا تُقبل التوبة من حق الضرائب ولا يُقبل الاستغفار وهكذا، لكنني مع رؤوف رحيم يقبل الاستغفار ويقبل التوبة.

ولذلك من تثبيت حالتي أن أتوب. نعم، وفي نهاية اليوم أقوم بالمحاسبة، ثم بعد ذلك أقوم بالتوبة التي تعلمتها كخطوة أولى؛ لكي أصل إلى الصفحة الجديدة أو الصفحة البيضاء، أو هي أن نبدأ من جديد.

وكان سيدنا [رسول الله ﷺ] يقول:

قال النبي ﷺ: «جددوا إيمانكم»

ما شاء الله، فقالوا: كيف يجدد أحدنا إيمانه يا رسول الله؟ قال:

قال النبي ﷺ: «قولوا لا إله إلا الله»

انظر إلى جماله، إنه يعبر عن الحلاوة والبساطة. قل لا إله إلا الله، نجدد، أي أنك اعترفت بالألوهية، اعترفت بأنك عبد، اعترفت بأنك ستبدأ صفحة جديدة مع الله. ما شاء الله.

قال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»

ختام الحلقة والوداع مع الوعد بلقاء جديد في برنامج إحياء علوم الدين

[المذيع]: بارك الله فيك يا مولانا، الوقت مع فضيلتك يمضي سريعًا. اسمحوا لي، الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، على وعد باللقاء مع فضيلته إن شاء الله في حلقات قادمة من برنامجكم إحياء علوم الدين.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، ونترككم في حفظ الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.