برنامج إحياء علوم الدين | حـ2 | الوسوسة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 02 | أ.د علي جمعة - إحياء علوم الدين, تصوف

برنامج إحياء علوم الدين | حـ2 | الوسوسة | قناة اقرأ | 2011 - 08 - 02 | أ.د علي جمعة

21 دقيقة
  • تحدث العلامة الدكتور علي جمعة عن كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، مبيناً عظمته وقبوله عند الناس، حيث طُبع مرات لا تحصى وتُرجم للعديد من اللغات العالمية.
  • قسَّم الغزالي كتابه إلى أربعة أقسام: العبادات والمعاملات والمهلكات والمنجيات، فالعبادات تتعلق بعلاقة الإنسان مع الله، والمعاملات تتعلق بالخلق.
  • تناول المهلكات كآفات اللسان والغضب والحقد والحسد والبخل والرياء والكبر، ثم المنجيات كالتوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والتوكل.
  • شرح الوسوسة وأنواعها، موضحاً أن القلب متقلب وتأتيه خواطر نوعان: خواطر تدعو للخير وتسمى إلهاماً ومصدرها الله، وخواطر تدعو للشر وتسمى وسواساً ومصدرها الشيطان.
  • بيَّن مراتب الوسوسة: الهاجس، ثم الخاطر، ثم حديث النفس، ثم الهم، ثم العزم المؤكد، وكلها معفو عنها إلا الأخير.
  • فرَّق بين الوسواس البسيط الذي يُعالج بالمقاومة والتدبر، والوسواس القهري الذي يحتاج لعلاج طبي.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالدكتور علي جمعة واستكمال الحديث عن كتاب الإحياء

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

[المذيع]: في الحلقة الماضية، الحلقة التي كانت للمقدمة يا مولانا، كنا قد وصلنا في نهاية الحلقة إلى بداية الحديث عن كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، فنريد أن نستكمل الحوار فيه يا مولانا.

بركة الإخلاص في كتاب إحياء علوم الدين وانتشار مخطوطاته في العالم

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. إحياء علوم الدين يبدو أن صاحبه الإمام أبو حامد الغزالي كان رجلًا مخلصًا، ولذلك بارك الله في هذا الكتاب عبر العصور.

عجيب هذا الكتاب، عندما يؤلف المرء كتابًا وتجده أنه مقبول عند الله، فإنه يلقي عليه القبول في الشرق والغرب. فكان هذا شأن إحياء علوم الدين.

إحياء علوم الدين من الكتب التي نجد لها مخطوطات كثيرة جدًا في العالم، بلغت نحو مائة وعشرين مخطوطة؛ تخيل أن هناك مائة وعشرين مخطوطة باقية من تراث هذا الكتاب.

[المذيع]: مخطوطة أصلية يكتبونها بخط اليد!

[الشيخ]: مخطوطة أصلية يكتبونها بخط اليد من أولها إلى آخرها، تجدها في دار الكتب، في الأزهر، في باريس، في اسطنبول، في الهند، في إيران، في كل مكان. موجود إحياء علوم الدين.

طبعات كتاب إحياء علوم الدين وترجماته إلى اللغات العالمية

إحياء علوم الدين عندما دخلت المطابع طُبع، شأنه شأن الكتب، فهو مثل رياض الصالحين للإمام النووي. رياض الصالحين هذا لا يستطيع أحد أن يقول كم مرة طُبع، كما هو الحال مع إحياء علوم الدين. طُبع من المرات الكثيرة التي نستطيع القول فيها أنها فوق الحصر، لا حصر لها، يعني لا حصر لها ما شاء الله، يعني لا نعرف كم طبعة. نعم، لا نستطيع أن نقول مائة أو خمسين أو ستة، يعني كم طبعة، فهذه عملية فوق الوصف ما شاء الله.

فإحياء علوم الدين تُرجم إلى لغات عالمية كثيرة جدًا، تُرجمت إلى الألمانية مثلًا ما شاء الله، وإلى الفارسية منذ زمن، والأردية، والتركية، والإسبانية، والإنجليزية في خمس مجلدات ترجمها واحدٌ هنديٌ إلى الإنجليزية، وتُرجمت النصوص.

