مجالس إحياء علوم الدين | مسجد فاضل | المجلس 15 | أ.د علي جمعة
- •يجب تعليم العقائد وأعمال القلوب بحسب الخواطر التي تطرأ للمرء، فإن خطر له شك وجب عليه تعلم ما يزيله.
- •ضرورة تحصين النشء من البدع بتلقينهم الحق منذ الصغر، وكذلك تعليمهم تجنب المعاملات المحرمة كالربا.
- •الجهل نوعان: بسيط وهو عدم العلم ودواؤه التعليم، ومركب وهو اعتقاد الخطأ ويحتاج للتخلية ثم التحلية.
- •التربية السليمة تبدأ من عمر ثلاثة أشهر، فالطفل يتأثر منذ مراحله الأولى، ويجب تجنيبه رؤية القبيح وسماعه.
- •فترة الطفولة الإنسانية طويلة (خمسة عشر عاماً) لأن الإنسان مطالب بأمور معقدة من آداب وسلوكيات.
- •الإنسان فطرته مزدوجة "وهديناه النجدين" ففيه الخير والشر معاً، ولذلك يحتاج للترغيب والترهيب.
- •نحتاج إلى تنقية القلب من القبيح (التخلية) وتزيينه بالصحيح (التحلية)، فالإنسان قد يتعثر لكنه ينهض ويستمر.
مقدمة الدرس من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب [إحياء علوم الدين] للإمام الغزالي، وفي كتاب العلم، اقرأ يا شيخ محمد.
[الشيخ محمد وسام]: قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه وعلومكم في الدارين، آمين.
حكم تعلم الاعتقادات وأعمال القلوب بحسب الخواطر التي تطرأ على المسلم
[الشيخ محمد وسام]: وأما الاعتقادات وأعمال القلوب فيجب علمها بحسب الخواطر؛ فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب عليه تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشك.
فإن لم يخطر له ذلك ومات قبل أن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم، وأنه مرئي، وأنه ليس محلًا للحوادث، إلى غير ذلك مما يُذكر في المعتقدات، فقد مات على الإسلام إجماعًا.
وجوب صيانة المسلم من البدع بتلقينه الحق منذ بلوغه
[الشيخ محمد وسام]: ولكن هذه الخواطر الموجبة للاعتقادات بعضها يخطر بالطبع، وبعضها يخطر بالسماع من أهل البلد. وإن كان في بلد شاع فيه الكلام وتناطق الناس بالبدع، فينبغي أن يُصان في أول بلوغه عنها بتلقين الحق.
فإنه لو أُلقي إليه الباطل لوجبت إزالته عن قلبه، وربما عَسُرَ ذلك. كما أنه لو كان هذا المسلم تاجرًا وقد شاع في البلد معاملة الربا، وجب عليه تعلُّم الحذر من الربا.
وهذا هو الحق في العلم الذي هو فرض عين، ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب. فمن علم العلم الواجب ووقت وجوبه فقد علم العلم الذي هو فرض عين.
أساس التربية الصحيحة ألا يُترك الإنسان للأهواء ثم يُلام بعد ذلك
[الشيخ]: هذا هو أُسّ علم التربية؛ ألا تترك الناس وتلقيها في البحر ثم بعد ذلك تطلب منها ألا تبتل. ألقاه في البحر مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء! كيف يكون ذلك؟
لا يوجد تعليم وبعد ذلك تتركه للأهواء وغير ذلك إلى آخره، وللأخذ والرد، ثم بعد ذلك تلومه أنه قد ابتل بهذه الأهواء وبهذه الجهالات وبهذه البدع وبهذه كذا.
الفرق بين الجهل البسيط والجهل المركب وكيفية علاج كل منهما
[الشيخ]: الجهل نوعان: جهل بسيط وهو عدم العلم، دواؤه العلم؛ تعلم ما ليس لديك من معلومات، نعطيك معلومات. وجهل مركب وهو أن يقوم في ذهنك أمر بخلاف الواقع، بخلاف الحق، بخلاف الصواب.
وهنا حتى أعلمك لا بد من خطوتين؛ فالجهل البسيط نزيله بخطوة واحدة وهي أن نعلمك القاعدة صحيحة. لكن الجهل المركب لا بد أولًا أن أزيل من عقلك ما قام به، وهذا ما ينبغي فعله أولًا، ثم أملؤه بالصحيح ثانيًا.
إذن، لا بد فيها من التخلية ثم التحلية.
الجهل البسيط عدمي والجهل المركب وجودي وخطورة تراكم المعلومات الخاطئة
[الشيخ]: فالجهل البسيط عدمي؛ عدم معرفة ما، فأنا لا أعرف هذا العلم إطلاقًا أو لا أعرفه. أما الجهل المركب فهو وجودي؛ لأنه شيء قائم في ذهنك، معلومة خاطئة.