اختصارات الإحياء وشرح الزبيدي وتقسيم الكتاب إلى أربعة أرباع

يعني إحياء علوم الدين اختُصِر ثلاث أو أربع مرات، وإحياء علوم الدين شُرِح في عشر مجلدات للمرتضى الزبيدي [إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين].

إحياء علوم الدين كتاب قسَّمه الرجل [الإمام الغزالي] إلى أربعة أقسام: العبادات، والمعاملات، والمهلكات، والمنجيات.

ما هي الفكرة؟ الفكرة أنه لا بد حتى تصحح طريقك مع الله أن تصنع إناءً تأخذ به فضل ربنا ورحمته، وهذا الإناء هو العبادة والمعاملة. العبادة مع الله: الصلاة والصيام، الوضوء والكفارات وما إلى آخره. والثاني المعاملات مع الخلق على مقتضى كلام ربنا سبحانه وتعالى.

التخلية والتحلية وجلاء القلب ليصبح الإنسان عبداً ربانياً

القسم الثاني يكون ربعين: نعم، ربع المهلكات نريدها تخلية، وربع المنجيات نريد تحليته. التحلية تعني أن نتخلى عن هذه الصفات [الصفات المذمومة]، نتخلى عن القبيح ونحلي قلوبنا بالصحيح. جميل ما شاء الله.

التخلية والتحلية لأن هذا هو الذي سيؤدي إلى جلاء القلب. وما معنى جلاء القلب؟ يعني أن يصبح مثل المرآة يعكس الأنوار، يصبح هكذا مثل شيء مجلوّ، كالفضة المجلوة التي تلمع، نعم، كالمرآة عندما تُنظَّف بورق الجرائد، شيء مثل الزجاج، مثل البلور. نعم ما شاء الله.

فهذا سيؤدي إلى أن يصبح الإنسان عبدًا ربانيًا، عبدي أطعني تكن عبدًا ربانيًا، تقول للشيء كن فيكون، بمعنى الدعاء. يا رب، يأتي مستجابًا له فورًا. الله، هذا ربنا يدلله الآن، هي بالدعاء ما شاء الله، نعم؛ لأنه أطاع الله. نعم؛ لأن قلوب العباد الصالحين هي آنية لله في الأرض، قلوب العباد الصالحين.

إبداع الإمام الغزالي في مؤلفاته وإشكالية الأحاديث الضعيفة في الإحياء

ولذلك الإمام الغزالي مبدعٌ مبدعٌ في كل شيء، مبدعٌ في كتابه المستصفى في الأصول، ومبدعٌ في رده على الفلاسفة، ومبدعٌ في إنشائه لهذا الكتاب الماتع إحياء علوم الدين.

إحياء علوم الدين للإمام الغزالي أورد فيه كثيرًا من الأحاديث الضعيفة أو التي لا أصل لها، لكنها كانت منتشرة بين أهل الصلاح، أي أهل الصلاح يقولون هكذا.

ماذا يعني هذا الكلام؟ كلام سيكون بيننا وبين هذه الحكاية مسألة أكاديمية. هذا القول الذي أتى به وقال: قال رسول الله، خدمه الحافظ العراقي وقال: لا، هذا ليس له أصل. نعم، يمكنك أن تقول: ورد في الأثر. نعم، فلا يكون رسول الله قد قاله، أليس كذلك؟ حديث، هذا قول مأثور، وعلى فكرة قول حلو جدًا وجميل جدًا، لكن هو الذي عقّد علينا حكاية "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"؛ لأنه موجود في الكتب هكذا.

جهود الحافظ العراقي والمرتضى الزبيدي في تخريج أحاديث الإحياء

لكن عندما جاء الحافظ العراقي وألّف كتابًا ماتعًا اسمه [المغني عن حمل الأسفار في الأسفار]، الله! المغني عن حمل الأسفار، التي هي الكتب، في الأسفار التي هي في السفر، يعني أن يكون معك شيء صغير هكذا وتخرجه بشكل ممتاز.