المعلومات الخاطئة كلما تكاثرت في الذهن وتراكبت وكوّنت شبكة، ثم كوّنت منظومة، ثم كوّنت اعتقادًا، ثم أصبحت راسخة في النفس، كلما بَعُد الإنسان عن سهولة التعليم.
وجوب الاهتمام بتربية الأطفال منذ سن ثلاثة أشهر وعدم إهمالهم
[الشيخ]: إذن ينبغي علينا ألا نهمل هذه القاعدة في التربية، وألا نترك أبناءنا. يقول لك إن الطفل الصغير يبدأ التأثر من عمر ثلاثة أشهر.
فإياك أن تقول بجانبه كلمة قبيحة! إنه طفل، أيفهم شيئًا؟ ويظل لا يفهم شيئًا مسكين حتى يصبح عمره واحدًا وعشرين سنة، ويبقى أيضًا طفلًا لا يفهم شيئًا! وهذا يضيع الدنيا.
إنه من ثلاثة أشهر، إياك أن تريه القبيح، إياك أن تعلمه القبيح، إياك أن تعلمه إلا الصحيح منذ هو صغير لديه ثلاثة أشهر. هذه هي تربية المسلمين، كانت هكذا.
الرد على من يزعم أن النصيحة لا تنفع وأن الأسلوب يجب أن يكون بالشتم
[الشيخ]: ماذا سنقول أكثر من ذلك؟ نحن جالسون ننصح منذ أربعين سنة وليس هناك فائدة، لا أحد يفهم، وهم غير راضين أن يفهموا. يقول لك: أنت لماذا لم تخبرنا؟ فنسكت.
حسنًا، لم نخبركم! إذن ماذا كنا نقول خلال الأربعين سنة الماضية؟ كنا نقول نفس الكلام. فقال: لا، ولكنك لم تقل بصراحة. وما هو المقصود بالصراحة؟ أنك لم تشتم الناس!
ألم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ليس شتامًا ولا بذيئًا ولا فاحشًا؟ هل كان يفعل ذلك؟ فرد: هذا لا ينفع الآن، هذا كان في زمن النبي.
فنقول: لا، إنها سنة رسول الله أولى بالاتباع على كل حال صلى الله عليه وسلم. لن نشتم أحدًا، سنظل نتحدث في المجردات هكذا، والله يفتح علينا.
[الشيخ محمد وسام]: آمين يا رب.
التأكيد على أهمية التربية من سن ثلاثة أشهر وعدم الكذب أمام الأطفال
[الشيخ]: لكن أحيانًا يفتح [الله علينا] بعد مضي المدة يا جماعة. التربية هي أهم شيء، يجب أن تهتموا بالتربية. إياكم أن تتركوا أطفالكم دون تعليم من سن ثلاثة أشهر.
لا تقول الولد لا يفهم؟ إن ربنا وضعه لكي يبدأ في الامتلاء الآن، فأنت تملأه الآن. إياك أن تكذب حوله! لماذا، هل أنت مجنون أو ماذا؟ بل نكذب ونقول ونفعل، أبدًا سوف يتأثر.
ابن ثلاثة شهور هذا سيتأثر. إياك أن تكذب بجانب هذا الطفل، إنه يسمعك، إنه يُخزّن.
طول فترة طفولة الإنسان وحكمتها في تعلم الآداب والتكاليف المعقدة
[الشيخ]: إذن كيف عرف [الطفل] كل هذه الأشياء؟ إن أطول فترة طفولة يا جماعة هي [فترة طفولة] الإنسان. ليس هناك حيوانًا أبدًا طفولته خمسة عشر سنة، لا يوجد مثل هذا الأمر في عالم الحيوان.
لماذا؟ قال: لأنه مطالب بأمور معقدة جدًا:
- •آداب الأكل
- •وآداب اللباس
- •وآداب الجلوس
- •وآداب الاجتماع
- •وآداب المذاكرة
- •وآداب ما يجب فعله وما لا يجب فعله
إنه مكلّف في الأصل، فهذه هي فترة الطفولة.
الطفولة تبدأ من الولادة والتربية الصحيحة هي أساس بناء الأمم وانهيارها
[الشيخ]: والطفولة تبدأ من متى؟ من ساعة الولادة. إياك أن تظن أن الطفولة ستبدأ من سن الخامسة عشرة، وبعدها يمكن أن نربيه.
التربية التي يشير إليها الشيخ [الغزالي]، والقواعد التي يشير إليها الشيخ، هذه غاية في الأهمية. وهي التي بها بُنيت الأمم، وهي التي عندما تُركت انهارت الأمم أيضًا، نعم.