والمرتضى الزبيدي فعل هكذا أيضًا وأبدع وأجاد، أكثر من العراقي. نعم، الشيء الذي أجده في الإحياء وأجده ضعيفًا، أنظر أسفل هكذا [في الحاشية] فأجده يقول لي: لا، هذه ضعيفة أو لا أصل لها. قم وأخبرها [أي انقلها]، ولكن بعيدًا عن سيدنا رسول الله، لا أقل "قال رسول الله"؛ لأن كلام سيدنا رسول الله إنما هو شيء قيّم جدًا.

ربع المهلكات في الإحياء وشرح عجائب القلب وآفات النفس

إذا بدأ [الإمام الغزالي] بالمهلكات ثم المنجيات، ذكر المهلكات لأنه حاول أن يشرح عجائب القلب، أي حاول أن يشرح رياضة النفس وكسر الشهوتين: البطن والفرج.

قال النبي ﷺ: «اضمن لي ما بين لحييك وفخذيك أضمن لك الجنة»

ولا شيء في الإحياء هذه إلا ولها أصل. نعم، تحدث بعد ذلك عن آفات اللسان، ذم الغضب، الحقد، الحسد، ذم الدنيا، ذم البخل، ذم التعلق بالمال حتى يعمل الإنسان أي شيء في سبيل الحصول على المال. وها أنت ترى ما يترتب على ذلك من فساد عريض ومن فتنة.

ذم الجاه والرياء والكبر والعجب، وتحدث بعد ذلك عن الغرور والتكبر الذي نراه في عصرنا هذا، وكأنه أمر مطلوب، كأننا يجب أن نتحلى بالغرور، وهذا أمر مصيب [أي مصيبة].

ربع المنجيات في الإحياء وختام الكتاب بسعة رحمة الله تعالى

بعد ذلك تكلم [الإمام الغزالي] عن المنجيات، فذكر التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والفقر والزهد والتوحيد والتوكل والمحبة والرضا، الرضا الذي افتقدناه كثيرًا، الإخلاص، الصدق، المراقبة، المحاسبة، التفكر.

وبعد ذلك ذكر الموت الذي نراه دائمًا ونذهب للتعزية ثم ننسى. ثم ختم الكتاب بباب عجيب في سعة رحمة الله، سعة رحمة الله. ربنا واسع يا إخواننا، نعم ما شاء الله.

الناس تعبد ربنا بالخوف فقط، بل هو خوف كالإسفنجة مغموس في الحب. أتعلم عندما تضع الإسفنجة في الماء، تأخذ ماءً وتمتصه، هكذا هو الخوف من الله.

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]

معناها أنه حب، نعم، لا تظنوا أنه فزع أو رعب. فهذه قضية إحياء علوم الدين وكيف كتبه الغزالي وكيف قسمه.

الانتقال إلى موضوع الوسوسة والتعريف بها من كتاب الإحياء

[المذيع]: طيب، سنخرج فاصلًا ونعود لنبدأ بالوسوسة. نعم، الوسوسة التي تأتي إلى القلب؛ لأن هناك أناسًا كثيرين لا يعرفون ما هذا الصوت الذي يأتيهم، هل هو ملاك أم شيطان أم النفس؟ فنريد أن نعرف التفاصيل مع فضيلتكم. فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.

السلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل في الحلقة الثانية من برنامجكم إحياء علوم الدين مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

قبل أن ننتقل إلى الفاصل يا مولانا، وصلنا إلى الوسوسة، ونريد أولًا أن نتعرف على ما هي الوسوسة؟

[الشيخ]: الإمام الغزالي في كتابه الماتع إحياء علوم الدين تحدث عن هذا يقول: إنَّ قلب العبد دائمًا متغير، وما سُمي القلب إلا لأنه يتقلب، وما أول ناس إلا أول الناس، ما شاء الله. فينتقل من حالٍ إلى حال.

فلسفة تسمية القلب في اللغة العربية والخواطر بين الفكر والذكر

ولذلك فلسفة اللغة العربية عميقة جدًا في تسمية هذه الكينونة الإنسانية المسماة بالقلب بهذا الاسم، قلب يتقلب.

أكثر الآثار الحاصلة في هذا القلب المتغير الخواطر. الخواطر، الخواطر تعني ما يحدث في القلب من الأفكار ومن الأذكار. هذا القلب عندي في عقلي، إما فكر في الواقع والتأمل والتدبر، وإما ذكر.

من أين جئنا بكلمتي فكر وذكر؟ جئنا بهما من [سورة] آل عمران:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]

فعرفنا أن القصة فيها فكر وذكر.

الخواطر مبدأ الأفعال وتسلسلها من الرغبة إلى تحريك الأعضاء

لما يحصل للإنسان فكّر قوم، يحصل له خواطر في ذهنه. فمبدأ الأفعال كما يقول الإمام الغزالي: الخواطر.

مبدأ الأفعال الخواطر، هذه تحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والعزم هذا يحرك النية، والنية هذه تحرك الأعضاء. ما شاء الله.

الخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر ويضر في الدار الآخرة ويضر في الدنيا أيضًا، وإلى ما يدعو إلى الخير. فالخاطر المحمود الداعي إلى الخير يُسمى إلهامًا، والخاطر المذموم الداعي إلى الشر يُسمى وسواسًا.

تقسيم الخواطر إلى إلهام ووسواس وأسبابها الرحمانية والشيطانية

الذي تسأل عنه [أي الوسوسة] إذن هو أن لدي خواطر، وهذه الخواطر مقسومة قسمان: قسم سنسميه الإلهام، وقسم في مقابله سنسميه وسواسًا.

لماذا سميته إلهامًا؟ لأنه يدعوني إلى الخير. لماذا سميته وسواسًا؟ لأنه يدعوني إلى الشر. فيكون الوسواس يدعوني إلى الشر.

إذن، هذه الخواطر لها أسباب، ما هي أسبابها؟ يقول [الإمام الغزالي] إن أسبابها التي تدعو إلى الخير رحمانية، والتي تدعو إلى الشر شيطانية.

جميل، ونحن ولذلك شيء عندنا أن هناك أولياء للرحمن وأولياء للشيطان. هناك خواطر تأتيني من ملك الرحمن سبحانه وتعالى، فتكون خواطر طيبة وبتساعدني، وهناك خواطر أخرى تأتيني من قِبَل إبليس وأعوان أولاده، وهذه تدعوني إلى الشر.

كيفية التمييز بين الإلهام والوسواس ومراتب الذهن البشري الخمس

[المذيع]: إذا يا سيدنا، أننا نستطيع أن نميز ما بين هذه وتلك في الخير، أنه هذا يدعوني للخير وذاك يدعوني للشر.

[الشيخ]: أنظر إلى الخاطر الذي في عقلي، نعم، فهل يدعوني إلى الخير؟ إذن هذا إلهام من ربنا، ألهمني. يقول لك: الله هو من ألهمني أن أفعل كذا وأصنع كذا، فحصل لي خير. أم يدعوني إلى الشر؟ إذا دعاني إلى الشر فهذا وسواس.

حسنًا، الذهن يا سيد محمد، نعم، تأمل العلماء فيه وقسموه إلى خمسة أجزاء. يقولون إن الذهن البشري، أي التفكير:

  1. الهاجس
  2. ثم الخاطر
  3. ثم حديث النفس
  4. ثم الهمّ
  5. ثم النية أو العزم المؤكد

خمس مراحل جميلة.

مراتب القصد الخمس والعفو عن الخواطر ومقاومة الوسواس بالاستعاذة

فمراتب القصد خمس: هاجس ذكر، فخاطر، فحديث النفس، فاستمع، يليه همّ فعزم. كلها رُفعت سوى الأخير، ففيه الأخذ قد وقع.

إذا الشخص الذي تأتيه الوساوس يعرف أنها من قبيل الخاطر، وأن الخاطر معفو عنه، ويتجاوز عنه. إذا استطاع أن يعفو عنه ويتجاوزه، فلن يكون هناك وسواس وسيقاومه.

وهذا ما أمرنا به النبي ﷺ قائلًا:

قال النبي ﷺ: «فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم»

ثم تلا قوله تعالى:

﴿ٱلشَّيْطَـٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ [البقرة: 268]

فالإنسان عندما يجد وسواسًا عنده، يقوم على الفور بمقاومته بأنه مجرد خاطر وأنه غير مؤاخذ به. يعني كشخص ألقى عليه القاذورات وسأقوم بالتطهر الآن وهكذا، وأني سأتجاوز هذا. فالإنسان بذلك يستطيع أن يعدّي الوسواس.