[الشيخ محمد وسام]: وما ذكره الصوفية من فهم خواطر العدو ولمة الملك حق أيضًا، ولكن في حق من يتصدى له.
وجوب تعلم علم المهلكات لمن لا ينفك عن دواعي الشر والرياء والحسد
[الشيخ محمد وسام]: فإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفك عن دواعي الشر والرياء والحسد، فيلزمه أن يتعلم من علم ربع المهلكات ما يرى نفسه محتاجًا إليه.
وكيف لا يجب عليه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»
ولا ينفك عنها بشر.
الإنسان فيه استعداد للخير والشر كما بينت آية وهديناه النجدين
[الشيخ]: الإنسان غابة [من المشاعر والاستعدادات]. قال تعالى في شأنه:
﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]
أي عندنا فطرة سليمة تنجذب إلى الخير. فإذا كان الإنسان كذلك، أستطيع أن أجذبك من خلال جزء الخير الذي في قلبك، أنت إنسان فيوجد فيك خير.
وعندنا أيضًا اعوجاج ويوجد استجابة للشر أيضًا، حقيقة أنها خلاف الفطرة لكنها موجودة. وهديناه النجدين بمعنى طريق الخير وطريق الشر، فالاثنان متركبان موجودان.
نظريتا مستر إكس ومستر واي في الإدارة وعلاقتهما بفهم طبيعة الإنسان
[الشيخ]: أصحاب الإدارة عندما جاؤوا ليبحثوا قالوا: هناك مستر إكس، وبعدها جاءت نظرية أخرى قالت: لا، بل هناك مستر واي.
ما هو مستر إكس هذا؟ قال: إنه كسول بطبعه. حسنًا، ماذا نفعل في الإدارة؟ أنعطيه حوافز ليعمل؟ فقال الآخر: لا، إن الإنسان بطبيعته نشيط، فإذا كان لا يعمل فهناك عوائق، أزل هذه العوائق.
إذن يوجد شخص يقول لك إن الإنسان كسول بطبيعته فضع له نظام حوافز، وهناك شخص آخر يقول لك: لا، هو ليس كسولًا بطبيعته، هو نشيط بطبعه فضع نظامًا يزيل له العوائق تجده يعمل.
القرآن جمع بين نظريتي إكس وواي فالإنسان فيه الخير والشر معًا
[الشيخ]: هذه النظرية [القرآنية] تقول أن فيه الخير والشر معًا:
﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]
إنه يجمع بين إكس وواي معًا. إنه هو الخير والشر معًا، هو محتاج إلى الحوافز ومحتاج أيضًا إلى إزالة العقبات. ليس هذا أو ذاك، بل هو هذا وذاك.
فإذا فهمت الإنسان هكذا استطعت أن تصل. ولذلك ماذا فعلوا؟ جعلوا الترغيب والترهيب معًا؛ فهناك جنة ولكن هناك نار، وهناك ثواب ولكن هناك عقاب.
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
المفكرون المسلمون سبقوا نظريات الإدارة الحديثة بأكثر من ألف سنة
[الشيخ]: إذن فالمفكرون المسلمون هؤلاء يرون أنها نظرية سبقت طبعًا (إكس واي). (إكس واي) هذه كانت في القرن العشرين؛ لأنهم لم يقرؤوا، لم يقرؤوا الشيخ [الإمام] الغزالي.
لا، هناك شيء آخر: عندما نقول لأصحاب الإدارة هكذا، الذي يفهم منهم ينبهر. لم تخطر في بالنا هذه! كنا نسير على X وبعد ذلك نسير على Y، لكن لم تخطر حكاية X وY هذه معنا.
حسنًا، لكنها خطرت لديهم [أي المفكرين المسلمين] منذ ما يزيد عن ألف سنة.
التربية الإسلامية تقوم على الترغيب والترهيب والتخلية والتحلية معًا
[الشيخ]: أنت فيك الخير وفيك الشر، لذا نحتاج إلى الترغيب والترهيب، نحتاج إلى النصيحة، نحتاج إلى الثواب والعقاب.
ونحن عندما نربي، نربي على أن يتجنب الشر قدر الإمكان، وكل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وللتوبة شروط وكيفية. وافعل الخير:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
فالتخلية والتحلية، ولذلك بنى [الإمام الغزالي] كتابه على المهلكات والمنجيات. هذه هي المهلكات وهذه هي المنجيات: خلِّ قلبك من القبيح وحلِّ قلبك بالصحيح، ملخصها هكذا.
وأنت تسير قد تتعثر، لكنك تنهض وتستمر، والملتفت لا يصل. والله تعالى أعلى وأعلم.