الفرق بين الوسواس البسيط والوسواس القهري وضرورة العلاج الطبي

طيب، افترض أنه ترك نفسه لمدة سنة واثنتين وثلاث سنوات للوسواس، ثم يأتيني بعد سنتين أو ثلاث ويقول لي: لقد مضى علي ثلاث سنوات وأنا موسوس. فأقول له: اذهب إلى الطبيب فورًا، هذا ما يسمى بـالوسواس القهري يا سيدنا.

نعم، لقد انتقلنا هكذا إلى مرحلة المرض العضوي، تحول إلى مرض عضوي. والناس لا يفرّقون بين الاثنين. يقول لي: حسنًا، ألا ترى لي شيئًا أقرؤه؟ نعم، لا بأس أن تقرأه، نعم لا مانع للدعاء والأمور المتعلقة بالتقوية.

لكن يجب أن تأخذ علاجًا ماديًا؛ لأن كيمياء مخك قد أفسدتها، أفسدتها بترك الوسواس يعمل معي بنسبة الوسواس.

نصيحة مقاومة الوسواس فور حدوثه وحديث النبي عن الشيطان القرين

إذن النصيحة للناس أنه بمجرد أن يأتي الوسواس للإنسان يقاوم كل ما فيه من عزم على هذه القواعد: هذا إلقاء شيطاني، هذا خاطر لا أُؤاخذ عليه، هذا لا بد علي من التخلص منه لأنه ضار في دنياي وفي آخرتي، هذا أنا قوي ولا بد أن أتعدى وينتهي الأمر.

وكلنا نعاني من الوسواس، وكلنا خفنا من الوسواس وقدرنا أن نتعداه. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وله شيطان، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعانني عليه فلا يأمر إلا بخير»

ما شاء الله، هذه معجزة سيدنا أنه عليه الصلاة والسلام قيل إنه أسلم الشيطان، أسلم. نعم، فلا يأمر النبي إلا بخير.

وجوب دفع عداوة الشيطان وزوال الوسواس بالمقاومة أو بالعلاج الطبي

ربنا يقول:

﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]

قال تعالى:

﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا ٱلشَّيْطَـٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يس: 60]

فيجب على العبد أن ينشغل بدفع هذا العدو، والله على الدوام ينتهي الأمر ويذهب الوسواس إذا فعل الإنسان هذا، ولم يبقَ معه هذا الوسواس إلا يومًا أو يومين أو ثلاثة على الأكثر وهو يقاوم، وهكذا وانتهى الأمر والله.

وإن كان محتاجًا إلى طبيب أو غيره [فليذهب إليه]. أما إذا تمكن منه [الوسواس] فلن ينفع هذا الكلام، والموعظة وحدها لا تكفي.

قصة مريض الوسواس القهري الذي أجرى عملية جراحية بلا حاجة طبية

يعني مثلًا جاءني شخص وقال لي: أنا أريد أن أجري عملية، فالزائدة الدودية عندي مقلوبة. وذهب وكشف وأجرى عملية الزائدة الدودية من غير حاجة له، فعلوها له لكي يطمئنوه ويسكتوه؛ لأنه غير قادر [على التوقف عن الوسوسة].

آه، لا، هذا مريض، أي أن هذا ليس بوسواس [عادي]، هذا أصبح الوسواس القهري. هذا مريض يجب أن يذهب إلى الطبيب النفسي.

ويجب، وللأسف، فإنه سوف يحتاج إلى مدة كبيرة. وهذه حكاية مهمة جدًا أنه سيحتاج إلى مدة كبيرة للعلاج؛ لأن بعضهم فور أن يأخذ الدواء، وبعد شهر أو شهرين يذهب الوسواس، فيتوقف عن الدواء، فيرجع إليه أشد مما كان عليه من قبل.

نوعا الوسواس البسيط والقهري ومجالات الوسوسة المتعددة

فنحن لدينا نوعان من الوسواس: الوسواس الأول بسيط، والوسواس الثاني قهري ومركب.

الوسواس الأول هذا نستطيع التغلب عليه بالموعظة الدينية وبالحكمة وبالآيات وبالتدبر وبالمقاومة وبكذا إلى آخره. أما الثاني فلا بد فيه من علاج؛ لكي لا يختلط على الناس الأمران.

[المذيع]: هل هو مثل من يسمونه موسوسًا في الوضوء، الذي بعد أن يتوضأ يعود ويقول: أنا لم أتوضأ؟

[الشيخ]: إن هذا المجال، مجال الوسواس، واسع جدًا. أحيانًا تأتيه الوساوس في النظافة، وأحيانًا تأتيه في الوضوء، وأحيانًا تأتيه في اتهام الآخرين، فيقول لك إن الآخرين يضطهدونني، وأحيانًا تأتيه في أن الآخرين يراقبونه أو مثلًا وهكذا. فأي من هذه الوساوس، هي كلها مجال الوسواس.

مراتب القصد الخمس والعفو عنها وتوضيح مراحل الوسوسة بمثال عملي

[المذيع]: نعم، حسنًا سيدنا، بقي حوالي دقيقة، نريد فقط أن نطمئن السادة المشاهدين أن المراتب التي أخبرتنا عنها فضيلتك كلها لن تُحاسب عليها، حتى:

﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَـٰنَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: 24]

[الشيخ]: فهذا الهمّ ضمن الوساوس التي ستدفعني إلى أن أبطش أو أن أتصرف. الإنسان كما أقول لحضرتك مراتب المقصود خمس هواجس:

الهاجس الأول: كيف تأتي زجاجة خمر أمام وجهي هكذا وتمضي، فهذا هو هاجس.

الخاطر: أن تثبت الخاطر، أن تظل واقفة قليلًا، تظل واقفة هكذا.

وبعد ذلك يأتي حديث النفس: شخص يقول: الله، ما رأيك أن أشربها؟ نعم، لا يا ولد، هذا حرام.

وبعد ذلك أدخل في حوار مع نفسي، وبعد ذلك: لا، خلاص سأشربها. ها هو الهمّ، صار الهمّ. كفى، ما هذا؟ نويت.

المرتبة الخامسة العزم المؤكد وكرم الله في رفع المؤاخذة عن المراتب الأربع

وبعد ذلك لا، أنا لم أنوِ إلى الآن، لا يوجد مؤكد، أنا ملت إليها. نعم، ها هو الهمّ. كل هذه الأشياء ربنا لن يؤاخذنا عليها من فضله ومن كرم أمة محمد عليه الصلاة والسلام. لا الهاجس ولا الخاطر أو حديث النفس أو الهمّ.

حسنًا، نويت ونزلت لأشتري الخمر، فوجدت المحل مغلقًا، فأكرمني الله، لكن على ذنب. انظر كيف منعني الله. نعم، وجدت المحل مغلقًا، لكنني الآن على [ذنب]؛ لأنني نويت، لقد نويت بالفعل وبدأت أعمل هكذا.

نعم، عزمت وقلت من المؤكد أنني سأفعل هذا الذنب والعياذ بالله تعالى، فأكون بذلك قد وقعت في الخطيئة ويجب علي التوبة منها، وبذلك ستُحسب لي بفضل الله خطيئة واحدة.

رفع المؤاخذة عن المراتب الأربع وثواب مقاومة النفس وختام الحلقة

نعم، فالناس ونحن في الدرجات الأربع: الهاجس، والخاطر، وحديث النفس، والهمّ، كلها والحمد لله رُفعت. بل إن الله سبحانه وتعالى يكرمنا فيعطينا ثوابًا عندما نقف ونمنع أنفسنا.

لكن الذي حصل أن هذه الخواطر تصيب البشر سواء الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو العامة. نعم، يعني عندما تأتيني هذه الوساوس لا أقول إنني سيئ، لا، لست سيئًا ولا شيء، لا تخف. نعم، تجاوزها أنت قوي.

قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُ عند الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير»

[المذيع]: بارك الله فيكم يا مولانا، شكرًا لك. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الجهد وعلى هذا العلم. على وعد باللقاء مع فضيلته في حلقات قادمة إن شاء الله من برنامجكم إحياء علوم الدين، وإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.